وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ١٠٩التفسير الميسرولله ما في السموات وما في الأرض، ملكٌ له وحده خلقًا وتدبيرًا، ومصير جميع الخلائق إليه وحده، فيجازي كلا على قدر استحقاقه.
تفسير السعديأي: هو المالك لما في السماوات وما في الأرض، الذي خلقهم ورزقهم ويتصرف فيهم بقدره وقضائه، وفي شرعه وأمره، وإليه يرجعون يوم القيامة فيجازيهم بأعمالهم حسنها وسيئها.
تفسير ابن كثيرولهذا قال تعالى "ولله ما في السموات وما في الأرض" أي الجميع ملك له وعبيد له وإلى الله ترجع الأمور أي هو الحاكم المتصرف في الدنيا والآخرة.
تفسير القرطبيقال المهدوي : وجه اتصال هذا بما قبله أنه لما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين وأنه لا يريد ظلما للعالمين , وصله بذكر اتساع قدرته وغناه عن الظلم لكون ما في السموات وما في الأرض في قبضته , وقيل : هو ابتداء كلام , بين لعباده أن جميع ما في السموات وما في الأرض له حتى يسألوه ويعبدوه ولا يعبدوا غيره .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (109)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنه يعاقب الذين كفروا بعد إيمانهم بما ذكر أنه معاقبهم به من العذاب العظيم وتسويد الوجوه، ويثيب أهلَ الإيمان به الذين ثبتوا على التصديق والوفاء بعهودهم التي عاهدوا عليها بما وصفَ أنه مثيبهم به من الخلود في جنانه، من غير ظلم منه لأحد الفريقين فيما فعل، لأنه لا حاجة به إلى الظلم. وذلك أن الظالم إنما يظلم غيره ليزداد إلى عزه عزة بظلمه إياه، أو إلى سلطانه سلطانًا، أو إلى ملكه ملكًا، = (1) أو إلى نقصان في بعض أسبابه يتمم بها ظلم غيره فيه ما كان ناقصًا من أسبابه عن التمام. (2) فأما من كان له جميع ما بين أقطار المشارق والمغارب، وما في الدنيا والآخرة، فلا معنى لظلمه أحدًا، فيجوز أن يظلم شيئًا، لأنه ليس من أسبابه شيء ناقصٌ يحتاج إلى تمام، فيتم ذلك بظلم غيره، تعالى الله علوًّا كبيرًا. ولذلك قال جل ثناؤه عَقِيب قوله: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ ،" ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور ".* * *واختلف أهل العربية في وجه تكرير الله تعالى ذكره اسمه مع قوله: " وإلى الله ترجع الأمور " ظاهرًا، وقد تقدم اسمُه ظاهرًا مع قوله: " ولله ما في السماوات وما في الأرض ".فقال بعض أهل العربية من أهل البصرة: ذلك نظيرُ قول العرب: " أما زيدٌ فذهب زيدٌ"، وكما قال الشاعر: (3)لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌنَغَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى وَالفَقِيرَا (4)فأظهر في موضع الإضمار.* * *وقال بعض نحويي الكوفة: ليس ذلك نظير هذا البيت، لأن موضع " الموت " الثاني في البيت موضع كناية، لأنه كلمة واحدة، (5) وليس ذلك كذلك في الآية، لأن قوله: " ولله ما في السماوات وما في الأرض " خبرٌ، ليس من قوله: " وإلى الله ترجع الأمور " في شيء، وذلك أنّ كلّ واحدة من القصتين مفارقٌ معناها معنى الأخرى، مكتفية كل واحدة منهما بنفسها، غير محتاجة إلى الأخرى. وما قال الشاعر: " لا أرى الموت "، محتاجٌ إلى تمام الخبر عنه. (6)* * *قال أبو جعفر: وهذا القول الثاني عندنا أولى بالصواب، لأن كتاب الله عز وجل لا توجَّهُ معانيه وما فيه من البيان، (7) إلى الشواذ من الكلام والمعاني، وله في الفصيح من المنطق والظاهر من المعاني المفهوم، وجهٌ صحيح موجودٌ.وأما قوله: " وإلى الله ترجع الأمور " فإنه يعني تعالى ذكره: إلى الله مصير أمر جميع خلقه، الصالح منهم والطالح، والمحسن والمسيء، فيجازي كلا على قدر استحقاقهم منه الجزاء، بغير ظلم منه أحدا منهم.-----------------الهوامش :(1) في المطبوعة: "وإلى ملكه" بالواو ، وأثبت ما في المخطوطة.(2) في المطبوعة: "وإلى ملكه ملكًا لنقصان في بعض أسبابه يتمم بما ظلم غيره فيه ما كان ناقصًا من أسبابه عن التمام" ، وهي جملة تشبه أن تكون مستقيمة ، بيد أن الطبري أراد أن الظالم يظلم ليزداد عزة إلى عزه - أو سلطانًا إلى سلطانه - أو ملكًا إلى ملكه - أو أن يتمم بظلمه ما كان ناقصًا من أسبابه. وعبارة الطبري التي أثبتها مستقيمة جدا على طريقته في العبارة.(3) هو عدى بن زيد ، وقد ينسب إلى ولده سوادة بن عدي ، وربما نسب لأمية بن أبي الصلت.(4) حماسة البحتري: 98 ، وشعراء الجاهلية: 468 ، وسيبويه 1: 30 ، وخزانة الأدب 1: 183 ، 2: 534 ، 4: 552 ، وأمالي ابن الشجري 1: 243 ، 288 ، وشرح شواهد المغني: 296 ، وهو من أبيات مفرقة في هذه الكتب وغيرها من حكمة عدي في تأمل الحياة والموت ، يقول قبل البيت:إنّ للدَّهْرِ صَوْلَةً فَاحْذَرنْهَالا تَبِيتَنَّ قَدْ أمِنْتَ الدّهورَاقَدْ يَنَامُ الفَتَى صَحِيحًا فَيَرْدَىوَلَقَدْ بَاتَ آمِنًا مَسْرُورَالا أَرَى المَوْتَ................. . . . . . . . . . . . . . . . . . .ثم يقول بعد أبيات:أَيْنَ أيْنَ الفِرَارُ مِمَّا سَيَأْتِيلا أَرَى طَائِرًا نَجَا أَنْ يَطِيرَاويقول: غني الناس وفقيرهم ، فيهم مفسد عليه حياته من مخافة هذا الموت ، ومن ترقبه ، هذا يخاف أن يسبقه الموت إلى ماله الذي جمع ، وذاك يفزع أن يسبقه الردى إلى ما يؤمل من متاع الدنيا. وكان هذا البيت في المخطوطة فاسدًا محرفًا ناقصًا ، وهو في المطبوعة سوى مستقيم.(5) الكناية: هو الضمير في اصطلاح بقية النحويين.(6) في المخطوطة والمطبوعة: "كما قال الشاعر" ، وهو غير مستقيم ، والصواب ما أثبت.(7) في المطبوعة: "لا يؤخذ معانيه" ، وفي المخطوطة: "لا يوحد" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت ، والناسخ كثير التصحيف كما علمت ، والدال هي الهاء في آخر الكلمة.
كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١١٠التفسير الميسرأنتم - يا أمة محمد - خير الأمم وأنفع الناس للناس، تأمرون بالمعروف، وهو ما عُرف حسنه شرعًا وعقلا وتنهون عن المنكر، وهو ما عُرف قبحه شرعًا وعقلا وتصدقون بالله تصديقًا جازمًا يؤيده العمل. ولو آمن أهل الكتاب من اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند الله كما آمنتم، لكان خيرا لهم في الدنيا والآخرة، منهم المؤمنون المصدقون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم العاملون بها، وهم قليل، وأكثرهم الخارجون عن دين الله وطاعته.
تفسير السعدييمدح تعالى هذه الأمة ويخبر أنها خير الأمم التي أخرجها الله للناس، وذلك بتكميلهم لأنفسهم بالإيمان المستلزم للقيام بكل ما أمر الله به، وبتكميلهم لغيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتضمن دعوة الخلق إلى الله وجهادهم على ذلك وبذل المستطاع في ردهم عن ضلالهم وغيهم وعصيانهم، فبهذا كانوا خير أمة أخرجت للناس، لما كانت الآية السابقة وهي قوله: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أمرا منه تعالى لهذه الأمة، والأمر قد يمتثله المأمور ويقوم به، وقد لا يقوم به، أخبر في هذه الآية أن الأمة قد قامت بما أمرها الله بالقيام به، وامتثلت أمر ربها واستحقت الفضل على سائر الأمم ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم وفي هذا من دعوته بلطف الخطاب ما يدعوهم إلى الإيمان، ولكن لم يؤمن منهم إلا قليل، وأكثرهم الفاسقون الخارجون عن طاعة الله المعادون لأولياء الله بأنواع العداوة، ولكن من لطف الله بعباده المؤمنين أنه رد كيدهم في نحورهم، فليس على المؤمنين منهم ضرر في أديانهم ولا أبدانهم، وإنما غاية ما يصلون إليه من الأذى أذية الكلام التي لا سبيل إلى السلامة منها من كل معادي، فلو قاتلوا المؤمنين لولوا الأدبار فرارا ثم تستمر هزيمتهم ويدوم ذلهم ولا هم ينصرون في وقت من الأوقات
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم فقال : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) .قال البخاري : حدثنا محمد بن يوسف ، عن سفيان ، عن ميسرة ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) قال : خير الناس للناس ، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام .وهكذا قال ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وعطاء ، والربيع بن أنس ، وعطية العوفي : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) يعني : خير الناس للناس .والمعنى : أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس ، ولهذا قال : ( تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله )قال الإمام أحمد : حدثنا أحمد بن عبد الملك ، حدثنا شريك ، عن سماك ، عن عبد الله بن عميرة عن زوج [ درة ] بنت أبي لهب ، [ عن درة بنت أبي لهب ] قالت : قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ، فقال : يا رسول الله ، أي الناس خير ؟ فقال : " خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله ، وآمرهم بالمعروف ، وأنهاهم عن المنكر ، وأوصلهم للرحم " .ورواه أحمد في مسنده ، والنسائي في سننه ، والحاكم في مستدركه ، من حديث سماك ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) قال : هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة .والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة ، كل قرن بحسبه ، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، كما قال في الآية الأخرى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) أي : خيارا ( لتكونوا شهداء على الناس [ ويكون الرسول عليكم شهيدا ] ) الآية .وفي مسند الإمام أحمد ، وجامع الترمذي ، وسنن ابن ماجه ، ومستدرك الحاكم ، من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنتم توفون سبعين أمة ، أنتم خيرها ، وأنتم أكرم على الله عز وجل " .وهو حديث مشهور ، وقد حسنه الترمذي . ويروى من حديث معاذ بن جبل ، وأبي سعيد [ الخدري ] نحوه .وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلى الله عليه وسلم فإنه أشرف خلق الله ، أكرم الرسل على الله ، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبيا قبله ولا رسولا من الرسل . فالعمل [ على ] منهاجه وسبيله ، يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه ، كما قال الإمام أحمد :حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا ابن زهير ، عن عبد الله - يعني ابن محمد بن عقيل - عن محمد بن علي ، وهو ابن الحنفية ، أنه سمع علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء " . فقلنا : يا رسول الله ، ما هو ؟ قال : " نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض ، وسميت أحمد ، وجعل التراب لي طهورا ، وجعلت أمتي خير الأمم " . تفرد به أحمد من هذا الوجه ، وإسناده حسن .وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو العلاء الحسن بن سوار ، حدثنا ليث ، عن معاوية عن ابن أبي حليس يزيد بن ميسرة قال : سمعت أم الدرداء ، رضي الله عنها ، تقول : سمعت أبا الدرداء يقول : سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ، وما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها ، يقول إن الله تعالى يقول : يا عيسى ، إني باعث بعدك أمة ، إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا ، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا ، ولا حلم ولا علم " . قال : يا رب ، كيف هذا لهم ، ولا حلم ولا علم ؟ قال : " أعطيهم من حلمي وعلمي " .وقد وردت أحاديث يناسب ذكرها هاهنا :قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا المسعودي ، حدثنا بكير بن الأخنس ، عن رجل ، عن أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ، وجوههم كالقمر ليلة البدر ، قلوبهم على قلب رجل واحد ، فاستزدت ربي ، عز وجل ، فزادني مع كل واحد سبعين ألفا " . فقال أبو بكر ، رضي الله عنه : فرأيت أن ذلك آت على أهل القرى ، ومصيب من حافات البوادي .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن بكر السهمي ، حدثنا هشام بن حسان ، عن القاسم بن مهران ، عن موسى بن عبيد ، عن ميمون بن مهران ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن ربي أعطاني سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب " . فقال عمر : يا رسول الله ، فهلا استزدته ؟ فقال : " استزدته فأعطاني مع كل رجل سبعين ألفا " . قال عمر : فهلا استزدته ؟ قال : " قد استزدته فأعطاني هكذا " . وفرج عبد الله بن بكر بين يديه ، وقال عبد الله : وبسط باعيه ، وحثا عبد الله ، قال هشام : وهذا من الله لا يدرى ما عدده .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو اليمان ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن ضمضم بن زرعة قال : قال شريح بن عبيد : مرض ثوبان بحمص ، وعليها عبد الله بن قرط الأزدي ، فلم يعده ، فدخل على ثوبان رجل من الكلاعيين عائدا ، فقال له ثوبان : [ أتكتب ؟ قال : نعم . فقال : اكتب ، فكتب للأمير عبد الله بن قرط ، " من ثوبان ] مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد ، فإنه لو كان لموسى وعيسى ، عليهما السلام ، بحضرتك خادم لعدته " ثم طوى الكتاب وقال له : أتبلغه إياه ؟ فقال : نعم . فانطلق الرجل بكتابه فدفعه إلى ابن قرط ، فلما رآه قام فزعا ، فقال الناس : ما شأنه ؟ أحدث أمر ؟ فأتى ثوبان حتى دخل عليه فعاده ، وجلس عنده ساعة ثم قام ، فأخذ ثوبان بردائه وقال : اجلس حتى أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سمعته يقول : " ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا ، لا حساب عليهم ولا عذاب ، مع كل ألف سبعون ألفا " .تفرد به أحمد من هذا الوجه ، وإسناد رجاله كلهم ثقات شاميون حمصيون ، فهو حديث صحيح ولله الحمد .طريق أخرى : قال الطبراني : حدثنا عمرو بن إسحاق بن زبريق الحمصي ، حدثنا محمد بن إسماعيل - يعني ابن عياش - حدثنا أبي ، عن ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عن أبي أسماء الرحبي ، عن ثوبان قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن ربي ، عز وجل ، وعدني من أمتي سبعين ألفا لا يحاسبون ، مع كل ألف سبعون ألفا " . هذا لعله هو المحفوظ بزيادة أبي أسماء الرحبي ، بين شريح وبين ثوبان والله أعلم .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين ، عن ابن مسعود قال : أكثرنا الحديث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، ثم غدونا إليه فقال : " عرضت علي الأنبياء الليلة بأممها ، فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة ، والنبي ومعه العصابة ، والنبي ومعه النفر ، والنبي ليس معه أحد ، حتى مر علي موسى ، عليه السلام ، ومعه كبكبة من بني إسرائيل ، فأعجبوني ، فقلت : من هؤلاء ؟ فقيل لي : هذا أخوك موسى ، معه بنو إسرائيل " . قال : " قلت : فأين أمتي ؟ فقيل : انظر عن يمينك . فنظرت فإذا الظراب قد سد بوجوه الرجال ، ثم قيل لي انظر عن يسارك ، فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال ، فقيل لي : قد رضيت ؟ فقلت " رضيت يا رب ، [ رضيت يا رب ] " قال : " فقيل لي : إن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب " . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فداكم أبي وأمي ، إن استطعتم أن تكونوا من السبعين ألفا فافعلوا ، فإن قصرتم فكونوا من أهل الظراب ، فإن قصرتم فكونوا من أهل الأفق ، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون " . فقام عكاشة بن محصن فقال : ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم . أي من السبعين ، فدعا له . فقام رجل آخر فقال : ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم فقال : " قد سبقك بها عكاشة " . قال : ثم تحدثنا فقلنا : لمن ترون هؤلاء السبعين الألف ؟ قوم ولدوا في الإسلام لم يشركوا بالله شيئا حتى ماتوا . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون " .هكذا رواه أحمد بهذا السند وهذا السياق ، ورواه أيضا عن عبد الصمد ، عن هشام ، عن قتادة ، بإسناده مثله ، وزاد بعد قوله : " رضيت يا رب ، رضيت يا رب " قال رضيت ؟ قلت : " نعم " . قال : انظر عن يسارك ، قال : " فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال " . فقال : رضيت ؟ قلت : " رضيت " . وهذا إسناد صحيح من هذا الوجه ، تفرد به أحمد ولم يخرجوه .حديث آخر : قال أحمد بن منيع : حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز ، حدثنا حماد ، عن عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم : " عرضت علي الأمم بالموسم فراثت علي أمتي ، ثم رأيتهم فأعجبتني كثرتهم وهيئاتهم ، قد ملئوا السهل والجبل " ، فقال : أرضيت يا محمد ؟ فقلت : " نعم " . قال : فإن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ، وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ، وعلى ربهم يتوكلون " . فقام عكاشة فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني منهم فقال : " أنت منهم " فقام رجل آخر فقال : [ ادع الله أن يجعلني منهم فقال ] سبقك بها عكاشة " . رواه الحافظ الضياء المقدسي ، قال : هذا عندي على شرط مسلم .حديث آخر : قال الطبراني : حدثنا محمد بن محمد الجذوعي القاضي ، حدثنا عقبة بن مكرم . حدثنا محمد بن أبي عدي عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين ، عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب ولا عذاب " . قيل : من هم ؟ قال : " هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون " . رواه مسلم من طريق هشام بن حسان ، وعنده ذكر عكاشة .حديث آخر : ثبت في الصحيحين من رواية الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة حدثه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يدخل الجنة من أمتي زمرة وهم سبعون ألفا ، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر " . فقال أبو هريرة : فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني منهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم اجعله منهم " . ثم قام رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني منهم فقال : " سبقك بها عكاشة " .حديث آخر : قال أبو القاسم الطبراني : حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا أبو غسان ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليدخلن من أمتي سبعون ألفا - أو سبعمائة ألف - آخذ بعضهم ببعض ، حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة ، ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر " .أخرجه البخاري ومسلم جميعا ، عن قتيبة عن عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل به .حديث آخر : قال مسلم بن الحجاج في صحيحه : حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا هشيم ، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن قال : كنت عند سعيد بن جبير فقال : أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة ؟ قلت : أنا . ثم قلت : أما إني لم أكن في صلاة ، ولكني لدغت : قال : فما صنعت ؟ قلت : استرقيت . قال : فما حملك على ذلك ؟ قلت : حديث حدثناه الشعبي . قال : وما حدثكم الشعبي ؟ قلت : حدثنا عن بريدة بن الحصيب الأسلمي أنه قال : لا رقية إلا من عين أو حمة . فقال : قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " عرضت علي الأمم ، فرأيت النبي ومعه الرهيط ، والنبي ومعه الرجل والرجلان ، والنبي وليس معه أحد ، إذ رفع لي سواد عظيم ، فظننت أنهم أمتي ، فقيل لي : هذا موسى وقومه ، ولكن انظر إلى الأفق . فنظرت ، فإذا سواد عظيم ، فقيل لي : انظر إلى الأفق الآخر ، فإذا سواد عظيم ، فقيل لي : هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب " . ثم نهض فدخل منزله ، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ، فقال بعضهم : فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال بعضهم : فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا ، وذكروا أشياء ، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ما الذي تخوضون فيه ؟ " فأخبروه ، فقال : " هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون " . فقام عكاشة بن محصن فقال : ادع الله أن يجعلني منهم قال : " أنت منهم " . ثم قام رجل آخر فقال : ادع الله أن يجعلني منهم . قال : " سبقك بها عكاشة " .وأخرجه البخاري عن أسيد بن زيد ، عن هشيم وليس عنده " لا يرقون " .حديث آخر : قال أحمد : حدثنا روح بن عبادة . حدثنا ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر حديثا ، وفيه : " فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفا ، لا يحاسبون ثم الذين يلونهم ، كأضوأ نجم في السماء ثم كذلك " . وذكر بقيته ، رواه مسلم من حديث روح ، غير أنه لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم .حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنن له : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن محمد بن زياد ، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا ، مع كل ألف سبعون ألفا ، لا حساب عليهم ولا عذاب . وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل " .وكذا رواه الطبراني من طريق هشام بن عمار ، عن إسماعيل بن عياش ، به ، وهذا إسناد جيد .طريق أخرى عن أبي أمامة : قال ابن أبي عاصم : حدثنا دحيم ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا صفوان بن عمرو ، عن سليم بن عامر ، عن أبي اليمان الهوزني - واسمه عامر بن عبد الله بن لحي ، عن أبي أمامة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب " . قال يزيد بن الأخنس : والله ما أولئك في أمتك يا رسول الله إلا مثل الذباب الأصهب في الذباب . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فإن الله وعدني سبعين ألفا ، مع كل ألف سبعون ألفا ، وزادني ثلاث حثيات " . وهذا أيضا إسناد حسن .حديث آخر : قال أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن خليد ، حدثنا أبو توبة ، حدثنا معاوية بن سلام ، عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول : حدثني عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبد السلمي ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ربي عز وجل وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ، ثم يشفع كل ألف لسبعين ألفا ، ثم يحثي ربي ، عز وجل ، بكفيه ثلاث حثيات " . فكبر عمر وقال : إن السبعين الأول يشفعهم الله في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم ، وأرجو أن يجعلني الله في إحدى الحثيات الأواخر .قال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه صفة الجنة : لا أعلم لهذا الإسناد علة . والله أعلم .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا هشام - يعني الدستوائي - حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن هلال بن أبي ميمونة ، حدثنا عطاء بن يسار أن رفاعة الجهني حدثه قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالكديد - أو قال بقديد - فذكر حديثا ، وفيه : ثم قال : وعدني ربي ، عز وجل ، أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ، وإني لأرجو ألا يدخلوها حتى تبوءوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة " .قال الضياء [ المقدسي ] وهذا عندي على شرط مسلم .حديث آخر : قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف " . قال أبو بكر : زدنا يا رسول الله . قال : والله هكذا فقال عمر : حسبك يا أبا بكر . فقال أبو بكر : دعني ، وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا ، فقال عمر : إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف واحد . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " صدق عمر " .هذا الحديث بهذا الإسناد انفرد به عبد الرزاق قاله الضياء . وقد رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني :حدثنا محمد بن أحمد بن مخلد ، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا أبو هلال ، عن قتادة ، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي مائة ألف " . فقال أبو بكر : يا رسول الله ، زدنا قال : " وهكذا " - وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك - قلت يا رسول الله ، زدنا . فقال عمر : إن الله قادر أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صدق عمر " . هذا حديث غريب من هذا الوجه وأبو هلال اسمه : محمد بن سليم الراسبي ، بصري .طريق أخرى عن أنس : قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا محمد بن أبي بكر ، حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي ، حدثنا حميد ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا " . قالوا : زدنا يا رسول الله . قال : " لكل رجل سبعون ألفا " قالوا : زدنا - وكان على كثيب - فقال : هكذا ، وحثا بيده . قالوا : يا رسول الله ، أبعد الله من دخل النار بعد هذا ، وهذا إسناد جيد ، رجاله ثقات ، ما عدا عبد القاهر بن السري ، وقد سئل عنه ابن معين ، فقال : صالح .حديث آخر : روى الطبراني من حديث قتادة ، عن أبي بكر بن أنس ، عن أبي بكر بن عمير عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله وعدني أن يدخل من أمتي ثلاثمائة ألف الجنة " . فقال عمير : يا رسول الله ، زدنا . فقال هكذا بيده . فقال عمير يا رسول الله ، زدنا . فقال عمر : حسبك ، إن الله إن شاء أدخل الناس الجنة بحفنة - أو بحثية - واحدة . فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : " صدق عمر " .حديث آخر : قال الطبراني : حدثنا أحمد بن خليد ، حدثنا أبو توبة ، حدثنا معاوية بن سلام ، عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول : حدثني عبد الله بن عامر ، أن قيسا الكندي حدث أن أبا سعيد الأنماري حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن ربي عز وجل وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ، ويشفع كل ألف لسبعين ألفا ، ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه " . كذا قال قيس ، فقلت لأبي سعيد : أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، بأذني ، ووعاه قلبي . قال أبو سعيد : فقال - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - : " وذلك إن شاء الله ، عز وجل ، يستوعب مهاجري أمتي ، ويوفي الله بقيته من أعرابنا " .وقد روى هذا الحديث محمد بن سهل بن عسكر ، عن أبي توبة الربيع بن نافع بإسناده ، مثله . وزاد : قال أبو سعيد : فحسب ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبلغ أربعمائة ألف ألف وتسعين ألف ألف .حديث آخر : قال أبو القاسم الطبراني : حدثنا هاشم بن مرثد الطبراني ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش ، حدثني أبي ، حدثني ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عن أبي مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما والذي نفس محمد بيده ليبعثن منكم يوم القيامة إلى الجنة مثل الليل الأسود ، زمرة جميعها يخبطون الأرض ، تقول الملائكة : لم جاء مع محمد أكثر مما جاء مع الأنبياء ؟ " . وهذا إسناد حسن .نوع آخر من الأحاديث الدالة على فضيلة هذه الأمة وشرفها بكرامتها على الله ، وأنها خير الأمم في الدنيا والآخرة .قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير ، عن جابر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي يوم القيامة ربع الجنة " . قال : فكبرنا . ثم قال : " أرجو أن يكونوا ثلث الناس " . قال : فكبرنا . ثم قال : " أرجو أن تكونوا الشطر " . وهكذا رواه عن روح ، عن ابن جريج ، به . وهو على شرط مسلم .وثبت في الصحيحين من حديث أبي إسحاق السبيعي ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة ؟ " فكبرنا . ثم قال : " أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة ؟ " فكبرنا . ثم قال : " إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة " .طريق أخرى عن ابن مسعود : قال الطبراني : حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور ، حدثنا عفان بن مسلم ، حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثني الحارث بن حصيرة ، حدثني القاسم بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف أنتم وربع الجنة لكم ولسائر الناس ثلاثة أرباعها ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : " كيف أنتم وثلثها ؟ " قالوا : ذاك أكثر . قال : " كيف أنتم والشطر لكم ؟ " قالوا : ذاك أكثر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أهل الجنة عشرون ومائة صف ، لكم منها ثمانون صفا " .قال الطبراني : تفرد به الحارث بن حصيرة .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا عبد العزيز بن مسلم ، حدثنا ضرار بن مرة أبو سنان الشيباني ، عن محارب بن دثار ، عن ابن بريدة ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أهل الجنة عشرون ومائة صف ، هذه الأمة من ذلك ثمانون صفا " .وكذلك رواه عن عفان ، عن عبد العزيز ، به . وأخرجه الترمذي من حديث أبي سنان ، به وقال : هذا حديث حسن . ورواه ابن ماجه من حديث سفيان الثوري ، عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه ، به .حديث آخر : روى الطبراني من حديث سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، حدثنا خالد بن يزيد البجلي ، حدثنا سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن جده ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أهل الجنة عشرون ومائة صف ، ثمانون منها من أمتي " .تفرد به خالد بن يزيد البجلي ، وقد تكلم فيه ابن عدي .حديث آخر : قال الطبراني : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا موسى بن غيلان ، حدثنا هاشم بن مخلد ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن سفيان ، عن أبي عمرو ، عن أبيه عن أبي هريرة قال : لما نزلت ( ثلة من الأولين . وثلة من الآخرين [ الواقعة : 38 ، 39 ] ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنتم ربع أهل الجنة ، أنتم ثلث أهل الجنة ، أنتم نصف أهل الجنة ، أنتم ثلثا أهل الجنة " .وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ، نحن أول الناس دخولا الجنة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم ، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق ، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه ، الناس لنا فيه تبع غدا لليهود [ و ] للنصارى بعد غد " .رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا بنحوه ، ورواه مسلم أيضا عن طريق الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ، ونحن أول من يدخل الجنة " . وذكر تمام الحديث .حديث آخر : روى الدارقطني في الأفراد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن عمر بن الخطاب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها ، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي " .ثم قال : تفرد به ابن عقيل ، عن الزهري ، ولم يرو عنه سواه . وتفرد به زهير بن محمد ، عن ابن عقيل ، وتفرد به عمرو بن أبي سلمة ، عن زهير .وقد رواه أبو أحمد بن عدي الحافظ فقال : حدثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق ، حدثنا أبو بكر الأعين محمد بن أبي عتاب ، حدثنا أبو حفص التنيسي - يعني عمرو بن أبي سلمة - حدثنا صدقة الدمشقي . عن زهير بن محمد ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الزهري .ورواه الثعلبي : حدثنا أبو عباس المخلدي ، أخبرنا أبو نعم عبد الملك بن محمد ، أخبرنا أحمد بن عيسى التنيسي ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، حدثنا صدقة بن عبد الله ، عن زهير بن محمد ، عن ابن عقيل ، به .فهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم ، كما قال قتادة : بلغنا أن عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] في حجة حجها رأى من الناس سرعة فقرأ هذه الآية : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ثم قال : من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها . رواه ابن جرير .ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله : ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه [ لبئس ما كانوا يفعلون ] [ المائدة : 79 ] ) ولهذا لما مدح [ الله ] تعالى هذه الأمة على هذه الصفات شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم ، فقال : ( ولو آمن أهل الكتاب ) أي : بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ( لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) أي : قليل منهم من يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان .
تفسير القرطبيقوله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقونقوله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس فيه ثلاث مسائل :الأولى : روى الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في قوله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس قال : أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها عند الله . وقال : هذا حديث حسن . وقال أبو هريرة : نحن خير الناس للناس نسوقهم بالسلاسل إلى الإسلام . وقال ابن عباس : هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وشهدوا بدرا والحديبية . وقال عمر بن الخطاب : من فعل فعلهم كان مثلهم . وقيل : هم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - يعني الصالحين منهم وأهل الفضل . وهم الشهداء على الناس يوم القيامة ; كما تقدم في البقرة . وقال مجاهد : كنتم خير أمة أخرجت للناس على الشرائط المذكورة في الآية . وقيل : معناه كنتم في اللوح المحفوظ . وقيل : كنتم مذ آمنتم خير أمة . وقيل : جاء ذلك لتقدم البشارة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته . فالمعنى كنتم عند من تقدمكم من أهل الكتب خير أمة . وقال الأخفش : يريد أهل أمة ، أي خير أهل دين ; وأنشد :حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائعوقيل : هي كان التامة ، والمعنى خلقتم ووجدتم خير أمة . " فخير أمة " حال . وقيل : كان زائدة ، والمعنى أنتم خير أمة . وأنشد سيبويه :وجيران لنا كانوا كراماومثله قوله تعالى : كيف نكلم من كان في المهد صبيا . وقوله : واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم . وقال في موضع آخر : واذكروا إذ أنتم قليل . وروى سفيان عن ميسرة الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة كنتم خير أمة أخرجت للناس قال : تجرون الناس بالسلاسل إلى الإسلام . قال النحاس : والتقدير على هذا كنتم للناس خير أمة . وعلى قول مجاهد : كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر . وقيل : إنما صارت أمة محمد - - صلى الله عليه وسلم - خير أمة لأن المسلمين منهم أكثر ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى . فقيل : هذا لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال - صلى الله عليه وسلم - : خير الناس قرني أي الذين بعثت فيهم .الثانية : وإذا ثبت بنص التنزيل أن هذه الأمة خير الأمم ; فقد روى الأئمة من حديث عمران بن حصين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم . الحديث وهذا يدل على أن أول هذه الأمة أفضل ممن بعدهم ، وإلى هذا ذهب معظم العلماء ، وإن من صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ورآه ولو مرة في عمره أفضل ممن يأتي بعده ، وإن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل . وذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة ، وإن قوله عليه السلام : ( خير الناس قرني ) ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول . وقد جمع قرنه جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود ، وقال لهم : ما تقولون في السارق والشارب والزاني . وقال مواجهة لمن هو في قرنه : لا تسبوا أصحابي . وقال لخالد بن الوليد في عمار : لا تسب من هو خير منك وروى أبو أمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : طوبى لمن رآني وآمن بي ، وطوبى سبع مرات لمن لم يرني وآمن بي . وفي مسند أبي داود الطيالسي عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر . قال : كنت جالسا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( أتدرون أي الخلق أفضل إيمانا ) قلنا الملائكة . قال : ( وحق لهم بل غيرهم ) قلنا الأنبياء . قال : ( وحق لهم بل غيرهم ) ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني يجدون ورقا فيعملون بما فيها فهم أفضل الخلق إيمانا ) . وروى صالح بن جبير عن أبي جمعة قال : قلنا يا رسول الله ، هل أحد خير منا ؟ قال : ( نعم قوم يجيئون من بعدكم فيجدون كتابا بين لوحين فيؤمنون بما فيه ويؤمنون بي ولم يروني ) . وقال أبو عمر : وأبو جمعة له صحبة واسمه حبيب بن سباع ، وصالح بن جبير من ثقات التابعين . وروى أبو ثعلبة الخشني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن أمامكم أياما الصابر فيها على دينه كالقابض على الجمر ، للعامل فيها أجر خمسين رجلا يعمل مثل عمله قيل : يا رسول الله ، منهم ؟ قال : ( بل منكم ) . قال أبو عمر : وهذه اللفظة " بل منكم " قد سكت عنها بعض المحدثين فلم يذكرها . وقال عمر بن الخطاب في تأويل قوله : كنتم خير أمة أخرجت للناس قال : من فعل مثل فعلكم كان مثلكم . ولا تعارض بين الأحاديث ; لأن الأول على الخصوص ، والله الموفق .وقد قيل في توجيه أحاديث هذا الباب : إن قرنه إنما فضل لأنهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم ، وإن أواخر هذه الأمة إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفسق والهرج والمعاصي والكبائر كانوا عند ذلك أيضا غرباء ، وزكت أعمالهم في ذلك الوقت كما زكت أعمال أوائلهم ، ومما يشهد لهذا قوله عليه السلام : بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء . ويشهد له أيضا حديث أبي ثعلبة ، ويشهد له أيضا قوله - صلى الله عليه وسلم - : أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره . ذكره أبو داود الطيالسي وأبو عيسى الترمذي ، ورواه هشام بن عبيد الله الرازي عن مالك عن الزهري عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره . ذكره الدارقطني في مسند حديث مالك . قال أبو عمر : هشام بن عبيد الله ثقة لا يختلفون في ذلك . وروي أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله أن اكتب إلي بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها ; فكتب إليه سالم : إن عملت بسيرة عمر ; فأنت أفضل من عمر لأن زمانك ليس كزمان عمر ، ولا رجالك كرجال عمر . قال : وكتب إلى فقهاء زمانه ، فكلهم كتب إليه بمثل قول سالم . وقد عارض بعض الجلة من العلماء قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( خير الناس قرني ) بقوله - صلى الله عليه وسلم - : خير الناس من طال عمره وحسن عمله ، وشر الناس من طال عمره وساء عمله . قال أبو عمر : فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها . والمعنى في ذلك ما تقدم ذكره من الإيمان والعمل الصالح في الزمان الفاسد الذي يرفع فيه من أهل العلم والدين ، ويكثر فيه الفسق والهرج ، ويذل المؤمن ويعز الفاجر ويعود الدين غريبا كما بدأ غريبا ، ويكون القائم فيه كالقابض على الجمر ، فيستوي حينئذ أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية ، ومن تدبر آثار هذا الباب بان له الصواب ، والله يؤتي فضله من يشاء .الثالثة : قوله تعالى : تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به . فإذا تركوا التغيير وتواطئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم ، وكان ذلك سببا لهلاكهم . وقد تقدم الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أول السورة .قوله تعالى : ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم أخبر أن إيمان أهل الكتاب بالنبي - صلى الله عليه وسلم - خير لهم ، وأخبر أن منهم مؤمنا وفاسقا ، وأن الفاسق أكثر .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله جل ثناؤه : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِقال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " كنتم خير أمة أخرجت للناس ".فقال بعضهم: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وخاصة، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.*ذكر من قال ذلك:7606- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال في: " كنتم خير أمة أخرجت للناس "، قال: هم الذين خرجوا معه من مكة.7607- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية، عن قيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: " كنتم خير أمة أخرجت للناس "، قال: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة.7608- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر "، قال عمر بن الخطاب: لو شاء الله لقال: " أنتم "، فكنا كلنا، ولكن قال: " كنتم " في خاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن صنع مثل صنيعهم، كانوا خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.7609- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قال، عكرمة: نزلت في ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل.7610- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل، عن السدي، عمن حدثه: قال عمر: " كنتم خير أمة أخرجت للناس "، قال: تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا.7611- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " كنتم خير أمة أخرجت للناس "، قال: هم الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. (8)7612- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب قال في حجّة حجّها ورأى من الناس رِعَة سيئة، (9) فقرأ هذه: " كنتم خير أمة أخرجت للناس "، الآية. ثم قال: يا أيها الناس، من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله منها. (10)7613- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " كنتم خير أمة أخرجت للناس "، قال: هم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، يعني = وكانوا هم الرواة الدعاة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم. (11)* * *وقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خير أمة أخرجت للناس، إذا كنتم بهذه الشروط التي وصفهم جل ثناؤه بها. فكان تأويل ذلك عندهم: كنتم خير أمة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله، أخرجوا للناس في زمانكم.*ذكر من قال ذلك:7614- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " كنتم خير أمة أخرجت للناس "، يقول: على هذا الشرط: أن تأمرُوا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر وتؤمنوا بالله = يقول: لمن أنتم بين ظهرانيه، كقوله: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [سورة الدخان: 32].7615- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " كنتم خير أمة أخرجت للناس "، قال يقول: كنتم خير الناس للناس على هذا الشرط: أن تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر. وتؤمنوا بالله = يقول: لمن بين ظَهريه، كقوله: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [سورة الدخان: 32].7616- وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: " كنتم خير أمة أخرجت للناس "، قال: كنتم خير الناس للناس، تجيئون بهم في السلاسل، تدخلونهم في الإسلام. (12)7617- حدثنا عبيد بن أسباط قال، حدثنا أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية في قوله: " كنتم خير أمة أخرجت للناس "، قال: خيرَ الناس للناس.* * *وقال آخرون: إنما قيل: " كنتم خير أمة أخرجت للناس "، لأنهم أكثر الأمم استجابة للإسلام.*ذكر من قال ذلك:7618- حدثت عن عمار بن الحسن قال، (13) حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر "، قال: لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة، فمن ثمَ قال: " كنتم خير أمة أخرجت للناس ".* * *وقال بعضهم: عنى بذلك أنهم كانوا خير أمة أخرجت للناس.*ذكر من قال ذلك:7619- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر "، قال: قد كان ما تسمعُ من الخير في هذه الأمة.7620- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول: نحن آخرُها وأكرمُها على الله.* * *قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قال الحسن، وذلك أن:7621- يعقوب بن إبراهيم حدثني قال، حدثنا ابن علية، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ألا إنكم وفيَّتم سبعين أمَّة، أنتم آخرها وأكرمها على الله " .7622- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله: " كنتم خير أمة أخرجت للناس "، قال: " أنتم تتمُّون سبعين أمة، أنتم خيرُها وأكرمها على الله ". (14)7623- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، ذُكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم وهو مسند ظهره إلى الكعبة: " نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرُها ".* * *وأما قوله: " تأمرون بالمعروف "، فإنه يعني: تأمرون بالإيمان بالله ورسوله، والعمل بشرائعه =" وتنهون عن المنكر "، يعني: وتنهون عن الشرك بالله. وتكذيب رسوله، وعن العمل بما نهى عنه، كما:-7624- حدثنا علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " كنتم خير أمة أخرجت للناس ". يقول: تأمرونهم بالمعروف: أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، و " لا إله إلا الله "، هو أعظم المعروف = وتنهونهم عن المنكر، والمنكر هو التكذيب، وهو أنكرُ المنكر.* * *وأصل " المعروف " كل ما كان معروفًا فعله، جميلا مستحسنًا، (15) غير مستقبح في أهل الإيمان بالله، وإنما سميت طاعة الله " معروفًا "، لأنه مما يعرفه أهل الإيمان ولا يستنكرون فعله. (16) .* * *وأصل " المنكر "، ما أنكره الله، ورأوه قبيحًا فعلهُ، ولذلك سميت معصية الله " منكرًا "، لأن أهل الإيمان بالله يستنكرون فعلها، ويستعظمون رُكوبها. (17)* * *وقوله: " وتؤمنون بالله "، يعني: تصدّقون بالله، فتخلصون له التوحيد والعبادة.* * *قال أبو جعفر: فإن سأل سائل فقال: وكيف قيل: " كنتم خير أمة "، وقد زعمتَ أن تأويل الآية: أنّ هذه الأمة خيرُ الأمم التي مضت، وإنما يقال: " كنتم خير أمة "، لقوم كانوا خيارًا فتغيَّروا عما كانوا عليه؟قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف ما ذهبتَ إليه، وإنما معناه: أنتم خير أمة، كما قيل: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ [الأنفال: 26] وقد قال في موضع آخر: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ [الأعراف: 86] فإدخال " كان " في مثل هذا وإسقاطها بمعنى واحد، لأن الكلام معروف معناه. (18) ولو قال أيضا في ذلك قائل: " كنتم "، بمعنى التمام، كان تأويله: خُلقتم خير أمة = أو: وجدتم خير أمة، كان معنى صحيحًا.* * *وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى ذلك: كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ، أخرجت للناس.* * *والقولان الأولان اللذان قلنا، أشبهُ بمعنى الخبر الذي رويناه قبلُ.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خير أهل طريقة. وقال: " الأمة ": الطريقة. (19)-------------------الهوامش :(8) الأثر: 7611- رواه أحمد في المسند رقم: 2463 ، 2928 ، 2989 ، 3321 ، وإسناده صحيح. وأخرجه الحاكم في المستدرك 2: 294 ، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي.(9) الرعة (بكسر الراء وفتح العين) أصلها من الورع ، مثل"العدة" من"الوعد". والرعة: الهدى وسوء الهيئة أو حسن الهيئة ، أي هي بمعنى: الشأن والأمر والأدب. وفي حديث الحسن: "ازدحموا عليه فرأى منهم رعة سيئة فقال: اللهم إليك" ، أي سوء أدب ، لم يحسنوا الكف عما يشين.(10) قوله: "شرط الله منها" ، أي شرط الله الذي طلبه منها.(11) قد مضى تفسير معنى"الرواة" في الأثر رقم 7597 ، والتعليق عليه.(12) الأثر: 7616- أخرجه البخاري من طريق محمد بن سفيان عن ميسرة. (الفتح 8: 169) وقال الحافظ: "ميسرة: هو ابن عمار الأشجعي ، كوفي ثقة ماله في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في بدء الخلق". و"أبو حازم" هو"سلمان الأشجعي الكوفي" ، وفي الفتح"سليمان" ، وهو خطأ وتصحيف. ولفظ البخاري: "تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم ، حتى يدخلوا في الإسلام".وقد استوفى الحافظ في هذا الموضع ، الحديث عن معنى الآية ، وذكر أكثر الآثار التي سلفت ، والتي ستأتي بعد.(13) في المطبوعة: "عمار بن الحسين" ، وهو خطأ ، والصواب في المخطوطة.(14) الحديثان: 7621 ، 7622- هما حديث واحد بإسنادين. وقد مضى بالإسنادين معًا مجموعين ، برقم: 873. وقد خرجناه هناك مفصلا ، وأشرنا إلى مواضعه هنا في طبعة بولاق. ونزيد هنا أنه رواه أيضا الحاكم في المستدرك 4: 84 ، من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، بالإسناد الثاني هنا. وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. ثم أشار الحاكم إلى متابعة سعيد الجريري ، بروايته إياه عن حكيم بن معاوية. ثم رواه من طريق يزيد بن هارون ، عن الجريري. ورواية الجريري سبق أن خرجناها هناك من رواية أحمد في المسند.وذكره الحافظ في الفتح 8: 169 ، مشيرًا إلى رواية الطبري إياه ، ثم قال: "وهو حديث حسن صحيح. أخرجه الترمذي وحسنه. وابن ماجه ، والحاكم وصححه".وقد ورد معناه أيضًا ، ضمن حديث مطول عن أبي سعيد الخدري ، مرفوعا ، رواه أحمد في المسند: 11609 (ج3 ص 61 حلبى). وإسناده صحيح.(15) في المطبوعة: "كل ما كان معروفًا ، ففعله جميل مستحسن" ، غيروا نص المخطوطة. ظنًا منهم أنه غير مستقيم ، وهو أحسن استقامة مما أثبتوا!! بل هو الصواب المحض.(16) انظر تفسير"المعروف" فيما سلف قريبًا ص: 91 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(17) انظر تفسير"المنكر" فيما سلف قريبا ص: 91.(18) انظر معاني القرآن للفراء 1: 229.(19) انظر تفسير"أمة" فيما سلف 1: 221 / ثم هذا ص 90 ، والمراجع هناك في التعليق.
لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١١١التفسير الميسرلن يضركم هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب إلا ما يؤذي أسماعكم من ألفاظ الشرك والكفر وغير ذلك، فإن يقاتلوكم يُهْزَموا، ويهربوا مولِّين الأدبار، ثم لا ينصرون عليكم بأي حال.
تفسير السعديولكن من لطف الله بعباده المؤمنين أنه رد كيدهم في نحورهم، فليس على المؤمنين منهم ضرر في أديانهم ولا أبدانهم، وإنما غاية ما يصلون إليه من الأذى أذية الكلام التي لا سبيل إلى السلامة منها من كل معادي، فلو قاتلوا المؤمنين لولوا الأدبار فرارا ثم تستمر هزيمتهم ويدوم ذلهم ولا هم ينصرون في وقت من الأوقات
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى مخبرا عباده المؤمنين ومبشرا لهم أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين ، فقال : ( لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ) وهكذا وقع ، فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم آنافهم وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ، كلهم أذلهم الله ، وكذلك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن ، وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين ، ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى ابن مريم [ عليه السلام ] وهم كذلك ، ويحكم - عليه السلام - بشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ولا يقبل إلا الإسلام .
تفسير القرطبيقوله تعالى : لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرونقوله تعالى : لن يضروكم إلا أذى يعني كذبهم وتحريفهم وبهتهم ; لا أنه تكون لهم الغلبة ; عن الحسن وقتادة . فالاستثناء متصل ، والمعنى لن يضروكم إلا ضرا يسيرا ; فوقع الأذى موقع المصدر . فالآية وعد من الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين ، أن أهل الكتاب لا يغلبونهم وأنهم منصورون عليهم لا ينالهم منهم اصطلام إلا إيذاء بالبهت والتحريف ، وأما العاقبة فتكون للمؤمنين . وقيل : هو منقطع ، والمعنى لن يضروكم ألبتة ، لكن يؤذونكم بما يسمعونكم . قال مقاتل : إن رءوس اليهود : كعب وعدي والنعمان وأبو رافع وأبو ياسر وكنانة وابن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم : عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم ; فأنزل الله تعالى : لن يضروكم إلا أذى يعني باللسان ، وتم الكلام . ثم قال وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون يعني منهزمين ، وتم الكلام . ثم لا ينصرون مستأنف ; فلذلك ثبتت فيه النون . وفي هذه الآية معجزة للنبي عليه السلام ; لأن من قاتله من اليهود ولاه دبره .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ولو صدَّق أهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند الله؛ لكان خيرًا لهم عند الله في عاجل دنياهم وآجل آخرتهم =" منهم المؤمنون "، يعني: من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، المؤمنون المصدِّقون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاءهم به من عند الله، وهم: عبد الله بن سلام وأخوه، وثعلبة بن سَعْيَة وأخوه، (20) وأشباههم ممن آمنوا بالله وصدّقوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، واتبعوا ما جاءهم به من عند الله =" وأكثرهم الفاسقون "، يعني: الخارجون عن دينهم، (21) وذلك أن من دين اليهود اتباعُ ما في التوراة والتصديقُ بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن دين النصارى اتباعُ ما في الإنجيل، والتصديق به وبما في التوراة، وفي كلا الكتابين صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ومبعثه، (22) وأنه نبي الله. وكلتا الفرقتين -أعني اليهود والنصارى- مكذبة، فذلك فسقهم وخروجهم عن دينهم الذي يدعون أنهم يدينون به، الذي قال جل ثناؤه: " وأكثرهم الفاسقون ".* * *وقال قتادة بما:-7625- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون "، ذم الله أكثر الناس.------------------------الهوامش :(20) في المطبوعة: "ثعلبة بن سعيد" ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبته من المخطوطة و"سعية" بالسين المهملة المفتوحة والياء المنقوطة باثنين. وسيأتي على الصواب في خبر إسلامه وإسلام أخيه ، بعد قليل ، رقم: 7644.(21) انظر تفسيره"الفسق" فيما سلف 1: 409 ، 410 / 2: 118 ، 399 / 4. 135 - 141 / 6: 91.(22) في المخطوطة والمطبوعة: "وفي كل الكتابين. . ." ، وهو تحريف ، والصواب ما أثبت.
ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ١١٢التفسير الميسرجعل الله الهوان والصغار أمرًا لازمًا لا يفارق اليهود، فهم أذلاء محتقرون أينما وُجِدوا، إلا بعهد من الله وعهد من الناس يأمنون به على أنفسهم وأموالهم، وذلك هو عقد الذمة لهم وإلزامهم أحكام الإسلام، ورجعوا بغضب من الله مستحقين له، وضُربت عليهم الذلَّة والمسكنة، فلا ترى اليهوديَّ إلا وعليه الخوف والرعب من أهل الإيمان؛ ذلك الذي جعله الله عليهم بسبب كفرهم بالله، وتجاوزهم حدوده، وقَتْلهم الأنبياء ظلمًا واعتداء، وما جرَّأهم على هذا إلا ارتكابهم للمعاصي، وتجاوزهم حدود الله.
تفسير السعديأخبر تعالى أنه عاقبهم بالذلة في بواطنهم والمسكنة على ظواهرهم، فلا يستقرون ولا يطمئنون إلا بحبل أي: عهد من الله وحبل من الناس فلا يكون اليهود إلا تحت أحكام المسلمين وعهدهم، تؤخذ منهم الجزية ويستذلون، أو تحت أحكام النصارى وقد باءوا مع ذلك بغضب من الله وهذا أعظم العقوبات، والسبب الذي أوصلهم إلى هذه الحال ذكره الله بقوله: ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله التي أنزلها الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الموجبة لليقين والإيمان، فكفروا بها بغيا وعنادا ويقتلون الأنبياء بغير حق أي: يقابلون أنبياء الله الذين يحسنون إليهم أعظم إحسان بأشر مقابلة، وهو القتل، فهل بعد هذه الجراءة والجناية شيء أعظم منها، وذلك كله بسبب عصيانهم واعتدائهم، فهو الذي جرأهم على الكفر بالله وقتل أنبياء الله، ثم قال تعالى:
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى : ( ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) أي : ألزمهم الله الذلة والصغار أينما كانوا فلا يأمنون ( إلا بحبل من الله ) أي : بذمة من الله ، وهو عقد الذمة لهم وضرب الجزية عليهم ، وإلزامهم أحكام الملة ( وحبل من الناس ) أي : أمان منهم ولهم ، كما في المهادن والمعاهد والأسير إذا أمنه واحد من المسلمين ولو امرأة ، وكذا عبد ، على أحد قولي العلماء .قال ابن عباس : ( إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) أي : بعهد من الله وعهد من الناس ، [ و ] هكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، وعطاء ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، والربيع بن أنس .وقوله : ( وباءوا بغضب من الله ) أي : ألزموا فالتزموا بغضب من الله ، وهم يستحقونه ( وضربت عليهم ) أي : ألزموها قدرا وشرعا . ولهذا قال : ( ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ) أي : وإنما حملهم على ذلك الكبر والبغي والحسد ، فأعقبهم ذلك الذلة والصغار والمسكنة أبدا ، متصلا بذلة الآخرة ، ثم قال تعالى : ( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) أي : إنما حملهم على الكفر بآيات الله وقتل رسل الله وقيضوا لذلك أنهم كانوا يكثرون العصيان لأوامر الله ، عز وجل ، والغشيان لمعاصي الله ، والاعتداء في شرع الله ، فعياذا بالله من ذلك ، والله المستعان .قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود الطيالسي ، حدثنا شعبة ، عن سليمان الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر الأزدي ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبي ، ثم يقوم سوق بقلهم في آخر النهار .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ضربت عليهم الذلة يعني اليهود . أين ما ثقفوا أي وجدوا ولقوا ، وتم الكلام . وقد مضى في البقرة معنى ضرب الذلة عليهم . إلا بحبل من الله استثناء منقطع ليس من الأول . أي لكنهم يعتصمون بحبل من الله . وحبل من الناس يعني الذمة التي لهم . والناس : محمد والمؤمنون يؤدون إليهم الخراج فيؤمنونهم . وفي الكلام اختصار ، والمعنى : إلا أن يعتصموا بحبل من الله ، فحذف ; قاله الفراء .وباءوا بغضب من الله أي رجعوا . وقيل احتملوا . وأصله في اللغة أنه لزمهم ، وقد مضى في البقرة . ثم أخبر لم فعل ذلك بهم . فقال ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون وقد مضى في البقرة مستوفى .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًىقال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: لن يضركم، يا أهل الإيمان بالله ورسوله، هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب بكفرهم وتكذيبهم نبيَّكم محمدًا صلى الله عليه وسلم شيئا =" إلا أذى "، يعني بذلك: ولكنهم يؤذونكم بشركهم، وإسماعكم كفرهم، وقولهم في عيسى وأمه وعزير، ودعائهم إياكم إلى الضلالة، ولن يضروكم بذلك، (23) .* * *وهذا من الاستثناء المنقطع الذي هو مخالف معنى ما قبله، كما قيل: " ما اشتكى شيئًا إلا خيرًا "، وهذه كلمة محكية عن العرب سماعًا.* * *وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:7626- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " لن يضروكم إلا أذى "، يقول: لن يضروكم إلا أذى تسمعونه منهم.7627- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " لن يضروكم إلا أذى "، قال: أذى تسمعونه منهم.7628- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " لن يضروكم إلا أذى "، قال: إشراكهم في عُزير وعيسى والصَّليب.7629- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: " لن يضروكم إلا أذى " الآية، قال: تسمعون منهم كذبًا على الله، يدعونكم إلى الضلالة.* * *القول في تأويل قوله : وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإن يقاتلكم أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى يهزَموا عنكم، فيولوكم أدبارهم انهزامًا.* * *فقوله: " يولوكم الأدبار "، كناية عن انهزامهم، لأن المنهزم يحوِّل ظهره إلى جهة الطالب هربًا إلى ملجأ وموئل يئل إليه منه، خوفًا على نفسه، والطالبُ في أثره. فدُبُر المطلوب حينئذ يكون محاذي وجه الطالب الهازِمِِة.* * *=" ثم لا ينصرون "، يعني: ثم لا ينصرهم الله، أيها المؤمنون، عليكم، لكفرهم بالله ورسوله، وإيمانكم بما آتاكم نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم. لأن الله عز وجل قد ألقى الرعب في قلوبهم، فأيدكم أيها المؤمنون بنصركم. (24) .* * *وهذا وعدٌ من الله تعالى ذكره نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان، نصرَهم على الكفرة به من أهل الكتاب.* * *وإنما رفع قوله: " ثم لا ينصرون " وقد جَزم قوله: " يولوكم الأدبار "، على جواب الجزاء، ائتنافًا للكلام، لأن رؤوس الآيات قبلها بالنون، فألحق هذه بها، كما قال: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [سورة المرسلات: 36]، رفعًا، وقد قال في موضع آخر: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا [سورة فاطر: 36] إذْ لم يكن رأس آية. (25)----------------الهوامش :(23) في المطبوعة: "ولا يضرونكم" ، وفي المخطوطة: "ولا يضروكم" ، والصواب هو ما أثبت.(24) في المطبوعة: "قد ألقى الرعب في قلوب كائدكم" ، وهو تصحيح لما في المخطوطة: "قد ألقى الرعب في قلوب فأيدكم" ، وظاهر أن"قلوب" صوابها"قلوبهم" ، واستقام الكلام على ما في المخطوطة.(25) انظر معاني القرآن للفراء 1: 229.
۞ لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ ١١٣التفسير الميسرليس أهل الكتاب متساوين: فمنهم جماعة مستقيمة على أمر الله مؤمنة برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، يقومون الليل مرتلين آيات القرآن الكريم، مقبلين على مناجاة الله في صلواتهم.
تفسير السعديلما بين تعالي الفرقة الفاسقة من أهل الكتاب وبين أفعالهم وعقوباتهم، بين هاهنا الأمة المستقيمة، وبين أفعالها وثوابها، فأخبر أنهم لا يستوون عنده، بل بينهم من الفرق ما لا يمكن وصفه، فأما تلك الطائفة الفاسقة فقد مضى وصفهم، وأما هؤلاء المؤمنون، فقال تعالى منهم أمة قائمة أي: مستقيمة على دين الله، قائمة بما ألزمها الله به من المأمورات، ومن ذلك قيامها بالصلاة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون وهذا بيان لصلاتهم في أوقات الليل وطول تهجدهم وتلاوتهم لكتاب ربهم وإيثارهم الخضوع والركوع والسجود له.
تفسير ابن كثيرقال ابن أبي نجيح : زعم الحسن بن يزيد العجلي ، عن ابن مسعود في قوله تعالى : ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة ) قال لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم .وهكذا قال السدي ، ويؤيد هذا القول الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده .حدثنا أبو النضر وحسن بن موسى قالا حدثنا شيبان ، عن عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود قال : أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ، ثم خرج إلى المسجد ، فإذا الناس ينتظرون الصلاة : فقال : " أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم " . قال : وأنزلت هذه الآيات : ( ليسوا سواء من أهل الكتاب [ أمة قائمة ] ) إلى قوله ( والله عليم بالمتقين ) .والمشهور عن كثير من المفسرين - كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره ، ورواه العوفي عن ابن عباس - أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب ، كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وغيرهم ، أي : لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب [ وهؤلاء الذين أسلموا ، ولهذا قال تعالى : ( ليسوا سواء ) أي : ليسوا كلهم على حد سواء ، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم ، ولهذا قال تعالى : ( من أهل الكتاب ] أمة قائمة ) أي : قائمة بأمر الله ، مطيعة لشرعه متبعة نبي الله ، [ فهي ] ) قائمة ) يعني مستقيمة ( يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ) أي : يقومون الليل ، ويكثرون التهجد ، ويتلون القرآن في صلواتهم
تفسير القرطبيثم أخبر فقال ليسوا سواء تم الكلام . والمعنى : ليس أهل الكتاب وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - سواء ; عن ابن مسعود . وقيل : المعنى ليس المؤمنون والكافرون من أهل الكتاب سواء . وذكر أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا شيبان عن عاصم عن زر عن ابن مسعود قال : أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال : إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى في هذه الساعة غيركم قال : وأنزلت هذه الآية ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة إلى قوله : والله عليم بالمتقين وروى ابن وهب مثله . وقال ابن عباس : قول الله عز وجل من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون من آمن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقال ابن إسحاق عن ابن عباس لما أسلم عبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعية ، وأسيد بن سعية ، وأسيد بن عبيد ، ومن أسلم من يهود ; فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام ورسخوا فيه ، قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم : ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا شرارنا ، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره ; فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون . إلى قوله : وأولئك من الصالحين . وقال الأخفش : التقدير من أهل الكتاب ذو أمة ، أي ذو طريقة حسنة . وأنشد :وهل يأممن ذو أمة وهو طائعوقيل : في الكلام حذف ; والتقدير من أهل الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة ، فترك الأخرى اكتفاء بالأولى ; كقول أبي ذؤيب :عصاني إليها القلب إني لأمره مطيع فما أدري أرشد طلابهاأراد : أرشد أم غي ، فحذف . قال الفراء : أمة رفع ب سواء ، والتقدير : ليس يستوي أمة من أهل الكتاب قائمة يتلون آيات الله وأمة كافرة . قال النحاس : هذا قول خطأ من جهات : إحداها أنه يرفع ( أمة ) ب ( سواء ) فلا يعود على اسم ليس بشيء ، ويرفع بما ليس جاريا على الفعل ويضمر ما لا يحتاج إليه ; لأنه قد تقدم ذكر الكافر فليس لإضمار هذا وجه . وقال أبو عبيدة : هذا مثل قولهم : أكلوني البراغيث ، وذهبوا أصحابك . قال النحاس : وهذا غلط ; لأنه قد تقدم ذكرهم ، وأكلوني البراغيث لم يتقدم لهم ذكر . و آناء الليل ساعاته . وأحدها إنى وأنى وإني ، وهو منصوب على الظرف . و يسجدون يصلون ; عن الفراء والزجاج ; لأن التلاوة لا تكون في الركوع والسجود . نظيره قوله : وله يسجدون أي يصلون . وفي ( الفرقان ) : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن وفي النجم فاسجدوا لله واعبدوا " . وقيل : يراد به السجود المعروف خاصة . وسبب النزول يرده ، وأن المراد صلاة العتمة كما ذكرنا عن ابن مسعود ; فعبدة الأوثان ناموا حيث جن عليهم الليل ، والموحدون قيام بين يدي الله تعالى في صلاة العشاء يتلون آيات الله ; ألا ترى لما ذكر قيامهم قال وهم يسجدون أي مع القيام أيضا . الثوري : هي الصلاة بين العشاءين . وقيل : هي في قيام الليل . وعن رجل من بني شيبة كان يدرس الكتب قال : إنا نجد كلاما من كلام الرب عز وجل : أيحسب راعي إبل أو راعي غنم إذا جنه الليل انخذل كمن هو قائم وساجد آناء الليل .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِقال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه " ضُربت عليهم الذلة "، ألزموا الذلة. و " الذلة "" الفعلة " من " الذل "، وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع. (26)* * *" أينما ثقفوا " يعني: حيثما لقوا. (27)* * *يقول جل ثناؤه: ألزِم اليهود المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم الذلة أينما كانوا من الأرض، وبأي مكان كانوا من بقاعها، من بلاد المسلمين والمشركين =" إلا بحبل من الله، وحبل من الناس "، كما:-7630- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا هوذة قال، حدثنا عوف، عن الحسن في قوله: " ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة "، (28) قال: أدركتهم هذه الأمة، وإن المجوس لتجبيهم الجزية.7631- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال: حدثنا عباد، عن الحسن في قوله: " ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، قال: أذلهم الله فلا مَنْعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين.* * *وأما " الحبل " الذي ذكره الله في هذا الموضع، (29) فإنه السبب الذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى أموالهم وذراريهم، من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يُثْقَفوا في بلاد الإسلام. كما:-7632- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " إلا بحبل من الله "، قال: بعهد =" وحبل من الناس "، قال: بعهدهم.7633- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، يقول: إلا بعهد من الله وعهد من الناس.7634- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.7635- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد، عن عثمان بن غياث، قال، (30) عكرمة: يقول: " إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، قال: بعهد من الله، وعهد من الناس.7636- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، يقول: إلا بعهد من الله وعهد من الناس.7637- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، يقول: إلا بعهد من الله وعهد من الناس.7638- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : " أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، فهو عهد من الله وعهد من الناس، كما يقول الرجل: " ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم "، فهو الميثاق.7639- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: " أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، قال: بعهد من الله وعهد من الناس لهم = قال ابن جريج، وقال عطاء: العهدُ حبل الله.7640- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله : " أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، قال: إلا بعهد، وهم يهود. قال: والحبل العهد. قال: وذلك قول أبي الهيثم بن التَّيَّهان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتته الأنصار في العقبة: " أيها الرجل، إنا قاطعون فيك حبالا بيننا وبين الناس "، يقول: عهودًا، قال: واليهود لا يأمنون في أرضٍ من أرض الله إلا بهذا الحبل الذي قال الله عز وجل. وقرأ: وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [سورة آل عمران: 55]، قال: فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق يهود في شرق ولا غرب، هم في البلدان كلها مستذَلُّون، قال الله: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا [سورة الأعراف: 168]، يهود. (31)7641- حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك في قوله: " إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، يقول: بعهد من الله وعهد من الناس.7642- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله.* * *قال أبو جعفر: واختلف أهل العربية في المعنى الذي جلب " الباء " في قوله: " إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، فقال بعض نحويي الكوفة: (32) الذي جلب " الباء " في قوله: " بحبل "، فعل مضمر قد تُرك ذكره. قال: ومعنى الكلام: ضُربت عليهم الذلة أينما ثقفوا، إلا أن يعتصموا بحبل من الله = فأضمر ذلك، واستشهد لقوله ذلك بقول الشاعر: (33)رَأَتْنِي بِحَبْلَيْها فَصَدَّتْ مَخَافَةًوَفِي الحَبْلِ رَوْعَاءُ الفُؤَادِ فَرُوقُ (34)وقال: أراد: أقبلت بحبليها، وبقول الآخر: (35)حَنْتنِي حَانِيَاتُ الدَّهْرِ حَتَّىكأَنِّي خَاتِلٌ أَدْنُو لِصَيْدِ (36)قَرِيبُ الخَطُوِ يَحْسِبُ مَنْ رَآنِيوَلْسُت مقَيدًا أَنِّى بِقَيْدِفأوجب إعمال فعل محذوف، وإظهار صلته وهو متروك. (37) وذلك في مذاهب العربية ضعيف، ومن كلام العرب بعيد. وأما ما استشهد به لقوله من الأبيات، فغير دالّ على صحة دعواه، لأن في قول الشاعر: " رأتني بحبليها "، دلالة بينة في أنها رأته بالحبل ممسكًا، ففي إخباره عنها أنها " رأته بحبليها "، إخبارٌ منه أنها رأته ممسكًا بالحبلين. فكان فيما ظهر من الكلام مستغنًى عن ذكر " الإمساك "، وكانت " الباء " صلة لقوله: " رأتني"، كما في قول القائل: (38) " أنا بالله "، مكتف بنفسه، ومعرفةِ السامع معناه، أن تكون " الباء " محتاجة إلى كلام يكون لها جالبًا غير الذي ظهر، وأن المعنى: " أنا بالله مستعين ".* * *وقال بعض نحويي البصرة، قوله: " إلا بحبل من الله " استثناء خارجٌ من أول الكلام.قال: وليس ذلك بأشد من قوله: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا [سورة مريم: 62]* * *وقال آخرون من نحويي الكوفة: هو استثناء متصل، والمعنى: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا، أي: بكل مكان = إلا بموضع حبل من الله، كما تقول: ضُربت عليهم الذلة في الأمكنة إلا في هذا المكان.* * *وهذا أيضًا طلب الحق فأخطأ المفصل. وذلك أنه زعم أنه استثناء متصل، ولو كان متصلا كما زعم، لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس غير مضروبة عليهم المسكنة. وليس ذلك صفة اليهود، لأنهم أينما ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس، أو بغير حبل من الله عز وجل وغير حبل من الناس، فالذلة مضروبة عليهم، على ما ذكرنا عن أهل التأويل قبل. فلو كان قوله: " إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، استثناء متصلا لوجب أن يكون القوم إذا ثُقفوا بعهد وذمة أن لا تكون الذلةُ مضروبةً عليهم. وذلك خلاف ما وصَفهم الله به من صفتهم، وخلافُ ما هم به من الصفة، فقد تبين أيضًا بذلك فساد قول هذا القائل أيضًا.* * *قال أبو جعفر: ولكن القول عندنا أن " الباء " في قوله: " إلا بحبل من الله "، أدخلت لأن الكلام الذي قبل الاستثناء مقتضٍ في المعنى " الباء ". وذلك أن معنى قوله: " ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا " ضربت عليهم الذلة بكل مكان ثقفوا = ثم قال: " إلا بحبل من الله وحبل من الناس " على غير وجه الاتصال بالأول، ولكنه على الانقطاع عنه. ومعناه: ولكن يثقفون بحبل من الله وحبل من الناس، كما قيل: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً [سورة النساء: 92]، فالخطأ وإن كان منصوبًا بما عمل فيما قبل الاستثناء، فليس قوله باستثناء متصل بالأول بمعنى: " إلا خطأ "، فإن له قتله كذلك = ولكن معناه: ولكن قد يقتله خطأ. فكذلك قوله : " أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله " ، وإن كان الذي جلب " الباء " التي بعد " إلا " الفعل الذي يقتضيها قبل " إلا "، فليس الاستثناء بالاستثناء المتصل بالذي قبله، بمعنى: أن القوم إذا لُقوا، فالذلة زائلة عنهم، بل الذلة ثابتة بكل حال. ولكن معناه ما بينا آنفا.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: " وباءوا بغضب من الله "، وتحمَّلوا غضب الله فانصرفوا به مستحقِّيه. وقد بينا أصل ذلك بشواهده، ومعنى " المسكنة " وأنها ذل الفاقة والفقر وخُشوعهما، ومعنى: " الغضب من الله " فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (39)* * *وقوله: " ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله "، يعني جل ثناؤه بقوله: " ذلك "، أي بوْءُهم الذي باءوا به من غضب الله، وضْربُ الذلة عليهم، بدل مما كانوا يكفرون بآيات الله = يقول: مما كانوا يجحدون أعلام الله وأدلته على صدق أنبيائه، وما فرض عليهم من فرائضه =" ويقتلون الأنبياء بغير حق "، يقول: وبما كانوا يقتلون أنبياءهم ورسل الله إليهم، اعتداءً على الله وجرأة عليه بالباطل، وبغير حق استحقوا منهم القتل.* * *قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: ألزِموا الذلة بأي مكان لُقوا، إلا بذمة من الله وذمة من الناس، وانصرفوا بغضب من الله متحمِّليه، وألزموا ذل الفاقة وخشوع الفقر، بدلا مما كانوا يجحدون بآيات الله وأدلته وحججه، ويقتلون أنبياءه بغير حق ظلمًا واعتداء.* * *القول في تأويل قوله : ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فعلنا بهم ذلك بكفرهم، وقتلهم الأنبياء، ومعصيتهم ربَّهم، واعتدائهم أمرَ ربهم.* * *وقد بينا معنى " الاعتداء " في غير موضع فيما مضى من كتابنا بما فيه الكفاية عن إعادته (40) .* * *فأعلم رُّبنا جل ثناؤه عبادَه، ما فعل بهؤلاء القوم من أهل الكتاب، من إحلال الذلة والخزي بهم في عاجل الدنيا، مع ما ذخر لهم في الأجل من العقوبة والنكال وأليم العذاب، (41) إذ تعدوا حدودَ الله، واستحلوا محارمه = تذكيرًا منه تعالى ذكره لهم، وتنبيهًا على موضع البلاء الذي من قِبَاله أتوا لينيبوا ويذّكروا، وعِظة منه لأمتنا أن لا يستنُّوا بسنتهم ويركبوا منهاجهم، (42) فيسلك بهم مسالكهم، ويحل بهم من نقم الله ومثُلاته ما أحل بهم. كما:-7643- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون "، اجتنِبُوا المعصية والعدوان، فإن بهما أهلِك مَنْ أُهْلك قبلكم من الناس.---------------------الهوامش :(26) انظر تفسير"ضربت عليهم الذلة" فيما سلف 2: 136.(27) انظر تفسير"ثقف" فيما سلف 3: 564.(28) سقط من الناسخ: "وباءوا بغضب من الله" ، ومضت على ذلك المطبوعة ، فأثبت وجه التلاوة.(29) انظر تفسير"الحبل" فيما سلف قريبا ص: 70 ، 71.(30) في المخطوطة: "عثمان بن عتاب" ، والصواب ما في المطبوعة.(31) الأثر: 7640 - مضى مختصرًا برقم: 7155.(32) هو الفراء في معاني القرآن 1: 230.(33) هو حميد بن ثور الهلالي.(34) ديوانه: 35 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 230 ، واللسان (نسع) و (فرق) وفي رواية البيت في مادة (فرق) خطأ قبيح وتصحيف ، صوابه ما في التفسير هنا. وأما رواية الديوان فهي:فَجِئْتُ بِحَبْلَيْهَا، فَرَدَّتْ مَخَافةًإِلى النَّفْسِ رَوْعَاءُ الجنانِ فَرُوقُو"روعاء الجنان": شديدة الذكاء ، حية النفس ، شهمة ، كأن بها فزعًا من حدتها وخفة روحها. و"فروق": شديدة الفزع. لم يرد ذمًا ، ولكنه مدح ناقته بحدة الفؤاد ، تفزع لكل نبأة من يقظتها ، كما قالوا في مدحها: "مجنونة". يقول ذلك في ناقته: رأتني أقبلت بالحبلين ، لأشد عليها رحلي ، فصدت خائفة. يصفها بأنها كريمة لم تبتذلها الأسفار. ثم قال: فلما شددت عليها الرحل ، كانت في الحبل ذكية شهمة ، تتوجس لكل نبأة من يقظتها وتوقدها.(35) هو أبو الطمحان القينى ، حنظلة بن الشرقي ، من بني كنانة بن القين. وهو أحد المعمرين وينسب هذا الشعر أيضًا لعدي بن زيد ، وللمسحاج بن سباع الضبي.(36) كتاب المعمرين: 57 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 230 ، والأغاني 2: 353 ، 356 ، وفيه أيضا 12: 347 ، وحماسة البحتري: 202 ، وأمالي القالي 1: 110 ، وأمالي الشريف 1: 46 ، 257 ، ومجموعة المعاني: 123 ، والمعاني الكبير: 1214 ، مع اختلاف كبير في الرواية ، واللسان (ختل) ، وغيرها. هذا ، وقد اقتصرت المطبوعة والمخطوطة على البيت الأول ، وهو عمل فاسد جدًا ، وليس من فعل أبي جعفر بلا شك ، ولكنه من سهو الناسخ. لأن أبا جعفر نقل مقالة الفراء في معاني القرآن ، وإسقاط البيت الثاني ، وهو بيت الشاهد ، فساد عظيم ، فأثبت البيت ، وأثبت أيضًا تعقيب الفراء عليه ، وهو قوله: "يريد مقيدًا بقيد" ، ولم أضع هذا بين أقواس ، لأن سهو الناسخ أمر مقطوع به بالدليل البين.وكان في المخطوطة والمطبوعة: "أحنو لصيد" ، وهو تصحيف لا شك فيه. ذلك أن أبا جعفر إنما ينقل مقالة الفراء ، وهو في كتاب الفراء ، وفيما نقله عنه الناقلون في المراجع السالفة ، هو الذي أثبته. هذا مع ظهور التصحيف وقربه ، ومع فساد معنى هذا التصحيف ، ومع فقدان هذه الرواية الغريبة. وقوله: "خاتل" ، يعني صائدًا ، يقال: "ختل الصيد" ، أي: استتر الصائد بشيء ليرمي الصيد ، فهو في سبيل ذلك يمشي قليلا قليلا في خفية ، لئلا يسمع الصيد حسه. فهذا هو الختل والمخاتلة.(37) "الصلة" هنا: الجار والمجرور.(38) في المطبوعة: "كما في قول القائل" بزيادة"في" ، وهي أشد إفسادًا للكلام من تصحيف هذا الناسخ في بعض ما يكتب. وقوله: "مكتف بنفسه" خبر لقوله: "كما قول القائل" وقوله: "ومعرفة السامع" معطوف على قوله: "بنفسه" أي: مكتف بنفسه وبمعرفة السامع معناه.(39) انظر تفسير"باء" فيما سلف 2: 138 ، 345. وتفسير"غضب الله" 1: 188 ، 189 / 2: 138 ، 345. وتفسير"ضربت عليهم" 2: 136 / 7: 110 وتفسير"المسكنة" 2: 137 ، 292 ، 293 / 3: 345 / 4: 295.(40) انظر ما سلف 2: 142 ، 167 ، 307 / 3 : 375 ، 376 ، 564 ، 580 / 4: 583 ، 584 ، وغيرها.(41) في المطبوعة: "مع ما ادخر لهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهما سواء في المعنى.(42) في المطبوعة: "منها جهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو أجود.
يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٤التفسير الميسريؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالخير كله، وينهون عن الشر كلِّه، ويبادرون إلى فعل الخيرات، وأولئك مِن عباد الله الصالحين.
تفسير السعدي يؤمنون بالله واليوم الآخر أي: كإيمان المؤمنين إيمانا يوجب لهم الإيمان بكل نبي أرسله، وكل كتاب أنزله الله، وخص الإيمان باليوم الآخر لأن الإيمان الحقيقي باليوم الآخر يحث المؤمن به على ما يقر به إلى الله، ويثاب عليه في ذلك اليوم، وترك كل ما يعاقب عليه في ذلك اليوم ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فحصل منهم تكميل أنفسهم بالإيمان ولوازمه، وتكميل غيرهم بأمرهم بكل خير، ونهيهم عن كل شر، ومن ذلك حثهم أهل دينهم وغيرهم على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم وصفهم بالهمم العالية و أنهم يسارعون في الخيرات أي: يبادرون إليها فينتهزون الفرصة فيها، ويفعلونها في أول وقت إمكانها، وذلك من شدة رغبتهم في الخير ومعرفتهم بفوائده وحسن عوائده، فهؤلاء الذين وصفهم الله بهذه الصفات الجميلة والأفعال الجليلة من الصالحين الذين يدخلهم الله في رحمته ويتغمدهم بغفرانه وينيلهم من فضله وإحسانه،
تفسير ابن كثير( يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ) وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله [ لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ] ) [ الآية : 199 ]
تفسير القرطبييؤمنون بالله يعني يقرون بالله ويصدقون بمحمد - صلى الله عليه وسلم - .ويأمرون بالمعروف قيل : هو عموم . وقيل : يراد به الأمر باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - . وينهون عن المنكر والنهي عن المنكر النهي عن مخالفته . ويسارعون في الخيرات التي يعملونها مبادرين غير متثاقلين لمعرفتهم بقدر ثوابهم . وقيل : يبادرون بالعمل قبل الفوت . وأولئك من الصالحين أي مع الصالحين ، وهم أصحاب محمد - - صلى الله عليه وسلم - في الجنة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113)قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ليسوا سواء "، ليس فريقًا أهل الكتاب، أهل الإيمان منهم والكفر: سواء. يعني بذلك: أنهم غير متساوين. يقول: ليسوا متعادلين، ولكنهم متفاوتون في الصلاح والفساد، والخير والشر. (43) .* * *وإنما قيل: " ليسوا سواء "، لأن فيه ذكر الفريقين من أهل الكتاب اللذين ذكرهما الله في قوله: وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ، (44) ثم أخبر جل ثناؤه عن حال الفريقين عنده، المؤمنة منهما والكافرة فقال: " ليسوا سواء "، أي: ليس هؤلاء سواء، المؤمنون منهم والكافرون. ثم ابتدأ الخبرَ جل ثناؤه عن صفة الفرقة المؤمنة من أهل الكتاب، ومدحَهم، وأثنى عليهم، بعد ما وصف الفِرقة الفاسقة منهم بما وصفها به من الهلع، ونَخْب الجَنان، (45) ومحالفة الذل والصغار، وملازمة الفاقة والمسكنة، وتحمُّل خزي الدنيا وفضيحة الآخرة، فقال: " من أهل الكتاب أمَّة قائمةٌ يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون "، الآيات الثلاث، إلى قوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ .* * *فقوله: (46) " أمة قائمة " مرفوعةٌ بقوله: " من أهل الكتاب ".* * *وقد توهم جماعة من نحويي الكوفة والبصرة والمقدَّمين منهم في صناعتهم: (47) أن ما بعد " سواء " في هذا الموضع من قوله: " أمة قائمة "، ترجمةٌ عن " سواء " وتفسيرٌ عنه، (48) بمعنى: لا يستوي من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وأخرى كافرة. وزعموا أنّ ذكر الفرقة الأخرى، ترك اكتفاء بذكر إحدى الفرقتين، وهي" الأمة القائمة "، ومثَّلوه بقول أبي ذئيب:عَصَيْتُ إلَيْهَا القَلْبَ: إنِّي لأمْرِهَاسَمِيعٌ، فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلابُهَا? (49)ولم يقل: " أم غير رشد "، اكتفاء بقوله: " أرشد " من ذكر " أم غير رشد "،. وبقول الآخر: (50)أَرَاك فَلا أَدْرِي أَهَمٌّ هَمَمْتُه?وَذُو الهَمِّ قِدْمًا خَاشِعٌ مُتَضَائِلُ (51)* * *قال أبو جعفر: وهو مع ذلك عندهم خطأٌ قولُ القائل المريد أن يقول: " سواء أقمتَ أم قعدت " =: " سواء أقمت "، حتى يقول: " أم قعدت ".، وإنما يجيزون حذف الثاني فيما كان من الكلام مكتفيًا بواحد، دون ما كان ناقصًا عن ذلك، وذلك نحو: " ما أبالي" أو " ما أدري"، فأجازوا في ذلك: " ما أبالي أقمت "، وهم يريدون: " ما أبالي أقمت أم قعدت "، لاكتفاء " ما أبالي" بواحد = وكذلك في" ما أدري". وأبوا الإجازة في" سواء "، من أجل نقصانه، وأنه غير مكتف بواحد، فأغفلوا في توجيههم قوله: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة " على ما حكينا عنهم، إلى ما وجهوه إليه -مذاهبَهم في العربية = (52) إذّ أجازوا فيه من الحذف ما هو غير جائز عندهم في الكلام مع " سواء "، وأخطأوا تأويل الآية. ف" سواء " في هذا الموضع بمعنى التمام والاكتفاء، لا بالمعنى الذي تأوَّله من حكينا قوله.* * *وقد ذكر أن قوله: " من أهل الكتاب أمة قائمة " الآيات الثلاث، نزلت في جماعة من اليهود أسلموا فحسن إسلامهم.*ذكر من قال ذلك:7644- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سَعْية، وأسَيْد بن سعية، وأسد بن عُبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدَّقوا ورغبوا في الإسلام، ورسخوا فيه، (53) قالت: أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا أشرارنا! (54) ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله " إلى قوله: وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ . (55)7645- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يونس بن بكير، (56) عن محمد بن إسحاق قال، حدثني بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، بنحوه. (57)7646- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة " الآية، يقول: ليس كل القوم هلك، قد كان لله فيهم بقية. (58)7647- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: " أمة قائمة "، عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سلام أخوه، وسعية، (59) ومبشر، وأسَيْد وأسد ابنا كعب.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: ليس أهل الكتاب وأمة محمد القائمة بحق الله، سواء عند الله.*ذكر من قال ذلك:7648- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الحسن بن يزيد العجلي، عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في قوله: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة "، قال: لا يستوي أهل الكتاب وأمةُ محمد صلى الله عليه وسلم . (60)7649- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة "، الآية، يقول: ليس هؤلاء اليهود، كمثل هذه الأمة التي هي قائمة.* * *قال أبو جعفر: وقد بينا أن أولى القولين بالصواب في ذلك، قولُ من قال: قد تمت القصة عند قوله: " ليسوا سواء "، عن إخبار الله بأمر مؤمني أهل الكتاب وأهل الكفر منهم، وأنّ قوله: " من أهل الكتاب أمة قائمة "، خبر مبتدأ عن مدح مؤمنهم ووصفهم بصفتهم، على ما قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج.* * *ويعني جل ثناؤه بقوله: " أمة قائمة "، جماعة ثابتةٌ على الحق.* * *وقد دللنا على معنى " الأمة " فيما مضى بما أغنى عن إعادته. (61)وأما " القائمة "، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.فقال بعضهم: معناها: العادلة.*ذكر من قال ذلك:7650- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " أمة قائمة "، قال: عادلة.* * *وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنها قائمة على كتاب الله وما أمر به فيه.*ذكر من قال ذلك:7651- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: " أمة قائمة "، يقول: قائمة على كتاب الله وفرائضه وحدوده.7652- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " أمة قائمة "، يقول: قائمة على كتاب الله وحدوده وفرائضه.7653- حدثني محمد بن سعد قال، حدثنى أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " من أهل الكتاب أمة قائمة "، يقول: أمة مهتدية، قائمة على أمر الله، لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه.* * *وقال آخرون. بل معنى " قائمة "، مطيعة.*ذكر من قال ذلك:7654- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أمة قائمة "، الآية، يقول: ليس هؤلاء اليهود كمثل هذه الأمة التي هي قانتة لله و " القانتة "، المطيعة.* * *قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، ما قاله ابن عباس وقتادة ومن قال بقولهما على ما روينا عنهم، وإن كان سائر الأقوال الأخَر متقاربة المعنى من معنى ما قاله ابن عباس وقتادة في ذلك. وذلك أن معنى قوله: " قائمة "، مستقيمة على الهدى وكتاب الله وفرائضه وشرائع دينه، والعدلُ والطاعةُ وغير ذلك من أسباب الخير، (62) من صفة أهل الاستقامة على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونظير ذلك، الخبرُ الذي رواه النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:7655-" مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم ركبوا سفينة "، ثم ضرب لهم مثلا. (63) .* * *فالقائم على حدود الله: هو الثابت على التمسك بما أمره الله به، واجتناب ما نهاهُ الله عنه.* * *قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: من أهل الكتاب جماعة معتصمة بكتاب الله، متمسكة به، ثابتة على العمل بما فيه وما سن لهم رسوله صلى الله عليه وسلم.القول في تأويل قوله : يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113)قال أبو جعفر: يعني بقوله: " يتلون آيات الله "، يقرءون كتاب الله آناء الليل. ويعني بقوله: "آيات الله "، ما أنزل في كتابه من العبَر والمواعظ. يقول: يتلون ذلك آناء الليل، يقول: في ساعات الليل، فيتدبَّرونه ويتفكرون فيه.* * *وأما "آناء الليل "، فساعات الليل، واحدها " إنْيٌ"، كما قال الشاعر: (64)حُلْوٌ وَمُرٌّ كَعَطْفِ القِدْحِ مِرَّتُهُفِي كُلِّ إِنْيٍ حذَاه اللَّيْلُ يَنْتَعِلُ (65)وقد قيل إنّ واحد " الآناء "،" إنًى " مقصور، كما واحد " الأمعاء "" مِعًى ".* * *واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.فقال بعضهم: تأويله: ساعات الليل، كما قلنا.*ذكر من قال ذلك:7656- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " يتلون آيات الله آناء الليل "، أي: ساعات الليل.* * *7657- حدثت عن عمار قال، حدثنا أبن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: "آناء الليل "، ساعات الليل.7658- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال، عبد الله بن كثير: سمعنا العرب تقول: "آناء الليل "، ساعات الليل.وقال آخرون "آناء الليل "، جوف الليل.*ذكر من قال ذلك:7659- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يتلون آيات الله آناء الليل "، أما "آناء الليل "، فجوفُ الليل.وقال آخرون: بل عنى بذلك قومٌ كانوا يصلون العشاء الآخرة. (66)*ذكر من قال ذلك:7660- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الحسن بن يزيد العجلي، عن عبد الله بن مسعود في قوله: " يتلون آيات الله آناء الليل "، صلاة العَتَمة، هم يصلُّونها، ومَنْ سِواهم من أهل الكتاب لا يصلِّيها. (67)7661- حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، حدثني يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن سليمان، عن زِرّ بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، كان عند بعض أهله ونسائه: فلم يأتنا لصلاة العشاء حتى ذهب ليلٌ، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع، فبشَّرنا وقال: " إنه لا يصلي هذه الصلاة أحدٌ من أهل الكتاب " فأنزل الله: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون " (68)* * *7662- حدثني يونس قال، حدثنا علي بن معبد، عن أبي يحيى الخراساني، عن نصر بن طريف، عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ننتظر العشاء -يريد العَتَمة- فقال لنا: ما على الأرض أحدٌ من أهل الأديان ينتظر هذة الصلاة في هذا الوقت غيركم! قال: فنزلت: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون " (69)وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء.* * **ذكر من قال ذلك:7663- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور قال، بلغني أنها نزلت: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون " فيما بين المغرب والعشاء.قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي ذكرتُها على اختلافها، متقاربة المعاني. وذلك أن الله تعالى ذكره وَصف هؤلاء القوم بأنهم يتلون آيات الله في ساعات الليل، وهي آناؤه، وقد يكون تاليها في صلاة العشاء تاليًا لها آناء الليل، وكذلك من تلاها فيما بين المغرب والعشاء، ومن تلاها جوفَ الليل، فكلٌّ تالٍ له ساعات الليل. غير أن أولى الأقوال بتأويل الآية، قولُ من قال: " عني بذلك تلاوة القرآن في صلاة العشاء "، لأنها صلاة لا يصلِّيها أحد من أهل الكتاب "، فوصف الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم يصلونها دون أهل الكتاب الذين كفروا بالله ورسوله " .* * *وأما قوله: " وهم يسجدون "، فإن بعض أهل العربية زعم أن معنى " السجود " في هذا الموضع، اسم الصلاة لا للسجود، (70) لأن التلاوة لا تكون في السجود ولا في الركوع. فكان معنى الكلام عنده: يتلون آيات الله آناء الليل وهم يصلون، (71) .* * *وليس المعنى على ما ذهب إليه، وإنما معنى الكلام: من أهل الكتاب أمة قائمة، يتلون آيات الله آناء الليل في صلاتهم، وهم مع ذلك يسجدون فيها، ف" السجود "، هو " السجود " المعروف في الصلاة.----------------------الهوامش :(43) انظر تفسير"سواء" فيما سلف 1: 256.(44) هي الآية السالفة قبل قليل: 110 من سورة آل عمران.(45) النخب (بفتح فسكون): الجبن وضعف القلب. ورجل منخوب الجنان ونخيب الجنان: جبان لا قلب له ، كأنه منتزع الفؤاد فلا فؤاد له.(46) في المطبوعة: "قوله" بغير فاء في أولها ، والصواب من المخطوطة.(47) يعني الفراء في معاني القرآن 1: 230 ، 231 ، وهذا قريب من نص كلامه ، وبعض شواهده.(48) الترجمة: يعني البدل ، وانظر تفسير ذلك فيما سلف 2: 340 ، 374 ، 420 ، 424 ، 426 ، وغيرها من المواضع في فهرس المصطلحات.(49) سلف البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 1: 327.(50) لم أعرف قائله.(51) معاني القرآن للفراء 1: 231 . وكان في المطبوعة: "أزال فلا أدري ..." ، وهو لا معنى له ، والصواب من المخطوطة ومعاني القرآن. ولست أدري أيخاطب امرأة فيقول لها: إن الهم يغلبني إذا رأيتك. فأنا له خاشع متضائل = أم هو يريد الهم والفتك ، فيقول: إن الذي يضمر في نفسه شيئًا يهم به من الفتك ، يخفى شخصه حتى يبلغ غاية ثأره بعدوه. ولا أرجح شيئًا حتى أجد إخوة هذا البيت.(52) قوله: "مذاهبهم" مفعول"فأغفلوا". والسياق: فأغفلوا في توجيههم قوله إلى ما وجهوه إليه - مذاهبهم في العربية. . .(53) في المطبوعة: "ومنحوا فيه" ، وفي المخطوطة: "ومحوا" غير منقوطة ، وهي تصحيف للذي أثبته من سيرة ابن هشام.(54) في المطبوعة والمخطوطة: "أشرارنا" كما أثبتها ، والذي في سيرة ابن هشام"شرارنا". وهي أجود.(55) الأثران: 7644 ، 7645 - سيرة ابن هشام 2: 206.(56) في المخطوطة والمطبوعة: "يونس عن بكير" ، وهو خطأ ، وهذا إسناد كثير الدوران في التفسير أقربه رقم: 7334.(57) في المطبوعة والمخطوطة: "أشرارنا" كما أثبتها ، والذي في سيرة ابن هشام"شرارنا". وهي أجود.(58) في المخطوطة"لله فيهم عليه" غير منقوطة ، وتركت ما في المطبوعة ، لأنه وافق ما في الدر المنثور 2: 64 ، 65.(59) في المطبوعة: "شعية" ، وأثبت ما في المخطوطة.(60) الحديث: 7648- أبو عاصم: هو النبيل ، الضحاك بن مخلد. مضى في : 2155. عيسى: هو ابن ميمون الجرشي المكي. مضى في: 278.الحسن بن يزيد العجلى: تابعي ثقة. ذكره ابن حبان في الثقات ، وترجمة البخاري في الكبير ، 1 / 2 / 306 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 42 - فلم يذكرا فيه جرحًا وهذا الحديث ذكره ابن كثير 2: 224 ، عن ابن أبي نجيح غير منسوب لتخريج وسيأتي له بقية بهذا الإسناد 7660 ، وقد جمعها السيوطي حديثا واحدا 2: 65 ، كما سيأتي هناك .(61) انظر ما سلف قريبًا ص: 106 والتعليق: 2 ، وفيه المراجع.(62) في المخطوطة والمطبوعة: "بالعدل والطاعة. . ." ، وهو خطأ وفساد كبير في السياق ، والصواب ما أثبت ، لأن الطبري فسر"قائمة" بمعنى مستقيمة ، ثم ذكر أقوال أهل التأويل التي قالوها قبل من"العدل" و"الطاعة" ، ثم قال إنها"من صفة أهل الاستقامة". فهي بذلك داخلة في معنى"قائمة" كما فسرها.(63) الحديث: 7655- هذا حديث صحيح ، أشار إليه الطبري إشارة ، دون أن يذكره بتمامه ، ولم يذكر إسناده.وقد رواه أحمد في المسند 4: 268 (حلبي) ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن الشعبي ، عن النعمان بن بَشِير قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَثَلُ القائم على حدود الله تعالى ، والمُدْهِنِ فيها ، كَمَثَلِ قوم اسْتَهَمُوا على سَفِينة في البحر فأصاب بعضُهم أَسْفَلهَا ، وأصاب بعضُهم أَعْلاها ، فكان الذين في أسفلها يَصْعَدُون فيَسْتَقُون الماءَ ، فيَصُبُّون على الذين في أعلاها ، فقال الذين في أَعلاها: لا نَدَعُكم تَصْعَدون فتؤْذوننا ، فقال الذين في أسفلها: فإننا نَنْقُبُها من أسفلها فنَسْتَقِي! قال: فإن أَخَذُوا على أيديهم فمَنَعُوهم نَجَوْا جميعًا ، وإن تركوهم غَرِقُوا جميعًا".ثم رواه أحمد أيضًا 4: 269 ، عن يحيى بن سعيد ، عن زكريا ، و 270 ، عن إسحاق بن يوسف ، عن زكريا بن أبي زائدة ، و 273 - 274 ، عن سفيان ، عن مجالد - كلاهما ، أعني زكريا ومجالد ، عن الشعبي ، عن النعمان بن بشير ، نحوه.ورواه البخاري 5: 94 (فتح) ، عن أبي نعيم ، عن زكريا ، عن الشعبي.ثم رواه أيضا 5: 216 : 217 ، عن عمر بن حفص بن غياث ، عن أبيه ، عن الأعمش ، عن الشعبي ، به نحوه.(64) هو المتنخل الهذلي ، ولكنه سيأتي في الطبري منسوبًا إلى"المنخل السعدي" ، وهو خطأ حققته في موضعه بعد.(65) ديوان الهذليين 2: 35 ، ومجاز القرآن 1: 102 ، وسيرة ابن هشام 2: 206 ، واللسان"أنى" ، وسيأتي من التفسير 16: 168 (بولاق) ، من قصيدته في رثاء ابنه أثيلة ، والبيت في صفة ولده ، وقد رواه ابن الأنباري ، كما جاء في اللسان:السَّالِكُ الثَّغْرَ مَخْشِيًّا مَوَارِدُهُبِكُلِّ إِنْيٍ قَضَاه اللَّيلُ يَنْتَعِلُفذكر الأزهري رواية ابن الأنباري ، وقال: وأنشده الجوهري ، ثم ساق البيت كما هو في التفسير ، ثم قال: "ونسبه أيضا للمنخل ، فإما أن يكون هو البيت بعينه ، أو آخر من قصيدة أخرى". وهذا كلام لا شك في ضعفه ، والذي رواه ابن الأنباري خلط خلطه من بيت آخر في القصيدة ، أخطأ في روايته. وهو قوله قبل ذلك بأبيات:السَّالِكُ الثَّغْرَةَ اليَقْظَانَ كَالِئُهَامَشْىَ الهَلُوكِ عَلَيْها الخَيْعَلُ الفُضُلُوأما معنى البيت الذي رواه في التفسير ، فإنه يعني بقوله: "حلو ومر" ، أنه سهل لمن لاينه ، صعب على من خاشنة. وقوله"كعطف القدح" ، يريد أنه يطوى كما يطوى القدح ثم يعود إلى شدته واستقامته. والمرة: القوة والشدة. ورواية الديوان والطبري"حذاه الليل" ، أي قطعه الليل حذاء ، وهو شبيه في المعنى بقوله: "قضاه" ، لأن معنى"قضاه": أي صنعه وقدره وفصله. وانتعل الليل: اتخذه نعلا ، يعني سرى فيه ، غير حافل بما يلقى. هذا ، وقد كان في المطبوعة من التفسير: "قضاه الليل" ، نقله ناشر من مكان غير التفسير ، لأن في المخطوطة"حداه" غير منقوطة ، فلم يعرف معناها ، ولم يعرف صوابها فاستبدل بها ما أثبته من اللسان أو غيره.(66) في المطبوعة: "العشاء" الأخيرة" ، والصواب من المخطوطة.(67) الحديث: 7660- هذا تتمة الحديث الماضي بهذا الإسناد: 7648 ، كما أشرنا هناك. وقد جمعهما السيوطى 2: 65 حديثًا واحدًا ، نسبه للفريابي ، والبخاري في تاريخه. وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم.ولم نر من هذه المصادر إلا ابن جرير ، وهو قد رواه مفرقًا حديثين ، كما ترى - وإلا التاريخ الكبير للبخاري ، وهو لم يروه كله. بل روى هذا القسم الأخير وحده موجزًا كعادته ، في ترجمة الحسن بن يزيد 1 / 2 / 306 ، قال ، "قال محمد بن يوسف ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن الحسن بن يزيد العجلي ، عن ابن مسعود (يتلون آيات الله آناء الليل) ، قال: صلاة العتمة. وروى عمر بن ذر ، عن الحسن بن يزيد العجلى ، مرسلا".وانظر الحديثين بعد هذا.(68) الحديث: 7661- عبيد الله بن زحر الضمري الإفريقي: ثقة ، وثقه البخاري فيما نقل عنه الترمذي ، كما في التهذيب ، وكذلك وثقه أحمد بن صالح ، فيما روى عنه أبو داود. وضعفه أحمد ، وابن معين ، وابن المديني. وروى ابن أبي حاتم 2 / 2 / 315 عن أبيه ، أنه قال: "لين الحديث". وعن أبي زرعة ، أنه قال: "لا بأس به ، صدوق". ولم يذكره البخاري ولا النسائي في الضعفاء ، ونرى أن من تكلم فيه إنما هو من أجل نسخة يرويها عن علي بن يزيد الألهاني ، الحمل فيها على علي بن يزيد. وانظر التهذيب.و"زحر": بفتح الزاي وسكون الحاء المهملة.سليمان: هو الأعمش.وأنا أخشى أن يكون قد سقط من هذا الإسناد"عن عاصم" - بين سليمان الأعمش وزر بن حبيش. فإن الأعمش لم يذكر أنه يروى عن زر ، وإنما روايته عنه بواسطة"عاصم بن أبي النجود" وأقرانه من هذه الطبقة.والحديث سيأتي -نحوه- عقب هذا. وتخريجه هناك.(69) الحديث: 7662- علي بن معيد بن شداد العبدي. الرقي ، نزيل مصر: ثقة ، روى عنه أبو حاتم ووثقه. وقال الحاكم: "شيخ من جلة المحدثين".أبو يحيى الخراساني: لم أعرف من هو ، بعد طول البحث والتتبع. وفي كنية"أبي يحيى" ، وفي نسبة"الخراساني" كثرة.نصر بن طريف ، أبو جزى القصاب الباهلي: ضعيف جدًا ، أجمعوا على ضعفه. ترجمه البخاري في الكبير 4 / 2 / 105 ، وقال: "سكتوا عنه ، ذاهب" ، وابن سعد 7 / 2 / 41 ، وقال: "ليس بشيء ، وقد ترك حديثه". وقال يحيى: "من المعروفين بوضع الحديث"؛ وذكره الفلاس فيمن"أجمع عليه من أهل الكذب أنه لا يروى عنهم".وكنيته"أبو جزى": بفتح الجيم وكسر الزاي ، كما ضبطه الذهبي في المشتبه ، ص 104. والحديث ثابت ، بنحوه - بإسناد آخر صحيح ، يغني عن إسنادى الطبري هذين: فرواه أحمد في المسند: 3760 ، عن أبي النضر وحسن بن موسى ، كلاهما عن شيبان ، عن عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود.وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 312. وقال: "رواه أحمد ، وأبو يعلى ، والبزار ، والطبراني في الكبير" ، ثم ذكره بنحوه ، بلفظ يكاد يكون لفظ الرواية الماضية: 7661. ثم قال: "ورجال أحمد ثقات ، ليس فيهم غير عاصم بن أبي النجود ، وهو مختلف في الاحتجاج به. وفي إسناد الطبراني عبيد الله بن زحر. وهو ضعيف". وذكره السيوطي 2: 65 ، وزاد نسبته للنسائي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم.(70) في المطبوعة: "لا السجود" ، وأثبت ما في المخطوطة.(71) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 231.
وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ١١٥التفسير الميسروأيُّ عمل قلَّ أو كَثُر من أعمال الخير تعمله هذه الطائفة المؤمنة فلن يضيع عند الله، بل يُشكر لهم، ويجازون عليه. والله عليم بالمتقين الذين فعلوا الخيرات وابتعدوا عن المحرمات؛ ابتغاء رضوان الله، وطلبًا لثوابه.
تفسير السعديوأنهم مهما فعلوا من خير قليلا كان أو كثيرا فلن يكفروه أي: لن يحرموه ويفوتوا أجره، بل يثيبهم الله على ذلك أكمل ثواب، ولكن الأعمال ثوابها تبع لما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والتقوى، فلهذا قال والله عليم بالمتقين كما قال تعالى: إنما يتقبل الله من المتقين
تفسير ابن كثيروهكذا قال هاهنا : ( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ) أي : لا يضيع عند الله بل يجزيكم به أوفر الجزاء . ( والله عليم بالمتقين ) أي : لا يخفى عليه عمل عامل ، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملا .
تفسير القرطبيوما يفعلوا من خير فلن يكفروه قرأ الأعمش وابن وثاب وحمزة والكسائي وحفص وخلف بالياء فيهما ; إخبارا عن الأمة القائمة ، وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي عبيد . وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب ; لقوله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس . وهي اختيار أبي حاتم ، وكان أبو عمرو يرى القراءتين جميعا الياء والتاء . ومعنى الآية : وما تفعلوا من خير فلن تجحدوا ثوابه بل يشكر لكم وتجازون عليه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)قال أبو جعفر: يعني بقوله جل وعز: " يؤمنون بالله واليوم الآخر "، يصدِّقون بالله وبالبعث بعد الممات، ويعلمون أن الله مجازيهم بأعمالهم; وليسوا كالمشركين الذين يجحدون وحدانية الله، ويعبدون معه غيره، ويكذبون بالبعث بعد الممات، وينكرون المجازاة على الأعمال والثوابَ والعقابَ.* * *وقوله: " ويأمرون بالمعروف "، يقول: يأمرون الناس بالإيمان بالله ورسوله، وتصديق محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به. (72) " وينهون عن المنكر "، يقول: وينهون الناس عن الكفر بالله، وتكذيب محمد وما جاءهم به من عند الله: (73) يعني بذلك: أنهم ليسوا كاليهود والنصارى الذين يأمرون الناس بالكفر وتكذيب محمد فيما جاءهم به، وينهونهم عن المعروف من الأعمال، وهو تصديق محمد فيما أتاهم به من عند الله. =" ويسارعون في الخيرات "، يقول: ويبتدرون فعل الخيرات خشية أن يفوتهم ذلك قبل معاجلتهم مناياهم.* * *ثم أخبر جل ثناؤه أن هؤلاء الذين هذه صفتهم من أهل الكتاب، هم من عداد الصالحين، (74) لأن من كان منهم فاسقًا، قد باء بغضب من الله لكفره بالله وآياته، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وعصيانه ربّه واعتدائه في حدوده.---------------------الهوامش :(72) انظر تفسير"المعروف" فيما سلف ص: 105 تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(73) انظر تفسير"المنكر" فيما سلف ص: 105 تعليق: 3 ، والمراجع هناك.(74) انظر تفسير"الصالح" فيما سلف 3: 91 / 6: 380.