فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤التفسير الميسرفرجعوا من "حمراء الأسد" إلى "المدينة" بنعمة من الله بالثواب الجزيل وبفضل منه بالمنزلة العالية، وقد ازدادوا إيمانًا ويقينًا، وأذلوا أعداء الله، وفازوا بالسلامة من القتل والقتال، واتبعوا رضوان الله بطاعتهم له ولرسوله. والله ذو فضل عظيم عليهم وعلى غيرهم.
تفسير السعدي فانقلبوا أي: رجعوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء وجاء الخبر المشركين أن الرسول وأصحابه قد خرجوا إليكم، وندم من تخلف منهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم، واستمروا راجعين إلى مكة، ورجع المؤمنون بنعمة من الله وفضل، حيث مَنَّ عليهم بالتوفيق للخروج بهذه الحالة والاتكال على ربهم، ثم إنه قد كتب لهم أجر غزاة تامة، فبسبب إحسانهم بطاعة ربهم، وتقواهم عن معصيته، لهم أجر عظيم، وهذا فضل الله عليهم.
تفسير ابن كثيرولهذا قال تعالى : ( فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ) أي : لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمهم ورد عنهم بأس من أراد كيدهم ، فرجعوا إلى بلدهم ( بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ) مما أضمر لهم عدوهم ( واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم )قال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو بكر بن داود الزاهد ، حدثنا محمد بن نعيم ، حدثنا بشر بن الحكم ، حدثنا مبشر بن عبد الله بن رزين ، حدثنا سفيان بن حسين ، عن يعلى بن مسلم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قول الله تعالى ( فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ) قال : النعمة أنهم سلموا ، والفضل أن عيرا مرت ، وكان في أيام الموسم ، فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فربح فيها مالا فقسمه بين أصحابه .وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ) قال : [ هذا ] أبو سفيان ، قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : موعدكم بدر ، حيث قتلتم أصحابنا . فقال محمد صلى الله عليه وسلم : " عسى " . فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده حتى نزل بدرا ، فوافقوا السوق فيها وابتاعوا فذلك قول الله عز وجل : ( فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء [ واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ] ) قال : وهي غزوة بدر الصغرى .رواه ابن جرير . وروى [ أيضا ] عن القاسم ، عن الحسين ، عن حجاج ، عن ابن جريج قال : لما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعد أبي سفيان ، فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش ، فيقولون قد جمعوا لكم يكيدونهم بذلك ، يريدون أن يرعبوهم فيقول المؤمنون : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) حتى قدموا بدرا ، فوجدوا أسواقها عافية لم ينازعهم فيها أحد ، قال رجل من المشركين فأخبر أهل مكة بخيل محمد ، وقال في ذلك :نفرت قلوصي من خيول محمد وعجوة منثورة كالعنجدواتخذت ماء قديد موعديثم قال ابن جرير : هكذا أنشدنا القاسم ، وهو خطأ ، وإنما هو :قد نفرت من رفقتي محمد وعجوة من يثرب كالعنجدتهوى على دين أبيها الأتلد قد جعلت ماء قديد موعديوماء ضجنان لها ضحى الغد
تفسير القرطبيقوله تعالى : فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم قال علماؤنا : لما فوضوا أمورهم إليه ، واعتمدوا بقلوبهم عليه ، أعطاهم من الجزاء أربعة معان : النعمة ، والفضل ، وصرف السوء ، واتباع الرضا . فرضاهم عنه ، ورضي عنهم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فانقلبوا بنعمة من الله "، فانصرف الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، (1) من وجههم الذي توجَّهوا فيه -وهو سيرهم في أثر عدوهم- إلى حمراء الأسد=" بنعمة من الله "، يعني: بعافية من ربهم، لم يلقوا بها عدوًّا. (2) " وفضل "، يعني: أصابوا فيها من الأرباح بتجارتهم التي تَجَروا بها، (3) الأجر الذي اكتسبوه (4) =: " لم يمسسهم سوء " يعني: لم ينلهم بها مكروه من عدوّهم ولا أذى (5) =" واتبعوا رضوان الله "، يعني بذلك: أنهم أرضوا الله بفعلهم ذلك، واتباعهم رسوله إلى ما دعاهم إليه من اتباع أثر العدوّ، وطاعتهم=" والله ذو فضل عظيم "، يعني: والله ذو إحسان وطَوْل عليهم -بصرف عدوهم الذي كانوا قد همُّوا بالكرة إليهم، وغير ذلك من أياديه عندهم وعلى غيرهم- بنعمه (6) =" عظيم " عند من أنعم به عليه من خلقه.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:8251 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فانقلبوا بنعمة من الله وفضل "، قال: والفضل ما أصابوا من التجارة والأجر.8252 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال، وافقوا السوق فابتاعوا، وذلك قوله: " فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ". قال: الفضل ما أصابوا من التجارة والأجر= قال ابن جريج: ما أصابوا من البيع نعمة من الله وفضل، أصابوا عَفْوه وغِرَّته (7) لا ينازعهم فيه أحد= قال: وقوله: " لم يمسسهم سوء "، قال: قتل=" واتبعوا رضوان الله "، قال: طاعة النبيّ صلى الله عليه وسلم.8253 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " والله ذو فضل عظيم "، لما صرف عنهم من لقاء عدوهم. (8)8254 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أطاعوا الله وابتغوا حاجتهم، ولم يؤذهم أحد،" فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ".8255 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني حين خرج إلى غزوة بدر الصغرى- ببدر دراهم، (9) ابتاعوا بها من موسم بدر فأصابوا تجارة، فذلك قول الله: " فانقلبوا بنعمة من لله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله ". أما " النعمة " فهي العافية، وأما " الفضل " فالتجارة، و " السوء " القتل.---------------الهوامش :(1) انظر تفسير"انقلب" فيما سلف 3: 163.(2) انظر تفسير"النعمة" فيما سلف 4: 272.(3) في المطبوعة: "اتجروا بها" ، وأثبت ما في المخطوطة."تجر يتجر تجرًا وتجارة": باع واشترى ، ومثله: "اتجر" على وزن (افتعل). والثلاثي على وزن (نصر وينصر).(4) انظر تفسير"الفضل" فيما سلف ص299 تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(5) انظر تفسير"المس" فيما سلف 5: 118 / 7: 155 ، 238.(6) السياق: "والله ذو إحسان وطول. . . بنعمه".(7) في المطبوعة: "وعزته" ، ولا معنى لها ، وفي المخطوطة غير منقوطة. و"الغرة" (بكسر الغين) الغفلة ، يريد خلو السوق ممن يزاحمهم فيها ، كأنهم أتوها والناس في غفلة عنها. وهو مجاز ، ومثله عيش غرير: أي ناعم ، لا يفزع أهله.(8) الأثر: 8253 - سيرة ابن هشام 3: 128 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8244.(9) في المطبوعة والدر المنثور"ببدر دراهم" ، وفي المخطوطة "بردراهم" غير منقوطة ، وأخشى أن تكون كلمة مصحفة لم أهتد إليها ، وإن قرأتها"نثر دراهم" ، فلعلها! وشيء نثر (بفتحتين) متناثر. ولا أدري أيصح ذلك أو لا يصح.
إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥التفسير الميسرإنَّما المثبِّط لكم في ذلك هو الشيطان جاءكم يخوِّفكم أنصاره، فلا تخافوا المشركين؛ لأنّهم ضعاف لا ناصر لهم، وخافوني بالإقبال على طاعتي إن كنتم مصدِّقين بي، ومتبعين رسولي.
تفسير السعدي إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه أي: إن ترهيب من رهب من المشركين، وقال: إنهم جمعوا لكم، داع من دعاة الشيطان، يخوف أولياءه الذين عدم إيمانهم، أو ضعف. فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين أي: فلا تخافوا المشركين أولياء الشيطان، فإن نواصيهم بيد الله، لا يتصرفون إلا بقدره، بل خافوا الله الذي ينصر أولياءه الخائفين منه المستجيبين لدعوته. وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله، والخوف المحمود: ما حجز العبد عن محارم الله.
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى : ( إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ) أي : يخوفكم أولياءه ، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة ، قال الله تعالى : ( فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ) [ أي : ف ] إذا سول لكم وأوهمكم فتوكلوا علي والجئوا إلي ، فأنا كافيكم وناصركم عليهم ، كما قال تعالى : ( أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ) إلى قوله : ( قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون ) [ الزمر : 36 - 38 ] وقال تعالى : ( فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) [ النساء : 76 ] وقال تعالى : ( أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ) [ المجادلة : 19 ] وقال تعالى : ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) [ المجادلة : 21 ] وقال [ تعالى ] ( ولينصرن الله من ينصره ) [ الحج : 40 ] وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم [ ويثبت أقدامكم ] ) [ محمد : 7 ] وقال تعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد . يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) [ غافر : 51 ، 52 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنينقال ابن عباس وغيره : المعنى يخوفكم أولياءه ; أي بأوليائه ، أو من أوليائه ; فحذف حرف الجر ووصل الفعل إلى الاسم فنصب . كما قال تعالى : لينذر بأسا شديدا أي لينذركم ببأس شديد ; أي يخوف المؤمن بالكافر . وقال الحسن والسدي : المعنى يخوف أولياءه المنافقين ; ليقعدوا عن قتال المشركين . فأما أولياء الله فإنهم لا يخافونه إذا خوفهم . وقد قيل : إن المراد هذا الذي يخوفكم بجمع الكفار شيطان من شياطين الإنس ; إما نعيم بن مسعود أو غيره ، على الخلاف في ذلك كما تقدم . فلا تخافوهم أي لا تخافوا الكافرين المذكورين في قوله : إن الناس قد جمعوا لكم . أو يرجع إلى الأولياء إن قلت : إن المعنى يخوف بأوليائه أي يخوفكم أولياءه .قوله تعالى : وخافون أي خافوني في ترك أمري إن كنتم مصدقين بوعدي . والخوف في كلام العرب الذعر . وخاوفني فلان فخفته ، أي كنت أشد خوفا منه . والخوفاء المفازة لا ماء بها . ويقال : ناقة خوفاء وهي الجرباء . والخافة كالخريطة من الأدم يشتار فيها العسل . قال سهل بن عبد الله : اجتمع بعض الصديقين إلى إبراهيم الخليل فقالوا : ما الخوف ؟ فقال : لا تأمن حتى تبلغ المأمن . قال سهل : وكان الربيع بن خيثم إذا مر بكير يغشى عليه ; فقيل لعلي بن أبي طالب ذلك ; فقال : إذا أصابه ذلك فأعلموني . فأصابه فأعلموه ، فجاءه فأدخل يده في قميصه فوجد حركته عالية فقال : أشهد أن هذا أخوف أهل زمانكم . فالخائف من الله تعالى هو أن يخاف أن يعاقبه إما في الدنيا وإما في الآخرة ; ولهذا قيل : ليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه ، بل الخائف الذي يترك ما يخاف أن يعذب عليه . ففرض الله تعالى على العباد أن يخافوه فقال : وخافون إن كنتم مؤمنين وقال : وإياي فارهبون . ومدح المؤمنين بالخوف فقال : يخافون ربهم من فوقهم . ولأرباب الإشارات في الخوف عبارات مرجعها إلى ما ذكرنا . قال الأستاذ أبو علي الدقاق : دخلت على أبي بكر بن فورك رحمه الله عائدا ، فلما رآني دمعت عيناه ، فقلت له : إن الله يعافيك ويشفيك . فقال لي : أترى أني أخاف من الموت ؟ إنما أخاف مما وراء الموت . وفي سنن ابن ماجه عن أبي ذر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله والله لوددت أني كنت شجرة تعضد . خرجه الترمذي وقال : حديث حسن غريب . ويروى من غير هذا الوجه أن أبا ذر قال : ( لوددت أني كنت شجرة تعضد ) ، والله أعلم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُقال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: إنما الذي قال لكم، أيها المؤمنون: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ، فخوفوكم بجموع عدوّكم ومسيرهم إليكم، من فعل الشيطان ألقاه على أفواه من قال ذلك لكم، يخوفكم بأوليائه من المشركين -أبي سفيان وأصحابه من قريش- لترهبوهم، وتجبنوا عنهم، كما:-8256 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه "، يخوف والله المؤمنَ بالكافر، ويُرهب المؤمن بالكافر.8257 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: " إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه "، قال: يخوّف المؤمنين بالكفار.8258 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه "، يقول: الشيطان يخوّف المؤمنين بأوليائه.8259 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه "، أي: أولئك الرهط، يعني النفر من عبد القيس، الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا، وما ألقى الشيطان على أفواههم=" يخوّف أولياءه "، أي: يرهبكم بأوليائه. (10)8260 - حدثني يونس قال، أخبرنا علي بن معبد، عن عتاب بن بشير مولى قريش، عن سالم الأفطس في قوله: " إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه "، قال: يخوفكم بأوليائه.* * *وقال آخرون: معنى ذلك، إنما ذلكم الشيطان يعظِّم أمر المشركين، أيها المنافقون، في أنفسكم فتخافونه.* ذكر من قال ذلك:8261 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ذكر أمر المشركين وعِظمهم في أعين المنافقين فقال: " إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه "، يعظم أولياءه في صدوركم فتخافونه.* * *قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف قيل: " يخوف أولياءه "؟ وهل يخوف الشيطان أولياءه؟ [وكيف] قيل= إن كان معناه يخوّفكم بأوليائه=" يخوف أولياءه "؟ (11) قيل: ذلك نظير قوله: لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا [سورة الكهف: 2] بمعنى: لينذركم بأسه الشديد، وذلك أن البأس لا يُنذر، وإنما ينذر به. (12)* * *وقد كان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: معنى ذلك: يخوف الناسَ أولياءه، كقول القائل: " هو يُعطي الدراهم، ويكسو الثياب "، بمعنى: هو يعطي الناس الدراهم ويكسوهم الثياب، فحذف ذلك للاستغناء عنه.* * *قال أبو جعفر: وليس الذي شبه [من] ذلك بمشتبه، (13) لأن " الدراهم " في قول القائل: " هو يعطي الدراهم "، معلوم أن المعطَى هي" الدراهم "، وليس كذلك " الأولياء " -في قوله: " يخوف أولياءه "- مخوَّفين، (14) بل التخويف من الأولياء لغيرهم، فلذلك افترقا.* * *القول في تأويل قوله : فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)قال أبو جعفر: يقول: فلا تخافوا، أيها المؤمنون، المشركين، ولا يعظُمَن عليكم أمرهم، ولا ترهبوا جمعهم، مع طاعتكم إياي، ما أطعتموني واتبعتم أمري، وإني متكفِّل لكم بالنصر والظفر، (15) ولكن خافون واتقوا أن تعصوني وتخالفوا أمري، فتهلكوا=" إن كنتم مؤمنين "، يقول: ولكن خافونِ دون المشركين ودون جميع خلقي، أنْ تخالفوا أمري، إن كنتم مصدِّقي رسولي وما جاءكم به من عندي.----------------الهوامش :(10) الأثر: 8259 - سيرة ابن هشام 3: 128 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8253.(11) في المطبوعة والمخطوطة: "وهل يخوف الشيطان أولياءه؟ قيل إن كان معناه يخوفكم بأوليائه" وهو كلام لا يستقيم ، ورجحت أن الناسخ أسقط ما زدته بين القوسين.(12) انظر معاني القرآن للفراء 1: 248.(13) في المطبوعة: "الذي شبه ذلك بمشبه" ، والذي في المخطوطة مثله إلا أنه كتب"بمشتبه" ورجحت أن الناسخ أسقط"من" فوضعها بين القوسين ، مع إثبات نص المخطوطة ، وهو الصواب.(14) السياق: "وليس كذلك الأولياء. . . مخوفين".(15) في المخطوطة: "وإني متكلف لكم بالنصر" ، وهو خطأ فاحش ، تعالى ربنا عن أن يتكلف شيئًا ، وهو القادر الذي لا يؤوده شيء. وقد أصاب ناشر الطبعة السالفة فيما فعل.
وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦التفسير الميسرلا يُدْخِل الحزنَ إلى قلبك -أيها الرسول- هؤلاء الكفارُ بمسارعتهم في الجحود والضلال، إنهم بذلك لن يضروا الله، إنما يضرون أنفسهم بحرمانها حلاوة الإيمان وعظيم الثواب، يريد الله ألا يجعل لهم ثوابًا في الآخرة؛ لأنهم انصرفوا عن دعوة الحق، ولهم عذاب شديد.
تفسير السعديكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على الخلق، مجتهدا في هدايتهم، وكان يحزن إذا لم يهتدوا، قال الله تعالى: ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من شدة رغبتهم فيه، وحرصهم عليه إنهم لن يضروا الله شيئا فالله ناصر دينه، ومؤيد رسوله، ومنفذ أمره من دونهم، فلا تبالهم ولا تحفل بهم، إنما يضرون ويسعون في ضرر أنفسهم، بفوات الإيمان في الدنيا، وحصول العذاب الأليم في الأخرى، من هوانهم على الله وسقوطهم من عينه، وإرادته أن لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة من ثوابه. خذلهم فلم يوفقهم لما وفق له أولياءه ومن أراد به خيرا، عدلا منه وحكمة، لعلمه بأنهم غير زاكين على الهدى، ولا قابلين للرشاد، لفساد أخلاقهم وسوء قصدهم. ثم أخبر أن الذين اختاروا الكفر على الإيمان، ورغبوا فيه رغبة من بذل ما يحب من المال، في شراء ما يحب من السلع لن يضروا الله شيئا بل ضرر فعلهم يعود على أنفسهم، ولهذا قال: ولهم عذاب أليم وكيف يضرون الله شيئا، وهم قد زهدوا أشد الزهد في الإيمان، ورغبوا كل الرغبة بالكفر بالرحمن؟! فالله غني عنهم، وقد قيض لدينه من عباده الأبرار الأزكياء سواهم، وأعد له -ممن ارتضاه لنصرته- أهل البصائر والعقول، وذوي الألباب من الرجال الفحول، قال الله تعالى: قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا الآيات.
تفسير ابن كثيريقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) وذلك من شدة حرصه على الناس كان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق ، فقال تعالى : ولا يحزنك ذلك ( إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ) أي : حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته وقدرته ألا يجعل لهم نصيبا في الآخرة ( ولهم عذاب عظيم ) .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيمقوله تعالى : ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر هؤلاء قوم أسلموا ثم ارتدوا خوفا من المشركين ; فاغتم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله عز وجل : ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر . وقال الكلبي : يعني به المنافقين ورؤساء اليهود ; كتموا صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكتاب فنزلت . ويقال : إن أهل الكتاب لما لم يؤمنوا شق ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون إنهم أهل كتاب ; فلو كان قوله حقا لاتبعوه ، فنزلت ولا يحزنك . قراءة نافع بضم الياء وكسر الزاي حيث وقع إلا في - الأنبياء - لا يحزنهم الفزع الأكبر فإنه بفتح الياء وبضم الزاي . وضده أبو جعفر . وقرأ ابن محيصن كلها بضم الياء وكسر الزاي . والباقون كلها بفتح الياء وضم الزاي . وهما لغتان : حزنني الأمر يحزنني ، وأحزنني أيضا وهي لغة قليلة ; والأولى أفصح اللغتين ; قاله النحاس . وقال الشاعر في أحزن :مضى صحبي وأحزنني الدياروقراءة العامة يسارعون . وقرأ طلحة " يسرعون في الكفر " . قال الضحاك : هم كفار قريش . وقال غيره : هم المنافقون . وقيل : هو ما ذكرناه قبل . وقيل : هو عام في جميع الكفار . ومسارعتهم في الكفر المظاهرة على محمد - صلى الله عليه وسلم - . قال القشيري : والحزن على كفر الكافر طاعة ; ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفرط في الحزن على كفر قومه ، فنهي عن ذلك ; كما قال : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات وقال : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا .إنهم لن يضروا الله شيئا أي لا ينقصون من ملك الله وسلطانه شيئا ; يعني لا ينقص بكفرهم . وكما روي عنأبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا . يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم . يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم . يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم . يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم . يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر . يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه . خرجه مسلم في صحيحه والترمذي وغيرهما ، وهو حديث عظيم فيه طول يكتب كله . وقيل : معنى لن يضروا الله شيئا أي لن يضروا أولياء الله حين تركوا نصرهم إذ كان الله عز وجل ناصرهم .قوله تعالى : يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم أي نصيبا . والحظ النصيب والجد . يقال : فلان أحظ من فلان ، وهو محظوظ . وجمع الحظ أحاظ على غير قياس . قالأبو زيد : يقال رجل حظيظ ، أي جديد إذا كان ذا حظ من الرزق . وحظظت في الأمر أحظ . وربما جمع الحظ أحظا . أي لا يجعل لهم نصيبا في الجنة . وهو نص في أن الخير والشر بإرادة الله تعالى .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًاقال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ولا يحزنك، يا محمد كفر الذين يسارعون في الكفر مرتدِّين على أعقابهم من أهل النفاق، (16) فإنهم لن يضروا الله بمسارعتهم في الكفر شيئًا، وكما أنّ مسارعتهم لو سارعوا إلى الإيمان لم تكن بنافعته، (17) كذلك مسارعتهم إلى الكفر غير ضارَّته. كما:-8262 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر "، يعني: أنهم المنافقون. (18)8263 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر "، أي: المنافقون. (19)* * *القول في تأويل قوله : يُرِيدُ اللَّهُ أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يريد الله أن لا يجعل لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر، نصيبًا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم فسارعوا فيه. ثم أخبر أنهم مع حرمانهم ما حرموا من ثواب الآخرة، لهم عذاب عظيم في الآخرة، وذلك عذابُ النار. وقال ابن إسحاق في ذلك بما:-8264 - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " يريد الله أن لا يجعل لهم حظًّا في الآخرة "، أن يُحبط أعمالهم. (20)----------------------الهوامش :(16) انظر تفسير"سارع" فيما سلف 7: 130 ، 207.(17) في المطبوعة والمخطوطة: "كما أن مسارعتهم" بغير واو ، والصواب إثبات الواو.(18) في المطبوعة: "هم المنافقون" ، وأثبت ما في المخطوطة ، ولو قرئت المخطوطة: "فهم المنافقون" ، لكان أجود.(19) الأثر: 8263 - سيرة ابن هشام 3: 128 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8259.(20) الأثر: 8264 - ليس في سيرة ابن هشام.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٧التفسير الميسرإن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئًا، بل ضرر فِعْلِهم يعود على أنفسهم، ولهم في الآخرة عذاب موجع.
تفسير السعديكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على الخلق، مجتهدا في هدايتهم، وكان يحزن إذا لم يهتدوا، قال الله تعالى: ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من شدة رغبتهم فيه، وحرصهم عليه إنهم لن يضروا الله شيئا فالله ناصر دينه، ومؤيد رسوله، ومنفذ أمره من دونهم، فلا تبالهم ولا تحفل بهم، إنما يضرون ويسعون في ضرر أنفسهم، بفوات الإيمان في الدنيا، وحصول العذاب الأليم في الأخرى، من هوانهم على الله وسقوطهم من عينه، وإرادته أن لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة من ثوابه. خذلهم فلم يوفقهم لما وفق له أولياءه ومن أراد به خيرا، عدلا منه وحكمة، لعلمه بأنهم غير زاكين على الهدى، ولا قابلين للرشاد، لفساد أخلاقهم وسوء قصدهم. ثم أخبر أن الذين اختاروا الكفر على الإيمان، ورغبوا فيه رغبة من بذل ما يحب من المال، في شراء ما يحب من السلع لن يضروا الله شيئا بل ضرر فعلهم يعود على أنفسهم، ولهذا قال: ولهم عذاب أليم وكيف يضرون الله شيئا، وهم قد زهدوا أشد الزهد في الإيمان، ورغبوا كل الرغبة بالكفر بالرحمن؟! فالله غني عنهم، وقد قيض لدينه من عباده الأبرار الأزكياء سواهم، وأعد له -ممن ارتضاه لنصرته- أهل البصائر والعقول، وذوي الألباب من الرجال الفحول، قال الله تعالى: قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا الآيات.
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى مخبرا عن ذلك إخبارا مقررا : ( إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان ) أي : استبدلوا هذا بهذا ( لن يضروا الله شيئا ) أي : ولكن يضرون أنفسهم ( ولهم عذاب أليم ) .
تفسير القرطبيقوله تعالى : إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليمقوله تعالى : إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان تقدم في البقرة لن يضروا الله شيئا كرر للتأكيد . وقيل : أي من سوء تدبيره استبدال الإيمان بالكفر وبيعه به ; فلا يخاف جانبه ولا تدبيره . وانتصب شيئا في الموضعين لوقوعه موقع المصدر ; كأنه قال : لن يضروا الله ضررا قليلا ولا كثيرا . ويجوز انتصابه على تقدير حذف الباء ; كأنه قال : لن يضروا الله بشيء .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه المنافقين الذين تقدَّم إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فيهم: أن لا يحزنه مسارعتهم إلى الكفر، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء الذين ابتاعوا الكفر بإيمانهم فارتدوا عن إيمانهم بعد دخولهم فيه، (21) ورضوا بالكفر بالله وبرسوله، عوضًا من الإيمان، لن يضروا الله بكفرهم وارتدادهم عن إيمانهم شيئًا، بل إنما يضرون بذلك أنفسهم، بإيجابهم بذلك لها من عقاب الله ما لا قِبل لها به.* * *وإنما حث الله جل ثناؤه بهذه الآيات من قوله: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ إلى هذه الآية، عبادَه المؤمنين على إخلاص اليقين، ولانقطاع إليه في أمورهم، والرضى به ناصرًا وحدَه دون غيره من سائر خلقه= ورغَّب بها في جهاد أعدائه وأعداء دينه، وشجَّع بها قلوبهم، وأعلمهم أن من وليه بنصره فلن يخذل ولو اجتمع عليه جميعُ من خالفه وحادَّه، وأن من خذله فلن ينصره ناصرٌ ينفعُه نصرُه، ولو كثرت أعوانه ونصراؤه، (22) كما:-8265 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان "، أي: المنافقين=" لن يضروا الله شيئًا ولهم عذاب أليم "، أي: موجع. (23)8266 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: هم المنافقون.------------------------------الهوامش:(21) انظر تفسير"الاشتراء" فيما سلف 1: 312 - 315 / 2: 341 ، 342 / 3: 228.(22) في المطبوعة: "أو نصراؤه" ، والصواب ما في المخطوطة.(23) الأثر: 8265 - سيرة ابن هشام: 3: 128 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8263. وليس في سيرة ابن هشام تفسير"أليم".
وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٧٨التفسير الميسرولا يظننَّ الجاحدون أننا إذا أَطَلْنا أعمارهم، ومتعناهم بمُتع الدنيا، ولم تؤاخذهم بكفرهم وذنوبهم، أنهم قد نالوا بذلك خيرًا لأنفسهم، إنما نؤخر عذابهم وآجالهم؛ ليزدادوا ظلمًا وطغيانًا، ولهم عذاب يهينهم ويذلُّهم.
تفسير السعديأي: ولا يظن الذين كفروا بربهم ونابذوا دينه، وحاربوا رسوله أن تركنا إياهم في هذه الدنيا، وعدم استئصالنا لهم، وإملاءنا لهم خير لأنفسهم، ومحبة منا لهم. كلا، ليس الأمر كما زعموا، وإنما ذلك لشر يريده الله بهم، وزيادة عذاب وعقوبة إلى عذابهم، ولهذا قال: إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين فالله تعالى يملي للظالم، حتى يزداد طغيانه، ويترادف كفرانه، حتى إذا أخذه أخذه أخذ عزيز مقتدر، فليحذر الظالمون من الإمهال، ولا يظنوا أن يفوتوا الكبير المتعال.
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى : ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ) كقوله تعالى : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) [ المؤمنون : 55 ، 56 ] ، وكقوله ( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) [ القلم : 44 ] ، وكقوله ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) [ التوبة : 55 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهينقوله تعالى : ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم الإملاء طول العمر ورغد العيش . والمعنى : لا يحسبن هؤلاء الذين يخوفون المسلمين ; فإن الله قادر على إهلاكهم ، وإنما يطول أعمارهم ليعملوا بالمعاصي ، لا لأنه خير لهم . ويقال : أنما نملي لهم بما أصابوا من الظفر يوم أحد لم يكن ذلك خيرا لأنفسهم ; وإنما كان ذلك ليزدادوا عقوبة . وروي عن ابن مسعود أنه قال : ما من أحد بر ولا فاجر إلا والموت خير له ; لأنه إن كان برا فقد قال الله تعالى : وما عند الله خير للأبرار وإن كان فاجرا فقد قال الله : إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وقرأ ابن عامر وعاصم " لا يحسبن " بالياء ونصب السين . وقرأ حمزة : بالتاء ونصب السين . والباقون : بالياء وكسر السين . فمن قرأ بالياء فالذين فاعلون . أي فلا يحسبن الكفار . و ( أنما نملي لهم خير لأنفسهم ) تسد مسد المفعولين . و " ما " بمعنى الذي ، والعائد محذوف ، و ( خير ) خبر " أن " . ويجوز أن تقدر " ما " والفعل مصدرا ; والتقدير ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم . ومن قرأ بالتاء فالفعل هو المخاطب ، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - . و ( الذين ) نصب على المفعول الأول لتحسب . وأن وما بعدها بدل من الذين ، وهي تسد مسد المفعولين ، كما تسد لو لم تكن بدلا . ولا يصلح أن تكون " أن " وما بعدها مفعولا ثانيا لتحسب ; لأن المفعول الثاني في هذا الباب هو الأول في المعنى ; لأن حسب وأخواتها داخلة على المبتدأ والخبر ; فيكون التقدير ; ولا تحسبن أنما نملي لهم خير . هذا قول الزجاج . وقال أبو علي : لو صح هذا لقال " خيرا " بالنصب ; لأن " أن " تصير بدلا من الذين كفروا ; فكأنه قال : لا تحسبن إملاء الذين كفروا خيرا ; فقوله " خيرا " هو المفعول الثاني لحسب . فإذا لا يجوز أن يقرأ " لا تحسبن " بالتاء إلا أن تكسر " إن " في " أنما " وتنصب خيرا ، ولم يرو ذلك عن حمزة ، والقراءة عن حمزة بالتاء ; فلا تصح هذه القراءة إذا . وقال الفراء والكسائي : قراءة حمزة جائزة على التكرير ; تقديره ولا تحسبن الذي كفروا ، ولا تحسبن أنما نملي لهم خيرا ، فسدت " أن " مسد المفعولين لتحسب الثاني ، وهي وما عملت مفعول ثان لتحسب الأول . قال القشيري : وهذا قريب مما ذكره الزجاج في دعوى البدل ، والقراءة صحيحة . فإذا غرض أبي علي تغليط الزجاج . قال النحاس : وزعم أبو حاتم أن قراءة حمزة بالتاء هنا ، وقوله : ولا يحسبن الذين يبخلون لحن لا يجوز . وتبعه على ذلك جماعة . قلت : وهذا ليس بشيء ; لما تقدم بيانه من الإعراب ، ولصحة القراءة وثبوتها نقلا . وقرأ يحيى بن وثاب " إنما نملي لهم " بكسر إن فيهما جميعا . قال أبو جعفر : وقراءة يحيى حسنة . كما تقول : حسبت عمرا أبوه خالد . قال أبو حاتم وسمعت الأخفش يذكر كسر " إن " يحتج به لأهل القدر ; لأنه كان منهم . ويجعل على التقديم والتأخير ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم . قال : ورأيت في مصحف في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفا فصار " إنما نملي لهم إيمانا " فنظر إليه يعقوب القارئ فتبين اللحن فحكه . والآية نص في بطلان مذهب القدرية ; لأنه أخبر أنه يطيل أعمارهم ليزدادوا الكفر بعمل المعاصي ، وتوالي أمثاله على القلب . كما تقدم بيانه في ضده وهو الإيمان . وعن ابن عباس قال : ما من بر ولا فاجر إلا والموت خير له ثم تلا إنما نملي لهم ليزدادوا لهم إثما وتلا وما عند الله خير للأبرار أخرجه رزين .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ولا يظنن الذين كفروا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله (24) ، أن إملاءنا لهم خيرٌ لأنفسهم.* * *ويعني ب" الإملاء "، الإطالة في العمر، والإنساء في الأجل، ومنه قوله جل ثناؤه: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [سورة مريم: 46] أي: حينًا طويلا ومنه قيل: " عشتَ طويلا وتملَّيت حبيبًا " (25) ." والملا " نفسه الدهر،" والملوان "، الليل والنهار، ومنه قول تميم بن مقبل: (26)أَلا يَا دِيَارَ الحَيِّ بِالسَّبُعَانِأَمَلَّ عَلَيْهَا بِالبِلَى المَلَوَانِ (27)يعني: ب" الملوان "، الليل والنهار.* * *وقد اختلفت القرأة في قراءة قوله: " ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم ".فقرأ ذلك جماعة منهم: ( وَلا يَحْسَبَنَّ ) بالياء، وبفتح " الألف " من قوله: " أَنَّمَا "، على المعنى الذي وصفتُ من تأويله.* * *وقرأه آخرون: ( وَلا تَحْسَبَنَّ ) بالتاء و " أَنَّمَا " أيضا بفتح " الألف " من " أنما "، بمعنى: ولا تحسبنّ، يا محمد، الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم.* * *فإن قال قائل: فما الذي من أجله فتحت " الألف " من قوله: " أنما " في قراءة من قرأ بالتاء، وقد علمت أن ذلك إذا قرئ بالتاء فقد أعملت " تحسبن "، في" الذين كفروا "، وإذا أعملتها في ذلك، لم يجز لها أن تقع على " أنما " لأن " أنما " إنما يعمل فيها عاملٌ يعمل في شيئين نصبًا؟قيل: أما الصواب في العربية ووجهُ الكلام المعروف من كلام العرب، كسر " إن " إذا قرئت " تحسبن " بالتاء، لأن " تحسبن " إذا قرئت بالتاء فإنها قد نصبت " الذين كفروا "، فلا يجوز أن تعمل، وقد نصبت اسمًا، في" أن ". ولكني أظن أنّ من قرأ ذلك بالتاء في" تحسبن " وفتح الألف من " أنما "، إنما أراد تكرير تحسبن على " أنما "، كأنه قصد إلى أنّ معنى الكلام: ولا تحسبن، يا محمد أنت، الذين كفروا، لا تحسبن أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم، كما قال جل ثناؤه: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً [سورة محمد: 18] بتأويل: هل ينظرون إلا الساعة، هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة. (28) وذلك وإن كان وجهًا جائزًا في العربية، فوجه كلام العرب ما وصفنا قبل.* * *قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا، قراءة من قرأ: ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالياء من " يحسبن "، وبفتح الألف من " أنما "، على معنى الحسبان للذين كفروا دون غيرهم، ثم يعمل في" أنما " نصبًا لأن " يحسبن " حينئذ لم يشغل بشيء عمل فيه، وهي تطلب منصوبين.وإنما اخترنا ذلك لإجماع القرأة على فتح " الألف " من " أنما " الأولى، فدل ذلك على أن القراءة الصحيحة فى " يحسبن " بالياء لما وصفنا.وأما ألف " إنما " الثانية، فالكسر على الابتداء، بإجماع من القرأة عليه:* * *وتأويل قوله: " إنما نُملي لهم ليزدادوا إثمًا "، إنما نؤخر آجالهم فنطيلها ليزدادوا إثمًا، يقول: يكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم وتكثر=" ولهم عذاب مهين "، يقول: ولهؤلاء الذين كفروا بالله ورسوله في الآخرة عقوبة لهم مهينة مذلة. (29)* * *وبنحو ما قلنا في ذلك جاء الأثر.8267 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود قال، قال عبدالله: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموتُ خير لها. وقرأ: " ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا "، وقرأ: نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ [سورة آل عمران: 198]. (30)--------------------الهوامش:(24) انظر تفسير"حسب" فيما سلف قريبا ص: 384.(25) في المطبوعة: "وتمليت حينًا" ، وهو خطأ ، وفي المخطوطة: "وتمليت حنينًا" ، وهو تصحيف ، والصواب ما أثبت. وهو قول يقال في الدعاء ، ومثله في الدعاء لمن لبس ثوبًا جديدًا: "أبليت جديدًا ، وتمليت حبيبًا" ، أي: عشت معه ملاوة من دهرك وتمتعت به.(26) وينسب البيت لابن أحمر ، وإلى أعرابي من بني عقيل.(27) سيبويه 2: 322 ، ومجاز القرآن 1: 109 ، والأمالي 1: 233 ، والسمط: 533 ، والخزانة 3: 275 ، واللسان (ملل) ، وغيرها ، وسيأتي في التفسير 13: 106 (بولاق). وقد بين صاحب الخزانة نسبة هذه الأبيات وذكر الشعر المختلف فيه ، وقال إن أبيات ابن مقبل بعد هذا البيت:نَهَارٌ وَلَيْلٌ دَائِبٌ مَلَوَاهُمَاعَلَى كُلِّ حَالِ النَّاسِ يَخْتَلِفَانِألا يا دَيارَ الحَيِّ لا هَجْرَ بَيْننَاوَلكنَّ رَوْعَاتٍ مِنَ الحَدَثَانِلِدَهْمَاءَ إِذْ لِلنَّاس والعَيْشِ غِرَّةٌوَإِذْ خُلُقَانَا بِالصِّبَا عَسِرَانِقال أبو عبيد البكري: "أمل عليها": دأب ولازم ، وقال أبو عبيدة: أي رجع عليها حتى أبلاها ، أي: طال عليها. وعندي أن أصله من"الملل" ، يقول: حتى بلغ أقصى الملل والسآمة.(28) انظر معاني القرآن للفراء 1: 248 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 108 ، 109.(29) انظر تفسير"مهين" فيما سلف 2: 347 ، 348.(30) الحديث: 8267 - عبد الرحمن: هو ابن مهدي. وسفيان: هو الثوري.خيثمة: هو ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي. وهو تابعي ثقة ، أخرج له الجماعة كلهم.الأسود: هو ابن يزيد النخعي.وهذا الحديث ، وإن كان موقوفًا لفظًا ، فإنه - عندنا - مرفوع حكمًا ، لأنه مما لا يدرك بالرأي.وسيأتي مرة أخرى: 8374 ، من طريق عبد الرزاق ، عن الثوري ، بهذا الإسناد. ورواه الحاكم في المستدرك 2: 298 ، من رواية جرير ، عن الأعمش ، به. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.وذكره ابن كثير 2: 328 ، من رواية ابن أبي حاتم ، من طريق أبي معاوية ، عن الأعمش ، به ، نحوه. ثم قال: "وكذا رواه عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن الأعمش ، به".وذكره السيوطي 2: 104 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وأبي بكر المروزى في الجنائز ، وابن المنذر ، والطبراني.وسيأتي نحو معناه ، من حديث أبي الدرداء: 8375.
مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٧٩التفسير الميسرما كان الله ليَدَعَكم أيها المصدقون بالله ورسوله العاملون بشرعه على ما أنتم عليه من التباس المؤمن منكم بالمنافق حتى يَمِيزَ الخبيث من الطيب، فيُعرف المنافق من المؤمن الصادق. وما كان مِن حكمة الله أن يطلعكم -أيها المؤمنون- على الغيب الذي يعلمه من عباده، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق، ولكنه يميزهم بالمحن والابتلاء، غير أن الله تعالى يصطفي من رسله مَن يشاء؛ ليطلعه على بعض علم الغيب بوحي منه، فآمنوا بالله ورسوله، وإن تؤمنوا إيمانًا صادقًا وتتقوا ربكم بطاعته، فلكم أجر عظيم عند الله.
تفسير السعديأي: ما كان في حكمة الله أن يترك المؤمنين على ما أنتم عليه من الاختلاط وعدم التميز حتى يميز الخبيث من الطيب، والمؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب. ولم يكن في حكمته أيضا أن يطلع عباده على الغيب الذي يعلمه من عباده، فاقتضت حكمته الباهرة أن يبتلي عباده، ويفتنهم بما به يتميز الخبيث من الطيب، من أنواع الابتلاء والامتحان، فأرسل [الله] رسله، وأمر بطاعتهم، والانقياد لهم، والإيمان بهم، ووعدهم على الإيمان والتقوى الأجر العظيم. فانقسم الناس بحسب اتباعهم للرسل قسمين: مطيعين وعاصين، ومؤمنين ومنافقين، ومسلمين وكافرين، ليرتب على ذلك الثواب والعقاب، وليظهر عدله وفضله، وحكمته لخلقه.
تفسير ابن كثيرم قال تعالى : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) أي : لا بد أن يعقد سببا من المحنة ، يظهر فيه وليه ، ويفتضح فيه عدوه . يعرف به المؤمن الصابر ، والمنافق الفاجر . يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن به المؤمنين ، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم [ وثباتهم ] وطاعتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وهتك به ستر المنافقين ، فظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله [ صلى الله عليه وسلم ] ولهذا قال : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) .قال مجاهد : ميز بينهم يوم أحد . وقال قتادة : ميز بينهم بالجهاد والهجرة . وقال السدي : قالوا : إن كان محمد صادقا فليخبرنا عمن يؤمن به منا ومن يكفر . فأنزل الله : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى ) [ يميز الخبيث من الطيب ) أي : حتى ] يخرج المؤمن من الكافر . روى ذلك كله ابن جرير :ثم قال : ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) أي : أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى يميز لكم المؤمن من المنافق ، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك .ثم قال : ( ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) كقوله ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ) [ الجن : 26 ، 27 ] .ثم قال : ( فآمنوا بالله ورسله ) أي : أطيعوا الله ورسوله واتبعوه فيما شرع لكم ( وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) .
تفسير القرطبيما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيمقال أبو العالية : سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق ; فأنزل الله عز وجل ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه الآية . واختلفوا من المخاطب بالآية على أقوال . فقال ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين : الخطاب للكفار والمنافقين . أي ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق وعداوة النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال الكلبي : إن قريشا من أهل مكة قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : الرجل منا تزعم أنه في النار ، وأنه إذا ترك ديننا واتبع دينك قلت هو من أهل الجنة ! فأخبرنا عن هذا من أين هو ؟ وأخبرنا من يأتيك منا ؟ ومن لم يأتك ؟ . فأنزل الله عز وجل ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق حتى يميز الخبيث من الطيب وقيل : هو خطاب للمشركين . والمراد بالمؤمنين في قوله : ليذر المؤمنين من في الأصلاب والأرحام ممن يؤمن . أي ما كان الله ليذر أولادكم الذين حكم لهم بالإيمان على ما أنتم عليه من الشرك ، حتى يفرق بينكم وبينهم ; وعلى هذا وما كان الله ليطلعكم كلام مستأنف . وهو قول ابن عباس وأكثر المفسرين . وقيل : الخطاب للمؤمنين . أي وما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق ، حتى يميز بينكم بالمحنة والتكليف ; فتعرفوا المنافق الخبيث ، والمؤمن الطيب . وقد ميز يوم أحد بين الفريقين . وهذا قول أكثر أهل المعاني .وما كان الله ليطلعكم على الغيب يا معشر المؤمنين . أي ما كان الله ليعين لكم المنافقين حتى تعرفوهم ، ولكن يظهر ذلك لكم بالتكليف والمحنة ، وقد ظهر ذلك في يوم أحد ; فإن المنافقين تخلفوا وأظهروا الشماتة ، فما كنتم تعرفون هذا الغيب قبل هذا ، فالآن قد أطلع الله محمدا عليه السلام وصحبه على ذلك . وقيل : معنى ليطلعكم أي وما كان الله ليعلمكم ما يكون منهم . فقوله : وما كان الله ليطلعكم على الغيب على هذا متصل ، وعلى القولين الأولين منقطع . وذلك أن الكفار لما قالوا : لم لم يوح إلينا ؟ قال : وما كان الله ليطلعكم على الغيب أي على من يستحق النبوة ، حتى يكون الوحي باختياركم .ولكن الله يجتبي أي يختار . من رسله لإطلاع غيبه من يشاء يقال : طلعت على كذا واطلعت عليه ، وأطلعت عليه غيري ; فهو لازم ومتعد . وقرئ " حتى يميز " بالتشديد من ميز ، وكذا في " الأنفال " وهي قراءة حمزة . والباقون يميز بالتخفيف من ماز يميز . يقال : مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزا ، وميزته تمييزا . قال أبو معاذ : مزت الشيء أميزه ميزا إذا فرقت بين شيئين . فإن كانت أشياء قلت : ميزتها تمييزا . ومثله إذا جعلت الواحد شيئين قلت : فرقت بينهما ، مخففا ; ومنه فرق الشعر . فإن جعلته أشياء قلت : فرقته تفريقا .قلت : ومنه امتاز القوم ، تميز بعضهم عن بعض . ويكاد يتميز : يتقطع ; وبهذا فسر قوله تعالى : تكاد تميز من الغيظ وفي الخبر ( من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة ) .قوله تعالى : فآمنوا بالله ورسله يقال : إن الكفار لما سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبين لهم من يؤمن منهم ، فأنزل اللهفآمنوا بالله ورسله يعني لا تشتغلوا بما لا يعنيكم ، واشتغلوا بما يعنيكم وهو الإيمان . فآمنوا أي صدقوا ، أي عليكم التصديق لا التشوف إلى اطلاع الغيب .وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم أي الجنة . ويذكر أن رجلا كان عند الحجاج بن يوسف الثقفي منجما ; فأخذ الحجاج حصيات بيده قد عرف عددها فقال للمنجم : كم في يدي ؟ فحسب فأصاب المنجم . فأغفله الحجاج وأخذ حصيات لم يعدهن فقال للمنجم : كم في يدي ؟ فحسب فأخطأ ، ثم حسب أيضا فأخطأ ; فقال : أيها الأمير ، أظنك لا تعرف عدد ما في يدك ؟ قال لا : قال : فما الفرق بينهما ؟ فقال : إن ذاك أحصيته فخرج عن حد الغيب ، فحسبت فأصبت ، وإن هذا لم تعرف عددها فصار غيبا ، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى . وسيأتي هذا الباب في " الأنعام " إن شاء الله تعالى .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِقال أبو جعفر: يعني بقوله: " ما كان الله ليذر المؤمنين "، ما كان الله ليدع المؤمنين (31) =" على ما أنتم عليه " من التباس المؤمن منكم بالمنافق، فلا يعرف هذا من هذا=" حتى يميز الخبيث من الطيب "، يعنى بذلك: " حتى يميز الخبيث " وهو المنافق المستسرُّ للكفر (32) =" من الطيب "، وهو المؤمن المخلص الصادق الإيمان، (33) بالمحن والاختبار، كما ميَّز بينهم يوم أحد عند لقاء العدوّ عند خروجهم إليهم.* * *واختلف أهل التأويل في" الخبيث " الذي عنى الله بهذه الآية.فقال بعضهم فيه، مثل قولنا.* ذكر من قال ذلك:8268 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثني أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب "، قال: ميز بينهم يوم أحد، المنافقَ من المؤمن.8269 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب "، قال: ابن جريج، يقول: ليبين الصادق بإيمانه من الكاذب= قال ابن جريج، قال مجاهد: يوم أحد، ميز بعضهم عن بعض، المنافق عن المؤمن.8270 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب "، أي: المنافقين. (34)* * *وقال آخرون: معنى ذلك: حتى يميز المؤمن من الكافر بالهجرة والجهاد.* ذكر من قال ذلك:8271 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه "، يعني الكفار. يقول: لم يكن الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة: " حتى يميز الخبيث من الطيب "، يميز بينهم في الجهاد والهجرة.8272 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " حتى يميز الخبيث من الطيب "، قال: حتى يميز الفاجر من المؤمن.8273 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي،" ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب " قالوا: " إن كان محمدٌ صادقًا، فليخبرنا بمن يؤمن بالله ومن يكفر "!! فأنزل الله: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب "، حتى يخرج المؤمن من الكافر.* * *قال أبو جعفر: والتأويل الأول أولى بتأويل الآية، لأن الآيات قبلها في ذكر المنافقين، وهذه في سياقتها. فكونها بأن تكون فيهم، أشبه منها بأن تكون في غيرهم.* * *القول في تأويل قوله : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُقال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.فقال بعضهم بما:-8274 - حدثنا به محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وما كان الله ليطلعكم على الغيب "، وما كان الله ليطلع محمدًا على الغيب، ولكن الله اجتباه فجعله رسولا.* * *وقال آخرون بما:-8275 - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وما كان الله ليطلعكم على الغيب "، أي: فيما يريد أن يبتليكم به، لتحذروا ما يدخل عليكم فيه=" ولكنّ الله يجتبي من رسله من يشاء "، يعلمه. (35)* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بتأويله: وما كان الله ليطلعكم على ضمائر قلوب عباده، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق والكافر، ولكنه يميز بينهم بالمحن والابتلاء= كما ميز بينهم بالبأساء يوم أحد= وجهاد عدوه، وما أشبه ذلك من صنوف المحن، حتى تعرفوا مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم. غير أنه تعالى ذكره يجتبي من رسله من يشاء فيصطفيه، فيطلعه على بعض ما في ضمائر بعضهم، بوحيه ذلك إليه ورسالته، كما:-8276 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء "، قال: يخلصهم لنفسه.* * *وإنما قلنا هذا التأويل أولى بتأويل الآية، لأنّ ابتداءها خبرٌ من الله تعالى ذكره أنه غير تارك عباده (36) -يعني بغير محن- حتى يفرق بالابتلاء بين مؤمنهم وكافرهم وأهل نفاقهم. ثم عقب ذلك بقوله: " وما كان الله ليطلعكم على الغيب "، فكان فيما افتتح به من صفة إظهار الله نفاق المنافق وكفر الكافر، دلالةٌ واضحةٌ على أن الذي ولي ذلك هو الخبر عن أنه لم يكن ليطلعهم على ما يخفى عنهم من باطن سرائرهم، إلا بالذي ذكر أنه مميِّزٌ به نعتَهم إلا من استثناه من رسله الذي خصه بعلمه.* * *القول في تأويل قوله : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (37) " وإن تؤمنوا "، وإن تصدِّقوا من اجتبيته من رُسلي بعلمي وأطلعته على المنافقين منكم=" وتتقوا " ربكم بطاعته فيما أمركم به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وفيما نهاكم عنه=" فلكم أجر عظيم "، يقول: فلكم بذلك من إيمانكم واتقائكم ربكم، ثوابٌ عظيم، كما:-8277 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا "، أي: ترجعوا وتتوبوا=" فلكم أجر عظيم ". (38)-----------------------------الهوامش:(31) انظر تفسير"يذر" فيما سلف 6: 22.(32) انظر تفسير"الخبيث" فيما سلف 5: 559.(33) انظر تفسير"الطيب" فيما سلف 3: 301 / 5: 555 ، 556 / 6: 361.(34) الأثر: 8270 - سيرة ابن هشام 3: 128 ، وهو جزء من الأثر السالف رقم: 8265 ، وتتمة الآثار التي قبله من تفسير ابن إسحاق. وكان في المطبوعة هنا"المنافق" ، والصواب من المخطوطة ، والأثر السالف ، وسيرة ابن هشام.(35) الأثر: 8275 - سيرة ابن هشام 3: 128 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8270 ، وكان في المطبوعة: "بعلمه" بالباء في أوله ، والصواب من سيرة ابن هشام ، ونصه: "أي: يعلمه ذلك" ، أما المخطوطة ، فالكلمة فيها غير منقوطة.(36) في المطبوعة والمخطوطة"وابتداؤها خبر من الله" ، وهو سياق لا يستقيم ، والظاهر أن ناسخ المخطوطة لما نسخ ، أشكل على بصره ، "الآية" ثم"لأن" بعقبها. فأسقط"لأن" ، وكتب"وابتداؤها" ، ورسم الكلمة في المخطوطة"وابتداها" ، فلذلك رجحت ما أثبته ، وإن كان ضبط السياق وحده كافيًا في الترجيح.(37) في المخطوطة والمطبوعة: "يعني بذلك جل ثناؤه بقوله" ، وإقحام"بذلك" مفسدة وهجنة في الكلام ، فأسقطتها ، وهي سبق قلم من الناسخ.(38) الأثر: 8277 - سيرة ابن هشام 3: 128 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8275.
وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٨٠التفسير الميسرولا يظنن الذين يبخلون بما أنعم الله به عليهم تفضلا منه أن هذا البخل خير لهم، بل هو شرٌّ لهم؛ لأن هذا المال الذي جمعوه سيكون طوقًا من نار يوضع في أعناقهم يوم القيامة. والله سبحانه وتعالى هو مالك الملك، وهو الباقي بعد فناء جميع خلقه، وهو خبير بأعمالكم جميعها، وسيجازي كلا على قدر استحقاقه.
تفسير السعديأي: ولا يظن الذين يبخلون، أي: يمنعون ما عندهم مما آتاهم الله من فضله، من المال والجاه والعلم، وغير ذلك مما منحهم الله، وأحسن إليهم به، وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده، فبخلوا بذلك، وأمسكوه، وضنوا به على عباد الله، وظنوا أنه خير لهم، بل هو شر لهم، في دينهم ودنياهم، وعاجلهم وآجلهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة أي: يجعل ما بخلوا به طوقا في أعناقهم، يعذبون به كما ورد في الحديث الصحيح، "إن البخيل يمثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع، له زبيبتان، يأخذ بلهزمتيه يقول: أنا مالك، أنا كنزك" وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداق ذلك، هذه الآية. فهؤلاء حسبوا أن بخلهم نافعهم، ومجد عليهم، فانقلب عليهم الأمر، وصار من أعظم مضارهم، وسبب عقابهم. ولله ميراث السماوات والأرض أي: هو تعالى مالك الملك، وترد جميع الأملاك إلى مالكها، وينقلب العباد من الدنيا ما معهم درهم ولا دينار، ولا غير ذلك من المال. قال تعالى: إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون وتأمل كيف ذكر السبب الابتدائي والسبب الغائي، الموجب كل واحد منهما أن لا يبخل العبد بما أعطاه الله. أخبر أولا: أن الذي عنده وفي يده فضل من الله ونعمة، ليس ملكا للعبد، بل لولا فضل الله عليه وإحسانه، لم يصل إليه منه شيء، فمنعه لذلك منع لفضل الله وإحسانه؛ ولأن إحسانه موجب للإحسان إلى عبيده كما قال تعالى: وأحسن كما أحسن الله إليك فمن تحقق أن ما بيده، فضل من الله، لم يمنع الفضل الذي لا يضره، بل ينفعه في قلبه وماله، وزيادة إيمانه، وحفظه من الآفات. ثم ذكر ثانيا: أن هذا الذي بيد العباد كلها ترجع إلى الله، ويرثها تعالى، وهو خير الوارثين، فلا معنى للبخل بشيء هو زائل عنك منتقل إلى غيرك. ثم ذكر ثالثا: السبب الجزائي، فقال: والله بما تعملون خبير فإذا كان خبيرا بأعمالكم جميعها -ويستلزم ذلك الجزاء الحسن على الخيرات، والعقوبات على الشر- لم يتخلف من في قلبه مثقال ذرة من إيمان عن الإنفاق الذي يجزى به الثواب، ولا يرضى بالإمساك الذي به العقاب.
تفسير ابن كثيروقوله : ( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم ) أي : لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه ، بل هو مضرة عليه في دينه - وربما كان - في دنياه .ثم أخبر بمآل أمر ماله يوم القيامة فقال : " سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة " قال البخاري :حدثنا عبد الله بن منير ، سمع أبا النضر ، حدثنا عبد الرحمن - هو ابن عبد الله بن دينار - عن أبيه ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعا أقرع له زبيبتان ، يطوقه يوم القيامة ، يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - يقول : أنا مالك ، أنا كنزك " ثم تلا هذه الآية : ( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم ) إلى آخر الآية .تفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه ، وقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق الليث بن سعد ، عن محمد بن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، به .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا حجين بن المثنى ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل الله له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان ، ثم يلزمه يطوقه ، يقول : أنا كنزك ، أنا كنزك " .وهكذا رواه النسائي عن الفضل بن سهل ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم ، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ، به ثم قال النسائي : ورواية عبد العزيز ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، أثبت من رواية عبد الرحمن ، عن أبيه عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة .قلت : ولا منافاة بينهما فقد يكون عند عبد الله بن دينار من الوجهين ، والله أعلم . وقد ساقه الحافظ أبو بكر بن مردويه من غير وجه ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة . ومن حديث محمد بن أبي حميد ، عن زياد الخطمي ، عن أبي هريرة ، به .حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن جامع ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه ، يفر منه وهو يتبعه فيقول : أنا كنزك " . ثم قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله : ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) .وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه ، من حديث سفيان بن عيينة ، عن جامع بن أبي راشد ، زاد الترمذي : وعبد الملك بن أعين ، كلاهما عن أبي وائل شقيق بن سلمة ، عن عبد الله بن مسعود ، به . ثم قال الترمذي : حسن صحيح . وقد رواه الحاكم في مستدركه ، من حديث أبي بكر بن عياش وسفيان الثوري ، كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، به ورواه ابن جرير من غير وجه ، عن ابن مسعود ، موقوفا .حديث آخر : قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أمية بن بسطام ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن معدان بن أبي طلحة ، عن ثوبان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " من ترك بعده كنزا مثل له شجاعا أقرع يوم القيامة له زبيبتان ، يتبعه ويقول : من أنت ؟ ويلك . فيقول : أنا كنزك الذي خلفت بعدك فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها ، ثم يتبعه سائر جسده " . إسناده جيد قوي ولم يخرجوه .وقد رواه الطبراني عن جرير بن عبد الله البجلي ورواه ابن جرير وابن مردويه من حديث بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يأتي الرجل مولاه فيسأله من فضل ماله عنده ، فيمنعه إياه ، إلا دعي له يوم القيامة شجاع يتلمظ فضله الذي منع " . لفظ ابن جرير .وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا داود ، عن أبي قزعة ، عن رجل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه ، فيسأله من فضل جعله الله عنده ، فيبخل به عليه ، إلا أخرج له من جهنم شجاع يتلمظ ، حتى يطوقه " .ثم رواه من طريق أخرى عن أبي قزعة - واسمه حجير بن بيان - عن أبي مالك العبدي موقوفا . ورواه من وجه آخر عن أبي قزعة مرسلا .وقال العوفي عن ابن عباس : نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها .رواه ابن جرير . والصحيح الأول ، وإن دخل هذا في معناه . وقد يقال : [ إن ] هذا أولى بالدخول ، والله أعلم .وقوله : ( ولله ميراث السماوات والأرض ) أي : فأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ، فإن الأمور كلها مرجعها إلى الله عز وجل . فقدموا لكم من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم ( والله بما تعملون خبير ) أي : بنياتكم وضمائركم .
تفسير القرطبيولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبيرفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولا يحسبن الذين الذين في موضع رفع ، والمفعول الأول محذوف . قال الخليل وسيبويه والفراء المعنى البخل خيرا لهم ، أي لا يحسبن الباخلون البخل خيرا لهم . وإنما حذف لدلالة يبخلون على البخل ; وهو كقوله : من صدق كان خيرا له . أي كان له الصدق خيرا له . ومن هذا قول الشاعر :إذا نهي السفيه جرى إليه وخالف والسفيه إلى خلاففالمعنى : جرى : إلى السفه ; فالسفيه دل على السفه . وأما قراءة حمزة بالتاء فبعيدة جدا ; قاله النحاس . وجوازها أن يكون التقدير : لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيرا لهم . قال الزجاج : وهي مثل واسأل القرية . و " هو " في قوله هو خيرا لهم فاصلة عند البصريين . وهي العماد عند الكوفيين . قال النحاس : ويجوز في العربية " هو خير لهم " ابتداء وخبر .الثانية : قوله تعالى : بل هو شر لهم ابتداء وخبر ، أي البخل شر لهم . والسين في سيطوقون سين الوعيد ، أي سوف يطوقون ; قاله المبرد . وهذه الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في سبيل الله ، وأداء الزكاة المفروضة . وهذه كقوله : ولا ينفقونها في سبيل الله الآية . ذهب إلى هذا جماعة من المتأولين ، منهم ابن مسعود وابن عباس وأبو وائل وأبو مالك والسدي والشعبي قالوا : ومعنى سيطوقون ما بخلوا به هو الذي ورد في الحديث عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه ثم يقول أنا مالك أنا كنزك - ثم تلا هذه الآية - ولا يحسبن الذين يبخلون الآية ) . أخرجه النسائي . وخرجه ابن ماجه عن ابن مسعود عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاع أقرع حتى يطوق به في عنقه ثم قرأ علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - مصداقه من كتاب الله تعالى : ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله الآية . وجاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل ما عنده فيبخل به عليه إلا أخرج له يوم القيامة شجاع من النار يتلمظ حتى يطوقه . وقال ابن عباس أيضا : إنما نزلت في أهل الكتاب وبخلهم ببيان ما علموه من أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - . وقال ذلك مجاهد وجماعة من أهل العلم . ومعنى سيطوقون على هذا التأويل سيحملون عقاب ما بخلوا به ; فهو من الطاقة كما قال تعالى : وعلى الذين يطيقونه وليس من التطويق .وقال إبراهيم النخعي : معنى سيطوقون سيجعل لهم يوم القيامة طوق من النار . وهذا يجري مع التأويل الأول أي قول السدي . وقيل : يلزمون أعمالهم كما يلزم الطوق العنق ; يقال : طوق فلان عمله طوق الحمامة ، أي ألزم عمله . وقد قال تعالى وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه . ومن هذا المعنى قول عبد الله بن جحش لأبي سفيان :أبلغ أبا سفيان عن أمر عواقبه ندامهدار ابن عمك بعتها تقضي بها عنك الغرامهوحليفكم بالله رب الناس مجتهد القسامهاذهب بها اذهب بها طوقتها طوق الحمامهوهذا يجري مع التأويل الثاني . والبخل والبخل في اللغة أن يمنع الإنسان الحق الواجب عليه . فأما من منع ما لا يجب عليه فليس ببخيل ; لأنه لا يذم بذلك . وأهل الحجاز يقولون : يبخلون وقد بخلوا . وسائر العرب يقولون : بخلوا يبخلون ; حكاه النحاس . وبخل يبخل بخلا وبخلا ; عن ابن فارس .الثالثة : في ثمرة البخل وفائدته . وهو ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأنصار : ( من سيدكم ؟ ) قالوا الجد بن قيس على بخل فيه . فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( وأي داء أدوى من البخل ) قالوا : وكيف ذاك يا رسول الله ؟ قال : ( إن قوما نزلوا بساحل البحر فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم فقالوا : ليبعد الرجال منا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء ; وتعتذر النساء ببعد الرجال ; ففعلوا وطال ذلك بهم فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء ) ذكره الماوردي في كتاب " أدب الدنيا والدين " ، والله أعلم .الرابعة : واختلف في البخل والشح ; هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين . فقيل : البخل الامتناع من إخراج ما حصل عندك . والشح : الحرص على تحصيل ما ليس عندك . وقيل : إن الشح هو البخل مع حرص . وهو الصحيح لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم . وهذا يرد قول من قال : إن البخل منع الواجب ، والشح منع المستحب . إذ لو كان الشح منع المستحب لما دخل تحت هذا الوعيد العظيم ، والذم الشديد الذي فيه هلاك الدنيا والآخرة . ويؤيد هذا المعنى ما رواه النسائي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري رجل مسلم أبدا ولا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل مسلم أبدا . وهذا يدل على أن الشح أشد في الذم من البخل ; إلا أنه قد جاء ما يدل على مساواتهما وهو قوله - وقد سئل ; أيكون المؤمن بخيلا ؟ قال : ( لا ) وذكر الماوردي في كتاب " أدب الدنيا والدين " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأنصار : ( من سيدكم ) قالوا : الجد بن قيس على بخل فيه ; الحديث . وقد تقدم .قوله تعالى : ولله ميراث السماوات والأرض أخبر تعالى ببقائه ودوام ملكه . وأنه في الأبد كهو في الأزل غني عن العالمين ، فيرث الأرض بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم ; فتبقى الأملاك والأموال لا مدعى فيها . فجرى هذا مجرى الوراثة في عادة الخلق ، وليس هذا بميراث في الحقيقة ; لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن ملكه من قبل ، والله سبحانه وتعالى مالك السماوات والأرض وما بينهما ، وكانت السماوات وما فيها ، والأرض وما فيها له ، وإن الأموال كانت عارية عند أربابها ; فإذا ماتوا ردت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل . ونظير هذه الآية قوله تعالى : إنا نحن نرث الأرض ومن عليها الآية . والمعنى في الآيتين أن الله تعالى أمر عباده بأن ينفقوا ولا يبخلوا قبل أن يموتوا ويتركوا ذلك ميراثا لله تعالى ، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْقال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك:فقرأه جماعة من أهل الحجاز والعراق: ( " وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُون " ) بالتاء من " تحسبن ".* * *وقرأته جماعة أخر: ( وَلا يَحْسَبَنَّ ) بالياء. (39)* * *ثم اختلف أهل العربية في تأويل ذلك.فقال بعض نحويي الكوفة: (40) معنى ذلك: لا يحسبن الباخلون البخلَ هو خيرًا لهم= فاكتفى بذكر " يبخلون " من " البخل "، كما تقول: " قدم فلان فسررت به "، وأنت تريد: فسررت بقدومه. و " هو "، عمادٌ. (41)* * *وقال بعض نحويي أهل البصرة: إنما أراد بقوله: " ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم " (42) =" لا يحسبن البخل هو خيرًا لهم "، (43) فألقى الاسم الذي أوقع عليه " الحسبان " به، هو البخل، لأنه قد ذكر " الحسبان " وذكر ما آتاهم الله من فضله "، فأضمرهما إذ ذكرهما. (44) قال: وقد جاء من الحذف ما هو أشد من هذا، قال: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ولم يقل: " ومن أنفق من بعد الفتح "، لأنه لما قال: أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ [سورة الحديد: 10]، كان فيه دليل على أنه قد عناهم.* * *وقال بعض من أنكر قول من ذكرنا قوله من أهل البصرة: إنّ" مَنْ" في قوله: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ في معنى جمع. ومعنى الكلام: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح في منازلهم وحالاتهم، فكيف من أنفق من بعد الفتح؟ فالأول مكتفٍ. وقال: في قوله: " لا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم " محذوف، غير أنه لم يُحذف إلا وفي الكلام ما قام مقام المحذوف، لأن " هو " عائد البخل، و " خيرا لهم " عائد الأسماء، فقد دل هذان العائدان على أن قبلهما اسمين، واكتفى بقوله: " يبخلون " من " البخل ".* * *قال: وهذا إذا قرئ ب" التاء "، ف" البخل " قبل " الذين "، وإذا قرئ ب" الياء "، ف" البخل " بعد " الذين "، وقد اكتفى ب" الذين يبخلون "، من البخل، كما قال الشاعر: (45)إِذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إِلَيْهِوَخَالَفَ وَالسَّفِيهُ إِلى خِلافِ (46)كأنه قال: جرى إلى السفه، فاكتفى عن " السفه " ب" السفيه "، كذلك اكتفى ب" الذين يبخلون "، من " البخل ".قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي، قراءة من قرأ: ( " وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ " ) بالتاء، بتأويل: ولا تحسبن، أنت يا محمد، بخل الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم= ثم ترك ذكر " البخل "، إذ كان في قوله: " هو خيرًا لهم " دلالة على أنه مراد في الكلام، إذ كان قد تقدمه قوله: " الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ".وإنما قلنا: قراءة ذلك بالتاء أولى بالصواب من قراءته بالياء، لأن " المحسبة " من شأنها طلب اسم وخبر، فإذا قرئ قوله: " ولا يحسبن الذين يبخلون " بالياء: لم يكن للمحسبة اسم يكون قوله: " هو خيرًا لهم " خبرًا عنه. وإذا قرئ ذلك بالتاء، كان قوله: " الذين يبخلون " اسمًا له قد أدّى عن معنى " البخل " الذي هو اسم المحسبة المتروك، وكان قوله: " هو خيرًا لهم " خبرًا لها، فكان جاريًا مجرى المعروف من كلام العرب الفصيح. فلذلك اخترنا القراءة ب" التاء " في ذلك على ما بيناه، وإن كانت القراءة ب" الياء " غير خطأ، ولكنه ليس بالأفصح ولا الأشهر من كلام العرب.* * *قال أبو جعفر: وأما تأويل الآية الذي هو تأويلها على ما اخترنا من القراءة في ذلك: ولا تحسبن، يا محمد، بخل الذين يبخلون بما أعطاهم الله في الدنيا من الأموال، فلا يخرجون منه حق الله الذي فرضه عليهم فيه من الزكوات، هو خيرًا لهم عند الله يوم القيامة، بل هو شر لهم عنده في الآخرة، كما:-8278 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم "، هم الذين آتاهم الله من فضله، فبخلوا أن ينفقوها في سبيل الله، ولم يؤدُّوا زكاتها.* * *وقال آخرون: بل عنى بذلك اليهود الذين بخلوا أن يبينوا للناس ما أنزل الله في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته.ذكر من قال ذلك:8279 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله " إلى سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يعني بذلك أهل الكتاب، أنهم بخلوا بالكتاب أن يبينوه للناس.8280 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله "، قال: هم يهود، إلى قوله: وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [سورة آل عمران: 184]. (47)* * *وأولى التأويلين بتأويل هذه الآية، التأويل الأوَل، وهو أنه معني ب" البخل " في هذا الموضع، منع الزكاة، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تأوَّل قوله: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قال: البخيل الذي منع حق الله منه، أنه يصير ثعبانًا في عنقه= ولقول الله عقيب هذه الآية: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ، فوصف جل ثناؤه قول المشركين من اليهود الذين زعموا عند أمر الله إياهم بالزكاة أن الله فقيرٌ.* * *القول في تأويل قوله : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِقال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " سيطوَّقون "، سيجعل الله ما بخل به المانعون الزكاةَ، طوقًا في أعناقهم كهيئة الأطواق المعروفة، كالذي:-8281 - حدثني الحسن بن قزعة قال، حدثنا مسلمة بن علقمة قال، حدثنا داود، عن أبي قزعة، عن أبي مالك العبدي قال: ما من عبد يأتيه ذُو رَحمٍ له، يسأله من فضلٍ عنده فيبخل عليه، إلا أخرِج له الذي بَخِل به عليه شجاعًا أقْرَع. (48) قال: وقرأ: " ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم سيطوَّقون ما بخلوا به يوم القيامة " إلى آخر الآية. (49)8282 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن أبى قزعة، عن رجل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل جعله الله عنده، فيبخل به عليه، إلا أخرج له من جهنم شُجاع يتلمَّظ حتى يطوِّقه ". (50)8283 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم قال، حدثنا داود، عن أبي قزعة حجر بن بيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من ذي رحم يأتي ذا رحمِه فيسأله من فضل أعطاه الله إياه، فيبخل به عليه، إلا أخرج له يوم القيامة شجاع من النار يتلمظ حتى يطوِّقه ". ثم قرأ: " ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله " حتى انتهى إلى قوله: " سيطوَّقون ما بخلوا به يوم القيامة ". (51)8284 - حدثني زياد بن عبيد الله المرّي قال، حدثنا مروان بن معاوية= وحدثني عبدالله بن عبدالله الكلابي قال، حدثنا عبدالله بن بكر السهمي، وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة الحداد، واللفظ ليعقوب= جميعًا، عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه. عن جده قال: سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يأتي رجل مولاه فيسأله من فضل مال عنده، فيمنعه إياه، إلا دُعِيَ له يوم القيامة شجاعٌ يتلمَّظ فضله الذي منع. (52)8285 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن عبدالله بن مسعود: " سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة "، قال: ثعبان ينقر رأس أحدهم، يقول: أنا مالك الذي بخلت به! (53) .8286 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال، سمعت أبا وائل يحدّث: أنه سمع عبدالله قال في هذه الآية: " سيطوقون ما بخلوا له يوم القيامة "، قال: شجاع يلتوي برأس أحدهم.8287 - حدثني ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة قال، حدثنا خلاد بن أسلم قال، أخبرنا النضر بن شميل قال، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن عبدالله بمثله - إلا أنهما قالا قال: شجاع أسود.8288 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: يجيء ماله يوم القيامة ثعبانًا، فينقر رأسه فيقول: أنا مالك الذي بخلت به! فينطوي على عنقه.8289 - حدثت عن سفيان بن عيينة قال، حدثنا جامع بن أبي راشد وعبد الملك بن أعين، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله، إلا مثَل له شجاع أقرع يطوقه. (54) ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم " الآية. (55)8290 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أمّا " سيطوقون ما بخلوا به "، فإنه يُجعل ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع يطوِّقه، فيأخذ بعنقه، فيتبعه حتى يقذفه في النار.8291 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا خلف بن خليفة، عن أبي هاشم، عن أبي وائل قال: هو الرجل الذي يرزقه الله مالا فيمنع قرابته الحق الذي جعل الله لهم في ماله، فيُجْعل حية فيطوَّقها، فيقول: ما لي ولك! فيقول: أنا مالك!8292 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو غسان قال، حدثنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق قال: سألت ابن مسعود عن قوله: " سيطوَّقون ما بخلوا به يوم القيامة "، قال: يطوقون شجاعًا أقرع ينهش رأسه. (56)* * *وقال آخرون: معنى ذلك: " سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة "، فيجعل في أعناقهم طوقًا من نار.ذكر من قال ذلك:8293 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: " سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة "، قال: طوقًا من النار.8294 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم أنه قال في هذه الآية: " سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة "، قال: طوقًا من نار.8295 - حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم في قوله: " سيطوقون "، قال: طوقًا من نار.8296 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: " سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة "، قال: طوقًا من نار. (57)* * *وقال آخرون: معنى ذلك: سيحمل الذين كتموا نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم من أحبار اليهود، ما كتموا من ذلك.* ذكر من قال ذلك:8297 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه عن ابن عباس قوله: " سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة "، ألم تسمع أنه قال: يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [سورة النساء: 37 سورة الحديد: 24]، (58) يعني أهل الكتاب: يقول: يكتمون، ويأمرون الناس بالكتمان.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: سيكلَّفون يوم القيامة أن يأتوا بما بَخِلوا به في الدنيا من أموالهم.* ذكر من قال ذلك:8298 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة "، قال: سيكلَّفون أن يأتوا بما بخلوا به، إلى قوله: وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ .8299 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد " سيطوقون "، سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة.* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بتأويل هذه الآية، التأويل الذي قلناه في ذلك في مبدإ قوله: " سيطوقون ما بخلوا به "، للأخبار التي ذكرنا في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحدَ أعلم بما عَنى الله تبارك وتعالى بتنزيله، منه عليه السلام.* * *القول في تأويل قوله : وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنه الحي الذي لا يموت، والباقي بعد فَناء جميع خلقه.* * *فإن قال قائل: فما معنى قوله: " له ميراث السموات والأرض "، و " الميراث " المعروف، هو ما انتقل من ملك مالك إلى وارثه بموته، ولله الدنيا قبل فناء خلقه وبعده؟قيل: إن معنى ذلك ما وصفنا، من وصفه نفسه بالبقاء، وإعلام خلقه أنه كتِب عليهم الفناء. وذلك أنّ ملك المالك إنما يصير ميراثًا بعد وفاته، فإنما قال جل ثناؤه: " ولله ميراث السموات والأرض "، إعلامًا بذلك منه عبادَه أن أملاك جميع خلقه منتقلة عنهم بموتهم، وأنه لا أحد إلا وهو فانٍ سواه، فإنه الذي إذا أهلك جميع خلقه فزالت أملاكهم عنهم، لم يبق أحدٌ يكون له ما كانوا يملكونه غيره.وإنما معنى الآية: " لا تحسبن الذي يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة "، بعد ما يهلكون وتزولُ عنهم أملاكهم، في الحين الذي لا يملكون شيئًا، وصار لله ميراثه وميراث غيره من خلقه.ثم أخبر تعالى ذكره أنه بما يعمل هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضل وغيرهم من سائر خلقه، ذو خبرة وعلم، محيط بذلك كله، حتى يجازي كلا منهم على قدر استحقاقه، المحسنَ بالإحسان، والمسيء على ما يرى تعالى ذكره.* * *---------------الهوامش:(39) في المطبوعة والمخطوطة في ذكر هاتين القراءتين ، كتب القراءة الأولى"ولا يحسبن" بالياء ، والقراءة الثانية"ولا تحسبن" بالتاء. وهو خطأ بين جدًا ، لأنه عقب على هذه القراءة الأخيرة بقوله: "ثم اختلف أهل العربية في تأويل ذلك" ، واختلافهم كما ترى في قراءة"الياء" لا"التاء" ، فمن أجل ذلك صححت مكان القراءتين ، كما أثبتها ، وهو الصواب المحض إن شاء الله.(40) هو الفراء.(41) انظر معاني القرآن للفراء 1: 104 ، 248 ، 249 ، وهو نص كلامه ، و"العماد" عند الكوفيين ، هو ضمير الفصل عند البصريين ، ويسمى أيضا"دعامة" و"صفة" ، انظر ما سلف 2: 312 ، تعليق 2 / ثم ص313 / ثم ص: 374.(42) في المطبوعة: "ولا تحسبن" بالتاء ، والصواب بالياء كما أثبتها. وانظر التعليق السالف. وهي في المخطوطة غير منقوطة.(43) وكان في المطبوعة أيضا: "ولا تحسبن البخل" ، بالتاء ، والصواب بالياء ، وانظر التعليق السالف.(44) هكذا جاءت هذه الجملة من أولها ، وهي مضطربة أشد الاضطراب ، وكان في المطبوعة: "به وهو البخل" بزياد واو ، ولكني أثبت ما في المخطوطة كما هو على اضطراب الكلام. وقد جهدت أن أجد إشارة في كتب التفسير وإعراب القرآن ، إلى هذا الذي قاله البصري فيما رواه أبو جعفر ، فلم أجد شيئًا ، وأرجح أن الناسخ قد أسقط من الكلام سطرًا أو بعضه ، وأرجح أن سياق الجملة من أولها ، كان هكذا:"وقال بعض نحوِّيى أهل البصرة: إِنّما أراد بقوله: (وَلا يَحْسَبَنَّ الذين يبخَلُونَ بما آتاهُمُ الله من فَضْله هو خيرًا لهم بل هو شَرٌّ لهم) =: ولا يحسبَنَّ الذين يبخلونَ بما آتاهم الله من فضله ، لا يَحْسَبُنَّ البُخْلَ هو خيرًا لهم= فألقى"الحسبان" الثاني ، وألقى الاسمَ الذي أوقعَ عليه"الحسبان". وما وقع"الحسبان" به هو البخل= لأنه قد ذكر"الحسبان" ، وذكر"ما آتاهم الله من فضله" ، فأضمرهما إذ ذكرهما".ويكون القائل هذا من أهل البصرة ، قد عنى أن هذه الآية شبيهة بأختها الآتية في سورة آل عمران: 188 (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَيُحِبُّونَ أن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمفَازَةِ مِنَ العَذَابِ)إذ كرر"لا تحسبن" تأكيدًا لما طال الكلام ، وهو صحيح كلام العرب وصريحه. فكذلك هو في هذه الآية ، على ما أرجح أن البصري قال ، كرر"الحسبان" ، ولكنه حذف"الحسبان" الذي كرره ، وأبقى الأول الذي ألجأ إلى التكرار والتوكيد.ويعني بقوله: "أضمرهما" ، "الحسبان" الثاني في تأويله ، و"البخل" ، ولم أجد وجهًا يستقيم به الكلام غير هذا الوجه ، فإن أصبت فبحمد الله وتوفيقه ، وإن أخطأت ، فأسأل الله المغفرة بفضله.(45) لم يعرف قائله.(46) معاني القرآن للفراء 1: 104 ، 249 ، أمالي الشجري 1: 68 ، 113 ، 305 / 2: 132 ، 209 ، والإنصاف: 63 ، والخزانة 2: 383 ، وسائر كتب النحاة.(47) تركت الآية في هذه الآثار على قراءة أبي جعفر"ولا تحسبن" بالتاء ، وقراءة مصحفنا اليوم"ولا يحسبن" بالياء.(48) "الشجاع": الحية الذكر ، وهو ضرب من الحيات خبيث مارد. و"أقرع" صفة من صفات الحيات الخبيثة ، يزعمون أنه إذا طال عمر الحية ، وكثر سمه ، جمعه في رأسه حتى تتمعط منه فروة رأسه.(49) الحديث: 8281 - الحسن بن قزعة بن عبيد الهاشمي ، شيخ الطبري: ثقة. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 34.و"قزعة": بفتح القاف والزاي ، وقيل: بسكون الزاي. انظر المشتبه ، ص425. واقتصر الحافظ في تحريره على الفتح.مسلمة - بفتح الميم - بن علقمة المازني: ثقة ، وثقه ابن معين وغيره. وضعفه أحمد. وهو مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 1 / 388 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 367 - 368. ولم يذكر فيه البخاري جرحًا. فهو ثقة عنده.داود: هو ابن أبي هند.أبو قزعة: هو سويد بن حجير - بالتصغير فيهما - بن بيان ، الباهلي البصري. وهو تابعي ثقة ، وثقه أحمد ، وابن المديني ، وغيرهما. مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 148 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 235- 236.وسها الحافظ في الإصابة 1: 331 ، في ترجمة أبيه ، فذكر أنه"ذهلي" ، والمصادر كلها على أنه"باهلي".وسيأتي في: 8283"عن أبي قزعة حجر بن بيان"؛ وهو خطأ صرف ، كما سنبينه هناك ، إن شاء الله.أبو مالك العبدي: لا ندري من هو؟ ولا ندري: أهو صحابي أم تابعي؟ فما علمت أحدًا ترجمه ، إلا الحافظ في الإصابة 7: 169 ، بنى ترجمته على هذا الحديث عند الطبري وحده:فأشار إلى هذه الرواية ، وإلى الرواية التالية"عن أبي قزعة ، عن رجل" ، وذكر أن الثعلبى رواها: "عن رجل من قيس". وإلى الرواية الثالثة: "عن أبي قزعة ، مرسلا". ثم قال: "وأبو قزعة: تابعي بصري مشهور ، لكنه كان يرسل عن الصحابة. فهو على الاحتمال".يعني الحافظ: أنه من المحتمل أن يكون"أبو مالك العبدي" هذا صحابيًا ، لأن أبا قزعة يروي عن الصحابة ويرسل الرواية عنهم! وما بمثل هذا تثبت الصحبة ، ولا بمثله يثبت وجود الشخص والصفة معًا!! خصوصًا وأنه في الرواية التالية"عن رجل" - لم يزعم أنه من الصحابة ، ولم يقل ما يشير لذلك.فلا يزال - بعد هذا - الحديث ضعيفًا ، لأنه لم يعرف أن راويه عن رسول الله صحابي.وقد أشار ابن كثير 2: 307 إلى هذه الروايات الثلاث عند الطبري ، ولم ينسبها لغيره.ولا نعلم أحدًا رواها غير الطبري ، إلا إشارة الحافظ في الإصابة لرواية الثعلبي.(50) الحديث: 8282 - عبد الأعلى: هو ابن عبد الأعلى ، القرشي السامي ، من بني"سامة ابن لؤي". وهو ثقة ، أخرج له الجماعة كلهم. والحديث مكرر ما قبله."تلمظت الحية" ، إذا أخرجت لسانها كتلمظ الآكل ، وهو تحريك للسان في الفم ، والتمطق بالشفتين.(51) الحديث: 8283 - هكذا ثبت في المخطوطة والمطبوعة: "عن أبي قزعة حجر بن بيان"؛ وهو خطأ من وجهين:* فأولا: "حجر" ، صوابه"حجير" بالتصغير ، وقد وقع هذا الخطأ في الإصابة أيضا ، في ترجمة"أبي مالك العبدي": "عن أبي قزعة سويد بن حجر". وهو خطأ ناسخ أو طابع ، لا شك في ذلك لأن الحافظ ترجم لأبي قزعة في التهذيب وغيره على الصواب"سويد بن حجير".* وثانيا: سقط هنا بين الكنية والاسم كلمة"بن". لأن"حجير بن بيان" - هو والد أبي قزعة ، وليس اسمه.* وأبوه"حجير بن بيان": مذكور في الصحابة. مترجم في الاستيعاب ، رقم: 543 ، وأسد الغابة 1: 387؛ والإصابة 1: 330 - 331 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 290. وهو عندهم جميعًا بالتصغير نصا.* وسها الحافظ ابن كثير ، ولم يراجع المصادر! فاغتر بهذه الرواية المغلوطة من وجهين - فذكر في هذه الروايات: "عن أبي قزعة ، واسمه حجر بن بيان"!! فزاد على الخطأ الذي في أصول الطبري بحذف"بن" - فصرح بأن هذا اسم أبي قزعة! وما كان ذلك في رواية ولا قول قط.* والسيوطي تبع الحافظ ابن كثير ، ثم زاد خطأ على خطأ ، فذكر الحديث 2: 105 ، ونسبه لابن أبي شيبة في مسنده ، وابن جرير"عن حجر بن بيان"!!(52) الحديث: 8284 - هذا الحديث رواه الطبري عن ثلاثة شيوخ: زياد بن عبيد الله المرى ، وعبد الله بن عبد الله الكلابي - وهذان لم أعرفهما ، ولم أجد لواحد منهما ترجمة ولا ذكرًا في غير هذا الموضع. ثم إن في المطبوعة بدل"عبد الله بن عبد الله الكلابي": "محمد بن عبد الله"! وهو أشد جهالة من ذاك.وفي لسان الميزان 2: 495 ، ترجمة: "زياد بن عبد الله بن خزاعى ، عن مروان بن معاوية. قال ابن حبان في الثقات: حدثنا عنه شيوخنا ، ربما أغرب".فمن المحتمل أن يكون هذا الشيخ هو شيخ الطبري"زياد بن عبيد الله الكلابي" ، وأن يكون"عبيد الله" محرفًا في طبعة اللسان إلى"عبد الله".والشيخ الثالث: يعقوب بن إبراهيم ، وهو الدورقي الحافظ ، مضى مرارًا ، آخرها: 3726.وأسانيده صحاح ، على الرغم من جهالة شيخي الطبري الأولين ، اكتفاء برواية الحافظ الدورقي. ولأن الحديث ثابت عن شيوخ آخرين عن بهز بن حكيم ، كما سنذكر في التخريج ، إن شاء الله.وقد بينا فيما مضى رقم: 873 صحة إسناد بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.والحديث رواه أحمد في المسند ، عن عبد الرزاق عن معمر ، وعن يزيد - وهو ابن هارون ، وعن يحيى بن سعيد: ثلاثتهم عن بهز بن حكيم ، بهذا الإسناد.ورواه النسائي 1: 358 ، عن محمد بن عبد الأعلى ، عن معتمر ، عن بهز.ومن عجب أنه -وهو في المسند وسنن النسائي- لا ينسبه الحافظ ابن كثير 2: 307 ، إلا لابن جرير وابن مردويه!وذكره السيوطي 2: 105 ، وزاد نسبته لأبي داود ، والترمذي وحسنه ، والبيهقي في الشعب.وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 2: 33 ، ونسبه لأبي داود ، والترمذي ، والنسائي.(53) الحديث: 8285 - عبد الرحمن: هو ابن مهدي. وسفيان: هو الثوري. وأبو إسحاق: هو السبيعي.وهذا الحديث لفظه هنا موقوف على ابن مسعود. وهو في معناه مرفوع. وهو أيضًا مختصر اللفظ.وقد رواه الطبري هكذا ، مختصرًا موقوفًا ، بأسانيد: 8285 - 8288 ، 8292. ثم رواه أثناء ذلك: 8289 ، مرفوعًا بلفظ أطول.ورواه أيضًا الحاكم في المستدرك 2: 298- 299 ، من طريق أبي بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، ومن طريق الثوري ، عن أبي إسحاق - موقوفًا ، بنحوه. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.وقد تساهل الحافظ ابن كثير 2: 306 فأشار إلى رواية الحاكم هذه ، عقب رواية الحديث المرفوع من مسند أحمد - بصيغة توهم أن رواية الحاكم مثل رواية المسند مرفوعة.ثم زاد القارئ لبسًا ، إذ قال عقب ذلك: "ورواه ابن جرير من غير وجه عن ابن مسعود - موقوفًا"! فهذا السياق عقب ذكر رواية الحاكم ، يوقع في وهم الناظر أنها مرفوعة!! وليست كذلك.(54) "مثل له": انتصب له ماثلا ، قائمًا.(55) الحديث: 8289 - هكذا أبهم الطبري شيخه في هذا الإسناد. ولكن الحديث ثابت برواية الثقات عن ابن عيينة ، كما سنذكر في التخريج ، إن شاء الله.جامع بن أبي راشد الكاهلي الصيرفي: ثقة ، وثقه أحمد وغيره ، وأخرج له الجماعة. مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 240 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 530.ووقع هنا في نسخ الطبري: "جامع بن شداد". وهو خطأ ، فليس لجامع بن شداد في هذا الحديث رواية ، فيما أعلم - كما يتبين من التخريج.ثم إن جامع بن شداد قديم الوفاة ، لم يدركه ابن عيينة ولا روى عنه. لأنه ولد سنة 107 ، وابن شداد مات سنة 107 وقيل سنة 108. وأما ما وقع في ترجمته في التهذيب 2: 56 ، في الأقوال في سني وفاته ، بين: 128 ، 118 ، 127 ، فإنه غلط ، بعضه من الحافظ المزي في التهذيب الكبير ، وبعضه من نسخ تهذيب التهذيب. وقد ثبتت هذه الأرقام على الصواب بالكتابة بالحروف في الكبير للبخاري 1 / 2 / 239- 240 ، والصغير ، ص: 132؛ وابن سعد 6: 222 ، 226.عبد الملك بن أعين الكوفي: تابعي ثقة. وقد تكلم فيه بأنه شيعي ، ولكن لم يدفعه أحد عن الصدق. وأخرج له أصحاب الكتب الستة. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 343. وذكره البخاري في الضعفاء ، ص: 222 ، فقال: "عبد الملك بن أعين ، وكان شيعيًا. روى عنه ابن عيينة وإسماعيل ابن سميع. يحتمل في الحديث". فلم يجرحه في صدقه وروايته ، ولذلك أدخله في صحيحه.والحديث رواه أحمد في المسند: 3577 ، عن سفيان ، وهو ابن عيينة ، عن جامع ، وهو ابن أبي راشد ، عن أبي وائل ، به ، نحوه ، مرفوعًا.وكذلك رواه الترمذي 4: 85 ، وابن ماجه: 1784 ، كلاهما عن ابن أبي عمر. والنسائي1: 333 - 334 ، عن مجاهد بن موسى - كلاهما عن سفيان بن عيينة ، به. ولكن زاد الترمذي وابن ماجه في روايتهما: أنه عن جامع بن أبي راشد وعبد الملك بن أعين - كرواية الطبري هنا. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".وذكره ابن كثير 2: 306 ، من رواية المسند ، ثم ذكر أنه رواه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه.وذكره السيوطي 2: 105 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وابن خزيمة ، وابن المنذر.(56) الحديث: 8292 - أبو غسان: هو مالك بن إسماعيل بن درهم النهدي الحافظ. مضت ترجمته في: 2989.إسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي.حكيم بن جبير الأسدي: ضعيف ، بينا ضعفه في شرح المسند: 3675. وهو مترجم في التهذيب والكبير للبخاري 2 / 1 / 16 ، والصغير ، ص: 150 ، 152؛ والضعفاء له ص: 10 ، وللنسائي ص: 9 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 201- 202. وهذا اللفظ موقوف على ابن مسعود. وضعف إسناده لا يضر ، فقد مضى موقوفًا بأسانيد صحاح: 8285 - 8288 ، ومرفوعًا: 8289.(57) في المطبوعة: "طوق" ، وأثبت ما في المخطوطة.(58) وإنما عنى آية سورة النساء ، لأن تمامها"ويكتمون ما آتاهم الله من فضله".