وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٦٦التفسير الميسروما وقع بكم مِن جراح أو قتل في غزوة "أُحد" يوم التقى جَمْعُ المؤمنين وجمع المشركين فكان النصر للمؤمنين أولا ثم للمشركين ثانيًا، فذلك كله بقضاء الله وقدره، وليظهر ما علمه الله في الأزل؛ ليميز المؤمنين الصادقين منكم.
تفسير السعديثم أخبر أن ما أصابهم يوم التقى الجمعان، جمع المسلمين وجمع المشركين في "أحد" من القتل والهزيمة، أنه بإذنه وقضائه وقدره، لا مرد له ولا بد من وقوعه. والأمر القدري -إذا نفذ، لم يبق إلا التسليم له، وأنه قدره لحكم عظيمة وفوائد جسيمة، وأنه ليتبين بذلك المؤمن من المنافق
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى :( وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ) أي : فراركم بين يدي عدوكم وقتلهم لجماعة منكم وجراحتهم لآخرين ، كان بقضاء الله وقدره ، وله الحكمة في ذلك . [ وقوله ] ( وليعلم المؤمنين ) أي : الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنينيعني يوم أحد من القتل والجرح والهزيمة . فبإذن الله أي بعلمه . وقيل : بقضائه وقدره . قال القفال : أي فبتخليته بينكم وبينهم ، لا أنه أراد ذلك . وهذا تأويل المعتزلة . ودخلت الفاء في فبإذن الله لأن " ما " بمعنى الذي . أي والذي أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ; فأشبه الكلام معنى الشرط ، كما قال سيبويه : الذي قام فله درهم . وليعلم المؤمنين
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: والذي أصابكم " يوم التقى الجمعان "، وهو يوم أحد، حين التقى جمع المسلمين والمشركين. ويعني ب" الذي أصابهم "، ما نال من القتل مَنْ قُتِل منهم، ومن الجراح من جرح منهم =" فبإذن الله،" يقول: فهو بإذن الله كان = يعني: بقضائه وقدَره فيكم. (1) .* * *وأجاب " ما " بالفاء، لأن " ما " حرف جزاء، وقد بينت نظير ذلك فيما مضى قبل (2) .* * *=" وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا "، بمعنى: وليعلم الله المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا، أصابكم ما أصابكم يوم التقى الجمعان بأحد، ليميِّز أهلُ الإيمان بالله ورسوله المؤمنين منكم من المنافقين فيعرفونهم، لا يخفى عليهم أمر الفريقين.وقد بينا تأويل قوله: " وليعلم المؤمنين " فيما مضى، وما وجه ذلك، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (3) .* * *وبنحو ما قلنا في ذلك قال ابن إسحاق.8192- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين "، أي: ما أصابكم حين التقيتم أنتم وعدوّكم، فبإذني كان ذلك حين فعلتم ما فعلتم، بعد أن جاءكم نصري، وصدقتكم وعدي، (4) ليميز بين المنافقين والمؤمنين، وليعلم الذين نافقوا منكم، أي: ليظهروا ما فيهم. (5)----------------الهوامش :(1) انظر تفسير"الإذن" فيما سلف 2: 449 ، 450 / 4: 286 / 5 : 355 ، 395 / 7 : 289.(2) انظر ما سلف 5: 585.(3) انظر ما سلف 3: 160 / 7 : 246 ، 325.(4) في المطبوعة: "وصدقتم وعدي" ، والصواب من المخطوطة وسيرة ابن هشام.(5) الأثر: 8192- سيرة ابن هشام 3: 125 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8187.
وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ ١٦٧التفسير الميسروليعلم المنافقين الذين كشف الله ما في قلوبهم حين قال المؤمنون لهم: تعالوا قاتلوا معنا في سبيل الله، أو كونوا عونًا لنا بتكثيركم سوادنا، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون أحدًا لكنا معكم عليهم، هم للكفر في هذا اليوم أقرب منهم للإيمان؛ لأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. والله أعلم بما يُخفون في صدورهم.
تفسير السعديوأنه ليتبين بذلك المؤمن من المنافق، الذين لما أمروا بالقتال، وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أي: ذبا عن دين الله، وحماية له وطلبا لمرضاة الله، أو ادفعوا عن محارمكم وبلدكم، إن لم يكن لكم نية صالحة، فأبوا ذلك واعتذروا بأن قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم أي: لو نعلم أنكم يصير بينكم وبينهم قتال لاتبعناكم، وهم كذبة في هذا. قد علموا وتيقنوا وعلم كل أحد أن هؤلاء المشركين، قد ملئوا من الحنق والغيظ على المؤمنين بما أصابوا منهم، وأنهم قد بذلوا أموالهم، وجمعوا ما يقدرون عليه من الرجال والعدد، وأقبلوا في جيش عظيم قاصدين المؤمنين في بلدهم، متحرقين على قتالهم، فمن كانت هذه حالهم، كيف يتصور أنهم لا يصير بينهم وبين المؤمنين قتال؟ خصوصا وقد خرج المسلمون من المدينة وبرزوا لهم، هذا من المستحيل، ولكن المنافقين ظنوا أن هذا العذر، يروج على المؤمنين، قال تعالى: هم للكفر يومئذ أي: في تلك الحال التي تركوا فيها الخروج مع المؤمنين أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم وهذه خاصة المنافقين، يظهرون بكلامهم وفعالهم ما يبطنون ضده في قلوبهم وسرائرهم. ومنه قولهم: لو نعلم قتالا لاتبعناكم فإنهم قد علموا وقوع القتال. ويستدل بهذه الآية على قاعدة "ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما، وفعل أدنى المصلحتين، للعجز عن أعلاهما" ؛ [لأن المنافقين أمروا أن يقاتلوا للدين، فإن لم يفعلوا فللمدافعة عن العيال والأوطان] والله أعلم بما يكتمون فيبديه لعباده المؤمنين، ويعاقبهم عليه.
تفسير ابن كثير( وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم ) يعني [ بذلك ] أصحاب عبد الله بن أبي - ابن سلول الذين رجعوا معه في أثناء الطريق ، فاتبعهم من اتبعهم من المؤمنين يحرضونهم على الإياب والقتال والمساعدة ، ولهذا قال : ( أو ادفعوا ) قال ابن عباس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، وأبو صالح ، والحسن ، والسدي : يعني كثروا سواد المسلمين . وقال الحسن بن صالح : ادفعوا بالدعاء . وقال غيره : رابطوا . فتعللوا قائلين : ( لو نعلم قتالا لاتبعناكم ) قال مجاهد : يعنون لو نعلم أنكم تلقون حربا لجئناكم ، ولكن لا تلقون قتالا .قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، ومحمد بن يحيى بن حبان ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ ، وغيرهم من علمائنا ، كلهم قد حدث قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني حين خرج إلى أحد - في ألف رجل من أصحابه ، حتى إذا كان بالشوط - بين أحد والمدينة - انحاز عنه عبد الله بن أبي - ابن سلول بثلث الناس ، وقال أطاعهم فخرج وعصاني ، ووالله ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس ، فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق وأهل الريب ، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة ، يقول : يا قوم ، أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم ، قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال . فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم ، قال : أبعدكم الله أعداء الله ، فسيغني الله عنكم . ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم .قال الله تعالى : ( هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ) استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال ، فيكون في حال أقرب إلى الكفر ، وفي حال أقرب [ إلى ] الإيمان ، لقوله : ( هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان )ثم قال : ( يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) يعني : أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته ، ومنه قولهم هذا : ( لو نعلم قتالا لاتبعناكم ) فإنهم يتحققون أن جندا من المشركين قد جاءوا من بلاد بعيدة ، يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصيب من سراتهم يوم بدر ، وهم أضعاف المسلمين ، أنه كائن بينهم قتال لا محالة ، ولهذا قال تعالى : ( والله أعلم بما يكتمون ) .
تفسير القرطبيوليعلم الذين نافقوا أي ليميز . وقيل ليرى . وقيل : ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم في القتال وليظهر كفر المنافقين بإظهارهم الشماتة فيعلمون ذلك . والإشارة بقوله : نافقوا وقيل لهم هي إلى عبد الله بن أبي وأصحابه الذين انصرفوا معه عن نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانوا ثلاثمائة . فمشى في أثرهم عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري ، أبو جابر بن عبد الله ، فقال لهم : اتقوا الله ولا تتركوا نبيكم ، وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ، ونحو هذا من القول . فقال له ابن أبي : ما أرى أن يكون قتال ، ولو علمنا أن يكون قتال لكنا معكم . فلما يئس منهم عبد الله قال : اذهبوا أعداء الله فسيغني الله رسوله عنكم . ومضى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - واستشهد رحمه الله تعالى .واختلف الناس في معنى قوله : أو ادفعوا فقال السدي وابن جريج وغيرهما : كثروا سوادنا وإن لم تقاتلوا معنا ; فيكون ذلك دفعا وقمعا للعدو ; فإن السواد إذا كثر حصل دفع العدو . وقال أنس بن مالك : رأيت يوم القادسية عبد الله بن أم مكتوم الأعمى وعليه درع يجر أطرافها ، وبيده راية سوداء ; فقيل له : أليس قد أنزل الله عذرك ؟ قال : بلى ! ولكني أكثر سواد المسلمين بنفسي . وروي عنه أنه قال : فكيف بسوادي في سبيل الله ! وقال أبو عون الأنصاري : معنى أو ادفعوا رابطوا . وهذا قريب من الأول . ولا محالة أن المرابط مدافع ; لأنه لولا مكان المرابطين في الثغور لجاءها العدو . وذهب قوم من المفسرين إلى أن قول عبد الله بن عمرو أو ادفعوا إنما هو استدعاء إلى القتال حمية ; لأنه استدعاهم إلى القتال في سبيل الله ، وهي أن تكون كلمة الله هي العليا ، فلما رأى أنهم ليسوا على ذلك عرض عليهم الوجه الذي يحشمهم ويبعث الأنفة . أي أو قاتلوا دفاعا عن الحوزة . ألا ترى أن قزمان قال : والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي . وألا ترى أن بعض الأنصار قال يوم أحد لما رأى قريشا قد أرسلت الظهر في زروع قناة ، أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب ؟ والمعنى إن لم تقاتلوا في سبيل الله فقاتلوا دفعا عن أنفسكم وحريمكم .قوله تعالى : هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان أي بينوا حالهم ، وهتكوا أستارهم ، وكشفوا عن نفاقهم لمن كان يظن أنهم مسلمون ; فصاروا أقرب إلى الكفر في ظاهر الحال ، وإن كانوا كافرين على التحقيق .وقوله تعالى : يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم أي أظهروا الإيمان ، وأضمروا الكفر . وذكر الأفواه تأكيد ; مثل قوله : يطير بجناحيه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك عبدَ الله بن أبيّ ابن سلول المنافق وأصحابَه، الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، حين سار نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين بأحد لقتالهم، فقال لهم المسلمون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا، أو ادفعوا بتكثيركم سوادنا! فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم إليهم، ولكنا معكم عليهم، ولكن لا نرى أنه يكون بينكم وبين القوم قتالٌ! فأبدوْا من نفاق أنفسهم ما كانوا يكتمونه، وأبدوا بألسنتهم بقولهم: " لو نعلم قتالا لاتبعناكم "، غير ما كانوا يكتمونه ويخفونه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به، كما:-8193- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدَّث قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني حين خرج إلى أحد - في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة، انخزل عنهم عبدالله بن أبيّ ابن سلول بثلث الناس وقال: (6) أطاعهم فخرج وعصاني! والله ما ندري علامَ نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس!! فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريْب، واتبعهم عبدالله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم، أذكّركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوّهم! فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال! فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدَكم الله أعداء الله! فسيُغني الله عنكم! ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم. (7)8194- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا "، يعني: عبدالله بن أبيّ ابن سلول وأصحابه الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار إلى عدوّه من المشركين بأحد = وقوله: " لو نعلم قتالا لاتبعناكم "، يقول: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم، ولدفعنا عنكم، ولكن لا نظن أن يكون قتال. فظهر منهم ما كانوا يخفون في أنفسهم = يقول الله عز وجل: " هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم "، يظهرون لك الإيمان، وليس في قلوبهم، (8) =" والله أعلم بما يكتمون "، أي: يخفون. (9)8195- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني يوم أحد- في ألف رجل، وقد وعدهم الفتحَ إن صبرُوا. فلما خرجوا، رجع عبدالله بن أبي ابن سلول في ثلثمئة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعن معنا! = (10) قال: فذكر الله أصحاب عبدالله بن أبيّ ابن سلول، وقول عبدالله بن جابر بن عبدالله الأنصاري حين دعاهم فقالوا: " ما نعلم قتالا ولئن أطعتمونا لترجعُنّ معنا "، فقال: الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ . (11) .8196- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال عكرمة: " قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم "، قال: نزلت في عبدالله بن أبيّ ابن سلول = قال ابن جريج، وأخبرني عبدالله بن كثير، عن مجاهد " لو نعلم قتالا "، قال: لو نعلم أنَّا واجدون معكم قتالا لو نعلم مكان قتال، لاتبعناكم.* * *واختلفوا في تأويل قوله " أو ادفعوا ".فقال بعضهم: معناه: أو كثِّروا، فإنكم إذا كثرتم دفعتم القوم.*ذكر من قال ذلك:8197- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أو ادفعوا "، يقول: أو كثِّروا.8198- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " أو ادفعوا "، قال: بكثرتكم العدو، وإن لم يكن قتال.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: أو رابِطوا إن لم تقاتلوا.*ذكر من قال ذلك:8198م- حدثنا إسماعيل بن حفص الآيلي وعلي بن سهل الرملي قالا حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا عتبة بن ضمرة قال: سمعت أبا عون الأنصاري في قوله: " قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا "، قال: رابطوا. (12)* * *وأما قوله: " والله أعلم بما يكتمون "، فإنه يعني به: والله أعلم من هؤلاء المنافقين الذين يقولون للمؤمنين: " لو نعلم قتالا لاتبعناكم "، بما يضمرون في أنفسهم للمؤمنين ويكتمونه فيسترونه من العداوة والشنآن، وأنهم لو علموا قتالا ما تبعوهم ولا دافعوا عنهم، وهو تعالى ذكره محيط بما هم مخفوه من ذلك، (13) مطلع عليه، ومحصيه عليهم، حتى يهتك أستارهم في عاجل الدنيا فيفضحهم به، ويُصليهم به الدرك الأسفل من النار في الآخرة.---------------الهوامش :(6) في المطبوعة: "فقال" ، والصواب من المخطوطة ، وسيرة ابن هشام.(7) الأثر: 8193- سيرة ابن هشام 3: 68 ، وهو تابع الأثر الماضي رقم: 7715 ، وبين رواية الطبري ، ورواية ابن هشام خلاف في بعض اللفظ.(8) في المطبوعة والمخطوطة: "هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ، وليس في قلوبهم" ، وقد اختل الكلام ، وأظنه سقط من سهو الناسخ ، فأتممته من السيرة ، وأتممت الآية وتفسيرها بعدها.(9) الأثر: 8194- سيرة ابن هشام 3: 125 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8192.(10) في هذا الأثر اختصار مخل ، وقد مضى تمامه برقم 7723 ، وجواب"فلما غلبوه" ، في بقية الأثر وهو: "هموا بالرجوع" ، يعني بني سلمة رهط أبي جابر السلمي. وانظر التخريج بعد.(11) الأثر: 8195- مضى بعضه برقم: 7723 ، والتاريخ 3: 12.(12) الأثر: 8198م-"إسماعيل بن حفص الأيلي" ، سلفت ترجمته برقم: 7581 ، وكان في المطبوعة هنا أيضًا"الآملي" مكان"الأيلي" ، وهو خطأ ، وفي المخطوطة"الأيلي" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت. و"الوليد بن مسلم القرشي" ، سلفت ترجمته برقم: 6410. و"عتبة بن ضمرة بن حبيب بن صهيب الزبيدي الحمصي" ، روى عن أبيه ، وعمه المهاجر ، ومحمد بن زياد الألهاني ، وأبي عون الشامي. ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب ، و"أبو عون الأنصاري الشامي الأعور" روى عن أبي إدريس الخولاني ، ثقة. مترجم في التهذيب.
ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٦٨التفسير الميسرهؤلاء المنافقون هم الذين قعدوا وقالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين في حربهم المشركين يوم "أُحد": لو أطاعَنا هؤلاء ما قتلوا. قل لهم -أيها الرسول-: فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين في دعواكم أنهم لو أطاعوكم ما قتلوا، وأنكم قد نجوتم منه بقعودكم عن القتال.
تفسير السعدي: الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا أي: جمعوا بين التخلف عن الجهاد، وبين الاعتراض والتكذيب بقضاء الله وقدره، قال الله ردًّا عليهم: قل فادرءوا أي: ادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين إنهم لو أطاعوكم ما قتلوا، لا تقدرون على ذلك ولا تستطيعونه. وفي هذه الآيات دليل على أن العبد قد يكون فيه خصلة كفر وخصلة إيمان، وقد يكون إلى أحدهما أقرب منه إلى الأخرى.
تفسير ابن كثيروقوله : ( الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا ) أي : لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل . قال الله تعالى : ( قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ) أي : إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت ، فينبغي ، أنكم لا تموتون ، والموت لا بد آت إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة ، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين . قال مجاهد ، عن جابر بن عبد الله : نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي - ابن سلول .
تفسير القرطبيقوله تعالى : الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقينقوله تعالى : الذين قالوا لإخوانهم معناه لأجل إخوانهم ، وهم الشهداء المقتولون من الخزرج ; وهم إخوة نسب ومجاورة ، لا إخوة الدين . أي قالوا لهؤلاء الشهداء : لو قعدوا ، أي بالمدينة ما قتلوا . وقيل : قال عبد الله بن أبي وأصحابه لإخوانهم ، أي لأشكالهم من المنافقين : لو أطاعونا ، هؤلاء الذين قتلوا ، لما قتلوا .وقوله لو أطاعونا يريد في ألا يخرجوا إلى قريش . وقوله : وقعدوا أي قالوا هذا القول وقعدوا بأنفسهم عن الجهاد ; فرد الله عليهم بقوله : قل فادرءوا أي قل لهم يا محمد : إن صدقتم فادفعوا الموت عن أنفسكم . والدرء الدفع . بين بهذا أن الحذر لا ينفع من القدر ، وأن المقتول يقتل بأجله ، وما علم الله وأخبر به كائن لا محالة . وقيل : مات يوم قيل هذا ، سبعون منافقا . وقال أبو الليث السمرقندي : سمعت بعض المفسرين بسمرقند يقول : لما نزلت الآية فادرءوا عن أنفسكم الموت مات يومئذ سبعون نفسا من المنافقين .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله جل ثناؤه الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: " وليعلم الله الذين نافقوا " =" الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا ".* * *فموضع " الذين " نصب على الإبدال من الَّذِينَ نَافَقُوا . وقد يجوز أن يكون رفعًا على الترجمة عما في قوله: يَكْتُمُونَ من ذكر الَّذِينَ نَافَقُوا .* * *فمعنى الآية: وليعلم الله الذين قالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين في حربهم المشركين بأحد يوم أحد فقتلوا هنالك من عشائرهم وقومهم =" وقعدوا "، يعني: وقعد هؤلاء المنافقون القائلون ما قالوا - مما أخبر الله عز وجل عنهم من قيلهم - عن الجهاد مع إخوانهم وعشائرهم في سبيل الله =" لو أطاعونا "، يعني: لو أطاعنا من قتل بأحد من إخواننا وعشائرنا =" ما قتلوا " يعني: ما قتلوا هنالك = قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لهؤلاء القائلين هذه المقالة من المنافقين =" فادرأوا "، يعني: فادفعوا.* * *من قول القائل: " درأت عن فلان القتل "، بمعنى دفعت عنه،" أدرؤه دَرْءًا "، (14) ومنه قول الشاعر: (15)تَقُولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِيأهذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِيني (16)* * *يقول تعالى ذكره: قل لهم: فادفعوا = إن كنتم، أيها المنافقون، صادقين في قيلكم: لو أطاعنا إخواننا في ترك الجهاد في سبيل الله مع محمد صلى الله عليه وسلم وقتالهم أبا سفيان ومن معه من قريشْ، ما قُتلوا هنالك بالسيف، ولكانوا أحياء بقعودهم معكم، وتخلّفهم عن محمد صلى الله عليه وسلم وشهود جهاد أعداء الله معه = [عن أنفسكم] الموت، (17) فإنكم قد قعدتم عن حربهم وقد تخلفتم عن جهادهم، وأنتم لا محالة ميتون. كما:-8199- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " الذين قالوا لإخوانهم "، الذين أصيبوا معكم من عشائرهم وقومهم =" لو أطاعونا ما قتلوا " الآية، أي: أنه لا بد من الموت، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا. وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله، حرصًا على البقاء في الدنيا، وفرارًا من الموت. (18)* * **ذكر من قال: الذين قالوا لإخوانهم هذا القول، هم الذين قال الله فيهم: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا .8200- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا " الآية، ذكر لنا أنها نزلت في عدوّ الله عبدالله بن أبيّ.8201- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: هم عبدالله بن أبيّ وأصحابه.8202- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: هو عبدالله بن أبيّ الذي قعد وقال لإخوانه الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: " لو أطاعونا ما قتلوا "، الآية = قال ابن جريج، عن مجاهد قال، قال جابر بن عبدالله: هو عبدالله بن أبيّ ابن سلول.8203- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا " الآية، قال: نزلت في عدوّ الله عبدالله بن أبيّ. (19)--------------------الهوامش :(13) في المطبوعة: "بما يخفونه من ذلك" ، غير ما في المخطوطة لغير شيء!! ، إلا أن يريدوا أن يدرجوا به على ما ألفوا من الكلام!!(14) انظر تفسير"الدرء" فيما سلف 2: 222 - 228.(15) هو المثقب العبدي.(16) مضى تخريجه وشرحه فيما سلف 2:547 ، 548 ، والاستشهاد بهذا البيت لمعنى الدفع ، غريب من مثل أبي جعفر ، فراجع شرح البيت هناك.(17) السياق: "قل لهم: فادفعوا. . . عن أنفسكم الموت" ، والزيادة التي بين القوسين زيادة لا بد منها يقتضيها السياق ، وعن نص الآية ، فلذلك أثبتها.(18) الأثر: 8199- سيرة ابن هشام 3: 125 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8194.(19) عند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفي المخطوطة ما نصه: "يتلوهُ إِن شاء الله: القول في تأويل قوله جل ثناؤه ولا تحسبَنَّ الذينَ قتلوا في سبيلِ الله أمواتًا بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون. والحمد لله على إحسانه ونعمته ، وصلى الله على محمد وعلى آله الطاهرين ، وسلَّمَ كثيرًا".ثم يتلوه أول الجزء ، وفيها ما نصه:" بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر يا كريمأخبرنا أبو بكر محمد بن داود قال ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير".وانظر التعليق على هذا الإسناد فيما سلف 6: 496 ، 497 / 7: 23 ، 154 ، 280 ، 281.
وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ ١٦٩التفسير الميسرولا تظنَّنَّ -أيها النبي- أن الذين قتلوا في سبيل الله أموات لا يُحِسُّون شيئًا، بل هم أحياء حياة برزخية في جوار ربهم الذي جاهدوا من أجله، وماتوا في سبيله، يجري عليهم رزقهم في الجنة، ويُنعَّمون.
تفسير السعديهذه الآيات الكريمة فيها فضيلة الشهداء وكرامتهم، وما منَّ الله عليهم به من فضله وإحسانه، وفي ضمنها تسلية الأحياء عن قتلاهم وتعزيتهم، وتنشيطهم للقتال في سبيل الله والتعرض للشهادة، فقال: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أي: في جهاد أعداء الدين، قاصدين بذلك إعلاء كلمة الله أمواتا أي: لا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع بزهرتها، الذي يحذر من فواته، من جبن عن القتال، وزهد في الشهادة. بل قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون. فهم أحياء عند ربهم في دار كرامته. ولفظ: عند ربهم يقتضي علو درجتهم، وقربهم من ربهم، يرزقون من أنواع النعيم الذي لا يعلم وصفه، إلا من أنعم به عليهم
تفسير ابن كثيرخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار .قال ابن جرير : حدثنا محمد بن مرزوق ، حدثنا عمر بن يونس ، عن عكرمة ، حدثنا ابن إسحاق بن أبي طلحة ، حدثني أنس بن مالك في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل بئر معونة قال : لا أدري أربعين أو سبعين . وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري ، فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أتوا غارا مشرفا على الماء فقعدوا فيه ، ثم قال بعضهم لبعض : أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء ؟ فقال - أراه ابن ملحان الأنصاري - : أنا أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فخرج حتى أتى حيا [ منهم ] فاختبأ أمام البيوت ، ثم قال : يا أهل بئر معونة ، إني رسول رسول الله إليكم ، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، فآمنوا بالله ورسوله . فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر . فقال : الله أكبر ، فزت ورب الكعبة . فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل . وقال إسحاق : حدثني أنس بن مالك ، أن الله [ تعالى ] أنزل فيهم قرآنا : بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناه زمنا ، وأنزل الله : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) .وقد قال الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري في صحيحه : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق قال : سألنا عبد الله عن هذه الآية : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) فقال : أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال : " أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل ، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال : هل تشتهون شيئا ؟ فقالوا : أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات ، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا : يا رب ، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى ، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا " . وقد روي نحوه عن أنس وأبي سعيد .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا حماد ، حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من نفس تموت ، لها عند الله خير ، يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى لما يرى من فضل الشهادة " .انفرد به مسلم من طريق حماد .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عبد الله المديني ، حدثنا سفيان ، عن محمد بن علي بن ربيعة السلمي ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما علمت أن الله أحيا أباك فقال له : تمن علي ، فقال له : أرد إلى الدنيا ، فأقتل مرة أخرى ، فقال : إني قضيت الحكم أنهم إليها لا يرجعون " .انفرد به أحمد من هذا الوجه وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن أبا جابر - وهو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه - قتل يوم أحد شهيدا . قال البخاري : وقال أبو الوليد ، عن شعبة عن ابن المنكدر قال : سمعت جابرا قال : لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه ، فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهونني والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينه ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تبكه - أو : ما تبكيه - ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع " . وقد أسنده هو ومسلم والنسائي من طريق آخر عن شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : لما قتل أبي يوم أحد ، جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي . . . وذكر تمامه بنحوه .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثنا إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد ، عن أبي الزبير المكي ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ، ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مشربهم ، ومأكلهم ، وحسن منقلبهم قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا ، لئلا يزهدوا في الجهاد ، ولا ينكلوا عن الحرب " فقال الله عز وجل : أنا أبلغهم عنكم . فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) وما بعدها " .هكذا رواه [ الإمام ] أحمد ، وكذا رواه ابن جرير عن يونس ، عن ابن وهب ، عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن إسحاق به ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق ، عن إسماعيل بن أمية ، عن أبي الزبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس فذكره ، وهذا أثبت . وكذا رواه سفيان الثوري ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس .وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي إسحاق الفزاري ، عن سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .وكذا قال قتادة ، والربيع ، والضحاك : إنها نزلت في قتلى أحد .حديث آخر : قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا هارون بن سليمان أنبأنا علي بن عبد الله المديني ، أنبأنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه الأنصاري ، سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصمة الأنصاري ، قال : سمعت جابر بن عبد الله قال : نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال : " يا جابر ، ما لي أراك مهتما ؟ " قال : قلت : يا رسول الله ، استشهد أبي وترك دينا وعيالا . قال : فقال : " ألا أخبرك ؟ ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب ، وإنه كلم أباك كفاحا - قال علي : الكفاح : المواجهة - فقال : سلني أعطك . قال : أسألك أن أرد إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية فقال الرب عز وجل : إنه سبق مني القول أنهم إليها لا يرجعون . قال : أي رب : فأبلغ من ورائي . فأنزل الله [ عز وجل ] ) ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ) الآية .ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن سليمان بن سبيط الأنصاري ، عن أبيه ، عن جابر ، به نحوه . وكذا رواه البيهقي في " دلائل النبوة " من طريق علي بن المديني ، به .وقد رواه البيهقي أيضا من حديث أبي عبادة الأنصاري ، وهو عيسى بن عبد الرحمن ، إن شاء الله ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة [ رضي الله عنها ] قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر : " يا جابر ، ألا أبشرك ؟ قال : بلى ، بشرك الله بالخير . قال شعرت أن الله أحيا أباك فقال : تمن علي عبدي ما شئت أعطكه . قال : يا رب ، ما عبدتك حق عبادتك . أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا فأقاتل مع نبيك ، وأقتل فيك مرة أخرى . قال : إنه سلف مني أنه إليها [ لا ] يرجع " .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثنا الحارث بن فضيل الأنصاري ، عن محمود بن لبيد ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الشهداء على بارق نهر بباب الجنة ، في قبة خضراء ، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا " .تفرد به أحمد ، وقد رواه ابن جرير عن أبي كريب حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ، وعبدة عن محمد بن إسحاق ، به . وهو إسناد جيد .وكان الشهداء أقسام : منهم من تسرح أرواحهم في الجنة ، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة ، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هنالك ، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح ، والله أعلم .وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا فيها ، وتأكل من ثمارها ، وترى ما فيها من النضرة والسرور ، وتشاهد ما أعده الله لها من الكرامة ، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم ، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة ، فإن الإمام أحمد ، رحمه الله ، رواه عن [ الإمام ] محمد بن إدريس الشافعي ، رحمه الله ، عن مالك بن أنس الأصبحي ، رحمه الله ، عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن أبيه ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة ، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه " .قوله : " يعلق " أي : يأكل .وفي هذا الحديث : " إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة " .وأما أرواح الشهداء ، فكما تقدم في حواصل طير خضر ، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين فإنها تطير بأنفسها ، فنسأل الله الكريم المنان أن يثبتنا على الإيمان .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء الأولى : لما بين الله تعالى أن ما جرى يوم أحد كان امتحانا يميز المنافق من الصادق ، بين أن من لم ينهزم فقتل له الكرامة والحياة عنده . والآية في شهداء أحد . وقيل : نزلت في شهداء بئر معونة . وقيل : بل هي عامة في جميع الشهداء . وفي مصنف أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب فقال الله سبحانه أنا أبلغهم عنكم - قال - فأنزل الله ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا . . . إلى آخر الآيات . وروى بقي بن مخلد عن جابر قال : لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( يا جابر ما لي أراك منكسا مهتما ) ؟ قلت : يا رسول الله ، استشهد أبي وترك عيالا وعليه دين ; فقال : ( ألا أبشرك بما لقي الله عز وجل به أباك ) ؟ قلت : بلى يا رسول الله . قال : ( إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحا وما كلم أحد قط إلا من وراء حجاب فقال له يا عبدي تمن أعطك قال يا رب فردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية فقال الرب تبارك وتعالى إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون قال يا رب فأبلغ من ورائي ) فأنزل الله عز وجل ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله الآية . أخرجه ابن ماجه في سننه ، والترمذي في جامعه وقال : هذا حديث حسن غريب . وروى وكيع عن سالم بن الأفطس عن سعيد بن جبير ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء قال : لما أصيب حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير ورأوا ما رزقوا من الخير قالوا : ليت إخواننا يعلمون ما أصابنا من الخير كي يزدادوا في الجهاد رغبة ; فقال الله تعالى أنا أبلغهم عنكم ، فأنزل الله تعالى : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا - إلى قوله : لا يضيع أجر المؤمنين . وقال أبو الضحى : نزلت هذه الآية في أهل أحد خاصة . والحديث الأول يقتضي صحة هذا القول . وقال بعضهم : نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلا ; ثمانية من الأنصار ، وستة من المهاجرين . وقيل : نزلت في شهداء بئر معونة ، وقصتهم مشهورة ذكرها محمد بن إسحاق وغيره . وقال آخرون : إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة وسرور تحسروا وقالوا : نحن في النعمة والسرور ، وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور . فأنزل الله تعالى هذه الآية تنفيسا عنهم وإخبارا عن حال قتلاهم . قلت : وبالجملة وإن كان يحتمل أن يكون النزول بسبب المجموع فقد أخبر الله تعالى فيها عن الشهداء أنهم أحياء في الجنة يرزقون ، ولا محالة أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب ، وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين ، وفضلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم .وقد اختلف العلماء في هذا المعنى . فالذي عليه المعظم هو ما ذكرناه ، وأن حياة الشهداء محققة . ثم منهم من يقول : ترد إليهم الأرواح في قبورهم فينعمون ، كما يحيا الكفار في قبورهم فيعذبون . وقال مجاهد : يرزقون من ثمر الجنة ، أي يجدون ريحها وليسوا فيها . وصار قوم إلى أن هذا مجاز ، والمعنى أنهم في حكم الله مستحقون للتنعم في الجنة . وهو كما يقال : ما مات فلان ، أي ذكره حي ; كما قيل :موت التقي حياة لا فناء لها قد مات قوم وهم في الناس أحياءفالمعنى أنهم يرزقون الثناء الجميل . وقال آخرون : أرواحهم في أجواف طير خضر وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون . وهذا هو الصحيح من الأقوال ; لأن ما صح به النقل فهو الواقع . وحديث ابن عباس نص يرفع الخلاف . وكذلك حديث ابن مسعود خرجه مسلم . وقد أتينا على هذا المعنى مبينا في كتاب " التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة " . والحمد للهوقد ذكرنا هناك الشهداء ، وأنهم مختلفو الحال . وأما من تأول في الشهداء أنهم أحياء بمعنى أنهم سيحيون فبعيد يرده القرآن والسنة ; فإن قوله تعالى : بل أحياء دليل على حياتهم ، وأنهم يرزقون ولا يرزق إلا حي . وقد قيل : إنه يكتب لهم في كل سنة ثواب غزوة ; ويشركون في ثواب كل جهاد كان بعدهم إلى يوم القيامة ; لأنهم سنوا أمر الجهاد . نظيره قوله تعالى : من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا . على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى . وقيل : لأن أرواحهم تركع وتسجد تحت العرش إلى يوم القيامة ، كأرواح الأحياء المؤمنين الذين باتوا على وضوء . وقيل : لأن الشهيد لا يبلى في القبر ولا تأكله الأرض . وقد ذكرنا هذا المعنى في " التذكرة " وأن الأرض لا تأكل الأنبياء والشهداء والعلماء والمؤذنين المحتسبين وحملة القرآن .الثانية : إذا كان الشهيد حيا حكما فلا يصلى عليه ، كالحي حسا . وقد اختلف العلماء في غسل الشهداء والصلاة عليهم ; فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري إلى غسل جميع الشهداء والصلاة عليهم ; إلا قتيل المعترك في قتال العدو خاصة ; لحديث جابر قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ادفنوهم بدمائهم ) يعني يوم أحد ولم يغسلهم ، رواه البخاري . وروى أبو داود عن ابن عباس قال : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم . وبهذا قال أحمد وإسحاق والأوزاعي وداود بن علي وجماعة فقهاء الأمصار وأهل الحديث وابن علية . وقال سعيد بن المسيب والحسن : يغسلون . قال أحدهما : إنما لم تغسل شهداء أحد لكثرتهم والشغل عن ذلك . قال أبو عمر : ولم يقل بقول سعيد والحسن هذا أحد من فقهاء الأمصار إلا عبيد الله بن الحسن العنبري ، وليس ما ذكروا من الشغل عن غسل شهداء أحد علة ; لأن كل واحد منهم كان له ولي يشتغل به ويقوم بأمره . والعلة في ذلك - والله أعلم - ما جاء في الحديث في دمائهم ( أنها تأتي يوم القيامة كريح المسك ) فبان أن العلة ليست الشغل كما قال من قال في ذلك ، وليس لهذه المسألة مدخل في القياس والنظر ، وإنما هي مسألة اتباع للأثر الذي نقله الكافة في قتلى أحد لم يغسلوا . وقد احتج بعض المتأخرين ممن ذهب مذهب الحسن بقوله عليه السلام في شهداء أحد . أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة . قال : وهذا يدل على خصوصهم وأنه لا يشركهم في ذلك غيرهم . قال أبو عمر : وهذا يشبه الشذوذ ، والقول بترك غسلهم أولى ; لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتلى أحد وغيرهم . وروى أبو داود عن جابر قال : رمي رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات فأدرج في ثيابه كما هو . قال : ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .الثالثة : وأما الصلاة عليهم فاختلف العلماء في ذلك أيضا ; فذهب مالك والليث والشافعي وأحمد وداود إلى أنه لا يصلى عليهم ; لحديث جابر قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول : ( أيهما أكثر أخذا للقرآن ) ؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال : ( أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة ) وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم . وقال فقهاء الكوفة والبصرة والشام : يصلى عليهم . ورووا آثارا كبيرة أكثرها مراسيل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على حمزة وعلى سائر شهداء أحد .الرابعة : وأجمع العلماء على أن الشهيد إذا حمل حيا ولم يمت في المعترك وعاش وأكل فإنه يصلى عليه ; كما قد صنع بعمر - رضي الله عنه - . واختلفوا فيمن قتل مظلوما كقتيل الخوارج وقطاع الطريق وشبه ذلك ; فقال أبو حنيفة والثوري : كل من قتل مظلوما لم يغسل ، ولكنه يصلى عليه وعلى كل شهيد ; وهو قول سائر أهل العراق . ورووا من طرق كثيرة صحاح عن زيد بن صوحان ، وكان قتل يوم الجمل : لا تنزعوا عني ثوبا ولا تغسلوا عني دما . وثبت عن عمار بن ياسر أنه قال مثل قول زيد بن صوحان . وقتل عمار بن ياسر بصفين ولم يغسله علي . وللشافعي قولان : أحدهما - يغسل كجميع الموتى إلا من قتله أهل الحرب ; وهذا قول مالك . قال مالك : لا يغسل من قتله الكفار ومات في المعترك . وكل مقتول غير قتيل المعترك - قتيل الكفار - فإنه يغسل ويصلى عليه . وهذا قول أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - . والقول الآخر للشافعي - لا يغسل قتيل البغاة . وقول مالك أصح ; فإن غسل الموتى قد ثبت بالإجماع ونقل الكافة . فواجب غسل كل ميت إلا من أخرجه إجماع أو سنة ثابتة . وبالله التوفيق .الخامسة : العدو إذا صبح قوما في منزلهم ولم يعلموا به فقتل منهم فهل يكون حكمه حكم قتيل المعترك ، أو حكم سائر الموتى ; وهذه المسألة نزلت عندنا بقرطبة أعادها الله : أغار العدو - قصمه الله - صبيحة الثالث من رمضان المعظم سنة سبع وعشرين وستمائة والناس في أجرانهم على غفلة ، فقتل وأسر ، وكان من جملة من قتل والدي رحمه الله ; فسألت شيخنا المقرئ الأستاذ أبا جعفر أحمد المعروف بأبي حجة فقال ; غسله وصل عليه ، فإن أباك لم يقتل في المعترك بين الصفين . ثم سألت شيخنا ربيع بن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع بن أبي فقال : إن حكمه حكم القتلى في المعترك . ثم سألت قاضي الجماعة أبا الحسن علي بن قطرال وحوله جماعة من الفقهاء فقالوا : غسله وكفنه وصل عليه ; ففعلت . ثم بعد ذلك وقفت على المسألة في " التبصرة " لأبي الحسن اللخمي وغيرها . ولو كان ذلك قبل ذلك ما غسلته ، وكنت دفنته بدمه في ثيابه .السادسة : هذه الآية تدل على عظيم ثواب القتل في سبيل الله والشهادة فيه حتى إنه يكفر الذنوب ; كما قال - صلى الله عليه وسلم - : القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين كذلك قال لي جبريل عليه السلام آنفا . قال علماؤنا ذكر الدين تنبيه على ما في معناه من الحقوق المتعلقة بالذمم ، كالغصب وأخذ المال بالباطل وقتل العمد وجراحه وغير ذلك من التبعات ، فإن كل هذا أولى ألا يغفر بالجهاد من الدين فإنه أشد ، والقصاص في هذا كله بالحسنات والسيئات حسبما وردت به السنة الثابتة . روى عبد الله بن أنيس قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : يحشر الله العباد - أو قال الناس ، شك همام ، وأومأ بيده إلى الشام - عراة غرلا بهما . قلنا : ما بهم ؟ قال : ليس معهم شيء فيناديهم بصوت يسمعه من قرب ومن بعد أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة . قال قلنا : كيف وإنما نأتي الله حفاة عراة غرلا . قال : بالحسنات والسيئات . أخرجه الحارث بن أبي أسامة . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أتدرون من المفلس ) ؟ . قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع . فقال : ( إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ) . وقال - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه . وروى أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( نفس المؤمن معلقة ما كان عليه دين ) . وقال أحمد بن زهير : سئل يحيى بن معين عن هذا الحديث فقال : هو صحيح . فإن قيل : فهذا يدل على أن بعض الشهداء لا يدخلون الجنة من حين القتل ، ولا تكون أرواحهم في جوف طير كما ذكرتم ، ولا يكونون في قبورهم ، فأين يكونون ؟ قلنا : قد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : أرواح الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له بارق يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا فلعلهم هؤلاء ، والله أعلم . ولهذا قال الإمام أبو محمد بن عطية : وهؤلاء طبقات وأحوال مختلفة يجمعها أنهم يرزقون . وقد أخرج الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه عن سليم بن عامر قال : سمعت أبا أمامة يقول سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : شهيد البحر مثل شهيدي البر والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله وإن الله عز وجل وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهداء البحر فإنه سبحانه يتولى قبض أرواحهم ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين ويغفر لشهيد البحر الذنوب كلها والدين .السابعة : الدين الذي يحبس به صاحبه عن الجنة - والله أعلم - هو الذي قد ترك له وفاء ولم يوص به . أو قدر على الأداء فلم يؤده ، أو ادانه في سرف أو في سفه ومات ولم يوفه . وأما من ادان في حق واجب لفاقة وعسر ومات ولم يترك وفاء فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله ; لأن على السلطان فرضا أن يؤدي عنه دينه ، إما من جملة الصدقات ، أو من سهم الغارمين ، أو من الفيء الراجع على المسلمين . قال - صلى الله عليه وسلم - : من ترك دينا أو ضياعا فعلى الله ورسوله ومن ترك مالا فلورثته . وقد زدنا هذا الباب بيانا في كتاب ( التذكرة ) والحمد لله .الثامنة : قوله تعالى : عند ربهم يرزقون فيه حذف مضاف تقديره عند كرامة ربهم . و " عند " هنا تقتضي غاية القرب ، فهي ك ( لدى ) ولذلك لم تصغر فيقال ! عنيد ; قال سيبويه . فهذه عندية الكرامة لا عندية المسافة والقرب .و يرزقون هو الرزق المعروف في العادات . ومن قال : هي حياة الذكر قال : يرزقون الثناء الجميل . والأول الحقيقة . وقد قيل : إن الأرواح تدرك في تلك الحال التي يسرحون فيها من روائح الجنة وطيبها ونعيمها وسرورها ما يليق بالأرواح ; مما ترتزق وتنتعش به . وأما اللذات الجسمانية فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم جميع ما أعد الله لها . وهذا قول حسن ، وإن كان فيه نوع من المجاز ، فهو الموافق لما اخترناه . والموفق الإله .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: " ولا تحسبن "، ولا تظنن. كما:-8204- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولا تحسبن "، ولا تظنن. (20)* * *وقوله: " الذين قتلوا في سبيل الله "، يعني: الذين قتلوا بأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم =" أمواتًا "، يقول: ولا تحسبنهم، يا محمد، أمواتًا، لا يحسُّون شيئًا، ولا يلتذُّون ولا يتنعمون، فإنهم أحياء عندي، متنعمون في رزقي، فرحون مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي، وحبَوْتهم به من جزيل ثوابي وعطائي، كما:-8205- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق = وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ابن إسحاق = عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تردُ أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحُسن مَقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا! لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب! (21) فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم. فأنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الآيات. (22)8206- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير بن عبد الحميد = وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة = قالا جميعًا: حدثنا محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن أبى الضحى، عن مسروق بن الأجدع قال: سألنا عبدالله بن مسعود عن هذه الآيات: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله " الآية، قال: أما إنا قد سألنا عنها فقيل لنا: إنه لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحَهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فيطَّلع الله إليهم اطِّلاعةً فيقول: يا عبادي، ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا، لا فوق ما أعطيتنا! الجنة نأكل منها حيث شئنا! (23) ثلاث مرات - ثم يطلع فيقول: يا عبادي، ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: رّبنا، لا فوق ما أعطيتنا! الجنة نأكل منها حيث شئنا! إلا أنا نختار أن تُردّ أرواحنا في أجسادنا، (24) ثم تردَّنا إلى الدنيا فنقاتل فيك حتى نقتل فيك مرة أخرى ". (25) .8207- حدثنا الحسن بن يحيى المقدسي قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: سألنا عبدالله عن هذه الآية = ثم ذكر نحوه وزاد فيه: إني قد قضيت أن لا ترجعوا. (26) .8208- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن عبدالله بن مرة، عن مسروق قال: سألنا عبدالله عن أرواح الشهداء، ولولا عبدالله ما أخبرنا به أحدٌ! قال: أرواح الشهداء عند الله في أجواف طير خضر في قناديل تحت العرش، تسرحُ في الجنة حيث شاءت، ثم ترجع إلى قناديلها، فيطَّلع إليها ربُّها، فيقول: ماذا تريدون؟ فيقولون: نريد أن نرجع إلى الدنيا فنقتل مرة أخرى. (27)8209- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان وعبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشهداء على بارق = على نهر بباب الجنة = في قبة خضراء = وقال عبدة: " في روضة خضراء = يخرج عليهم رزقهم من الجنةُ بكرة وعشيًّا ". (28)8210- حدثنا أبو كريب، وأنبأنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني الحارث بن فضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله = إلا أنه قال: في قبة خضراء = وقال: يخرج عليهم فيها.8211- حدثنا ابن وكيع، وأنبأنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني الحارث بن فضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.8212- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد بن إسحاق، وحدثني الحارث بن الفضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد الأنصاري، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشهداء على بارق = نهر بباب الجنة = في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًّا.8213- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني أيضًا = يعني إسماعيل بن عياش = عن ابن إسحاق، عن الحارث بن الفضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. (29)8214- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد بن إسحاق، وحدثني بعض أصحابي عن عبدالله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال: سمعت جابر بن عبدالله يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أبشرك يا جابر؟ قال قلت: بلى، يا رسول الله! قال: إن أباك حيث أصيب بأحد، أحياه الله ثم قال له: ما تحب يا عبدالله بن عمرو أن أفعل بك؟ قال: يا رب، أحب أن تردَّني إلى الدنيا، فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى ". (30) .8215- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد! فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك القرآن: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون " = كنا نحدَّث أن أرواح الشهداء تَعارَف في طير بيض تأكل من ثمار الجنة، وأنّ مساكنهم السِّدرة. (31) .8216- حدثت عن عمار، وأنبأنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بنحوه = إلا أنه قال: تعارف في طير خضر وبيض = وزاد فيه أيضًا: وذكر لنا عن بعضهم في قوله: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء "، قال: هم قتلى بدر وأحد.8217- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة قال: قالوا: يا رب، ألا رسول لنا يخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم عنا بما أعطيتنا؟ فقال الله تبارك وتعالى: أنا رسولكم، فأمر جبريل عليه السلام أن يأتي بهذه الآية: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله "، الآيتين.8218- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن عبدالله بن مرة، عن مسروق قال: سألنا عبدالله عن هذه الآيات: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون "، قال: أرواح الشهداء عند الله كطير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت. قال: فاطلع إليهم ربك اطِّلاعة فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: ربنا، ألسنا نسرح في الجنة في أيِّها شئنا! ثم اطَّلع عليهم الثالثة فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: تعيد أرواحنا في أجسادنا فنقاتل في سبيلك مرة أخرى! فسكت عنهم. (32)8219- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبيدة، عن عبدالله: أنهم قالوا في الثالثة = حين قال لهم: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ = قالوا: تقرئ نبينا عنا السلام، وتخبره أن قد رضينا ورُضيَ عنا. (33)8220- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قال الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يرغِّب المؤمنين في ثواب الجنة ويهوِّن عليهم القتل: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون "، أي: قد أحييتهم، فهم عندي يرزقون في رَوْح الجنة وفضلها، مسرورين بما آتاهم الله من ثوابه على جهادهم عنه. (34)8221- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك قال: كان المسلمون يسألون ربهم أن يريهم يومًا كيوم بدر، يبلون فيه خيرًا، يرزقون فيه الشهادة، ويرزقون فيه الجنة والحياة في الرزق، فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله فقال: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا " الآية.8222- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ذكر الشهداء فقال: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم " إلى قوله: وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ، زَعم أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، (35) في قناديل من ذهب معلقة بالعرش، فهي ترعى بُكرة وعشية في الجنة، تبيت في القناديل، فإذا سرحن نادى مناد: ماذا تريدون؟ ماذا تشتهون؟ فيقولون: ربنا، نحن فيما اشتهت أنفسنا! فيسألهم ربهم أيضًا: ماذا تشتهون؟ وماذا تريدون؟ فيقولون: نحن فيما اشتهت أنفسنا! فيسألون الثالثة، فيقولون ما قالوا: ولكنا نحب أن تردَّ أرواحنا في أجسادنا! لما يرون من فضل الثواب. (36)8223- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا عباد قال، حدثنا إبراهيم بن معمر، عن الحسن قال:، ما زال ابن آدم يتحمَّد (37) حتى صار حيًّا ما يموت. ثم تلا هذه الآية: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون ".8224- حدثنا محمد بن مرزوق قال، حدثنا عمر بن يونس، عن عكرمة قال، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة قال، حدثني أنس بن مالك في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري أربعين أو سبعين. قال: وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتوا غارًا مشرفًا على الماء قعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلِّغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء؟ فقال -أُراه أبو ملحان الأنصاري-: أنا أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرج حتى أتى حيًّا منهم، فاحتبى أمام البيوت ثم قال: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله. فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح، فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، (38) فقال: الله أكبر، فزتُ ورب الكعبة! فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه، فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل (39) = قال: قال إسحاق: حدثني أنس بن مالك: إنّ الله تعالى أنزل فيهم قرآنًا، رُفع بعد ما قرأناه زمانًا. (40) وأنزل الله: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون ". (41) .8225- حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: لما أصيب الذين أصيبوا يوم أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لقوا ربَّهم، فأكرمهم، فأصابوا الحياة والشهادة والرزق الطيب، قالوا: يا ليت بيننا وبين إخواننا من يبلغهم أنا لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا! فقال الله تبارك وتعالى: أنا رسولكم إلى نبيكم وإخوانكم. فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون " إلى قوله: وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . فهذا النبأ الذي بلَّغ الله رسوله والمؤمنين ما قال الشهداء.* * *وفي نصب قوله: " فرحين " وجهان.أحدهما: أن يكون منصوبًا على الخروج من قوله: " عند ربهم ". (42) والآخر من قوله: " يرزقون ". ولو كان رفعًا بالردّ على قوله: " بل أحياء فرحون "، كان جائزًا.---------------الهوامش :(20) الأثر: 8204- سيرة ابن هشام 3: 126 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8199.(21) نكل عن عدوه: جبن فنكص على عقبيه ، وانصرف عنه هيبة له وخوفًا.(22) الحديث: 8205- أبو الزبير: هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي ، وهو تابعي ثقة ، مضى مرارًا. وقيل إنه لم يسمع من ابن عباس ، ففي المراسيل لابن أبي حاتم ، ص: 71 ، عن ابن عيينة: "يقولون: ابن المكي لم يسمع من ابن عباس". وفيه أيضًا: "سمعت أبي يقول: رأى ابن عباس رؤية".والحديث رواه أحمد في المسند: 2388 ، عن يعقوب ، وهو ابن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، بهذا الإسناد. ثم رواه عقبة: 2389 ، "نحوه" ، عن عثمان بن أبي شيبة ، عن عبد الله بن إدريس ، عن ابن إسحاق ، به. وزاد في الإسناد"عن سعيد بن جبير" ، بين أبي الزبير وابن عباس.وكذلك رواه أبو داود في السنن: 2520 ، عن عثمان بن أبي شيبة ، به. وكذلك رواه الحاكم في المستدرك 2: 297 - 298 ، من طريق عثمان بن أبي شيبة. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي.وذكره ابن كثير 2: 290 - 291 ، من رواية المسند الأولى ، وأشار إلى رواية الطبري هذه ، ثم إلى زيادة سعيد بن جبير في الإسناد ، عند أبي داود والحاكم ، ثم قال: "وهذا أثبت. وكذا رواه سفيان الثوري ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس".وذكره السيوطي 2: 95 ، وزاد نسبته إلى هناد ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، والبيهقي في الدلائل. وقوله: "وحسن مقيلهم" - في المسند: "منقلبهم". ومعناها صحيح أيضًا. ولكن وجدت بعد ذلك في مخطوطة الرياض من المسند (المصور عندي) نسخة أخرى بهامشها"مقيلهم". وهي أصح وأجود. وهي الموافقة لما في ابن كثير نقلا عن المسند ، والموافقة لروايتي أبي داود والحاكم. ويؤيد صحتها أنها الموافقة لألفاظ الكتاب العزيز. قال الله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلا) [سورة الفرقان: 24].وانظر ما يأتي من حديث ابن مسعود: 8206 - 8208 ، 8218 ، 8219. وما يأتي من حديث ابن عباس: 8209 - 8213.(23) قوله: "لا فوق ما أعطيتنا" ، أي لا شيء فوق ذلك. و"الجنة" قال أبو ذر الخشني: "يروى هنا بالخفض والرفع ، بخفض الجنة ، على البدل من"ما" في قوله: ما أعطيتنا - ورفعها على خبر مبتدأ مضمر ، تقديرها هو الجنة". وجائز أن تكون على النصب أيضًا ، على تقدير"أعطيتنا الجنة".(24) في المطبوعة: إلا أنا نختار أن ترد أرواحنا. . ." ، وفي المخطوطة: "إلا أنا نختار ترد أرواحنا" ، وهو تصحيف ما في سيرة ابن هشام"نحب أن ترد" ، فأثبت ما في السيرة ، وفي رواية مسلم"إلا أنا نريد أن ترد" ، وهما سواء.(25) الحديث: 8206- أبو الضحى: هو مسلم بن صبيح -بالتصغير- الهمداني. مضى الكلام عليه مرارًا ، آخرها: 7217. والحديث سيأتي عقب هذا ، من رواية الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق. ويأتي بعده: 8208 ، من رواية سليمان -وهو الأعمش- عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق. فللأعمش فيه شيخان. سمعه منهما عن مسروق. وسيأتي تخريجه في الأخير.(26) الحديث: 8207- الحسن بن أبي يحيى المقدسي ، شيخ الطبري: لم أصل إلى الآن إلى معرفته. وقد مضى كذلك من قبل في: 7216. ووقع اسمه في المطبوعة هنا: "الحسن بن يحيى العبدي". والتصويب من المخطوطة. ومن السهل جدًا على الناسخ أو الطابع سقوط كلمة"أبي" ، وتحريف كلمة"المقدسي" إلى"العبدي" إذا كانت غير واضحة الرسم. وهذا الحديث تكرار للذي قبله من هذا الوجه ، كما قلنا.(27) الحديث: 8208- سليمان: هو ابن مهران الأعمش. والحديث مكرر ما قبله باختصار ، من وجه آخر ، من رواية الأعمش عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق.وعبد الله بن مرة الهمداني الخارفي: تابعي ثقة ، أخرج له الجماعة. مترجم في التهذيب ، وابن سعد 6: 203 ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 165. والحديث رواه مسلم 2: 98 ، بأسانيد ، من طريق الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، به نحوه - أطول مما هنا.وكذلك رواه الترمذي 4: 84 - 85 ، من رواية الأعمش ، عن عبد الله بن مرة. ونقله ابن كثير 2: 289 ، عن صحيح مسلم. وذكره السيوطي 2: 96 ، وزاد نسبته لعبد الرزاق في المصنف ، والفريابي ، وسعيد بن منصور ، وهناد ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، والبيهقي في الدلائل. ولم يروه أحمد في المسند ، فيما تحقق لدي ، إلا أن يكون أثناء مسند صحابي آخر فيما بعد المسانيد التي حققتها. فالله أعلم. وسيأتي مرة رابعة: 8218 ، من رواية عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد الله - وهو ابن مسعود ويأتي مرة خامسة: 8219 ، من رواية أبي عبيد بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه.(28) الحديث: 8209- سبق هذا الحديث ، بهذا إسناد: 2323. وفصلنا القول فيه هناك. وسيأتي عقبه - هنا - بأربعة أسانيد.(29) الأحاديث: 8210 - 8213 ، هي أربعة أسانيد ، تكرارًا للحديث قلبها.(30) الحديث: 8214- هكذا روى ابن إسحاق هذا الحديث مجهلا شيخه الذي حدثه ، فأضعف الإسناد بذلك. وهو في سيرة ابن هشام 3: 127. وقد ورد معناه عن جابر ، بإسناد آخر صحيح:فروى أحمد في المسند: 14938 (ج3 ص 361 حلبي) ، عن علي بن المديني ، عن سفيان - وهو ابن عيينة - عن محمد بن علي بن رُبَيِّعة -بالتصغير- السُّلَمي ، عن عبد الله بن محمد بن عُقيل ، عن جابر ، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جابر ، أمَا علمتَ أن الله عز وجل أحيا أباك ، فقال له: تَمَنَّ عليَّ. فقال: أُرَدُّ إلى الدنيا ، فأُقتَل مرة أخرى. فقال: إني قَضَيْتُ الحكمَ ، أنهم إليها لا يُرْجَعون". وهذا إسناد صحيح. محمد بن علي بن ربيعة السلمي: ثقة ، وثقه ابن معين ، وغيره ، وترجمه ابن أبي حاتم 4 / 1 / 26 - 27. وترجمه البخاري في الكبير 1 / 1 / 183 - 184 باسم"محمد بن علي السلمي". وكذلك ابن سعد في الطبقات 6: 257 - فلم يذكروا فيه جرحًا.والحديث ذكره ابن كثير 2: 289 من رواية المسند. ثم قال: "تفرد به أحمد من هذا الوجه". يشير بهذا إلى أن الترمذي روى معناه مطولا 4: 84 ، من وجه آخر ، وقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه". ثم قال: "وقد روى عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر - شيئًا من هذا". وهو إشارة إلى حديث المسند.وقد ذكر السيوطي الرواية المطولة 2: 95 ، ونسبها أيضًا لابن ماجه ، وابن أبي عاصم في السنة ، وابن خزيمة والطبراني ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل. وانظر المستدرك 3: 203 - 204 ووالد جابر: هو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري ، الخزرجي ، السلمي ، صحابي جليل مشهور ، من أهل العقبة ، وممن شهد بدرًا ، وكان من النقباء. استشهد يوم أحد ، رضي الله عنه.(31) الأثر: 8215- مضى مطولا برقم: 2319.(32) الحديث: 8218- هذا هو الإسناد الرابع لحديث عبد الله بن مسعود ، الذي مضى بثلاثة أسانيد: 8206 - 8208.رواه هنا من طريق عبد الرزاق. وهو في مصنف عبد الرزاق 3: 115 (مخطوط مصور). بهذا الإسناد وهذا اللفظ. ولكن ليس في نسخة المصنف كلمة"خضر" في وصف الطير. وقوله: "ثم اطلع عليهم الثالثة" - هكذا ثبت أيضا في المصنف ، بحذف الاطلاعة الثانية. فليس ما هنا سقطًا من الناسخين ، بل هو اختصار في الرواية.(33) الحديث: 8219- هذا هو الإسناد الخامس لحديث عبد الله بن مسعود. وهو من رواية ابنه أبي عبيدة عنه. وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: تابعي ثقة. الراجح أن اسمه كنيته. وقيل إن اسمه"عامر". وبه ترجم في التهذيب ، وترجمه ابن سعد 6: 149 بالكنية. وكذلك ترجمه البخاري في الكنى ، رقم: 447 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 403.وروايته عن أبيه منقطعة ، مات أبوه وهو صغير. وجزم أبو حاتم وغيره بأنه لم يسمع منه ، انظر المراسيل ، ص: 91 - 92. وروى الترمذي (1: 26 بشرحنا) ، بإسناد صحيح ، عن عمرو بن مرة ، قال ، "سألت أبا عبيدة بن عبد الله: هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: "لا".والحديث -من هذا الوجه- رواه الترمذي ، عن ابن أبي عمر ، عن سفيان ، وهو ابن عيينة - بهذا الإسناد. ولم يذكر لفظه ، بل جعله تابعًا لرواية الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، كمثل صنيع الطبري هنا ، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن".وقوله: "ورضي عنا": هو بالبناء لما لم يسم فاعله. أي: ورضى الله عنا. كما هو ظاهر من السياق ، وكما نص عليه شارح الترمذي.(34) الأثر: 8220- سيرة ابن هشام 3: 126 ، وهو تمام الآثار التي آخرها: 8204.(35) قوله: "زعم" ، لا يراد به القول الباطل ، بل يراد به القول الحق ، والزعم: هو القول ، يكون تاره حقًا ، وتارة باطلا ، وفي شعر أمية بن أبي الصلت: وَإنِّي أَذِينٌ لَكُمْ أَنَهُسَيُنْجِزُكُمْ رَبُّكُمْ ما زَعَمْأي: ما قال وما وعد.(36) في المطبوعة: "لما يرون من فضل للثواب" ، وأثبت ما في المخطوطة.(37) "تحمد الرجل يتحمد" ، إذا طلب بفعله الحمد ، و"فلان يتحمد إلى الناس بفعله" ، أي يلتمس بذلك حمدهم.(38) البيت: يعني الخيمة. وكسر البيت (بكسر الكاف وسكون السين): أسفل شقة البيت التي تلي الأرض من حيث يكسر جانباه من عن يمين ويسار.(39) في المخطوطة: "فقتلوهم أجمعين" ، والصواب من التاريخ وسائر المراجع.(40) نص ما في التاريخ: "أَنزَل فيهم قرآنًا: " بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِىَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ " ، ثم نسخت فرفعت بعدما قرأناه زمانا ".(41) الحديث: 8224- محمد بن مرزوق - شيخ الطبري - هو محمد بن محمد بن مرزوق ، نسب إلى جده. وقد مضت له عنه رواية ، برقم: 28. مترجم في التهذيب. وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد 3: 199 - 200 ، وترجمه ابن أبي حاتم 4 / 1 / 89 - 90 باسم"محمد بن مرزوق".عمر بن يونس اليمامي: مضى في: 4435. ووقع في الأصول هنا باسم"عمرو بن يونس" ، وكذلك في تاريخ الطبري في هذا الحديث ، وكذلك في تفسير ابن كثير ، في نقله الحديث عن هذا الموضع. ولعل الخطأ في هذا يكون من الطبري نفسه ، إذ يبعد أن يخطئ الناسخون في هذه المصادر الثلاثة خطأ واحدًا. وليس في الرواة - فيما أعلم - من يسمى"عمرو بن يونس". ووقع في الإسناد هنا - في التفسير - خطأ آخر. في المخطوطة والمطبوعة ، إذ سقط من الإسناد [عن عكرمة] بين عمر بن يونس وإسحاق بن أبي طلحة. وهو ثابت في التاريخ وتفسير ابن كثير. وعكرمة هذا: هو عكرمة بن عمار اليمامي ، مضت ترجمته في: 2185. وعمر بن يونس معروف بالرواية عنه. ولم يدرك أن يروى عن"عكرمة مولى ابن عباس". إسحاق بن أبي طلحة: هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري البخاري. نسب إلى جده. وهو تابعي ثقة حجة ، أخرج له الجماعة. مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1 / 1 / 393 - 394 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 226. وأبوه"أبو طلحة": هو"زيد بن سهل" ، وهو أخو أنس بن مالك لأمه.وهذا الحديث رواه الطبري أيضًا في التاريخ 3: 36 ، بهذا الإسناد.ونقله ابن كثير في التفسير 2: 288 ، عن هذا الموضع من التفسير.وأشار إليه الحافظ في الفتح 7: 298 ، حيث قال: "في رواية الطبري من طريق عكرمة بن عمار ، عن إسحاق بن أبي طلحة. . ." ولكن وقع فيه"عكرمة عن عمار" - وهو خطأ مطبعي واضح.ووقع في أصل الطبري هنا -المخطوط والمطبوع-: "فقال أراه أبو ملحان". وكذلك في نقل ابن كثير عن هذا الموضع. وهو خطأ قديم من الناسخين ، صوابه: "ابن ملحان". وثبت على الصواب في التاريخ ، ومنه صححناه.وهو"حرام بن ملحان الأنصاري" ، وهو خال أنس بن مالك ، أخو أمه"أم سليم بنت ملحان". ولا نعلم أن كنيته"أبو ملحان" - حتى نظن أنه ذكر هنا بكنيته. وهو مترجم في ابن سعد 3 / 2 / 71 - 72 ، والإصابة.وهذا الحديث - في قصة بئر معونة - ثابت عن أنس بن مالك من أوجه ، مختصرًا ومطولا.وقد رواه أحمد في المسند: 13228 ، عن عبد الصمد ، و: 14119 ، عن عفان - كلاهما عن همام ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس (المسند ج3 ص 210 ، 288 - 289 حلبي). ورواه أيضا: 12429 (3: 137 حلبي) ، من رواية ثابت ، عن أنس.ورواه البخاري 7: 297 - 299 ، عن موسى بن إسماعيل ، عن همام ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة" ورواه قبله وبعده من أوجه أخر.ورواه ابن سعد في الطبقات 3 / 2 / 71 - 72 ، عن عفان ، كرواية المسند: 14119. وقد مضى بعض معناه مختصرًا ، في تفسير الطبري: 1769 ، من رواية قتادة ، عن أنس. وتفصيل القصة في تاريخ ابن كثير 4: 71 - 74. وانظر أيضًا جوامع السيرة لابن حزم ، ص: 178- 180 ، وما أشير إليه من المراجع في التعليق عليه هناك. وروى أحمد في المسند ، بعض هذا المعنى ، من حديث ابن مسعود: 3952.(42) "الخروج" ، نصبها على الخروج ، يعني على خروجها منه على الحال. انظر ما سلف 5: 253 / ثم 6: 586 / 7: 25 ، تعليق: 3. ثم انظر معاني القرآن للفراء 1: 247.
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠التفسير الميسرلقد عَمَّتهم السعادة حين مَنَّ الله عليهم، فأعطاهم مِن عظيم جوده وواسع كرمه من النعيم والرضا ما تَقَرُّ به أعينهم، وهم يفرحون بإخوانهم المجاهدين الذين فارقوهم وهم أحياء؛ ليفوزوا كما فازوا، لِعِلْمِهم أنهم سينالون من الخير الذي نالوه، إذا استشهدوا في سبيل الله مخلصين له، وأن لا خوف عليهم فيما يستقبلون من أمور الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.
تفسير السعدي فرحين بما آتاهم الله من فضله أي: مغتبطين بذلك، قد قرت به عيونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه وكثرته، وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص، فجمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله: فتم لهم النعيم والسرور، وجعلوا يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أي: يبشر بعضهم بعضا، بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، وأنهم سينالون ما نالوا، ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون أي: يستبشرون بزوال المحذور عنهم وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور
تفسير ابن كثيروقوله : ( فرحين بما آتاهم الله [ من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ] ) أي : الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند الله ، وهم فرحون مما هم فيه من النعمة والغبطة ، ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدمون عليهم ، وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم .قال محمد بن إسحاق ( ويستبشرون ) أي : ويسرون بلحوق من خلفهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم ، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم .[ و ] قال السدي : يؤتى الشهيد بكتاب فيه : " يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا ، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا ، فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بقدوم غيابهم " .وقال سعيد بن جبير : لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء قالوا : يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة ، فإذا شهدوا للقتال باشروها بأنفسهم ، حتى يستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمرهم وما هم فيه من الكرامة ، وأخبرهم - أي ربهم - [ أني ] قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم ، وما أنتم فيه ، فاستبشروا بذلك ، فذلك قوله : ( ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ) الآية .وقد ثبت في الصحيحين عن أنس ، رضي الله عنه ، في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار ، الذين قتلوا في غداة واحدة ، وقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوهم ، يدعو عليهم ويلعنهم ، قال أنس : ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع : " أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا " .
تفسير القرطبيو فرحين نصب في موضع الحال من المضمر في يرزقون . ويجوز في الكلام " فرحون " على النعت لأحياء . وهو من الفرح بمعنى السرور . والفضل في هذه الآية هو النعيم المذكور . وقرأ ابن السميقع " فارحين " بالألف وهما لغتان ، كالفره والفاره ، والحذر والحاذر ، والطمع والطامع ، والبخل والباخل . قال النحاس : ويجوز في غير القرآن رفعه ، يكون نعتا لأحياء .قوله تعالى : ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم المعنى لم يلحقوا بهم في الفضل ، وإن كان لهم فضل . وأصله من البشرة ; لأن الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في وجهه . وقال السدي . : يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من إخوانه ، فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا . وقال قتادة وابن جريج والربيع وغيرهم : استبشارهم بأنهم يقولون : إخواننا الذين تركنا خلفنا في الدنيا يقاتلون في سبيل الله مع نبيهم ، فيستشهدون فينالون من الكرامة مثل ما نحن فيه ; فيسرون ويفرحون لهم بذلك . وقيل : إن الإشارة بالاستبشار للذين لم يلحقوا بهم إلى جميع المؤمنين وإن لم يقتلوا ، ولكنهم لما عاينوا ثواب الله وقع اليقين بأن دين الإسلام هو الحق الذي يثيب الله عليه ; فهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله ، مستبشرون للمؤمنين بأن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . ذهب إلى هذا المعنى الزجاج وابن فورك .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ويفرحون بمن لم يلحق بهم من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على مناهجهم من جهاد أعداء الله مع رسوله، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا فلحقوا بهم صاروا من كرامة الله إلى مثل الذي صاروا هم إليه، فهم لذلك مستبشرون بهم، فرحون أنهم إذا صاروا كذلك " لا خوف عليهم ولا هم يحزنون "، يعني بذلك: (43) لا خوف عليهم، لأنهم قد أمنوا عقاب الله، وأيقنوا برضاه عنهم، فقد أمنوا الخوف الذي كانوا يخافونه من ذلك في الدنيا، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا وراءهم من أسباب الدنيا ونكد عيشها، للخفض الذي صارُوا إليه والدعة والزُّلْفة. (44) .* * *ونصب " أن لا " بمعنى: يستبشرون لهم بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. (45) .وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:8226- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم " الآية، يقول: لإخوانهم الذين فارقوهم على دينهم وأمرهم، لما قدموا عليه من الكرامة والفضل والنعيم الذي أعطاهم.8227- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم " الآية، قال، يقولون: إخواننا يقتلون كما قتلنا، يلحقونا فيصيبون من كرامة الله تعالى ما أصبنا.8228- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ذكر لنا عن بعضهم في قوله: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، قال: هم قتلى بدر وأحد، زعموا أن الله تبارك وتعالى لما قبض أرواحهم وأدخلهم الجنة، (46) جُعلت أرواحهم في طير خضر ترعى في الجنة، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش. فلما رأوا ما أعطاهم الله من الكرامة، قالوا: ليت إخواننا الذين بعدنا يعلمون ما نحن فيه! فإذا شهدوا قتالا تعجَّلوا إلى ما نحن فيه! فقال الله تعالى: إنيّ منزل على نبيكم ومخبر إخوانكم بالذي أنتم فيه. ففرحوا به واستبشروا، وقالوا: يخبر الله نبيكم وإخوانكم بالذي أنتم فيه، فإذا شهدوا قتالا أتوكم! قال: فذلك قوله: فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إلى قوله: أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ .8229- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم "، أي: ويسرون بلحوق من لحق بهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم، وأذهب الله عنهم الخوف والحزن. (47) .8230- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم "، قال: هم إخوانهم من الشهداء ممَّن يُستشهد من بعدهم =" لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " حتى بلغ: وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ .8231- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما " يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم "، فإن الشهيد يؤتى بكتاب فيه من يقدم عليه من إخوانه وأهله، فيقال: " يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا "، فيستبشر حين يقدم عليه، كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا.------------------الهوامش :(43) انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف 1: 551 / 2 : 150 ، 512 ، 513 / 5: 519.(44) "الخفض": لين العيش وسعته وخصبه ، يقال: "عيش خفض ، وخافض ، وخفيض ، ومخفوض": خصيب في دعة ولين. و"الزلفة": القربة والدرجة والمنزلة ، عند الله رب العالمين.(45) انظر معاني القرآن للفراء 1: 247.(46) انظر تفسير"زعم" فيما سلف قريبًا ص 392 تعليق: 1.(47) الأثر: 8229- سيرة ابن هشام 3: 126 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8220 ونص ابن هشام: "قد أذهب الله. . ." ، وهو أجود.
۞ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٧١التفسير الميسروإنهم في فرحة غامرة بما أُعطوا من نعم الله وجزيل عطائه، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين به، بل ينمِّيه ويزيده من فضله.
تفسير السعدي يستبشرون بنعمة من الله وفضل أي: يهنىء بعضهم بعضا، بأعظم مهنأ به، وهو: نعمة ربهم، وفضله، وإحسانه، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين بل ينميه ويشكره، ويزيده من فضله، ما لا يصل إليه سعيهم. وفي هذه الآيات إثبات نعيم البرزخ، وأن الشهداء في أعلى مكان عند ربهم، وفيه تلاقي أرواح أهل الخير، وزيارة بعضهم بعضا، وتبشير بعضهم بعضا.
تفسير ابن كثيرثم قال : ( يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) قال محمد بن إسحاق : استبشروا وسروا لما عاينوا من وفاء الموعود وجزيل الثواب .وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم ، سواء الشهداء وغيرهم ، وقلما ذكر الله فضلا ذكر به الأنبياء وثوابا أعطاهم إلا ذكر ما أعطى الله المؤمنين من بعدهم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنينأي بجنة من الله . ويقال : بمغفرة من الله . وفضل هذا لزيادة البيان . والفضل داخل في النعمة ، وفيه دليل على اتساعها ، وأنها ليست كنعم الدنيا . وقيل : جاء الفضل بعد النعمة على وجه التأكيد ; روى الترمذي عن المقدام بن معدي كرب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( للشهيد عند الله ست خصال - كذا في الترمذي وابن ماجه " ست " ، وهي في العدد سبع - يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع في سبعين من أقاربه ) قال : هذا حديث حسن صحيح غريب . وهذا تفسير للنعمة والفضل . والآثار في هذا المعنى كثيرة . وروي عن مجاهد أنه قال : السيوف مفاتيح الجنة . وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : أكرم الله تعالى الشهداء بخمس كرامات لم يكرم بها أحدا من الأنبياء ولا أنا أحدها أن جميع الأنبياء قبض أرواحهم ملك الموت وهو الذي سيقبض روحي وأما الشهداء فالله هو الذي يقبض أرواحهم بقدرته كيف يشاء ولا يسلط على أرواحهم ملك الموت ، والثاني أن جميع الأنبياء قد غسلوا بعد الموت وأنا أغسل بعد الموت والشهداء لا يغسلون ولا حاجة لهم إلى ماء الدنيا ، والثالث أن جميع الأنبياء قد كفنوا وأنا أكفن والشهداء لا يكفنون بل يدفنون في ثيابهم ، والرابع أن الأنبياء لما ماتوا سموا أمواتا وإذا مت يقال قد مات والشهداء لا يسمون موتى ، والخامس أن الأنبياء تعطى لهم الشفاعة يوم القيامة وشفاعتي أيضا يوم القيامة وأما الشهداء فإنهم يشفعون في كل يوم فيمن يشفعون .قوله تعالى : وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين قرأه الكسائي بكسر الألف ، والباقون بالنصب ; فمن قرأ بالنصب فمعناه يستبشرون بنعمة من الله ويستبشرون بأن الله لا يضيع أجر المؤمنين . ومن قرأ بالكسر فعلى الابتداء . ودليله قراءة ابن مسعود " والله لا يضيع أجر المؤمنين " .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: " يستبشرون "، يفرحون =" بنعمة من الله "، يعني بما حباهم به تعالى ذكره من عظيم كرامته عند ورودهم عليه =" وفضل " يقول: وبما أسبغ عليهم من الفضل وجزيل الثواب على ما سلف منهم من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وجهاد أعدائه =" وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين "، كما:-8232- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن أبي إسحاق: " يستبشرون بنعمة من الله وفضل " الآية، لما عاينوا من وفاء الموعود وعظيم الثواب. (48)* * *واختلفت القرأة في قراءة قوله: " وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ".فقرأ ذلك بعضهم بفتح " الألف " من " أنّ" بمعنى: يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وبأنّ الله لا يضيع أجر المؤمنين.* * *= وبكسر " الألف "، على الاستئناف. واحتج من قرأ ذلك كذلك بأنها في قراءة عبدالله: ( وَفَضْلٍ وَاللَّهُ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ). قالوا: فذلك دليل على أن قوله: " وإن الله " مستأنف غير متصل بالأول. (49) .* * *ومعنى قوله: " لا يضيع أجر المؤمنين "، لا يبطل جزاء أعمال من صدّق رسوله واتبعه، وعمل بما جاءه من عند الله.* * *قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب، قراءه من قرأ ذلك: " وأن الله " بفتح " الألف "، لإجماع الحجة من القرأة على ذلك.------------------الهوامش :(48) الأثر: 8232- سيرة ابن هشام 3: 126 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8229.(49) انظر معاني القرآن للفراء 1: 247.
ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢التفسير الميسرالذين لبُّوا نداء الله ورسوله وخرجوا في أعقاب المشركين إلى "حمراء الأسد" بعد هزيمتهم في غزوة "أُحد" مع ما كان بهم من آلام وجراح، وبذلوا غاية جهدهم، والتزموا بهدي نبيهم، للمحسنين منهم والمتقين ثواب عظيم.
تفسير السعديلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من "أحد" إلى المدينة، وسمع أن أبا سفيان ومن معه من المشركين قد هموا بالرجوع إلى المدينة، ندب أصحابه إلى الخروج، فخرجوا -على ما بهم من الجراح- استجابة لله ولرسوله، وطاعة لله ولرسوله، فوصلوا إلى "حمراء الأسد" وجاءهم من جاءهم
تفسير ابن كثيروقوله : ( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ) هذا كان يوم " حمراء الأسد " ، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم ، فلما استمروا في سيرهم تندموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة . فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلدا ، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد ، سوى جابر بن عبد الله رضي الله عنه - لما سنذكره - فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله [ عز وجل ] ولرسوله صلى الله عليه وسلم .قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن عكرمة قال : لما رجع المشركون عن أحد قالوا : لا محمدا قتلتم ، ولا الكواعب أردفتم ، بئسما صنعتم ، ارجعوا . فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد - أو : بئر أبي عيينة - الشك من سفيان - فقال المشركون : نرجع من قابل . فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت تعد غزوة ، فأنزل الله عز وجل : ( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم )ورواه ابن مردويه من حديث محمد بن منصور ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن عكرمة ، عن ابن عباس فذكره .وقال محمد بن إسحاق : كان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال ، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال ، أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو ، وأذن مؤذنه ألا يخرج معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس . فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فقال : يا رسول الله ، إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال : يا بني ، إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ، فتخلف على أخواتك ، فتخلفت عليهن ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج معه . وإنما خرج رسول الله مرهبا للعدو ، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة ، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم .قال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان ، أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل ، كان شهد أحدا قال : شهدت أحدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخي فرجعنا جريحين ، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو ، قلت لأخي - أو قال لي - : أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله ما لنا من دابة نركبها ، وما منا إلا جريح ثقيل ، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنت أيسر جراحا منه ، فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون .وقال البخاري : حدثنا محمد بن سلام ، حدثنا أبو معاوية ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها : ( الذين استجابوا لله والرسول ) [ من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ] ) قالت لعروة : يا ابن أختي ، كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر ، رضي الله عنهما ، لما أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصابه يوم أحد ، وانصرف عنه المشركون ، خاف أن يرجعوا فقال : " من يرجع في إثرهم ؟ " فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر والزبير ، رضي الله عنهما .هكذا رواه البخاري منفردا به ، بهذا السياق . وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن الأصم ، عن العباس الدوري ، عن أبي النضر ، عن أبي سعيد المؤدب ، عن هشام بن عروة ، به ، ثم قال : صحيح ولم يخرجاه . كذا قال .ورواه أيضا من حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن البهي ، عن عروة قال : قالت لي عائشة : يا بني ، إن أباك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح . ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .وروى ابن ماجه ، عن هشام بن عمار ، وهدبة بن عبد الوهاب عن سفيان بن عيينة ، عن هشام بن عروة به وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي في مسنده عن سفيان ، به .وقال أبو بكر بن مردويه . حدثنا عبد الله بن جعفر من أصل كتابه ، أنبأنا سمويه ، أنبأنا عبد الله بن الزبير ، أنبأنا سفيان ، أنبأنا هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن كان أبواك لمن الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح : أبو بكر والزبير ، رضي الله عنهما " .ورفع هذا الحديث خطأ محض من جهة إسناده ، لمخالفته رواية الثقات من وقفه على عائشة كما قدمناه ، ومن جهة معناه ، فإن الزبير ليس هو من آباء عائشة ، وإنما قالت عائشة لعروة بن الزبير ذلك لأنه ابن أختها أسماء بنت أبي بكر الصديق ، رضي الله عنهم .وقال ابن جرير : حدثني محمد بن سعد ، حدثني أبي ، [ حدثني ] عمي ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد ما كان منه ما كان ، فرجع إلى مكة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا ، وقد رجع ، وقذف الله في قلبه الرعب " . وكانت وقعة أحد في شوال ، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة ، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة ، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد وكان أصاب المؤمنين القرح ، واشتكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، واشتد عليهم الذي أصابهم . وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس لينطلقوا معه ، ويتبعوا ما كانوا متبعين ، وقال : " إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل " . فجاء الشيطان فخوف أولياءه فقال : إن الناس قد جمعوا لكم فأبى عليه الناس أن يتبعوه ، فقال : " إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد " . لأحضض الناس ، فانتدب معه أبو بكر الصديق ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، والزبير ، وسعد ، وطلحة ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن مسعود ، وحذيفة بن اليمان ، وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا فساروا في طلب أبي سفيان ، فطلبوا حتى بلغوا الصفراء ، فأنزل الله [ عز وجل ] ( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم [ القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ] ) .ثم قال ابن إسحاق : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد ، وهي من المدينة على ثمانية أميال .قال ابن هشام : واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء ، ثم رجع إلى المدينة . وقد مر به - كما حدثني عبد الله بن أبي بكر - معبد بن أبي معبد الخزاعي ، وكانت خزاعة - مسلمهم ومشركهم - عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة ، صفقتهم معه ، لا يخفون عنه شيئا كان بها ، ومعبد يومئذ مشرك فقال : يا محمد ، أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ، ولوددنا أن الله عافاك فيهم . ثم خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد ، حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء ، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا : أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم . . لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم . فلما رأى أبو سفيان معبدا قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط ، يتحرقون عليكم تحرقا ، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم ، وندموا على ما صنعوا ، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط . قال : ويلك . ما تقول ؟ قال : والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل - قال : فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم . قال : فإني أنهاك عن ذلك . ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من شعر ، قال : وما قلت ؟ قال : قلت :كادت تهد من الأصوات راحلتي إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تردى بأسد كرام لا تنابلةعند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت عدوا أظن الأرض مائلةلما سموا برئيس غير مخذول فقلت : ويل ابن حرب من لقائكمإذا تغطمطت البطحاء بالجيل إني نذير لأهل البسل ضاحيةلكل ذي إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش تنابلةوليس يوصف ما أنذرت بالقيلقال : فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه .ومر به ركب من بني عبد القيس ، فقال : أين تريدون ؟ قالوا : نريد المدينة . قال : ولم ؟ قالوا : بعكاظ إذ وافيتمونا . قالوا : نعم . قال : فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم ، فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد ، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه ، فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل .وذكر ابن هشام عن أبي عبيدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه رجوعهم : " والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب " .وقال الحسن البصري [ في قوله ] ( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ) إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أبا سفيان قد رجع وقد قذف الله في قلبه [ الرعب ] فمن ينتدب في طلبه ؟ " فقام النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فاتبعوهم ، فبلغ أبا سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم ، يطلبه فلقي عيرا من التجار فقال : ردوا محمدا ولكم من الجعل كذا وكذا ، وأخبروهم أني قد جمعت لهم جموعا ، وأنني راجع إليهم . فجاء التجار فأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) فأنزل الله هذه الآية .وهكذا قال عكرمة ، وقتادة وغير واحد : إن هذا السياق نزل في شأن [ غزوة ] حمراء الأسد " ، وقيل : نزلت في بدر الموعد ، والصحيح الأول .
تفسير القرطبيقوله تعالى : الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيمالذين في موضع رفع على الابتداء ، وخبره من بعد ما أصابهم القرح . ويجوز أن يكون في موضع خفض ، بدلا من المؤمنين ، أو من الذين لم يلحقوا . استجابوا بمعنى أجابوا والسين والتاء زائدتان . ومنه قوله :فلم يستجبه عند ذاك مجيبوفي الصحيحين عن عروة بن الزبير قال : قالت لي عائشة رضي الله عنها : كان أبوك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح . لفظ مسلم . وعنه عن عائشة : يا ابن أختي كان أبواك - تعني الزبير وأبا بكر - من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح . وقالت : لما انصرف المشركون من أحد وأصاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما أصابهم خاف أن يرجعوا فقال : ( من ينتدب لهؤلاء حتى يعلموا أن بنا قوة ) قال فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين ; فخرجوا في آثار القوم ، فسمعوا بهم وانصرفوا بنعمة من الله وفضل . وأشارت عائشة رضي الله عنها إلى ما جرى في غزوة حمراء الأسد ، وهي على نحو ثمانية أميال من المدينة ; وذلك أنه لما كان في يوم الأحد ، وهو الثاني من يوم أحد ، نادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس باتباع المشركين ، وقال : ( لا يخرج معنا إلا من شهدها بالأمس ) فنهض معه مائتا رجل من المؤمنين . في البخاري فقال : ( من يذهب في إثرهم ) فانتدب منهم سبعون رجلا . قال : كان فيهم أبو بكر والزبير على ما تقدم ، حتى بلغ حمراء الأسد ، مرهبا للعدو ; فربما كان فيهم المثقل بالجراح لا يستطيع المشي ولا يجد مركوبا ، فربما يحمل على الأعناق ; وكل ذلك امتثال لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورغبة في الجهاد . وقيل : إن الآية نزلت في رجلين من بني عبد الأشهل كانا مثخنين بالجراح ; يتوكأ أحدهما على صاحبه ، وخرجا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ; فلما وصلوا حمراء الأسد ، لقيهم نعيم بن مسعود فأخبرهم أن أبا سفيان بن حرب ومن معه من قريش قد جمعوا جموعهم ، وأجمعوا رأيهم على أن يأتوا إلى المدينة فيستأصلوا أهلها ; فقالوا ما أخبرنا الله عنهم : حسبنا الله ونعم الوكيل " . وبينا قريش قد أجمعوا على ذلك إذ جاءهم معبد الخزاعي ، وكانت خزاعة حلفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وعيبة نصحه ، وكان قد رأى حال أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وما هم عليه ; ولما رأى عزم قريش على الرجوع ليستأصلوا أهل المدينة احتمله خوف ذلك ، وخالص نصحه للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه على أن خوف قريشا بأن قال لهم : قد تركت محمدا وأصحابه بحمراء الأسد في جيش عظيم ، قد اجتمع له من كان تخلف عنه ، وهم قد تحرقوا عليكم ; فالنجاء النجاء ! فإني أنهاك عن ذلك ، فوالله لقد حملني ما رأيت أن قلت فيه أبياتا من الشعر . قال : وما قلت ؟ قال : قلت :كادت تهد من الأصوات راحلتي إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيلتردي بأسد كرام لا تنابلة عند اللقاء ولا ميل معازيلفظلت عدوا أظن الأرض مائلة لما سموا برئيس غير مخذولفقلت ويل ابن حرب من لقائكم إذا تغطمطت البطحاء بالخيلإني نذير لأهل البسل ضاحية لكل ذي إربة منهم ومعقولمن جيش أحمد لا وخش قنابله وليس يوصف ما أنذرت بالقيلقال : فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، ورجعوا إلى مكة خائفين مسرعين ، ورجع النبي - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه إلى المدينة منصورا ; كما قال الله تعالى : فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء أي قتال ورعب . واستأذن جابر بن عبد الله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخروج معه فأذن له . وأخبرهم تعالى أن الأجر العظيم قد تحصل لهم بهذه القفلة . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( إنها غزوة ) . هذا تفسير الجمهور لهذه الآية . وشذ مجاهد وعكرمة رحمهما الله تعالى فقالا : إن هذه الآية من قوله : الذين قال لهم الناس إلى قوله : عظيم إنما نزلت في خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر الصغرى . وذلك أنه خرج لميعاد أبي سفيان في أحد ، إذ قال : موعدنا بدر من العام المقبل . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( قولوا نعم ) فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل بدر ، وكان بها سوق عظيم ، فأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه دراهم ; وقرب من بدر فجاءه نعيم بن مسعود الأشجعي ، فأخبره أن قريشا قد اجتمعت وأقبلت لحربه هي ومن انضاف إليها ، فأشفق المسلمون من ذلك ، لكنهم قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل فصمموا حتى أتوا بدرا فلم يجدوا أحدا ، ووجدوا السوق فاشتروا بدراهمهم أدما وتجارة ، وانقلبوا ولم يلقوا كيدا ، وربحوا في تجارتهم ; فذلك قوله تعالى : فانقلبوا بنعمة من الله وفضل أي وفضل في تلك التجارات ، والله أعلم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ، المستجيبين لله والرسول من بعد ما أصابهم الجرح والكلوم. (50) .* * *وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك: الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حَمْراء الأسد في طلب العدّو -أبي سفيان ومن كان معه من مشركي قريش- مُنصَرَفهم عن أحد. وذلك أن أبا سفيان لما انصرف عن أحد، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثره حتى بلغ حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، ليرى الناسُ أنّ به وأصحابِه قوةً على عدوهم. كالذي:-8233- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني حسين بن عبدالله، (51) عن عكرمة قال: كان يوم أحد [يوم] السبت للنصف من شوال، (52) فلما كان الغد من يوم أحد، يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذَّن مؤذِّن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، وأذَّن مؤذِّنه أن: " لا يخرجنَّ معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس ". فكلمه جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام فقال: يا رسول الله، إنّ أبي كان خلَّفني على أخوات لي سبع، وقال لي: " يا بني، إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولستُ بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي! فتخلَّف على أخواتك "، فتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج معه. وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبًا للعدوّ، ليبلغهم أنه خرج في طلبهم، ليظنوا به قوة، وأنّ الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم. (53) .8234- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، فحدثني عبدالله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان: أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل، كان شهد أحدًا قال: شهدتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا، أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين: فلما أذَّن [مؤذِّن] رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدوّ، (54) قلت لأخي -أو قال لي-: أتفوتنا غزوةٌ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل! فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أيسر جرحًا منه، فكنتُ إذا غُلب حملته عُقبة ومشى عقبة، (55) حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثًا، الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة. (56)8235- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: فقال الله تبارك وتعالى: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرحُ"، أي: الجراح، وهم الذين سارُوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغدَ من يوم أحد إلى حمراء الأسد، على ما بهم من ألم الجراح =" للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ". (57)8236- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح " الآية، وذلك يوم أحد، بعد القتل والجراح، وبعد ما انصرف المشركون -أبو سفيان وأصحابه- فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " ألا عِصابة تنتدبُ لأمر الله، (58) تطلب عدوّها؟ فإنه أنكى للعدو، وأبعد للسَّمع! فانطلق عصابة منهم على ما يعلم الله تعالى من الجَهد.8237- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: انطلق أبو سفيان منصرفًا من أحد، حتى بلغ بعض الطريق، ثم إنهم ندموا وقالوا: بئسما صنعتم! (59) إنكم قتلتموهم، حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم! ارجعوا واستأصلوهم. فقذف الله في قلوبهم الرعب، فهزموا، فأخبر الله رسوله، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، ثم رجعوا من حمراء الأسد، فأنزل الله جل ثناؤه فيهم: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ". (60)8238- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: إن الله جل وعز قذف في قلب أبي سفيان الرعب -يعني يوم أحد- بعد ما كان منه ما كان، فرجع إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرّفًا، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب "! وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدَمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، واشتد عليهم الذي أصابهم. وإنّ رسول الله ندب الناس لينطلقوا معه، ويتَّبعوا ما كانوا متَّبعين، وقال: إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج، ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل، فجاء الشيطان فخوَّف أولياءه، فقال: " إن الناس قد جمعوا لكم "! فأبى عليه الناس أن يتبعوه، فقال: " إني ذاهبٌ وإن لم يتبعني أحد "، لأحضِّضَ الناس. (61) فانتدب معه أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وسعد، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبدالله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح، في سبعين رجلا فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله تعالى: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجرٌ عظيم ".8239- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هاشم بن القاسم قال، حدثنا أبو سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت لعبدالله بن الزبير: يا ابن أختي، أما والله إن أباك وجدك -تعني أبا بكر والزبير- لممن قال الله تعالى فيهم: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ". (62) .8240- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرتُ أن أبا سفيان بن حرب لما راح هو وأصحابه يوم أحد، قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: إنهم عامدون إلى المدينة! فقال: إن ركبوا الخيل وتركوا الأثقال، فإنهم عامدون إلى المدينة، وإن جلسوا على الأثقال وتركوا الخيل، فقد رَعَبهم الله، (63) وليسوا بعامديها ". فركبوا الأثقال، فرعبهم الله. ثم ندب ناسًا يتبعونهم ليروا أن بهم قوة، فاتبعوهم ليلتين أو ثلاثًا، فنزلت: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ".8241- حدثني سعيد بن الربيع قال، حدثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قالت لي عائشة: إنْ كان أبواك لمن الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح - تعني أبا بكر والزبير. (64) .8242- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: كان عبدالله من الذين استجابوا لله والرسول.* * *قال أبو جعفر: فوعد تعالى ذكره، مُحسنَ من ذكرنا أمره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، إذا اتقى الله فخافه، فأدى فرائضه وأطاعه في أمره ونهيه فيما يستقبل من عمره =" أجرًا عظيما "، وذلك الثواب الجزيل، والجزاء العظيم على ما قدم من صالح أعماله في الدنيا.------------------الهوامش :(50) انظر تفسير"القرح" فيما سلف 7: 237.(51) في المطبوعة والمخطوطة: "حسان بن عبد الله" ، وهو خطأ ، والصواب من تاريخ الطبري. وهو"حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب". روي عن عكرمة ، وروي عنه هشام ابن عروة ، وابن جريج ، وابن المبارك ، وابن إسحاق. وهو ضعيف الحديث. مترجم في التهذيب.(52) ما بين القوسين زيادة من سيرة ابن هشام ومن تاريخ الطبري.(53) الأثر: 8233- سيرة ابن هشام 3: 106 ، 107 ، وتاريخ الطبري 3: 29.(54) ما بين القوسين زيادة من سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري.(55) "العقبة": قدر ما يسره الماشي ما استطاع المشي ، يريد: حملته شوطًا ، وسار شوطًا.(56) الأثر: 8234- سيرة ابن هشام 3: 107 - 108 ، وتاريخ الطبري 3: 29.(57) الأثر: 8235- سيرة ابن هشام 3: 128.(58) في المطبوعة: "ألا عصابة تشد لأمر الله" ، ولا معنى له ، وفي المخطوطة: ألا عصابة تشدد لأمر الله" ، وهو بلا ريب تصحيف ما أثبت."ندب القوم إلى الأمر فانتدبوا": دعاهم إليه وحثهم ، فأسرعوا إليه واستجابوا. وفضلا عن ذلك ، فهذا هو اللفظ الذي كثر وروده في أخبار حمراء الأسد.(59) في المخطوطة: "بئس ما صنعنا صنعتم" ، وهو سهو ، والصواب ما في المطبوعة. وانظر ما سلف رقم: 8003.(60) الأثر: 8237- مضى برقم: 8003 ، وانظر التعليق هناك.(61) هكذا في المخطوطة والمطبوعة"وتفسير ابن كثير 2: 298. أما الدر المنثور 2: 101 ، فقد أسقط"لأحضض الناس" ، وأنا أرجح أن صوابه هو: "ليحضض الناس" ، ولا أشك أن هذه الكلمة ليس من لفظه صلى الله عليه وسلم.(62) الحديث: 8239- هاشم بن القاسم: هو أبو النضر الإمام الحافظ ، شيخ الإمام أحمد ، وإسحاق ، وابن المديني. وهو ثقة ثبت حجة. كان أهل بغداد يفخرون به. أبو سعيد: هو المؤدب ، واسمه"محمد بن مسلم بن أبي الوضاح القضاعي". وهو ثقة مأمون.والحديث رواه الحاكم في المستدرك 2: 298 ، من طريق العباس بن محمد الدوري ، عن هاشم بن القاسم ، بهذا الإسناد. ووقع في مطبوعة المستدرك"هشام بن القاسم" ، وهو خطأ مطبعي لا شك فيه.وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي.والحديث في الصحيحين ، كما سيأتي في الرواية الآتية: 8241. ولعلهما اعتبراه من المستدرك لقوله في هذه الرواية"أنها قالت لعبد الله بن الزبير". والذي في الرواية الآتية أنها قالت لعروة بن الزبير. وهما أخوان ، والكلام لهما واحد. ومع ذلك فإن الحاكم رواه مرة أخرى ، كرواية مسلم ، كما سيأتي.(63) في المطبوعة: "قد أرعبهم الله" ، وفي المخطوطة"فقد رعبهم" كما أثبته وهو الصواب. يقال"رعبه يرعبه" (على وزن فتح) ، و"رعبه" (مشدد العين) ، وقد نص أهل اللغة أنه لا يقال: "أرعبه". وستأتي على الصواب في السطر التالي.(64) الحديث: 8241- سعيد بن الربيع الرازي - شيخ الطبري: مضت له رواية عنه في: 3791 ، ولم نجد له ترجمة. والحديث تكرار للحديث السابق: 8239. ولكن في هذا أن خطاب عائشة لعروة بن الزبير ، وهناك خطابها لأخيه عبد الله ، وهما ابنا أختها أسماء بنت أبي بكر.ورواه مسلم 2: 241 ، بأسانيد ، من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه ، ومن رواية إسماعيل بن أبي خالد ، عن البهي - وهو: عبد الله البهي مولى مصعب بن الزبير - عن عروة ، به ، نحوه.ورواه البخاري 7: 287 ، مطولا ، من طريق أبي معاوية ، عن هشام بن عروة. ومع ذلك فإن الحاكم رواه مرة أخرى 3: 363 ، من طريق إسماعيل بن أبي خالد ، عن البهي ، عن عروة - كرواية مسلم. ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه"! وسقطت هذه الرواية من تلخيص الذهبي ، مخطوطًا ومطبوعًا.وذكره ابن كثير 2: 297 - 298 رواية البخاري ، ثم أشار إلى رواية الحاكم الأولى ، وتعقبه في دعواه أن الشيخين لم يخرجاه ، بقوله: "كذا قال". ثم أشار إلى أنه رواه ابن ماجه ، وسعيد بن منصور ، وأبو بكر الحميدي في مسنده. ثم أشار إلى رواية الحاكم الثانية.وذكره السيوطي 2: 102 ، مطولا. وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وأحمد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الدلائل.
ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣التفسير الميسروهم الذين قال لهم بعض المشركين: إن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا أمرهم على الرجوع إليكم لاستئصالكم، فاحذروهم واتقوا لقاءهم، فإنه لا طاقة لكم بهم، فزادهم ذلك التخويف يقينًا وتصديقًا بوعد الله لهم، ولم يَثْنِهم ذلك عن عزمهم، فساروا إلى حيث شاء الله، وقالوا: حسبنا الله أي: كافينا، ونِعْم الوكيل المفوَّض إليه تدبير عباده.
تفسير السعديوقال لهم: إن الناس قد جمعوا لكم وهموا باستئصالكم، تخويفا لهم وترهيبا، فلم يزدهم ذلك إلا إيمانا بالله واتكالا عليه. وقالوا حسبنا الله أي: كافينا كل ما أهمنا ونعم الوكيل المفوض إليه تدبير عباده، والقائم بمصالحهم.
تفسير ابن كثيروقوله : ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا [ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ] ) أي : الذين توعدهم الناس [ بالجموع ] وخوفوهم بكثرة الأعداء ، فما اكترثوا لذلك ، بل توكلوا على الله واستعانوا به ( وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل )قال البخاري : حدثنا أحمد بن يونس ، أراه قال : حدثنا أبو بكر ، عن أبي حصين ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا : ( إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل )وقد رواه النسائي ، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم وهارون بن عبد الله ، كلاهما عن يحيى بن أبي بكير ، عن أبي بكر - وهو ابن عياش - به . والعجب أن الحاكم [ أبا عبد الله ] رواه من حديث أحمد بن يونس ، به ، ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .ثم رواه البخاري عن أبي غسان مالك بن إسماعيل ، عن إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس قال : كان آخر قول إبراهيم ، عليه السلام ، حين ألقي في النار : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) .وقال عبد الرزاق : قال ابن عيينة : وأخبرني زكريا ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن عمرو قال : هي كلمة إبراهيم عليه السلام حين ألقي في البنيان . رواه ابن جرير .وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا إبراهيم بن موسى الثوري أخبرنا عبد الرحيم بن محمد بن زياد السكري ، أنبأنا أبو بكر بن عياش ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له يوم أحد : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم . فأنزل الله هذه الآية .وروى أيضا بسنده عن محمد بن عبيد الله الرافعي ، عن أبيه ، عن جده أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه عليا في نفر معه في طلب أبي سفيان ، فلقيهم أعرابي من خزاعة فقال : إن القوم قد جمعوا لكم قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل . فنزلت فيهم هذه الآية .ثم قال ابن مردويه : حدثنا دعلج بن أحمد ، أخبرنا الحسن بن سفيان ، أنبأنا أبو خيثمة مصعب بن سعيد ، أنبأنا موسى بن أعين ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا : ( حسبنا الله ونعم الوكيل " .هذا حديث غريب من هذا الوجه .وقد قال الإمام أحمد : حدثنا حيوة بن شريح وإبراهيم بن أبي العباس قالا حدثنا بقية ، حدثنا بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن سيف ، عن عوف بن مالك أنه حدثهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين فقال المقضي عليه لما أدبر : حسبي الله ونعم الوكيل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ردوا علي الرجل " . فقال : " ما قلت ؟ " . قال : قلت : حسبي الله ونعم الوكيل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يلوم على العجز ، ولكن عليك بالكيس ، فإذا غلبك أمر فقل : حسبي الله ونعم الوكيل " .وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث بقية عن بحير ، عن خالد ، عن سيف - وهو الشامي ، ولم ينسب - عن عوف بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه .وقال الإمام أحمد : حدثنا أسباط ، حدثنا مطرف ، عن عطية ، عن ابن عباس [ في قوله : ( فإذا نقر في الناقور ) [ المدثر : 8 ] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ، يسمع متى يؤمر فينفخ " . فقال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : فما نقول ؟ قال : " قولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا " .وقد روي هذا من غير وجه ، وهو حديث جيد ، وروينا عن أم المؤمنين عائشة وزينب [ بنت جحش ] رضي الله عنهما ، أنهما تفاخرتا فقالت زينب : زوجني الله وزوجكن أهاليكن وقالت عائشة : نزلت براءتي من السماء في القرآن . فسلمت لها زينب ، ثم قالت : كيف قلت حين ركبت راحلة صفوان بن المعطل ؟ فقالت : قلت : حسبي الله ونعم الوكيل ، فقالت زينب : قلت كلمة المؤمنين .
تفسير القرطبيقوله تعالى : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيلاختلف فقال مجاهد ومقاتل وعكرمة والكلبي : هو نعيم بن مسعود الأشجعي . واللفظ عام ومعناه خاص ; كقوله : أم يحسدون الناس يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - . السدي : هو أعرابي جعل له جعل على ذلك . وقال ابن إسحاق وجماعة : يريد بالناس ركب عبد القيس ، مروا بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليثبطوهم . وقيل : الناس هنا المنافقون . قال السدي : لما تجهز النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه للمسير إلى بدر الصغرى لميعاد أبي سفيان أتاهم المنافقون وقالوا : نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم وعصيتمونا ، وقد قاتلوكم في دياركم وظفروا ; فإن أتيتموهم في ديارهم فلا يرجع منكم أحد . فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل . وقال أبو معشر : دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة ، فسألهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أبي سفيان فقالوا : قد جمعوا لكم جموعا كثيرة فاخشوهم أي فخافوهم واحذروهم ; فإنه لا طاقة لكم بهم . فالناس على هذه الأقوال على بابه من الجمع ، والله أعلم .قوله تعالى : فزادهم إيمانا أي فزادهم قول الناس إيمانا ، أي تصديقا ويقينا في دينهم ، وإقامة على نصرتهم ، وقوة وجراءة واستعدادا . فزيادة الإيمان على هذا هي في الأعمال . وقد اختلف العلماء في زيادة الإيمان ونقصانه على أقوال . والعقيدة في هذا على أن نفس الإيمان الذي هو تاج واحد ، وتصديق واحد بشيء ما ، إنما هو معنى فرد ، لا يدخل معه زيادة إذا حصل ، ولا يبقى منه شيء إذا زال ; فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقصان في متعلقاته دون ذاته . فذهب جمع من العلماء إلى أنه يزيد وينقص من حيث الأعمال الصادرة عنه ، لا سيما أن كثيرا من العلماء يوقعون اسم الإيمان على الطاعات ; لقوله - صلى الله عليه وسلم - : الإيمان بضع وسبعون بابا فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق أخرجه الترمذي ، وزاد مسلم ( والحياء شعبة من الإيمان ) وفي حديث علي - رضي الله عنه - : إن الإيمان ليبدو لمظة بيضاء في القلب ، كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة . وقوله " لمظة " قال الأصمعي : اللمظة مثل النكتة ونحوها من البياض ; ومنه قيل : فرس ألمظ ، إذا كان بجحفلته شيء من بياض . والمحدثون يقولون " لمظة " بالفتح . وأما كلام العرب فبالضم ; مثل شبهة ودهمة وخمرة . وفيه حجة على من أنكر أن يكون الإيمان يزيد وينقص . ألا تراه يقول : كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة حتى يبيض القلب كله . وكذلك النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب كلما ازداد النفاق اسود القلب حتى يسود القلب كله . ومنهم من قال : إن الإيمان عرض ، وهو لا يثبت زمانين ; فهو للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللصلحاء متعاقب ، فيزيد باعتبار توالي أمثاله على قلب المؤمن ، وباعتبار دوام حضوره . وينقص بتوالي الغفلات على قلب المؤمن . أشار إلى هذا أبو المعالي . وهذا المعنى موجود في حديث الشفاعة ، حديث أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم . وفيه : ( فيقول المؤمنون يا ربنا إخواننا كانوا يصومون ويصلون ويحجون فقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ) وذكر الحديث . وقد قيل : إن المراد بالإيمان في هذا الحديث أعمال القلوب ; كالنية والإخلاص والخوف والنصيحة وشبه ذلك . وسماها إيمانا لكونها في محل الإيمان أو عني بالإيمان ، على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره ، أو كان منه بسبب . دليل هذا التأويل قول الشافعي بعد إخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من خير : ( لم نذر فيها خيرا ) مع أنه تعالى يخرج بعد ذلك جموعا كثيرة ممن يقول لا إله إلا الله ، وهم مؤمنون قطعا ; ولو لم يكونوا مؤمنين لما أخرجهم . ثم إن عدم الوجود الأول الذي يركب عليه المثل لم تكن زيادة ولا نقصان . وقدر ذلك في الحركة . فإن الله سبحانه إذا خلق علما فردا وخلق معه مثله أو أمثاله بمعلومات فقد زاد علمه ; فإن أعدم الله الأمثال فقد نقص ، أي زالت الزيادة . وكذلك إذا خلق حركة وخلق معها مثلها أو أمثالها . وذهب قوم من العلماء إلى أن زيادة الإيمان ونقصه إنما هو طريق الأدلة ، فتزيد الأدلة عند واحد فيقال في ذلك : إنها زيادة في الإيمان ; وبهذا المعنى - على أحد الأقوال - فضل الأنبياء على الخلق ، فإنهم علموه من وجوه كثيرة ، أكثر من الوجوه التي علمه الخلق بها . وهذا القول خارج عن مقتضى الآية ; إذ لا يتصور أن تكون الزيادة فيها من جهة الأدلة . وذهب قوم : إلى أن الزيادة في الإيمان إنما هي بنزول الفرائض والأخبار في مدة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي المعرفة بها بعد الجهل غابر الدهر . وهذا إنما هو زيادة إيمان ; فالقول فيه إن الإيمان يزيد قول مجازي ، ولا يتصور فيه النقص على هذا الحد ، وإنما يتصور بالإضافة إلى من علم . فاعلم .قوله تعالى : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل أي كافينا الله . وحسب مأخوذ من الإحساب ، وهو الكفاية . قال الشاعر :فتملأ بيتنا إقطا وسمنا وحسبك من غنى شبع وريروى البخاري عن ابن عباس قال في قوله تعالى : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم - إلى قوله : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم الخليل عليه السلام حين ألقي في النار . وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم ، والله أعلم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ،" الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم ".* * *و " الذين " في موضع خفض مردود على الْمُؤْمِنِينَ ، وهذه الصفة من صفة الذين استجابوا لله والرسول.* * *و " الناس " الأوّل، هم قوم -فيما ذكر لنا- كان أبو سفيان سألهم أن يثبِّطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين خرجوا في طلبه بعد منصرفه عن أحد إلى حمراء الأسد.و " الناس " الثاني، هم أبو سفيان وأصحابه من قريش، الذين كانوا معه بأحد.* * *ويعني بقوله: " قد جمعوا لكم "، قد جمعوا الرجال للقائكم والكرّة إليكم لحربكم =" فاخشوهم "، يقول: فاحذروهم، واتقوا لقاءهم، فإنه لا طاقة لكم بهم =" فزادهم إيمانًا "، يقول: فزادهم ذلك من تخويف من خوَّفهم أمرَ أبي سفيان وأصحابه من المشركين، يقينًا إلى يقينهم، وتصديقًا لله ولوعده ووعد رسوله إلى تصديقهم، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسير فيه، ولكن ساروا حتى بلغوا رضوان الله منه، وقالوا = ثقة بالله وتوكلا عليه، إذ خوَّفهم من خوفَّهم أبا سفيان وأصحابه من المشركين =" حسبنا الله ونعم الوكيل "، يعني بقوله: " حسبنا الله "، كفانا الله، يعني: يكفينا الله = (65) " ونعم الوكيل "، يقول: ونعم المولى لمن وليَه وكفَله.* * *وإنما وصف تعالى نفسه بذلك، لأن " الوكيل "، في كلام العرب، هو المسنَد إليه القيام بأمر من أسنِد إليه القيام بأمره. فلما كان القوم الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآيات، قد كانوا فوَّضوا أمرهم إلى الله، ووثِقوا به، وأسندوا ذلك إليه، وصف نفسه بقيامه لهم بذلك، وتفويضِهم أمرهم إليه بالوكالة فقال: ونعم الوكيل الله تعالى لهم.* * *واختلف أهل التأويل في الوقت الذي قال من قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الناس قد جمعوا لكم ".فقال بعضهم: قيل ذلك لهم في وجههم الذين خرجوا فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد إلى حمراء الأسد، في طلب أبي سفيان ومن معه من المشركين.ذكر من قال ذلك، وذكر السبب الذي من أجله قيل ذلك، ومن قائله:8243- حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: مرَّ به -يعني برسول الله صلى الله عليه وسلم- معبدٌ الخزاعيّ بحمراء الأسد= وكانت خزاعة، مسلمُهم ومشركهم، عَيْبةَ نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، (66) صفقتهم معه، (67) لا يخفون عليه شيئًا كان بها، =ومعبد يومئذ مشرك= فقال: والله يا محمد، أما والله لقد عزَّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم! (68) ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد، (69) حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالرَّوحاء، قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: أصبنا! حَدَّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؟! (70) لنَكرَّن على بقيَّتهم، فلنفرغنَّ منهم ". فلما رأى أبو سفيان معبدًا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد، قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرَّقون عليكم تحرُّقا، (71) قد اجتمع معه من كان تخلَّف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنَق عليكم شيء لم أر مثله قط! (72) . قال: ويلك! ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل! قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم! قال: فإنّي أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيتُ على أن قلت فيه أبياتًا من شعر! قال: وما قلت؟ قال: قلت:كَادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصْوَاتِ رَاحِلَتيإِذْ سَالَتِ الأرَضُ بِالجُرْدِ الأبَابيِل (73)تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرَامٍ لا تَنَابِلَةٍعِنْد اللِّقَاء وَلا خُرْقٍ مَعَازِيِل (74)فَظَلْتُ عَدْوًا, أَظُنُّ الأرْضَ مَائِلَةًلَمَّا سَمَوْا بِرَئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ (75)فَقُلْتُ: وَيْلَ ابْنِ حَرْبٍ منْ لِقَائِكُمُإِذَا تَغَطْمَطَتِ البَطْحَاءُ بِالخِيِل (76)إنِّي نَذِيرٌ لأهْلِ البَسْلِ ضَاحِيَةًلِكَلِّ ذِي إرْبَةٍ مِنْهُمْ وَمَعْقُولِ (77)مِنْ جَيْشِ أَحْمَدَ لا وَخْشٍ قَنَابِلُهُوَلَيْسَ يُوصَفُ مَا أَنْذَرْتُ بِالقِيلِ (78)قال: فثنَى ذلك أبا سفيان ومن معه. ومرَّ به ركب من عبد القيس. فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلَّغون عني محمدًا رسالة أرسلكم بها، وأحمِّل لكم إبلكم هذه غدًا زبيبًا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم! فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: (79) " حسبنا الله ونعم الوكيل ". (80)8244 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: فقال الله: " الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل "، و " الناس " الذين قالوا لهم ما قالوا= النفر من عبد القيس الذين قال لهم أبو سفيان ما قال=: إنّ أبا سفيان ومن معه راجعون إليكم! يقول الله تبارك وتعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ الآية. (81)8245- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما ندموا= يعني أبا سفيان وأصحابه= على الرجوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: " ارجعوا فاستأصلوهم "، فقذف الله في قلوبهم الرعب فهزموا، فلقوا أعرابيًّا فجعلوا له جُعْلا فقالوا له: إن لقيت محمدًا وأصحابه فأخبرهم أنا قد جمعنا لهم! فأخبر الله جل ثناؤه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فلقوا الأعرابيَّ في الطريق، فأخبرهم الخبر، فقالوا: " حسبنا الله ونعم الوكيل "! ثم رجعوا من حمراء الأسد. فأنزل الله تعالى فيهم وفي الأعرابي الذي لقيهم: " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ".8246 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: استقبل أبو سفيان في منصرفه من أحد عِيرًا واردةَ المدينة ببضاعة لهم، (82) وبينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم حِبال، (83) فقال: إنّ لكم عليَّ رضاكم إن أنتم رددتم عني محمدًا ومن معه، إن أنتم وجدتموه في طلبي، وأخبرتموه أنّي قد جمعت له جموعًا كثيرة. فاستقبلت العيرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: (84) يا محمد إنا نخبرك أنّ أبا سفيان قد جمع لك جموعًا كثيرة، وأنه مقبل إلى المدينة، وإن شئت أن ترجع فافعل! فلم يزده ذلك ومن معه إلا يقينًا، وقالوا: (85) " حسبنا الله ونعم الوكيل ". فأنزل الله تبارك وتعالى: " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم " الآية.8247 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصابةٌ من أصحابه بعد ما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أحد خلفهم، حتى كانوا بذي الحليفة، فجعل الأعراب والناسُ يأتون عليهم فيقولون لهم: هذا أبو سفيان مائلٌ عليكم بالناس! فقالوا: " حسبنا الله ونعم الوكيل ". فأنزل الله تعالى فيهم: " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ".* * *وقال آخرون: بل قال ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قال ذلك له، في غزوة بدر الصغرى، وذلك في مسير النبي صلى الله عليه وسلم عامَ قابلٍ من وقعة أحد للقاء عدوِّه أبي سفيان وأصحابه، للموعد الذي كان واعده الالتقاءَ بها.* ذكر من قال ذلك:8248 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم "، قال: هذا أبو سفيان قال لمحمد: " موعدكم بدرٌ حيث قتلتم أصحابنا "، فقال محمد صلى الله عليه وسلم: " عسى "! فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده حتى نزل بدرًا، فوافقوا السوق فيها وابتاعوا، فذلك قوله تبارك وتعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ، وهي غزوة بدر الصغرى.8249 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه= وزاد فيه: وهي بدر الصغرى= قال ابن جريج: لما عبَّى النبي صلى الله عليه وسلم لموعد أبي سفيان، (86) فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش، فيقولون: " قد جمعوا لكم "! يكيدونهم بذلك، يريدون أن يَرْعَبوهم، فيقول المؤمنون: " حسبنا الله ونعم الوكيل "، حتى قدموا بدرًا، فوجدوا أسواقها عافية لم ينازعهم فيها أحد. (87) قال: وقدم رجل من المشركين وأخبر أهل مكة بخيل محمد عليه السلام، وقال في ذلك: (88)نَفَرَتْ قَلُوصيِ عَنْ خُيولِ مُحَمَّدِوَعَجْوَةٍ مَنْثُورَةٍ كَالعُنْجُدِوَاتَّخَذَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي* * *قال أبو جعفر: هكذا أنشدنا القاسم، وهو خطأ، وإنما هو:قَدْ نَفَرَتْ مِنْ رُفْقَتَيْ مُحَمَّدِوَعَجْوَةٍ مِنْ يَثْرِبٍ كَالعُنْجُدِ (89)تَهْوِي عَلَى دِينِ أَبيهَا الأتْلَدِقَدْ جَعَلَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي (90)وَمَاءَ ضَجْنَانَ لَهَا ضُحَى الغَدِ (91)* * *8250 - حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة قال: كانت بدر متجرًا في الجاهلية، فخرج ناس من المسلمين يريدونه، ولقيهم ناسٌ من المشركين فقالوا لهم: " إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم "! فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ الأهبة للقتال وأهبة التجارة، وقالوا: " حسبنا الله ونعم الوكيل "! فأتوهم فلم يلقوا أحدًا، فأنزل الله عز وجل فيهم: " إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم "= قال ابن يحيى قال، عبد الرزاق قال، ابن عيينة: وأخبرني زكريا، عن الشعبي، عن عبدالله بن عمرو قال: هي كلمة إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، فقال: " حسبنا الله ونعم الوكيل ".* * *قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: " إن الذي قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، كان في حال خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخروج من خرج معه في أثر أبي سفيان ومن كان معه من مشركي قريش، مُنْصَرَفهم عن أحد إلى حمراء الأسد ". لأن الله تعالى ذكره إنما مدح الذين وصفهم بقيلهم: " حسبنا الله ونعم الوكيل "، لما قيل لهم: " إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم "، بعد الذي قد كان نالهم من القروح والكلوم بقوله: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ، ولم تكن هذه الصفة إلا صفة من تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جرحى أصحابه بأحد إلى حمراء الأسد.وأما الذين خرجوا معه إلى غزوة بدر الصغرى، (92) فإنه لم يكن فيهم جريح إلا جريح قد تقادم اندمال جرحه وبرأ كلمُه. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج إلى بدر الخرجة الثانية إليها، لموعد أبي سفيان الذي كان واعده اللقاء بها، بعد سنة من غزوة أحد، في شعبان سنة أربع من الهجرة. وذلك أن وقعة أحد كانت في النصف من شوال من سنة ثلاث، وخروج النبي صلى الله عليه وسلم لغزوة بدر الصغرى إليها في شعبان من سنة أربع، ولم يكن للنبيّ صلى الله عليه وسلم بين ذلك وقعة مع المشركين كانت بينهم فيها حرب جرح فيها أصحابه، ولكن قد كان قتل في وقعة الرَّجيع من أصحابه جماعة لم يشهد أحد منهم غزوة بدر الصغرى. وكانت وقعة الرَّجيع فيما بين وقعة أحد وغزوة النبي صلى الله عليه وسلم بدرًا الصغرى.* * *---------------الهوامش :(65) انظر تفسير"حسب" فيما سلف 4: 244.(66) العيبة: وعاء من أدم يكون في المتاع. ثم أخذوا منه على المثل قولهم: "عيبة الرجل" ، أي موضع سره ، وفي الحديث: "الأنصار كرشى وعيبتي" أي: خاصتي وموضع سرى. ويقال لأهل الرجل"هم عيبته" ، من ذلك.(67) الصفقة: البيعة ، ثم استعملت في العهد والميثاق ، وفي الحديث: "إن أكبر الكبائر أن تقاتل أهل صفقتك" ، وذلك إذا أعطى الرجل عهده وميثاقه ثم يقاتله ، وأصل ذلك كله من الصفق باليد. لأن المتعاهدين والمتبايعين ، يضع أحدهما يده في يد الآخر. ومنه حديث ابن عمر: "أعطاه صفقة يده ، وثمرة قلبه". فالصفقة المرة من التصفيق باليد.(68) عافاه الله وأعفاه: وهب له العافية من العلل والبلايا. وفي سيرة ابن هشام"عافاك فيهم" ، وهما سواء. وقوله: "عافاك فيهم" ، أي: صانك مما نزل بأصحابك.(69) في المطبوعة: "من حمراء الأسد" ، والصواب من المخطوطة وسيرة ابن هشام ، وتاريخ الطبري.(70) في المطبوعة: "أصبنا في أحد أصحابه. . ." ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة وسيرة ابن هشام والتاريخ. وحد كل شيء: طرف شباته ، كحد السكين والسيف والسنان. ومنه يقال: "حد الرجل" وهو بأسه ونفاذه في نجدته. و"رجل ذو حد": أي بأس ماض. وقوله: "أصبنا حد أصحابه" ، أي: كسرنا حدهم وثلمناه كما يثلم السيف ، فصاروا أضعف مما كانوا.(71) يتحرق: يتلهب من الغيظ كمثل حريق النار.(72) في المطبوعة: "فهم من الحنق عليكم بشيء لم أر مثله قط" ، غير ما في المخطوطة ، وهو الصواب الموافق لما في سيرة ابن هشام ، وتاريخ الطبري.(73) هد البناء: ضعضعه وهدمه. ومنه"هده الأمر" إذا بلغ منه فضعضعه وكسره وأوهنه. يقول: كادت تنهار راحلته من الفزع. و"الجرد" جمع أجرد: وهو القصير الشعر من الخيل ، وهو من علامات عتقها وكرمها. و"الأبابيل" الجماعات المتفرقة ، واحدها"إبيل" (بكسر الهمزة وتشديد الباء المكسورة) ، وقيل غير ذلك ، وقيل: هو جمع لا واحد له. وزعم معبد كثرة خيل المسلمين في مخرجهم إلى حمراء الأسد ، والذي في السير أن المسلمين كانوا في أحد ألفًا ، فيهم مئة دارع. وفرسان: أحدهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والآخر لأبي بردة بن نيار.(74) ردت الخيل تردى (على وزن جرى يجري): رجمت الأرض بحوافرها في سيرها أو عدوها. و"التنابل" جمع تنبال وتنبالة (بكسر التاء) ، وهو القصير ، والقصر معيب ، لأن المقاتل القصير لا يطول باعه إذا قاتل بسيف أو رمح. وفي المطبوعة"ولا ميل معازيل" ، كما في سيرة ابن هشام ، ولكن الذي أثبته هو رواية الطبري في التفسير ، وفي التاريخ. و"الخرق" جمع. خرق: وهو الأحمق الذي لا رفق له في عمل. وأنا أرجح أنه أراد الصفة من قولهم: "خرق الظبي وغيره": إذا دهش وفزع ، فلصق بالأرض ولم يقدر على النهوض ، والصفة من ذلك"خرق" على وزن"فرح" ، ولكنه جمعه على باب"أفعل".وأما"الميل" فهو جمع أميل: وهو الذي يميل على السرج في جانب ولا يستوي عليه ، لأنه لا يحسن الركوب ولا الفروسية. و"المعازيل" جمع معزال: وهو الذي لا سلاح معه. وأنا أرى أن"الأميل" ، هو الذي يميل عن عدوه من الخوف و"المعزال" ، الذي يعتزل المعركة من الفرق ، فلا يكاد يقاتل ، ولا ينجد من استغاث به.(75) قوله: "فظلت عدوا" ، أي: فظللت أعدو عدوًا. و"سما الرجل لعدوه": إذ أشرف له وقصد نحوه ، عاليًا عليه.(76) "تغطمطت القدر": اشتد غليانها ، وبان صوتها كصوت اضطراب الأمواج. و"البطحاء": مسيل الوادي ، فيه دقاق الحصى. و"الخيل" ، ضبطه السهيلي في الروض الأنف (2: 144) بفتح الخاء وسكون الباء ، وقال: "قوله: بالخيل ، جعل الردف حرف لين ، والأبيات كلها مردفة الروى بحرف مد ولين. وهذا هو السناد.. ونظيره قول ابن كلثوم: "ألا هبى بصحنك فاصبحينا" ثم قال: "تصفقها الرياح إذا جرينا". وهو وجه صحيح مقارب. وأما أبو ذر الخشني فقد ضبطه"الجيل" بكسر الجيم ، وقال: "الجيل: الصنف من الناس". وهذا لا معنى له. وهو في مطبوعة سيرة ابن هشام"الجيل" بالجيم ، وكذلك هو في تاريخ الطبري. فلو صح أنها بالجيم ، فأنا أرى أنها جماعة الخيل ، وذلك أنهم قالوا: "الجول" (بضم الجيم) و"الجول" بفتحها: هي جماعة الخيل أو الإبل ، وقالوا أيضا: "الجول" بضم الجيم و"الجال" و"الجيل" ناحية البئر وجانبها. فكأنه قاس هذا على هذا. أو كأنه جمع جائل من قولهم: "جالت الخيل بفرسانها" إذا طافت وذهبت وجاءت ، جمعه كجمع: هائم وهيم ، على شذوذه. فأما إذا كانت الرواية"الخيل" بكسر الخاء ، فهو جمع خائل أيضا كالذي سلف ، والخائل هو الحافظ للشيء الراعي له ، من خال المال يخوله: إذا ساسه وأحسن القيام عليه ، فهو خائل وخال. يقال: "من خال هذا الفرس" ، أي صاحبها القائم بأمرها.(77) قال أبو ذر الخشني: "البسل: الحرام. وأراد بأهل البسل قريشًا ، لأنهم أهل مكة ، ومكة حرام". وقوله: "ضاحية" أي علانية من"ضحا" أي برز ، والضاحية من كل شيء ما برز منه. فهو إما مصدر على وزن"عافية" ، أو اسم فاعل قام مقامه. و"الإربة" البصر بالأمور. و"المعقول" مصدر كالمصادر التي جاءت على وزنه ، وهو العقل.(78) "الوخش": رذالة الناس وسقاطهم وصغارهم. و"القنابل" جمع قنبلة (بفتح القاف) وهي الطائفة من الناس والخيل.(79) أسقطت المطبوعة: "وأصحابه" ، وهي ثابتة في التاريخ وفي المخطوطة ، وفعل الناشر ذلك ليوافق ما في سيرة ابن هشام.(80) الأثر: 8243 - سيرة ابن هشام 3: 108- 110 ، وهو بقية الأثر السالف: 8233 ، وتاريخ الطبري 3: 28- 29.(81) الأثر: 8244 - سيرة ابن هشام 3: 128 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8235.(82) "العير" (بكسر العين): القافلة من الإبل أو الحمير أو البغال ، تحمل عليها الميرة.(83) "الحبال" جمع حبل: وهو العهد.(84) في المطبوعة: "قالوا له" ، بحذف الفاء ، والصواب من المخطوطة.(85) في المطبوعة: "ولم يزده ذلك" بالواو ، والصواب من المخطوطة.(86) في المطبوعة: "لما عمد النبي. . ." ، وفي المخطوطة"لما عبد" ، ورجحت أن صحة قراءتها ما أثبت."عبى الجيش تعبئة": هيأه وأصلح أمره وجمعه ، مثل"عبأه". ورجحت ذلك ، لأن معناه وارد في الآثار الأخرى.(87) قوله: "أسواقهم عافية" ، أي وافرة ، من قولهم: "أرض عافية": لم يرع أحد نبتها ، فوفر نبتها وكثر. يعني أن الأسواق لم يحضرها أحد يزاحمهم في تجارتها. وانظر الأثر الآتي رقم: 8252.(88) هو معبد بن أبي معبد الخزاعي ، كما روى ابن هشام في سيرته 3: 220 ، 221 ، والطبري في تاريخه 3: 41.(89) سيرة ابن هشام 2: 220 ، 221 ، وتاريخ الطبري 3: 41 ، ومعجم ما استعجم: 856 ، 857. وقوله: "رفقتي محمد" بالتثنية ، يعنى المهاجرين والأنصار. و"العجوة" ضرب من أجود التمر بالمدينة ، ونخلته هي"اللينة" المذكورة في قوله تعالى: "ما قطعتم من لينة" ، في سورة الحشر. و"يثرب" مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. و"العنجد": الزبيب الأسود.(90) تهوي: تسرع ، هوت الناقة تهوى: أسرعت إسراعًا. والدين: الدأب والعادة. و"الأتلد" الأقدم ، من التليد ، وهو القديم. و"قديد": موضع ماء بين مكة والمدينة.(91) و"ضجنان" (بفتح أوله وسكون الجيم): وهو جبل على طريق المدينة من مكة ، بينه وبين قديد ليلة ، كما بينه هذا الشعر. قاله أبو عبيد البكرى في معجم ما استعجم.(92) في المطبوعة: "وأما قول الذين خرجوا معه" ، وهي زيادة فاسدة ، وليست في المخطوطة.