وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧التفسير الميسرواذكر -أيها الرسول- إذ أخذ الله العهد الموثق على الذين آتاهم الله الكتاب من اليهود والنصارى، فلليهود التوراة وللنصارى الإنجيل؛ ليعملوا بهما، ويبينوا للناس ما فيهما، ولا يكتموا ذلك ولا يخفوه، فتركوا العهد ولم يلتزموا به، وأخذوا ثمنا بخسًا مقابل كتمانهم الحق وتحريفهم الكتاب، فبئس الشراء يشترون، في تضييعهم الميثاق، وتبديلهم الكتاب.
تفسير السعديالميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل من أعطاه [الله] الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله، ولا يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه، ويوضح الحق من الباطل. فأما الموفقون، فقاموا بهذا أتم القيام، وعلموا الناس مما علمهم الله، ابتغاء مرضاة ربهم، وشفقة على الخلق، وخوفا من إثم الكتمان. وأما الذين أوتوا الكتاب، من اليهود والنصارى ومن شابههم، فنبذوا هذه العهود والمواثيق وراء ظهورهم، فلم يعبأوا بها، فكتموا الحق، وأظهروا الباطل، تجرؤا على محارم الله، وتهاونا بحقوق الله، وحقوق الخلق، واشتروا بذلك الكتمان ثمنا قليلا، وهو ما يحصل لهم إن حصل من بعض الرياسات، والأموال الحقيرة، من سفلتهم المتبعين أهواءهم، المقدمين شهواتهم على الحق، فبئس ما يشترون لأنه أخس العوض، والذي رغبوا عنه -وهو بيان الحق، الذي فيه السعادة الأبدية، والمصالح الدينية والدنيوية- أعظم المطالب وأجلها، فلم يختاروا الدنيء الخسيس ويتركوا العالي النفيس، إلا لسوء حظهم وهوانهم، وكونهم لا يصلحون لغير ما خلقوا له.
تفسير ابن كثيرهذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب ، الذين أخذ عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأن ينوهوا بذكره في الناس ليكونوا على أهبة من أمره ، فإذا أرسله الله تابعوه ، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف ، والحظ الدنيوي السخيف ، فبئست الصفقة صفقتهم ، وبئست البيعة بيعتهم .وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم ، ويسلك بهم مسلكهم ، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع ، الدال على العمل الصالح ، ولا يكتموا منه شيئا ، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار " .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترونفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب هذا متصل بذكر اليهود ; فإنهم أمروا بالإيمان بمحمد عليه السلام وبيان أمره ، فكتموا نعته . فالآية توبيخ لهم ، ثم مع ذلك هو خبر عام لهم ولغيرهم . قال الحسن وقتادة : هي في كل من أوتي علم شيء من الكتاب . فمن علم شيئا فليعلمه ، وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة . وقال محمد بن كعب : لا يحل لعالم أن يسكت على علمه ، ولا للجاهل أن يسكت على جهله ; قال الله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب الآية . وقال : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون . وقال أبو هريرة : لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء ; ثم تلا هذه الآية وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب . وقال الحسن بن عمارة : أتيت الزهري بعدما ترك الحديث ، فألفيته على بابه فقلت : إن رأيت أن تحدثني . فقال : أما علمت أني تركت الحديث ؟ فقلت : إما أن تحدثني وإما أن أحدثك . قال حدثني . قلت : حدثني الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار قال سمعت علي بن أبي طالب يقول : ما أخذ الله على الجاهلين أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن يعلموا . قال : فحدثني أربعين حديثا .الثانية : الهاء في قوله : لتبيننه للناس ترجع إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يجر له ذكر . وقيل : ترجع إلى الكتاب ; ويدخل فيه بيان أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ; لأنه في الكتاب . ولا تكتمونه ولم يقل تكتمنه لأنه في معنى الحال ، أي لتبيننه غير كاتمين . وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وأهل مكة لتبيننه بالتاء على حكاية الخطاب . والباقون بالياء لأنهم غيب . وقرأ ابن عباس " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ليبيننه " . فيجيء قوله فنبذوه عائدا على الناس الذين بين لهم الأنبياء . وفي قراءة ابن مسعود " ليبينونه " دون النون الثقيلة . والنبذ الطرح . وقد تقدم بيانه في " البقرة " . وراء ظهورهم مبالغة في الاطراح ، ومنه واتخذتموه وراءكم ظهريا وقد تقدم في " البقرة " بيانه أيضا . وتقدم معنى قوله : واشتروا به ثمنا قليلا في " البقرة " فلا معنى لإعادته . فبئس ما يشترون تقدم أيضا . والحمد لله
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: واذكر أيضا من [أمر] هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم، يا محمد، (1) إذ أخذ الله ميثاقهم، ليبيننّ للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم، وهو التوراة والإنجيل، وأنك لله رسول مرسل بالحق، ولا يكتمونه=" فنبذوه وراء ظهورهم "، يقول: فتركوا أمر الله وضيعوه. (2) ونقضوا ميثاقه الذي أخذ عليهم بذلك، فكتموا أمرك، وكذبوا بك=" واشتروا به ثمنًا قليلا "، يقول: وابتاعوا بكتمانهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك، عوضًا منه خسيسًا قليلا من عرض الدنيا (3) = ثم ذم جل ثناؤه شراءهم ما اشتروا به من ذلك فقال: " فبئس ما يشترون ". (4)* * *واختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية.فقال بعضهم: عني بها اليهود خاصّة.* ذكر من قال ذلك:8318 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة: أنه حدثه، عن ابن عباس: " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه " إلى قوله: عَذَابٌ أَلِيمٌ ، يعني: فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار.8319 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس مثله. (5)8320 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم "، كان أمرهم أن يتبعوا النبيّ الأميّ الذي يؤمن بالله وكلماته، وقال: ( اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) [سورة الأعراف: 158] فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم قال: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [ سورة البقرة: 40] عاهدهم على ذلك، فقال حين بعث محمدًا: صدِّقوه، وتلقون الذي أحببتم عندي.8321 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس " الآية، قال: إن الله أخذ ميثاق اليهود ليبيننه للناس، محمدًا صلى الله عليه وسلم، ولا يكتمونه، =" فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلا ".8322 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي الجحّاف، عن مسلم البطين قال: سأل الحجاج بن يوسف جُلساءه عن هذه الآية: " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب "، فقام رجل إلى سعيد بن جبير فسأله فقال: " وإذ أخذ الله ميثاق أهل الكتاب " يهود،" ليبيننه للناس "، محمدًا صلى الله عليه وسلم،" ولا يكتمونه فنبذوه ".8323 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه "، قال: وكان فيه إن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده، وأن محمدًا يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.* * *وقال آخرون: عني بذلك كل من أوتي علمًا بأمر الدين.ذكر من قال ذلك:8324 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم " الآية، هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم شيئًا فليعلِّمه، وإياكم وكتمانَ العلم، فإن كتمان العلم هَلَكة، ولا يتكلَّفن رجلٌ ما لا علم له به، فيخرج من دين الله فيكون من المتكلِّفين، كان يقال: " مثلُ علم لا يقال به، كمثل كنز لا ينفق منه! ومثل حكمة لا تخرج، كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب ". وكان يقال: " طوبي لعالم ناطق، وطوبي لمستمع واعٍ". هذا رجلٌ علم علمًا فعلّمه وبذله ودعا إليه، ورجلٌ سمع خيرًا فحفظه ووعاه وانتفع به.8325 - حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة قال: جاء رجل إلى قوم في المسجد وفيه عبدالله بن مسعود فقال: إنّ أخاكم كعبًا يقرئكم السلام، ويبشركم أن هذه الآية ليست فيكم: " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ". فقال له عبدالله: وأنت فأقره السلام وأخبرهُ أنها نزلت وهو يهوديّ.8326 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة بنحوه، عن عبدالله وكعب.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم.ذكر من قال ذلك:8327 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان قال، حدثني يحيى بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن أصحاب عبدالله يقرأون: ( " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِيثَاقَهَمْ " )، قال: من النبيين على قومهم.8328 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد قال، قلت لابن عباس: إن أصحاب عبدالله يقرأون: " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب "، ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ )، قال فقال: أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم.* * *وأما قوله: " لتبيننه للناس "، فإنه كما:-8329 - حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثني أبي قال، حدثنا محمد بن ذكوان قال، حدثنا أبو نعامة السعدي قال: كان الحسن يفسر قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه "، لتتكلمن بالحق، ولتصدِّقنه بالعمل. (6)* * *قال أبو جعفر: واختلف القرأة في قراءة ذلك:فقرأه بعضهم: ( لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ) بالتاء. وهي قراءة عُظْم قرأة أهل المدينة والكوفة، (7) على وجه المخاطب، بمعنى: قال الله لهم: لتُبيننّه للناس ولا تكتمونه.* * *وقرأ ذلك آخرون: ( " لَيُبَيِّنَنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ " ) بالياء جميعًا، على وجه الخبر عن الغائب، لأنهم في وقت إخبار الله نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك عنهم، كانوا غير موجودين، فصار الخبر عنهم كالخبر عن الغائب.* * *قال أبو جعفر: والقول في ذلك عندنا أنهما قراءتان، صحيحةٌ وجوههما، مستفيضتان في قرأة الإسلام، غير مختلفتي المعاني، فبأيتهما قرأ القارئ فقد أصاب الحق والصواب في ذلك. غير أن الأمر في ذلك وإن كان كذلك، فإن أحب القراءتين إليّ أن أقرأ بها: (" لَيُبَيِّنَنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ " )، بالياء جميعًا، استدلالا بقوله: " فنبذوه "، (8) إذ كان قد خرج مخرج الخبر عن الغائب على سبيل قوله: " فنبذوه "= حتى يكون متَّسقًا كله على معنى واحد ومثال واحد. ولو كان الأول بمعنى الخطاب، لكان أن يقال: " فنبذتموه وراء ظهوركم " أولى، من أن يقال: " فنبذوه وراء ظهورهم ".* * *وأما قوله: " فنبذوه وراء ظهورهم "، فإنه مثل لتضييعهم القيام بالميثاق وتركهم العمل به.وقد بينا المعنى الذي من أجله قيل ذلك كذلك، فيما مضى من كتابنا هذا فكرهنا إعادته. (9)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:8330 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا يحيى بن أيوب البَجَلي، عن الشعبي في قوله: " فنبذوه وراء ظهورهم "، قال: إنهم قد كانوا يقرأونه، إنما نبذوا العمل به.8331 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " فنبذوه وراء ظهورهم "، قال: نبذوا الميثاق.8332 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا مالك بن مغول: قال، نبئت عن الشعبي في هذه الآية: " فنبذوه وراء ظهورهم "، قال: قذفوه بين أيديهم، وتركوا العمل به.* * *وأما قوله: " واشتروا به ثمنًا قليلا "، فإن معناه ما قلنا، من أخذهم ما أخذوا على كتمانهم الحق وتحريفهم الكتاب، (10) كما:-8333 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " واشتروا به ثمنًا قليلا "، أخذوا طمعًا، وكتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم.* * *وقوله: " فبئس ما يشترون "، يقول: فبئس الشراء يشترون في تضييعهم الميثاق وتبديلهم الكتاب، كما:-8334 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فبئس ما يشترون "، قال: تبديل اليهود التوراة.------------------الهوامش :(1) الزيادة بين القوسين مما لا يستقيم الكلام إلا بها أو بشبهها.(2) انظر تفسير"نبد" فيما سلف 2: 401 = وتفسير"وراء ظهورهم" فيما سلف 2: 404.(3) انظر تفسير"اشترى" فيما سلف 1: 312 - 315 / 2: 340 - 342 ، 455 / 3: 330 / 4: 246 : 6: 527 / 7: 420.وانظر تفسير"الثمن" فيما سلف 1: 565 / 3: 328 / 6: 527 بولاق.(4) انظر بيان معنى"بئس" فيما سلف 2: 338 - 340 / 3: 56.(5) الأثران: 8318 ، 8319 - سيرة ابن هشام 2: 208 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 8300 ، 8301.(6) كانت الآية في المطبوعة: "ليبيننه للناس ولا يكتمونه" بالياء ، في جميع الآثار السالفة ، فجعلتها على قراءة مصحفنا بالتاء في الكلمتين.(7) في المطبوعة: "وهي قراءة أعظم قراء أهل المدينة. . ." وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة كما سلف عشرات من المرات. وعظم القوم: أكثرهم ومعظمهم.(8) في المطبوعة والمخطوطة: "استدلالا بقوله فنبذوه ، أنه إذ كان قد خرج مخرج الخبر. . ." وهو كلام لا يستقيم ، فحذفت: "أنه" ، ويكون السياق: "فإن أحب القراءتين إلى أن أقرأ بها. . . حتى يكون متسقا كله على معنى واحد". وما بينهما فصل ، علل به اختيار قراءته.(9) انظر ما سلف 2: 404 ، وما سلف ص: 459 ، تعليق: 1.(10) انظر ما سلف ص: 459 ، تعليق: 2.
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨التفسير الميسرولا تظنن الذين يفرحون بما أَتَوا من أفعال قبيحة كاليهود والمنافقين وغيرهم، ويحبون أن يثني عليهم الناس بما لم يفعلوا، فلا تظننهم ناجين من عذاب الله في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب موجع. وفي الآية وعيد شديد لكل آت لفعل السوء معجب به، ولكل مفتخر بما لم يعمل، ليُثنيَ عليه الناس ويحمدوه.
تفسير السعديثم قال تعالى: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا أي: من القبائح والباطل القولي والفعلي. ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا أي: بالخير الذي لم يفعلوه، والحق الذي لم يقولوه، فجمعوا بين فعل الشر وقوله، والفرح بذلك ومحبة أن يحمدوا على فعل الخير الذي ما فعلوه. فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب أي: بمحل نجوة منه وسلامة، بل قد استحقوه، وسيصيرون إليه، ولهذا قال: ولهم عذاب أليم ويدخل في هذه الآية الكريمة أهل الكتاب الذين فرحوا بما عندهم من العلم، ولم ينقادوا للرسول، وزعموا أنهم هم المحقون في حالهم ومقالهم، وكذلك كل من ابتدع بدعة قولية أو فعلية، وفرح بها، ودعا إليها، وزعم أنه محق وغيره مبطل، كما هو الواقع من أهل البدع. ودلت الآية بمفهومها على أن من أحب أن يحمد ويثنى عليه بما فعله من الخير واتباع الحق، إذا لم يكن قصده بذلك الرياء والسمعة، أنه غير مذموم، بل هذا من الأمور المطلوبة، التي أخبر الله أنه يجزي بها المحسنين له الأعمال والأقوال، وأنه جازى بها خواص خلقه، وسألوها منه، كما قال إبراهيم عليه السلام: واجعل لي لسان صدق في الآخرين وقال: سلام على نوح في العالمين، إنا كذلك نجزي المحسنين وقد قال عباد الرحمن: واجعلنا للمتقين إماما وهي من نعم الباري على عبده، ومننه التي تحتاج إلى الشكر.
تفسير ابن كثيروقوله تعالى : ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا [ فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ] ) الآية ، يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا ، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة " وفي الصحيح : " المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور " .وقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، أخبرني ابن أبي مليكة أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره : أن مروان قال : اذهب يا رافع - لبوابه - إلى ابن عباس ، رضي الله عنه ، فقل لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل - معذبا ، لنعذبن أجمعون ؟ فقال ابن عباس : وما لكم وهذه ؟ إنما نزلت هذه في أهل الكتاب ، ثم تلا ابن عباس : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ) وتلا ابن عباس : ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) الآية . وقال ابن عباس : سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء ، فكتموه وأخبروه بغيره ، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه .وهكذا رواه البخاري في التفسير ، ومسلم ، والترمذي والنسائي في تفسيريهما ، وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه ، والحاكم في مستدركه ، كلهم من حديث عبد الملك بن جريج ، بنحوه ورواه البخاري أيضا من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن علقمة بن وقاص : أن مروان قال لبوابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس ، فذكره .وقال البخاري : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أنبأنا محمد بن جعفر ، حدثني زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، أن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه ، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا ، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، فنزلت : ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) الآية .وكذا رواه مسلم من حديث ابن أبي مريم ، بنحوه وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث الليث بن سعد ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم قال : كان أبو سعيد ورافع بن خديج وزيد بن ثابت عند مروان فقال : يا أبا سعيد ، رأيت قول الله تعالى : ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) ونحن نفرح بما أتينا ونحب أن نحمد بما لم نفعل ؟ فقال أبو سعيد : إن هذا ليس من ذاك ، إنما ذاك أن ناسا من المنافقين كانوا يتخلفون إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا ، فإن كان فيه نكبة فرحوا بتخلفهم ، وإن كان لهم نصر من الله وفتح حلفوا لهم ليرضوهم ويحمدوهم على سرورهم بالنصر والفتح . فقال مروان : أين هذا من هذا ؟ فقال أبو سعيد : وهذا يعلم هذا ، فقال مروان : أكذلك يا زيد ؟ قال : نعم ، صدق أبو سعيد . ثم قال أبو سعيد : وهذا يعلم ذاك - يعني رافع بن خديج - ولكنه يخشى إن أخبرك أن تنزع قلائصه في الصدقة . فلما خرجوا قال زيد لأبي سعيد الخدري : ألا تحمدني على شهادة لك ؟ فقال أبو سعيد : شهدت الحق . فقال زيد : أو لا تحمدني على ما شهدت الحق ؟ثم رواه من حديث مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن رافع بن خديج : أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان بن الحكم ، وهو أمير المدينة ، فقال مروان : يا رافع ، في أي شيء نزلت هذه ؟ فذكره كما تقدم عن أبي سعيد ، رضي الله عنهم ، وكان مروان يبعث بعد ذلك يسأل ابن عباس كما تقدم ، فقال له ما ذكرناه ، ولا منافاة بين ما ذكره ابن عباس وما قاله هؤلاء ، لأن الآية عامة في جميع ما ذكر ، والله أعلم .وقد روى ابن مردويه أيضا من حديث محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة ، عن الزهري ، عن محمد بن ثابت الأنصاري ، أن ثابت بن قيس الأنصاري قال : يا رسول الله ، والله لقد خشيت أن أكون هلكت . قال : " لم ؟ " قال : نهى الله المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل ، وأجدني أحب الحمد . ونهى الله عن الخيلاء ، وأجدني أحب الجمال ، ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك ، وأنا امرؤ جهوري الصوت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا ترضى أن تعيش حميدا ، وتقتل شهيدا ، وتدخل الجنة ؟ " قال : بلى يا رسول الله . فعاش حميدا ، وقتل شهيدا يوم مسيلمة الكذاب .وقوله : ( فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ) يقرأ بالتاء على مخاطبة المفرد ، وبالياء على الإخبار عنهم ، أي : لا تحسبون أنهم ناجون من العذاب ، بل لا بد لهم منه ، ولهذا قال : ( ولهم عذاب أليم )
تفسير القرطبيقوله تعالى : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليمأي بما فعلوا من القعود في التخلف عن الغزو وجاءوا به من العذر . ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتذروا إليه وحلفوا ، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ; فنزلت لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا الآية . وفي الصحيحين أيضا أن مروان قال لبوابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له : لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون . فقال ابن عباس : ما لكم ولهذه الآية ! إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب . ثم تلا ابن عباس وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه و لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا . وقال ابن عباس : سألهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شيء فكتموه إياه ، وأخبروه بغيره ; فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ، وما سألهم عنه . وقال محمد بن كعب القرظي : نزلت في علماء بني إسرائيل الذين كتموا الحق ، وأتوا ملوكهم من العلم ما يوافقهم في باطلهم ، واشتروا به ثمنا قليلا أي بما أعطاهم الملوك من الدنيا ; فقال الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم . فأخبر أن لهم عذابا أليما بما أفسدوا من الدين على عباد الله . وقال الضحاك : إن اليهود كانوا يقولون للملوك إنا نجد في كتابنا أن الله يبعث نبينا في آخر الزمان يختم به النبوة ; فلما بعثه الله سألهم الملوك أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم ؟ فقال اليهود طمعا في أموال الملوك : هو غير ذلك ، فأعطاهم الملوك الخزائن ; فقال الله تعالى : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا الملوك من الكذب حتى يأخذوا عرض الدنيا . والحديث الأول خلاف مقتضى الحديث الثاني . ويحتمل أن يكون نزولها على السببين لاجتماعهما في زمن واحد ، فكانت جوابا للفريقين ، والله أعلم . وقوله : واستحمدوا بذلك إليه ، أي طلبوا أن يحمدوا . وقول مروان : لئن كان كل امرئ منا إلخ دليل على أن للعموم صيغا مخصوصة ، وأن " الذين " منها . وهذا مقطوع به من تفهم ذلك من القرآن والسنة . وقوله تعالى : ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا إذا كانت الآية في أهل الكتاب لا في المنافقين المتخلفين ; لأنهم كانوا يقولون : نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه ، وكانوا يقولون : نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب ; يريدون أن يحمدوا بذلك . و ( الذين ) فاعل بيحسبن بالياء . وهي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو ; أي لا يحسبن الفارحون فرحهم منجيا لهم من العذاب . وقيل : المفعول الأول محذوف ، وهو أنفسهم . والثاني بمفازة . وقرأ الكوفيون تحسبن بالتاء على الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ; أي لا تحسبن يا محمد الفارحين بمفازة من العذاب . وقوله فلا تحسبنهم بالتاء وفتح الباء ، إعادة تأكيد ، ومفعوله الأول الهاء والميم ، والمفعول الثاني محذوف ; أي كذلك ، والفاء عاطفة أو زائدة على بدل الفعل الثاني من الأول . وقرأ الضحاك وعيسى بن عمر بالتاء وضم الباء " فلا تحسبنهم " أراد محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه . وقرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمرو ويحيى بن يعمر بالياء وضم الباء خبرا عن الفارحين ; أي فلا يحسبن أنفسهم ; " بمفازة " المفعول الثاني . ويكون " فلا يحسبنهم " تأكيدا . وقيل : " الذين " فاعل " بيحسبن " ومفعولاها محذوفان لدلالة " يحسبنهم " عليه ; كما قال الشاعر :بأي كتاب أم بأية آية ترى حبهم عارا علي وتحسباستغنى بذكر مفعول الواحد عن ذكر مفعول ، الثاني ، و " بمفازة " الثاني ، وهو بدل من الفعل الأول فأغنى لإبداله منه عن ذكر مفعوليه ، والفاء زائدة . وقيل : قد تجيء هذه الأفعال ملغاة لا في حكم الجمل المفيدة نحو قول الشاعر :وما خلت أبقى بيننا من مودة عراض المذاكي المسنفات القلائصالمذاكي : الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان ; الواحد مذك ، مثل المخلف من الإبل ; وفي المثل جري المذكيات غلاب ، والمسنفات اسم مفعول ; يقال : سنفت البعير أسنفه سنفا إذا كففته بزمامه وأنت راكبه ، وأسنف البعير لغة في سنفه ، وأسنف البعير بنفسه إذا رفع رأسه ; يتعدى ولا يتعدى . وكانت العرب تركب الإبل وتجنب الخيل ; تقول : الحرب لا تبقي مودة . وقال كعب بن أبي سلمى :أرجو وآمل أن تدنو مودتها وما إخال لدينا منك تنويلوقرأ جمهور القراء السبعة وغيرهم أتوا بقصر الألف ، أي بما جاءوا به من الكذب والكتمان . وقرأ مروان بن الحكم والأعمش وإبراهيم النخعي " آتوا " بالمد ، بمعنى أعطوا : وقرأ سعيد بن جبير " أوتوا " على ما لم يسم فاعله ; أي أعطوا . والمفازة المنجاة ، مفعلة من فاز يفوز إذا نجا ; أي ليسوا بفائزين . وسمي موضع المخاوف مفازة على جهة التفاؤل ; قاله الأصمعي . وقيل : لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك ; تقول العرب : فوز الرجل إذا مات . قال ثعلب : حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي فقال أخطأ ، قال لي أبو المكارم : إنما سميت مفازة ; لأن من قطعها فاز . وقال الأصمعي : سمي اللديغ سليما تفاؤلا . قال ابن الأعرابي : لأنه مستسلم لما أصابه . وقيل : لا تحسبنهم بمكان بعيد من العذاب ; لأن الفوز التباعد عن المكروه ، والله أعلم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.فقال بعضهم: عني بذلك قومٌ من أهل النفاق كانوا يقعدون خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا العدو، فإذا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.* ذكر من قال ذلك:8335 - حدثنا محمد بن سهل بن عسكر وابن عبد الرحيم البرقي قالا حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير قال، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن رجالا من المنافقين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو، تخلّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله. وإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم من السفر اعتذروا إليه، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. فأنزل الله تعالى فيهم: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا " الآية. (11)8336 - حدثني يونس قال، أخبرنا بن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، قال: هؤلاء المنافقون، يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: لو قد خرجت لخرجنا معك! فإذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم تخلَّفوا وكذبوا، ويفرحون بذلك، ويرون أنها حيلة احتالوا بها.* * *وقال آخرون: عني بذلك قوم من أحبار اليهود، كانوا يفرحون بإضلالهم الناس، ونسبة الناس إياهم إلى العلم.* ذكر من قال ذلك:8337 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس أو سعيد بن جبير: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلى قوله: " ولهم عذاب أليم "، يعني فنحاصا وأشيع وأشباههما من الأحبار، الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زيَّنوا للناس من الضلالة=" ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، أن يقول لهم الناس علماء، وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى ولا خير، (12) ويحبون أن يقول لهم الناس: قد فعلوا. (13)8338 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة: أنه حدثه عن ابن عباس بنحو ذلك= إلا أنه قال: وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى. (14)* * *وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من اليهود، فرحوا باجتماع كلمتهم على تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، ويحبون أن يحمدوا بأن يقال لهم: أهل صلاة وصيام.* ذكر من قال ذلك:8339 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا "، فإنهم فرحوا باجتماعهم على كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: " قد جمع الله كلمتنا، ولم يخالف أحد منا أحدًا [أن محمدًا ليس بنبي]. (15) " وقالوا: " نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن أهل الصلاة والصيام "، وكذبوا، بل هم أهل كفر وشرك وافتراء على الله، قال الله: " يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ".8340 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، قال: كانت اليهود أمر بعضهم بعضًا، (16) فكتب بعضهم إلى بعض: " أنّ محمدًا ليس بنبي، فأجمعوا كلمتكم، وتمسكوا بدينكم وكتابكم الذي معكم "، ففعلوا وفرحوا بذلك، وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم .8341 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم، ففرحوا بذلك، وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.8342 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم، وفرحوا بذلك حين اجتمعوا عليه، وكانوا يزكون أنفسهم فيقولون: " نحن أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الزكاة، ونحن على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم "، فأنزل الله فيهم: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا "، من كتمان محمد صلى الله عليه وسلم=" ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، أحبوا أن تحمدهم العرب، بما يزكون به أنفسهم، وليسوا كذلك.8343 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي الجحاف، عن مسلم البطين قال: سأل الحجاج جلساءه عن هذه الآية: " لا تحسبن الذي يفرحون بما أتوا "، قال سعيد بن جبير: بكتمانهم محمدًا=" ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، قال: هو قولهم: " نحن على دين إبراهيم عليه السلام ". (17)8344 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، هم أهل الكتاب، أنزل عليهم الكتاب فحكموا بغير الحق، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وفرحوا بذلك، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. فرحوا بأنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل الله، وهم يزعمون أنهم يعبدون الله، ويصومون ويصلون، ويطيعون الله. فقال الله جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا "، كفرًا بالله وكفرًا بمحمد صلى الله عليه وسلم (18) =" ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، من الصلاة والصوم، فقال الله جل وعز لمحمد صلى الله عليه وسلم: " فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ".* * *وقال آخرون: بل معنى ذلك: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا "، من تبديلهم كتاب الله، ويحبون أن يحمَدهم الناس على ذلك.* ذكر من قال ذلك:8345 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا "، قال: يهودُ، فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب وحمدهم إياهم عليه، ولا تملك يهود ذلك. (19)* * *وقال آخرون: معنى ذلك: أنهم فرحوا بما أعطى الله تعالى آل إبراهيم عليه السلام.* ذكر من قال ذلك:8346 - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي المعلى، عن سعيد بن جبير أنه قال في هذه الآية: " ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، قال: اليهود، يفرحون بما آتى الله إبراهيم عليه السلام.* * *8347 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة عن أبي المعلى العطّار، عن سعيد بن جبير قال: هم اليهود، فرحوا بما أعطى الله تعالى إبراهيم عليه السلام.وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من اليهود، سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه، ففرحوا بكتمانهم ذلك إياه.ذكر من قال ذلك:8348 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني ابن أبي مليكة: أن علقمة بن أبي وقاص أخبره: أن مروان قال لرافع: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له: " لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا، ليعذبنا الله أجمعين "! فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه! إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود، فسألهم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استجابوا لله بما أخبروه عنه مما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه. ثم قال: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ، الآية.8349 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: أخبرني عبدالله بن أبي مليكة: أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره: أن مروان بن الحكم قال لبوابه: يا رافع، اذهب إلى ابن عباس فقل له: " لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا، لنعذبن جميعًا "! فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أنزلت في أهل الكتاب! ثم تلا ابن عباس: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ إلى قوله: " أن يحمدوا بما لم يفعلوا ". قال ابن عباس: سألهم النبيّ صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما قد سألهم عنه، فاستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه. (20)* * *وقال آخرون: بل عني بذلك قومٌ من يهود، أظهروا النفاق للنبي صلى الله عليه وسلم محبة منهم للحمد، والله عالم منهم خلاف ذلك.* ذكر من قال ذلك:8350 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أنّ أعداء الله اليهود، يهود خيبر، أتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم، فزعموا أنهم راضون بالذي جاء به، وأنهم متابعوه، وهم متمسكون بضلالتهم، وأرادوا أن يحمَدهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بما لم يفعلوا، فأنزل الله تعالى: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، الآية.8351 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: إن أهل خيبر أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقالوا: " إنا على رأيكم وسنتكم، (21) وإنا لكم رِدْء ". (22) فأكذبهم الله فقال: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا " الآيتين.8352 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة قال: جاء رجل إلى عبدالله فقال: إن كعبًا يقرأ عليك السلام ويقول: إن هذه الآية لم تنزل فيكم: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا "، قال: أخبروه أنها نزلت وهو يهودي. (23)* * *قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا " الآية، قول من قال: " عني بذلك أهل الكتاب الذين أخبر الله جل وعز أنه أخذ ميثاقهم، ليبين للناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يكتمونه "، لأن قوله: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا " الآية، في سياق الخبر عنهم، وهو شبيه بقصتهم مع اتفاق أهل التأويل على أنهم المعنيون بذلك.فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: لا تحسبن، يا محمد، الذين يفرحون بما أتوا من كتمانهم الناسَ أمرك، وأنك لي رسول مرسل بالحق، وهم يجدونك مكتوبًا عندهم في كتبهم، وقد أخذت عليهم الميثاق بالإقرار بنبوتك، وبيان أمرك للناس، وأن لا يكتموهم ذلك، وهم مع نقضهم ميثاقي الذي أخذت عليهم بذلك، يفرحون بمعصيتهم إياي في ذلك، ومخالفتهم أمري، ويحبون أن يحمدهم الناس بأنهم أهل طاعة لله وعبادة وصلاة وصوم، واتباع لوحيه وتنزيله الذي أنزله على أنبيائه، وهم من ذلك أبرياء أخلياء، لتكذيبهم رسوله، ونقضهم ميثاقه الذي أخذ عليهم، لم يفعلوا شيئًا مما يحبون أن يحمدهم الناس عليه=" فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ".* * *وقوله: " فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب "، فلا تظنهم بمنجاة من عذاب الله الذي أعده لأعدائه في الدنيا، (24) من الخسف والمسخ والرجف والقتل، وما أشبه ذلك من عقاب الله، ولا هم ببعيد منه، (25) كما:-8353 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب "، قال: بمنجاة من العذاب.* * *قال أبو جعفر: " ولهم عذاب أليم "، يقول: ولهم عذابٌ في الآخرة أيضًا مؤلم، مع الذي لهم في الدنيا معجل. (26)----------------------الهوامش :(11) الحديث: 8335 - رواه البخاري من طريق شيخه سعيد بن أبي مريم ، كرواية الطبري (الفتح: 8: 175). وقال ابن كثير 2: 317: "رواه مسلم من حديث ابن أبي مريم بنحوه".(12) سيرة ابن هشام"هدى ولا حق". وفي المطبوعة: "لم يحملوهم على هدى" غير ما في المخطوطة ، ولكنها الصواب ، ويدل على ذلك الأثر التالي ، فإنه ذكر وجه الخلاف بين الروايتين.(13) الأثر: 8337 ، 8338 - سيرة ابن هشام 2: 208 ، وهو تتمة الأثر السالف رقم: 8318 ، والإسناد متصل إلى ابن عباس ، كما مضى مرارًا.(14) في المطبوعة: "ابن كريب" ، وهو خطأ ، قد مضى على صحته في مئات من المواضع.(15) هذه الجملة بين القوسين ، كان مكانها في المطبوعة: "أنه نبي" ، وفي المخطوطة"أن بنبي" ، والذي في المطبوعة مخالف لما تمالأ عليه اليهود ، والذي في المخطوطة بين الفساد والخرم ، واستظهرت ما بين القوسين من الأثر الذي رواه السيوطي في الدر المنثور 2: 109 ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك ، والذي سيأتي في الأثر التالي ، ونصه: "إن اليهود كتب بعضهم إلى بعض أن محمدًا ليس بنبي ، فأجمعوا كلمتكم ، وتمسكوا بدينكم وكتابكم الذي معكم". فمن هذا استظهرت صواب العبارة التي أثبتها.(16) في المطبوعة والمخطوطة: "قال: قالت اليهود أمر بعضهم بعضًا" ، وهو كلام غير مستقيم ، صحفت"كانت" إلى"قالت" فأثبتها على الصواب إن شاء الله.(17) الأثر: 8343 - انظر الأثر السالف رقم: 8322.(18) في المطبوعة: "كفروا بالله ، وكفروا بمحمد" ، والصواب من المخطوطة.(19) قوله: "ولا تملك يهود ذلك" كأنه يعني: ولا تملك يهود النجاة من عذاب الله ، كما أنذرهم في الآية.(20) الأثران: 8348 ، 8349 - أخرجهما البخاري في كتاب التفسير ، الأول من طريق: "إبراهيم بن موسى عن هشام ، أن ابن جريج أخبرهم..." والآخر من طريق: "ابن مقاتل ، أخبرنا الحجاج ، عن ابن جريج" ، وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير. وقد استوفى الحافظ ابن حجر في الفتح 8: 175 ، 176 ، في هذين الأثرين ، ذكر رافع ، الذي لم يروا له ذكرًا في كتب الرواة ، وفي اختلافهم على ابن جريج في شيخ شيخه مرة"علقمة بن أبي وقاص" ، وأخرى"حميد بن عبد الرحمن بن عوف". وانظر أسباب النزول الواحدي: 101 ، 102.(21) في المطبوعة: "على رأيكم وهيئتكم" ، والذي في المخطوطة"على رأيكم وسكم" غير منقوطة ، وأرجح أن صواب قراءتها ما أثبت. وأكثر من روى هذا الخبر حذف منه هذه الكلمة. و"السنة": الطريقة والنهج.(22) "الردء": العون والناصر ، ينصره ويشد ظهره.(23) الأثر: 8352 - انظر الأثر السالف رقم: 8325 ، "وكعب" هو"كعب الأحبار".(24) انظر تفسير"فاز" فيما سلف قريبا ص: 452.(25) انظر معاني القرآن للفراء 1: 250.(26) أخشى أن يكون صواب العبارة: "ولهم عذاب مؤلم في الآخرة أيضا مؤجل ، مع الذي لهم في الدنيا معجل".
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩التفسير الميسرولله وحده ملك السموات والأرض وما فيهما، والله على كل شيء قدير.
تفسير السعديأي: هو المالك للسماوات والأرض وما فيهما، من سائر أصناف الخلق، المتصرف فيهم بكمال القدرة، وبديع الصنعة، فلا يمتنع عليه منهم أحد، ولا يعجزه أحد.
تفسير ابن كثيرثم قال : ( ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير ) أي : هو مالك كل شيء ، والقادر على كل شيء فلا يعجزه شيء ، فهابوه ولا تخالفوه ، واحذروا نقمته وغضبه ، فإنه العظيم الذي لا أعظم منه ، القدير الذي لا أقدر منه .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قديرهذا احتجاج على الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ، وتكذيب لهم . وقيل : المعنى لا تظنن الفرحين ينجون من العذاب ; فإن لله كل شيء ، وهم في قبضة القدير ; فيكون معطوفا على الكلام الأول ، أي إنهم لا ينجون من عذابه ، يأخذهم متى شاء . والله على كل شيء أي ممكن قدير وقد مضى في " البقرة " .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)قال أبو جعفر: وهذا تكذيب من الله جل ثناؤه الذين قالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ . يقول تعالى ذكره، مكذبا لهم: لله ملك جميع ما حوته السموات والأرض. فكيف يكون أيها المفترون على الله، من كان ملك ذلك له فقيرًا؟ثم أخبر جل ثناؤه أنه القادر على تعجيل العقوبة لقائلي ذلك، ولكل مكذب به ومفتر عليه، وعلى غير ذلك مما أراد وأحب، ولكنه تفضل بحلمه على خلقه= فقال: " والله على كل شيء قدير "، يعني: من إهلاك قائلي ذلك، وتعجيل عقوبته لهم، وغير ذلك من الأمور
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠التفسير الميسرإن في خلق السموات والأرض على غير مثال سابق، وفي تعاقُب الليل والنهار، واختلافهما طولا وقِصَرًا لدلائل وبراهين عظيمة على وحدانية الله لأصحاب العقول السليمة.
تفسير السعدييخبر تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب وفي ضمن ذلك حث العباد على التفكر فيها، والتبصر بآياتها، وتدبر خلقها، وأبهم قوله: آيات ولم يقل: "على المطلب الفلاني" إشارة لكثرتها وعمومها، وذلك لأن فيها من الآيات العجيبة ما يبهر الناظرين، ويقنع المتفكرين، ويجذب أفئدة الصادقين، وينبه العقول النيرة على جميع المطالب الإلهية، فأما تفصيل ما اشتملت عليه، فلا يمكن لمخلوق أن يحصره، ويحيط ببعضه، وفي الجملة فما فيها من العظمة والسعة، وانتظام السير والحركة، يدل على عظمة خالقها، وعظمة سلطانه وشمول قدرته. وما فيها من الإحكام والإتقان، وبديع الصنع، ولطائف الفعل، يدل على حكمة الله ووضعه الأشياء مواضعها، وسعة علمه. وما فيها من المنافع للخلق، يدل على سعة رحمة الله، وعموم فضله، وشمول بره، ووجوب شكره. وكل ذلك يدل على تعلق القلب بخالقها ومبدعها، وبذل الجهد في مرضاته، وأن لا يشرك به سواه، ممن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وخص الله بالآيات أولي الألباب، وهم أهل العقول؛ لأنهم هم المنتفعون بها، الناظرون إليها بعقولهم لا بأبصارهم.
تفسير ابن كثيرقال الطبراني : حدثنا الحسن بن إسحاق التستري ، حدثنا يحيى الحماني ، حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : أتت قريش اليهود فقالوا : بم جاءكم موسى ؟ قالوا : عصاه ويده بيضاء للناظرين . وأتوا النصارى فقالوا : كيف كان عيسى ؟ قالوا : كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى : فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا . فدعا ربه ، فنزلت هذه الآية : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) فليتفكروا فيها . وهذا مشكل ، فإن هذه الآية مدنية . وسؤالهم أن يكون الصفا ذهبا كان بمكة . والله أعلم .ومعنى الآية أنه يقول تعالى : ( إن في خلق السماوات والأرض ) أي : هذه في ارتفاعها واتساعها ، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات ، وثوابت وبحار ، وجبال وقفار وأشجار ونبات وزروع وثمار ، وحيوان ومعادن ومنافع ، مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص ( واختلاف الليل والنهار ) أي : تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر ، فتارة يطول هذا ويقصر هذا ، ثم يعتدلان ، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرا ، ويقصر الذي كان طويلا وكل ذلك تقدير العزيز الحكيم ، ولهذا قال : ( لأولي الألباب ) أي العقول التامة الذكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها ، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون الذين قال الله [ تعالى ] فيهم : ( وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) [ يوسف : 105 ، 106 ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : إن في خلق السماوات والأرض تقدم معنى هذه الآية في " البقرة " في غير موضع . فختم تعالى هذه السورة بالأمر بالنظر والاستدلال في آياته ; إذ لا تصدر إلا عن حي قيوم قدير وقدوس سلام غني عن العالمين ، حتى يكون إيمانهم مستندا إلى اليقين لا إلى التقليد .لآيات لأولي الألباب الذين يستعملون عقولهم في تأمل الدلائل . وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لما نزلت هذه الآية على النبي قام يصلي ، فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة ، فرآه يبكي فقال : يا رسول الله ، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ! فقال : يا بلال : أفلا أكون عبدا شكورا ، ولقد أنزل الله علي الليلة آية إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب - ثم قال : ( ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ) .قال العلماء : يستحب لمن انتبه من نومه أن يمسح على وجهه ، ويستفتح قيامه بقراءة هذه العشر الآيات اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما وسيأتي ، ثم يصلي ما كتب له ، فيجمع بين التفكر والعمل ، وهو أفضل العمل على ما يأتي بيانه في هذه الآية بعد هذا . وروي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة " آل عمران " كل ليلة ، خرجه أبو نصر الوائلي السجستاني الحافظ في كتاب " الإبانة " من حديث سليمان بن موسى عن مظاهر بن أسلم المخزومي عن المقبري عن أبي هريرة . وقد تقدم أول السورة عن عثمان قال : من قرأ آخر آل عمران في ليلة كتب له قيام ليلة .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190)قال أبو جعفر: وهذا احتجاج من الله تعالى ذكره على قائل ذلك، وعلى سائر خلقه، بأنه المدبر المصرّف الأشياء والمسخِّر ما أحب، وأن الإغناء والإفقار إليه وبيده، فقال جل ثناؤه: تدبروا أيها الناس واعتبروا، ففيما أنشأته فخلقته من السموات والأرض لمعاشكم وأقواتكم وأرزاقكم، وفيما عقَّبت بينه من الليل والنهار فجعلتهما يختلفان ويعتقبان عليكم، (27) تتصرفون في هذا لمعاشكم، وتسكنون في هذا راحة لأجسادكم= معتبر ومدَّكر، وآيات وعظات. فمن كان منكم ذا لُبٍّ وعقل، يعلم أن من نسبني إلى أنّي فقير وهو غني كاذب مفتر، (28) فإنّ ذلك كله بيدي أقلّبه وأصرّفه، ولو أبطلت ذلك لهلكتم، فكيف ينسب إلى فقر من كان كل ما به عيش ما في السموات والأرض بيده وإليه؟ (29) أم كيف يكون غنيًّا من كان رزقه بيد غيره، إذا شاء رزقه، وإذا شاء حَرَمه؟ فاعتبروا يا أولي الألباب.----------------------الهوامش :(27) عاقب بين الشيئين: راوح بينهما ، لهذا مرة ولذاك مرة. واستعمل الطبري"عقب" مشددة القاف ، بنفس المعنى ، كما يقال: "ضاعف وضعف" ، و"عاقد وعقد". و"اعتقب الليل والنهار" جاء هذا بعد هذا ، دواليك.(28) في المخطوطة: "يعلم أنه أن من نسبي إلى أني فقير وهو غني ، دادب معى" ، وهو كلام مصحف مضطرب ، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب إن شاء الله.(29) في المطبوعة: "فكيف ينسب فقر إلى من كان..." ، أخر"إلى" ، والصواب الجيد تقديمها كما في المخطوطة.
ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١التفسير الميسرالذين يذكرون الله في جميع أحوالهم: قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، وهم يتدبرون في خلق السموات والأرض، قائلين: يا ربنا ما أوجدت هذا الخلق عبثًا، فأنت منزَّه عن ذلك، فاصْرِف عنا عذاب النار.
تفسير السعديثم وصف أولي الألباب بأنهم يذكرون الله في جميع أحوالهم: قياما وقعودا وعلى جنوبهم وهذا يشمل جميع أنواع الذكر بالقول والقلب، ويدخل في ذلك الصلاة قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب، وأنهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض أي: ليستدلوا بها على المقصود منها، ودل هذا على أن التفكر عبادة من صفات أولياء الله العارفين، فإذا تفكروا بها، عرفوا أن الله لم يخلقها عبثا، فيقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك عن كل ما لا يليق بجلالك، بل خلقتها بالحق وللحق، مشتملة على الحق. فقنا عذاب النار بأن تعصمنا من السيئات، وتوفقنا للأعمال الصالحات، لننال بذلك النجاة من النار. ويتضمن ذلك سؤال الجنة، لأنهم إذا وقاهم الله عذاب النار حصلت لهم الجنة، ولكن لما قام الخوف بقلوبهم، دعوا الله بأهم الأمور عندهم،
تفسير ابن كثيرثم وصف تعالى أولي الألباب فقال : ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صل قائما ، فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنبك أي : لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم ( ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ) أي : يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته ، وعلمه وحكمته ، واختياره ورحمته .وقال الشيخ أبو سليمان الداراني : إني لأخرج من منزلي ، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة ، أو لي فيه عبرة . رواه ابن أبي الدنيا في كتاب " التفكر والاعتبار " .وعن الحسن البصري أنه قال : تفكر ساعة خير من قيام ليلة . وقال الفضيل : قال الحسن : الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك . وقال سفيان بن عيينة : الفكرة نور يدخل قلبك . وربما تمثل بهذا البيت :إذا المرء كانت له فكرة ففي كل شيء له عبرةوعن عيسى ، عليه السلام ، أنه قال : طوبى لمن كان قيله تذكرا ، وصمته تفكرا ، ونظره عبرا .وقال لقمان الحكيم : إن طول الوحدة ألهم للفكرة ، وطول الفكرة دليل على طرق باب الجنة .وقال وهب بن منبه : ما طالت فكرة امرئ قط إلا فهم ، وما فهم امرؤ قط إلا علم ، وما علم امرؤ قط إلا عمل .وقال عمر بن عبد العزيز : الكلام بذكر الله ، عز وجل ، حسن ، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة .وقال مغيث الأسود : زوروا القبور كل يوم تفكركم ، وشاهدوا الموقف بقلوبكم ، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار ، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها ، وكان يبكي عند ذلك حتى يرفع صريعا من بين أصحابه ، قد ذهب عقله .وقال عبد الله بن المبارك : مر رجل براهب عند مقبرة ومزبلة ، فناداه فقال : يا راهب ، إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر ، كنز الرجال وكنز الأموال .وعن ابن عمر : أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه ، يأتي الخربة فيقف على بابها ، فينادي بصوت حزين فيقول : أين أهلك ؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) [ القصص : 88 ] .وعن ابن عباس أنه قال : ركعتان مقتصدتان في تفكر ، خير من قيام ليلة والقلب ساه .وقال الحسن : يا ابن آدم ، كل في ثلث بطنك ، واشرب في ثلثه ، ودع ثلثه الآخر تتنفس للفكرة .وقال بعض الحكماء : من نظر إلى الدنيا بغير العبرة انطمس من بصر قلبه بقدر تلك الغفلة .وقال بشر بن الحارث الحافي : لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه .وقال الحسن ، عن عامر بن عبد قيس قال : سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون : إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر .وعن عيسى ، عليه السلام ، أنه قال : يا ابن آدم الضعيف ، اتق الله حيثما كنت ، وكن في الدنيا ضيفا ، واتخذ المساجد بيتا ، وعلم عينيك البكاء ، وجسدك الصبر ، وقلبك الفكر ، ولا تهتم برزق غد .وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ، رضي الله عنه ، أنه بكى يوما بين أصحابه ، فسئل عن ذلك ، فقال : فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها ، فاعتبرت منها بها ، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها ، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر ، إن فيها مواعظ لمن ادكر .وقال ابن أبي الدنيا : أنشدني الحسين بن عبد الرحمن :نزهة المؤمن الفكر لذة المؤمن العبرنحمد الله وحده نحن كل على خطررب لاه وعمره قد تقضى وما شعررب عيش قد كان فو ق المنى مونق الزهرفي خرير من العيو ن وظل من الشجروسرور من النبا ت وطيب من الثمرغيرته وأهله سرعة الدهر بالغيرنحمد الله وحده إن في ذا لمعتبرإن في ذا لعبرة للبيب إن اعتبروقد ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته ، فقال : ( وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون . وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) [ يوسف : 105 ، 106 ]ومدح عباده المؤمنين : ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ) قائلين ( ربنا ما خلقت هذا باطلا ) أي : ما خلقت هذا الخلق عبثا ، بل بالحق لتجزي الذين أساءوا بما عملوا ، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل فقالوا : ( سبحانك ) أي : عن أن تخلق شيئا باطلا ( فقنا عذاب النار ) أي : يا من خلق الخلق بالحق والعدل ، يا من هو منزه عن النقائص والعيب والعبث ، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وقيضنا لأعمال ترضى بها عنا ، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم ، وتجيرنا به من عذابك الأليم .
تفسير القرطبيالَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ذكر تعالى ثلاث هيئات لا يخلو ابن آدم منها في غالب أمره , فكأنها تحصر زمانه .ومن هذا المعنى قول عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه .أخرجه مسلم .فدخل في ذلك كونه على الخلاء وغير ذلك .وقد اختلف العلماء في هذا ; فأجاز ذلك عبد الله بن عمرو وابن سيرين والنخعي , وكره ذلك ابن عباس وعطاء والشعبي .والأول أصح لعموم الآية والحديث .قال النخعي : لا بأس بذكر الله في الخلاء فإنه يصعد .المعنى : تصعد به الملائكة مكتوبا في صحفهم ; فحذف المضاف .دليله قوله تعالى : " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " [ ق : 18 ] .وقال : " وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين " [ الانفطار : 10 - 11 ] .لأن الله عز وجل أمر عباده بالذكر على كل حال ولم يستثن فقال : " اذكروا الله ذكرا كثيرا " [ الأحزاب : 41 ] وقال : " فاذكروني أذكركم " [ البقرة : 152 ] وقال : " إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا " [ الكهف : 3 ] فعم .فذاكر الله تعالى على كل حالاته مثاب مأجور إن شاء الله تعالى .وذكر أبو نعيم قال : حدثنا أبو بكر بن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن كعب الأحبار قال قال موسى عليه السلام : ( يا رب أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك قال : يا موسى أنا جليس من ذكرني قال : يا رب فإنا نكون من الحال على حال نجلك ونعظمك أن نذكرك قال : وما هي ؟ قال : الجنابة والغائط قال : يا موسى اذكرني على كل حال ) .وكراهية من كره ذلك إما لتنزيه ذكر الله تعالى في المواضع المرغوب عن ذكره فيها ككراهية قراءة القرآن في الحمام , وإما إبقاء على الكرام الكاتبين على أن يحلهم موضع الأقذار والأنجاس لكتابة ما يلفظ به .والله أعلم .و " قياما وقعودا " نصب على الحال ." وعلى جنوبهم " في موضع الحال ; أي ومضطجعين ومثله قوله تعالى : " دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما " [ يونس : 12 ] على العكس ; أي دعانا مضطجعا على جنبه .وذهب , جماعة من المفسرين منهم الحسن وغيره إلى أن قوله " يذكرون الله " إلى آخره , إنما هو عبارة عن الصلاة ; أي لا يضيعونها , ففي حال العذر يصلونها قعودا أو على جنوبهم .وهي مثل قوله تعالى : " فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم " [ النساء : 103 ] في قول ابن مسعود على , ما يأتي بيانه .وإذا كانت الآية في الصلاة ففقهها أن الإنسان يصلي قائما , فإن لم يستطع فقاعدا , فإن لم يستطع فعلى جنبه ; كما ثبت عن عمران بن حصين قال : كان بي البواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال : ( صل قائما , فإن لم تستطع فقاعدا , فإن لم تستطع فعلى جنب ) رواه الأئمة : وقد كان صلى الله عليه وسلم يصلي قاعدا قبل موته بعام في النافلة ; على ما في صحيح مسلم .وروى النسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي متربعا .قال أبو عبد الرحمن : لا أعلم أحدا روى هذا الحديث غير أبي داود الحفري وهو ثقة , ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ .والله أعلم .واختلف العلماء في كيفية صلاة المريض والقاعد وهيئتها ; فذكر ابن عبد الحكم عن مالك أنه يتربع في قيامه , وقاله البويطي عن الشافعي فإذا أراد السجود تهيأ للسجود على قدر ما يطيق , قال : وكذلك المتنفل .ونحوه قول الثوري , وكذلك قال الليث وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد .وقال الشافعي في رواية المزني : يجلس في صلاته كلها كجلوس التشهد .وروي هذا عن مالك وأصحابه ; والأول المشهور وهو ظاهر المدونة .وقال أبو حنيفة وزفر : يجلس كجلوس التشهد , وكذلك يركع ويسجد .قال : فإن لم يستطع القعود صلى على جنبه أو ظهره على التخيير ; هذا مذهب المدونة وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم يصلي على ظهره , فإن لم يستطع فعلى جنبه الأيمن ثم على جنبه الأيسر .وفي كتاب ابن المواز عكسه , يصلي على جنبه الأيمن , وإلا فعلى الأيسر , وإلا فعلى الظهر .وقال سحنون : يصلي على الأيمن كما يجعل في لحده , وإلا فعلى ظهره وإلا فعلى الأيسر .وقال مالك وأبو حنيفة : إذا صلى مضطجعا تكون رجلاه مما يلي القبلة .والشافعي والثوري : يصلي على جنبه ووجهه إلى القبلة .فإن قوي لخفة المرض وهو في الصلاة ; قال ابن القاسم : إنه يقوم فيما بقي من صلاته ويبني على ما مضى ; وهو قول الشافعي وزفر والطبري .وقال أبو حنيفة وصاحباه يعقوب ومحمد فيمن صلى مضطجعا ركعة ثم صح : أنه يستقبل الصلاة من أولها , ولو كان قاعدا يركع ويسجد ثم صح بنى في قول أبي حنيفة ولم يبن في قول محمد .وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا افتتح الصلاة قائما ثم صار إلى حد الإيماء فليبن ; وروي عن أبي يوسف .وقال مالك في المريض الذي لا يستطيع الركوع ولا السجود وهو يستطيع القيام والجلوس : إنه يصلي قائما ويومئ إلى الركوع , فإذا أراد السجود جلس وأومأ إلى السجود ; وهو قول أبي يوسف وقياس قول الشافعي وقال , أبو حنيفة وأصحابه : يصلي قاعدا .وأما صلاة الراقد الصحيح فروي عن حديث عمران بن حصين زيادة ليست موجودة في غيره , وهي " صلاة الراقد مثل نصف صلاة القاعد " .قال أبو عمر : وجمهور أهل العلم لا يجيزون النافل مضطجعا ; وهو حديث لم يروه إلا حسين المعلم وهو حسين بن ذكوان عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين , وقد اختلف على حسين في إسناده ومتنه اختلافا يوجب التوقف عنه , وإن صح فلا أدري ما وجهه ; فإن كان أحد من أهل العلم قد أجاز النافلة مضطجعا لمن قدر على القعود أو على القيام فوجهه هذه الزيادة في هذا الخبر , وهي حجة لمن ذهب إلى ذلك .وإن أجمعوا على كراهة النافلة راقدا لمن قدر على القعود أو القيام , فحديث حسين هذا إما غلط وإما منسوخ وقيل : المراد بالآية الذين يستدلون بخلق السموات والأرض على أن المتغير لا بد له من مغير , وذلك المغير يجب أن يكون قادرا على الكمال , وله أن يبعث الرسل , فإن بعث رسولا ودل على صدقه بمعجزة واحدة لم يبق لأحد عذر ; فهؤلاء الذين يذكرون الله على كل حال .والله أعلم . وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قد بينا معنى " ويذكرون " وهو إما ذكر باللسان وإما الصلاة فرضها ونفلها ; فعطف تعالى عبادة أخرى على إحداهما بعبادة أخرى , وهي التفكر في قدرة الله تعالى ومخلوقاته والعبر الذي بث ; ليكون ذلك أزيد بصائرهم : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد وقيل : " يتفكرون " عطف على الحال .وقيل : يكون منقطعا ; والأول أشبه .والفكرة : تردد القلب في الشيء ; يقال : تفكر , ورجل فكير كثير الفكر , ومر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله فقال : ( تفكروا في الخلق , ولا تتفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره ) وإنما التفكر والاعتبار وانبساط الذهن في المخلوقات كما قال : " ويتفكرون في خلق السموات والأرض " .وحكي أن سفيان الثوري رضي الله عنه صلى خلف المقام ركعتين , ثم رفع رأسه إلى السماء فلما رأى الكواكب غشي عليه , وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته .وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال أشهد أن لك , ربا وخالقا اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا عبادة كتفكر ) .وروي عنه عليه السلام قال : ( تفكر ساعة خير من عبادة سنة ) .وروى ابن القاسم عن مالك قال : قيل لأم الدرداء : ما كان أكثر شأن أبي الدرداء ؟ قالت : كان أكثر شأنه التفكر .قيل له : أفترى التفكر عمل من الأعمال ؟ قال : نعم , هو اليقين .وقيل لابن المسيب في الصلاة بين الظهر والعصر , قال : ليست هذه عبادة , إنما العبادة الورع عما حرم الله والتفكر في أمر الله .وقال الحسن : تفكر ساعة خير من قيام ليلة ; وقال ابن العباس وأبو الدرداء .وقال الحسن : الفكرة مرآة المؤمن ينظر فيها إلى حسناته وسيئاته .ومما يتفكر فيه مخاوف الآخرة من الحشر والنشر والجنة ونعيمها والنار وعذابها .ويروى أن أبا سليمان الداراني رضي الله عنه أخذ قدح الماء ليتوضأ لصلاة الليل وعنده ضيف , فرآه لما أدخل أصبعه في أذن القدح أقام لذلك متفكرا حتى طلع الفجر ; فقال له : ما هذا يا أبا سليمان ؟ قال : إني لما طرحت أصبعي في أذن القدح تفكرت في قول الله تعالى " إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون " [ المؤمن : 71 ] تفكرت , في حالي وكيف أتلقى الغل إن طرح في عنقي يوم القيامة , فما زلت في ذلك حتى أصبحت .قال ابن عطية : " وهذا نهاية الخوف , وخير الأمور أوساطها , وليس علماء الأمة الذين هم الحجة على هذا المنهاج , وقراءة علم كتاب الله تعالى ومعاني سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يفهم ويرجى نفعه أفضل من هذا " .قال ابن العربي : اختلف الناس أي العملين أفضل : التفكر أم الصلاة ; فذهب الصوفية إلى أن التفكر أفضل ; فإنه يثمر المعرفة وهو أفضل , المقامات الشرعية .وذهب الفقهاء إلى أن الصلاة أفضل ; لما ورد في الحديث من الحث عليها والدعاء إليها والترغيب فيها .وفي الصحيحين عن ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة , وفيه : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ الآيات العشر الخواتم من سورة آل عمران , وقام إلى شن معلق فتوضأ وضوءا خفيفا ثم صلى ثلاث عشرة ركعة ; الحديث .فانظروا رحمكم الله إلى جمعه بين التفكر في المخلوقات ثم إقباله على صلاته بعده ; وهذه السنة هي التي يعتمد عليها .فأما طريقة الصوفية أن يكون الشيخ منهم يوما وليلة وشهرا مفكرا لا يفتر ; فطريقة بعيدة عن الصواب غير لائقة بالبشر , ولا مستمرة على السنن .قال ابن عطية : وحدثني أبي عن بعض علماء المشرق قال : كنت بائتا في مسجد الأقدام بمصر فصليت العتمة فرأيت رجلا قد اضطجع في كساء له مسجى بكسائه حتى أصبح , وصلينا نحن تلك الليلة ; فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة وصلى مع الناس , فاستعظمت جراءته في الصلاة بغير وضوء ; فلما فرغت الصلاة خرج فتبعته لأعظه , فلما دنوت منه سمعته ينشد شعرا : مسجى الجسم غائب حاضر منتبه القلب صامت ذاكر منقبض في الغيوب منبسط كذاك من كان عارفا ذاكر يبيت في ليله أخا فكر فهو مدى الليل نائم ساهر قال : فعلمت أنه ممن يعبد بالفكرة , فانصرفت عنه . رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أي يقولون : ما خلقته عبثا وهزلا , بل خلقته دليلا على قدرتك وحكمتك .والباطل : الزائل الذاهب .ومنه قول لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل أي زائل .و " باطلا " نصب لأنه نعت مصدر محذوف ; أي خلقا باطلا وقيل : انتصب على نزع الخافض , أي ما خلقتها للباطل .وقيل : على المفعول الثاني , ويكون خلق بمعنى جعل ." سبحانك " أسند النحاس عن موسى بن طلحة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى " سبحان الله " فقال : ( تنزيه الله عن السوء ) وقد تقدم في " البقرة " معناه مستوفى ." وقنا عذاب النار " أجرنا من عذابها , وقد تقدم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِقال أبو جعفر: وقوله: " الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا " من نعت " أولي الألباب "، و " الذين " في موضع خفض ردًّا على قوله: لأُولِي الأَلْبَابِ .* * *ومعنى الآية: إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذاكرين الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم= يعني بذلك: قيامًا في صلاتهم، وقعودًا في تشهدهم وفي غير صلاتهم، وعلى جنوبهم نيامًا. كما:-8354 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا " الآية، قال: هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن.8355 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم "، وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك، يُسرًا من الله وتخفيفًا.* * *قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف قيل: " وعلى جنوبهم ": فعطف ب" على "، وهي صفة، (30) على " القيام والقعود " وهما اسمان؟قيل: لأن قوله: " وعلى جنوبهم " في معنى الاسم، ومعناه: ونيامًا، أو: " مضطجعين على جنوبهم "، فحسن عطف ذلك على " القيام " و " القعود " لذلك المعنى، كما قيل: وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا [سورة يونس: 12] فعطف بقوله: أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا على قوله: لِجَنْبِهِ ، لأن معنى قوله: لِجَنْبِهِ ، مضطجعا، (31) فعطف ب" القاعد " و " القائم " على معناه، فكذلك ذلك في قوله: " وعلى جنوبهم ". (32)* * *وأما قوله: " ويتفكرون في خلق السموات والأرض "، فإنه يعني بذلك أنهم يعتبرون بصنعة صانع ذلك، فيعلمون أنه لا يصنع ذلك إلا مَن ليس كمثله شيء، ومن هو مالك كل شيء ورازقه، وخالق كل شيء ومدبره، ومن هو على كل شيء قدير، وبيده الإغناء والإفقار، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، والشقاء والسعادة.* * *القول في تأويل قوله : رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قائلين: " ربنا ما خلقت هذا باطلا "، فترك ذكر " قائلين "، إذ كان فيما ظهر من الكلام دلالة عليه.* * *وقوله: " ما خلقت هذا باطلا " يقول: لم تخلق هذا الخلق عبثًا ولا لعبًا، ولم تخلقه إلا لأمر عظيم من ثواب وعقاب ومحاسبة ومجازاة، وإنما قال: " ما خلقت هذا باطلا " ولم يقل: " ما خلقت هذه، ولا هؤلاء "، لأنه أراد ب" هذا "، الخلقَ الذي في السموات والأرض. يدل على ذلك قوله: " سبحانك فقنا عذاب النار "، ورغبتهم إلى ربهم في أن يقيهم عذاب الجحيم. ولو كان المعنيّ بقوله: " ما خلقت هذا باطلا "، السموات والأرض، لما كان لقوله عقيب ذلك: " فقنا عذاب النار "، معنى مفهوم. لأن " السموات والأرض " أدلة على بارئها، لا على الثواب والعقاب، وإنما الدليل على الثواب والعقاب، الأمر والنهي.وإنما وصف جل ثناؤه: " أولي الألباب " الذين ذكرهم في هذه الآية: أنهم إذا رأوا المأمورين المنهيّين قالوا: " يا ربنا لم تخلُق هؤلاء باطلا عبثًا سبحانك "، يعني: تنزيهًا لك من أن تفعل شيئًا عبثًا، ولكنك خلقتهم لعظيم من الأمر، لجنة أو نار.ثم فَزِعوا إلى ربهم بالمسألة أن يجيرهم من عذاب النار، وأن لا يجعلهم ممن عصاه وخالف أمره، فيكونوا من أهل جهنم.-------------------الهوامش :(30) "الصفة": حرف الجر ، كما سلف في مواضع كثيرة ، وانظر 1: 299 ، تعليق: 1 ، وفهرس المصطلحات في الأجزاء السالفة.(31) انظر ما سلف 3: 475.(32) انظر معاني القرآن للفراء 1: 250.
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ١٩٢التفسير الميسريا ربنا نجِّنا من النار، فإنك -يا ألله- مَن تُدخِلْه النار بذنوبه فقد فضحته وأهنته، وما للمذنبين الظالمين لأنفسهم من أحد يدفع عنهم عقاب الله يوم القيامة.
تفسير السعدي ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته أي: لحصوله على السخط من الله، ومن ملائكته، وأوليائه، ووقوع الفضيحة التي لا نجاة منها، ولا منقذ منها، ولهذا قال: وما للظالمين من أنصار ينقذونهم من عذابه، وفيه دلالة على أنهم دخلوها بظلمهم.
تفسير ابن كثيرثم قالوا : ( ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) أي : أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع ( وما للظالمين من أنصار ) أي : يوم القيامة لا مجير لهم منك ، ولا محيد لهم عما أردت بهم .
تفسير القرطبيرَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أي أذللته وأهنته .وقال المفضل أي أهلكته ; وأنشد : أخزى الإله من الصليب عبيده واللابسين قلانس الرهبان وقيل : فضحته وأبعدته ; يقال : أخزاه الله : أبعده ومقته .والاسم الخزي .قال ابن السكيت : خزي يخزى خزيا إذا وقع في بلية .وقد تمسك بهذه الآية أصحاب الوعيد وقالوا : من أدخل النار ينبغي ألا يكون مؤمنا ; لقوله تعالى : " فقد أخزيته " فإن الله يقول : " يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه " [ التحريم : 8 ] .وما قالوه مردود ; لقيام الأدلة على أن من ارتكب كبيرة لا يزول عنه اسم الإيمان , كما تقدم ويأتي .والمراد من قوله : " من تدخل النار " من تخلد في النار ; قاله أنس بن مالك .وقال قتادة : تدخل مقلوب تخلد , ولا نقول كما قال أهل حروراء .وقال سعيد بن المسيب : الآية خاصة في قوم لا يخرجون من النار ; ولهذا قال وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ أي الكفار .وقال أهل المعاني , : الخزي يحتمل أن يكون بمعنى الحياء ; يقال : خزي يخزى خزاية إذا استحيا , فهو خزيان .قال ذو الرمة : خزاية أدركته عند جولته من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب فخزي المؤمنين يومئذ استحياؤهم في دخول النار من سائر أهل الأديان إلى أن يخرجوا منها .والخزي للكافرين هو إهلاكهم فيها من غير موت ; والمؤمنون يموتون , فافترقوا .كذا ثبت في صحيح السنة من حديث أبي سعيد الخدري , أخرجه مسلم , وقد تقدم ويأتي .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192)قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك.فقال بعضهم: معنى ذلك: ربنا إنك من تدخل النار من عبادك فتخلده فيها، فقد أخزيته. قال: ولا يخزي مؤمن مصيرُه إلى الجنة، وإن عذِّب بالنار بعض العذاب.* ذكر من قال ذلك:8356 - حدثني أبو حفص الجبيري ومحمد بن بشار قالا أخبرنا المؤمل، أخبرنا أبو هلال، عن قتادة، عن أنس في قوله: " ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته "، قال: من تُخلد. (33)8357 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن رجل، عن ابن المسيب: " ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته "، قال: هي خاصة لمن لا يخرج منها.8358 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد بن زيد قال، حدثنا قبيصة بن مروان، عن الأشعث الحمْليّ قال، قلت للحسن: يا أبا سعيد، أرأيت ما تذكر من الشفاعة، حق هو؟ قال: نعم حق. قال، قلت: يا أبا سعيد، أرأيت قول الله تعالى: " ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته " و يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا (34) [سورة المائدة: 37]؟ قال فقال لي: إنك والله لا تسطو على بشيء، (35) إنّ للنار أهلا لا يخرجون منها، كما قال الله. قال قلت: يا أبا سعيد، فيمن دخلوا ثم خرجوا؟ قال: كانوا أصابوا ذنوبًا في الدنيا فأخذهم الله بها، فأدخلهم بها ثم أخرجهم، بما يعلم في قلوبهم من الإيمان والتصديق به. (36)8359 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " إنك من تدخل النار فقد أخزيته "، قال: هو من يخلد فيها.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: ربنا إنك من تدخل النار، من مخلد فيها وغير مخلد فيها، فقد أخزي بالعذاب.* ذكر من قال ذلك:8360 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا الحارث بن مسلم، عن بحر، عن عمرو بن دينار قال: قدم علينا جابر بن عبدالله في عمرة، فانتهيت إليه أنا وعطاء فقلت: " ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته "؟ قال: وما أخزاه حين أحرقه بالنار! وإن دون ذلك لخزيًا. (37)* * *قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب عندي، قول جابر: " إن من أدخل النار فقد أخزي بدخوله إياها، وإن أخرج منها ". وذلك أن " الخزي" إنما هو هتك ستر المخزيّ وفضيحته، (38) ومن عاقبه ربه في الآخرة على ذنوبه، فقد فضحه بعقابه إياه، وذلك هو " الخزي".* * *وأما قوله: " وما للظالمين من أنصار "، يقول: وما لمن خالف أمر الله فعصاه، من ذي نُصرة له ينصره من الله، فيدفع عنه عقابه، أو ينقذه من عذابه.-------------------------الهوامش:(33) الأثر: 8356 -"أبو حفص الجبيري" ، لم أجده ، والذي يروى عنه أبو جعفر هو عمرو بن علي الفلاس ، "أبو حفص الصيرفي" ، وهو في المخطوطة"الحبرى" غير منقوطة ، ولا أدري أيقرأ"الجبيري" أو "الخيبري" ، ولم أجد هذه النسبة في ترجمة"عمرو بن علي الفلاس" ، . وعمرو بن علي الفلاس يروي عن مؤمل بن إسماعيل كما مضى في مواضع كثيرة منها رقم: 1885 ، 1891 ، 1898 ، وغيرها كثير.(34) في المطبوعة والمخطوطة ، أسقط"الواو" بين الآيتين ، والصواب إثباتها كما يدل عليه سياق سؤاله ، وجواب الحسن له.(35) في المطبوعة: "إنك والله لا تستطيع على شيء" ، وهو كلام لا خير فيه ، والصواب ما أثبته من المخطوطة ، غيره الناشرون إذ لم يفهموه. وقوله: "لا تسطو علي بشيء" ، أي: إنك لا تحتج علي بحجة تقهرني بها وتغلبني. وأصله من"السطو" ، وهو البطش والقهر. و"فلان يسطو على فلان" ، أي يتطاول عليه.(36) الأثر: 8358 -"قبيصة بن مروان بن المهلب" روى عن والان ، وروى عنه حماد بن زيد. مترجم في الكبير 4 / 1 / 177 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 125. والأشعث الحملي" منسوب إلى جده ، وهو: "الأشعث بن عبد الله بن جابر الحداني الأعمى" ويقال: "الأزدي" ، و"حدان" بطن من الأزد. روى عن أنس ، والحسن ، وابن سيرين. وروى عنه شعبة ، وحماد بن سلمة ، ويحيى بن سعيد القطان ، مترجم في التهذيب.(37) الأثر: 8360 -"الحارث بن مسلم الرازي" مضى برقم: 8097 ، و"بحر السقاء" ، هو"بحر بن كنيز الباهلي السقاء" مضى أيضًا برقم: 8097 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "الحارث بن مسلم ، عن يحيى بن عمرو بن دينار" ، وهو خطأ صرف.وهذا الأثر قد أخرجه الحاكم في المستدرك 2: 300 ، ولم يقل فيه شيئًا ، وقال الذهبي في تعليقه: "قلت: بحر هالك" ، ورواه بأتم مما هنا ، بيد أن السيوطي في الدر المنثور 2: 111 ، خرجه ، ونسبه للحاكم وابن جرير ، وساق لفظ الأثر بأتم من لفظ أبي جعفر ، ومخالفًا لفظ الحاكم ، ولفظه: "قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة ، فانتهت إليه أنا وعطاء ، فقلت: "وما هم بخارجين من النار"؟ قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم الكفار. قلت لجابر: فقوله: إنك من تدخل النار فقد أخزيته..." ، وسائر لفظه مطابق لما في الطبري.وفي المخطوطة: "حين أحروه بالنار" ، والصواب ما في المطبوعة ، موافقًا لفظ الحاكم والسيوطي. وفي المخطوطة والمطبوعة: "وما إخزاؤه" وهو لا يستقيم ، والصواب ما في الدر المنثور. وقوله: "ما أخزاه" تعجب. والذي في الحاكم"قد أخزاه حين أحرقه بالنار". فهما روايتان تصحح إحداهما معنى الأخرى. ويدل على صواب ذلك ترجيح الطبري لقول جابر في الفقرة التالية.(38) انظر تفسير"الخزي" فيما سلف 2: 314 ، 525.
رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ١٩٣التفسير الميسريا ربنا إننا سمعنا مناديا -هو نبيك محمد صلى الله عليه وسلم- ينادي الناس للتصديق بك، والإقرار بوحدانيتك، والعمل بشرعك، فأجبنا دعوته وصدَّقنا رسالته، فاغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا، وألحقنا بالصالحين.
تفسير السعدي( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان ) وهو محمد صلى الله عليه وسلم، أي: يدعو الناس إليه، ويرغبهم فيه، في أصوله وفروعه.( فآمنا ) أي: أجبناه مبادرة، وسارعنا إليه، وفي هذا إخبار منهم بمنة الله عليهم، وتبجح بنعمته، وتوسل إليه بذلك، أن يغفر ذنوبهم ويكفر سيئاتهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات، والذي من عليهم بالإيمان، سيمن عليهم بالأمان التام.( وتوفنا مع الأبرار ) يتضمن هذا الدعاء التوفيق لفعل الخير، وترك الشر، الذي به يكون العبد من الأبرار، والاستمرار عليه، والثبات إلى الممات.
تفسير ابن كثير( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان ) أي : داعيا يدعو إلى الإيمان ، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم ( أن آمنوا بربكم فآمنا ) أي يقول : ( آمنوا بربكم فآمنا ) أي : فاستجبنا له واتبعناه ( ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ) أي : بإيماننا واتباعنا نبيك فاغفر لنا ذنوبنا ، أي : استرها ( وكفر عنا سيئاتنا ) أي : فيما بيننا وبينك ( وتوفنا مع الأبرار ) أي : ألحقنا بالصالحين
تفسير القرطبيرَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أي محمدا صلى الله عليه وسلم ; قاله ابن مسعود وابن عباس وأكثر المفسرين .وقال قتادة ومحمد بن كعب القرظي : هو القرآن , وليس كلهم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم .دليل هذا القول ما أخبر الله تعالى عن مؤمني الجن إذ قالوا : " إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد " [ الجن : 1 - 2 ] .وأجاب الأولون فقالوا : من سمع القرآن فكأنما لقي النبي صلى الله عليه وسلم ; وهذا صحيح معنى .وأن من أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا في موضع نصب على حذف حرف الخفض , أي بأن آمنوا .وفي الكلام تقديم وتأخير , أي سمعنا مناديا للإيمان ينادي ; عن أبي عبيدة .وقيل : اللام بمعنى إلى , أي إلى الإيمان ; كقوله : " ثم يعودون لما نهوا عنه " [ المجادلة : 8 ] .وقوله : " بأن ربك أوحى لها " [ الزلزلة : 5 ] وقوله : " الحمد لله الذي هدانا لهذا " [ الأعراف : 43 ] أي إلى هذا , ومثله كثير .وقيل : هي لام أجل , أي لأجل الإيمان . رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا تأكيد ومبالغة في الدعاء .ومعنى اللفظين واحد ; فإن الغفر والكفر : الستر . وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ أي أبرارا مع الأنبياء , أي في جملتهم .واحدهم بر وبار وأصله من الاتساع ; فكأن البر متسع في طاعة الله ومتسعة له رحمة الله .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى : رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ (193)قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل " المنادي" الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية.فقال بعضهم: ا " لمنادي" في هذا الموضع، القرآن.* ذكر من قال ذلك:8361 - حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب: " إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان "، قال: هو الكتاب، ليس كلهم لقي النبي صلى الله عليه وسلم. (39)8362 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا منصور بن حكيم، عن خارجة، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: " ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان "، قال: ليس كل الناس سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولكن المنادي القرآن. (40)* * *وقال آخرون: بل هو محمد صلى الله عليه وسلم .* ذكر من قال ذلك:8363 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان ": قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم.8364 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان "، قال: ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.* * *قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول محمد بن كعب، وهو أن يكون " المنادي" القرآن. لأن كثيرًا ممن وصفهم الله بهذه الصفة في هذه الآيات، ليسوا ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عاينه فسمعوا دعاءه إلى الله تبارك وتعالى ونداءه، ولكنه القرآن، وهو نظير قوله جل ثناؤه مخبرًا عن الجن إذ سمعوا كلام الله يتلى عليهم أنهم قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ [سورة الجن: 1، 2]وبنحو ذلك:-8365 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان " إلى قوله: " وتوفَّنَا مع الأبرار "، سمعوا دعوة من الله فأجابوها فأحسنوا الإجابة فيها، وصبروا عليها. ينبئكم الله عن مؤمن الإنس كيف قال، وعن مؤمن الجنّ كيف قال. فأما مؤمن الجن فقال: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وأما مؤمن الإنس فقال: " إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا "، الآية.* * *وقيل: " إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان "، يعني: ينادي إلى الإيمان، كما قال تعالى ذكره: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [سورة الأعراف: 43] بمعنى: هدانا إلى هذا، (41) وكما قال الراجز: (42)أَوْحَى لَها القَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِوَشَدَّهَا بِالرَّاسِيَاتِ الثُّبَّتِ (43)بمعنى: أوحى إليها، ومنه قوله: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [سورة الزلزلة: 5]* * *وقيل: يحتمل أن يكون معناه: إننا سمعنا مناديًا للإيمان، ينادي أن آمنوا بربكم. (44)* * *فتأويل الآية إذًا: ربنا سمعنا داعيًا يدعو إلى الإيمان= يقول: إلى التصديق بك، والإقرار بوحدانيتك، واتباع رسولك، وطاعته فيما أمرنا به ونهانا عنه مما جاء به من عندك=" فآمنا ربنا "، يقول: فصدقنا بذلك يا ربنا. =" فاغفر لنا ذنوبنا "، يقول: فاستر علينا خطايانا، ولا تفضحنا بها في القيامة على رءوس الأشهاد، بعقوبتك إيانا عليها، ولكن كفّرها عنا، وسيئات أعمالنا، فامحها بفضلك ورحمتك إيانا=" وتوفنا مع الأبرار "، (45) يعني بذلك: واقبضنا إليك إذا قبضتنا إليك، في عداد الأبرار، واحشرنا محشرهم ومعهم.* * *و " الأبرار " جمع " بَرَ"، وهم الذين برُّوا الله تبارك وتعالى بطاعتهم إياه وخدمتهم له، حتى أرضوه فرضي عنهم. (46)----------------------------الهوامش:(39) الأثر: 8361 -"قبيصة بن عقبة بن محمد السوائي" مضى برقم: 489 ، 2792 ، وهو ثقة معروف ، أخرج له الستة ، وتكلم بعضهم في روايته عن سفيان الثوري: بأنه يخطئ في بعض روايته ، بأنه سمع من الثوري صغيرًا.و"موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي" ، ضعيف جدا ، مضى برقم: 1875 ، 1876 ، 3291.(40) الأثر: 8362 -"منصور بن حكيم" ، لم أعرفه ولم أجد له ترجمة ، وكذلك"خارجة" لم أعرف من يكون فيمن اسمه"خارجة" ، وأخشى أن يكون فيهما تصحيف أو تحريف.(41) انظر ما سلف 1: 169.(42) هو العجاج.(43) سلف تخريجهما في 6: 405 ، تعليق: 3.(44) انظر معاني القرآن للفراء 1: 250 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 111.(45) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 111.(46) وانظر تفسير"البر" فيما سلف 2: 8 / 3: 336 - 338 ، 556 / 4: 425 / 6: 587.
رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ١٩٤التفسير الميسريا ربنا أعطنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من نصر وتمكين وتوفيق وهداية، ولا تفضحنا بذنوبنا يوم القيامة، فإنك كريم لا تُخْلف وعدًا وَعَدْتَ به عبادك.
تفسير السعديولما ذكروا توفيق الله إياهم للإيمان، وتوسلهم به إلى تمام النعمة، سألوه الثواب على ذلك، وأن ينجز لهم ما وعدهم به على ألسنة رسله من النصر، والظهور في الدنيا، ومن الفوز برضوان الله وجنته في الآخرة، فإنه تعالى لا يخلف الميعاد، فأجاب الله دعاءهم، وقبل تضرعهم، فلهذا قال:
تفسير ابن كثير( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) قيل : معناه : على الإيمان برسلك . وقيل : معناه : على ألسنة رسلك . وهذا أظهر .وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو اليمان ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن عمرو بن محمد ، عن أبي عقال ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عسقلان أحد العروسين ، يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفا لا حساب عليهم ، ويبعث منها خمسين ألفا شهداء وفودا إلى الله ، وبها صفوف الشهداء ، رءوسهم مقطعة في أيديهم ، تثج أوداجهم دما ، يقولون : ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ) فيقول : صدق عبدي ، اغسلوهم بنهر البيضة . فيخرجون منه نقاء بيضا ، فيسرحون في الجنة حيث شاءوا " .وهذا الحديث يعد من غرائب المسند ، ومنهم من يجعله موضوعا ، والله أعلم .( ولا تخزنا يوم القيامة ) أي : على رءوس الخلائق ( إنك لا تخلف الميعاد ) أي : لا بد من الميعاد الذي أخبرت عنه رسلك ، وهو القيام يوم القيامة بين يديك .وقد قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا الحارث بن سريج حدثنا المعتمر ، حدثنا الفضل بن عيسى ، حدثنا محمد بن المنكدر ، أن جابر بن عبد الله حدثه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " العار والتخزية تبلغ من ابن آدم في القيامة في المقام بين يدي الله ، عز وجل ، ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار " حديث غريب .وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده ، فقال البخاري ، رحمه الله :حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا محمد بن جعفر ، أخبرني شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن كريب عن ابن عباس قال : بت عند خالتي ميمونة ، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد ، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) ثم قام فتوضأ واستن . فصلى إحدى عشرة ركعة . ثم أذن بلال فصلى ركعتين ، ثم خرج فصلى بالناس الصبح .وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن إسحاق الصنعاني ، عن ابن أبي مريم ، به ثم رواه البخاري من طرق عن مالك ، عن مخرمة بن سليمان ، عن كريب ، عن ابن عباس أنه بات عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي خالته ، قال : فاضطجعت في عرض الوسادة ، واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها ، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتصف الليل - أو قبله بقليل ، أو بعده بقليل - استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من منامه ، فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده ، ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران ، ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه ثم قام يصلي - قال ابن عباس : فقمت فصنعت مثل ما صنع ، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه - فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي ، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها فصلى ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ثم أوتر ، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن ، فقام فصلى ركعتين خفيفتين ، ثم خرج فصلى الصبح .وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن مالك ، به ورواه مسلم أيضا وأبو داود من وجوه أخر ، عن مخرمة بن سليمان ، به ." طريق أخرى " لهذا الحديث عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] .قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن علي ، أخبرنا أبو يحيى بن أبي مسرة أنبأنا خلاد بن يحيى ، أنبأنا يونس بن أبي إسحاق ، عن المنهال بن عمرو ، عن علي بن عبد الله بن عباس ، عن عبد الله بن عباس قال : أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظ صلاته . قال : فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة العشاء الآخرة ، حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيره قام فمر بي ، فقال : " من هذا ؟ عبد الله ؟ " فقلت نعم . قال : " فمه ؟ " قلت : أمرني العباس أن أبيت بكم الليلة . قال : " فالحق الحق " فلما أن دخل قال : " افرشن عبد الله ؟ " فأتى بوسادة من مسوح ، قال فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها حتى سمعت غطيطه ، ثم استوى على فراشه قاعدا ، قال : فرفع رأسه إلى السماء فقال : " سبحان الملك القدوس " ثلاث مرات ، ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها .وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي ، من حديث علي بن عبد الله بن عباس حديثا في ذلك أيضا .طريق أخرى رواها ابن مردويه ، من حديث عاصم بن بهدلة ، عن بعض أصحابه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة بعد ما مضى ليل ، فنظر إلى السماء ، وتلا هذه الآية : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) إلى آخر السورة . ثم قال : " اللهم اجعل في قلبي نورا ، وفي سمعي نورا ، وفي بصري نورا ، وعن يميني نورا ، وعن شمالي نورا ، ومن بين يدي نورا ، ومن خلفي نورا ، ومن فوقي نورا ، ومن تحتي نورا ، وأعظم لي نورا يوم القيامة " وهذا الدعاء ثابت في بعض طرق الصحيح ، من رواية كريب ، عن ابن عباس ، رضي الله عنه . .ثم روى ابن مردويه وابن أبي حاتم من حديث جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : أتت قريش اليهود فقالوا : بما جاءكم موسى من الآيات ؟ قالوا : عصاه ويده البيضاء للناظرين . وأتوا النصارى فقالوا : كيف كان عيسى فيكم ؟ قالوا : كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى . فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا . فدعا ربه ، عز وجل ، فنزلت : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) قال : " فليتفكروا فيها " لفظ ابن مردويه . وقد تقدم سياق الطبراني لهذا الحديث في أول الآية ، وهذا يقتضي أن تكون هذه الآيات مكية ، والمشهور أنها مدنية ، ودليله الحديث الآخر ، قال ابن مردويه :حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل ، أخبرنا أحمد بن علي الحراني ، حدثنا شجاع بن أشرس ، حدثنا حشرج بن نباتة الواسطي أبو مكرم ، عن الكلبي - هو أبو جناب [ الكلبي ] - عن عطاء قال : انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة ، رضي الله عنها ، فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب ، فقالت : يا عبيد ، ما يمنعك من زيارتنا ؟ قال : قول الشاعر :زر غبا تزدد حبافقال ابن عمر : ذرينا أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . فبكت وقالت : كل أمره كان عجبا ، أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي ، ثم قال : ذريني أتعبد لربي [ عز وجل ] قالت : فقلت : والله إني لأحب قربك ، وإني أحب أن تعبد لربك . فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء ، ثم قام يصلي ، فبكى حتى بل لحيته ، ثم سجد فبكى حتى بل الأرض ، ثم اضطجع على جنبه فبكى ، حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح قالت : فقال : يا رسول الله ، ما يبكيك ؟ وقد غفر الله لك ذنبك ما تقدم وما تأخر ، فقال : " ويحك يا بلال ، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل علي في هذه الليلة : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) " ثم قال : " ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها " .وقد رواه عبد بن حميد ، عن جعفر بن عون ، عن أبي جناب الكلبي عن عطاء ، بأطول من هذا وأتم سياقا .وهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه ، عن عمران بن موسى ، عن عثمان بن أبي شيبة ، عن يحيى بن زكريا ، عن إبراهيم بن سويد النخعي ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء قال : دخلت أنا [ وعبد الله بن عمر ] وعبيد بن عمير على عائشة فذكر نحوه .وهكذا رواه عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب " التفكر والاعتبار " عن شجاع بن أشرص ، به . ثم قال : حدثني الحسن بن عبد العزيز : سمعت سنيدا يذكر عن سفيان - هو الثوري - رفعه قال : من قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيه ويله . يعد بأصابعه عشرا . قال الحسن بن عبد العزيز : فأخبرني عبيد بن السائب قال : قيل للأوزاعي : ما غاية التفكر فيهن ؟ قال : يقرؤهن وهو يعقلهن .قال ابن أبي الدنيا : وحدثني قاسم بن هاشم ، حدثنا علي بن عياش ، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان قال : سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلق به المتعلق من الفكر فيهن وما ينجيه من هذا الويل ؟ فأطرق هنية ثم قال : يقرؤهن وهو يعقلهن .[ حديث آخر فيه غرابة : قال أبو بكر بن مردويه : أنبأنا عبد الرحمن بن بشير بن نمير ، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم البستي ح وقال : أنبأنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد ، حدثنا أحمد بن عمرو قالا أنبأنا هشام بن عمار ، أنبأنا سليمان بن موسى الزهري ، أنبأنا مظاهر بن أسلم المخزومي ، أنبأنا سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة . مظاهر بن أسلم ضعيف ] .
تفسير القرطبيرَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ أي على ألسنة رسلك ; مثل " واسأل القرية " .وقرأ الأعمش والزهري " رسلك " بالتخفيف , وهو ما ذكر من استغفار الأنبياء والملائكة للمؤمنين ; والملائكة يستغفرون لمن في الأرض .وما ذكر من دعاء نوح للمؤمنين ودعاء إبراهيم واستغفار النبي صلى الله عليه وسلم لأمته . وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي لا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا , ولا تهنا ولا تبعدنا ولا تمقتنا يوم القيامة إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ إن قيل : ما وجه قولهم " ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك " [ آل عمران : 194 ] وقد علموا أنه لا يخلف الميعاد ; فالجواب من ثلاثة أوجه : الأول : أن الله سبحانه وعد من آمن بالجنة , فسألوا أن يكونوا ممن وعد بذلك دون الخزي والعقاب .الثاني : أنهم دعوا بهذا الدعاء على جهة العبادة والخضوع ; والدعاء مخ العبادة .وهذا كقوله " قال رب احكم بالحق " [ الأنبياء : 112 ] وإن كان هو لا يقضي إلا بالحق .الثالث : سألوا أن يعطوا ما وعدوا به من النصر على عدوهم معجلا ; لأنها حكاية عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , فسألوه ذلك إعزازا للدين .والله أعلم .وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من وعده الله عز وجل على عمل ثوابا فهو منجز له رحمة ومن وعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار ) .والعرب تذم بالمخالفة في الوعد وتمدح بذلك في الوعيد ; حتى قال قائلهم : ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ولا أختفي من خشية المتهدد وإني متى أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وما وجه مسألة هؤلاء القوم ربَّهم أن يؤتيهم ما وعدهم، وقد علموا أن الله منجز وعده، وغيرُ جائز أن يكون منه إخلاف موعد؟ قيل: اختلف في ذلك أهل البحث. (47)فقال بعضهم: ذلك قول خرج مخرج المسألة، ومعناه الخبر. قالوا: وإنما تأويل الكلام: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة. قالوا: وليس ذلك على أنهم قالوا: " إن توفيتنا مع الأبرار، فأنجز لنا ما وعدتنا "، لأنهم قد علموا أن الله لا يخلف الميعاد، وأن ما وعد على ألسنة رسله ليس يعطيه بالدعاء، (48) ولكنه تفضل بابتدائه، ثم ينجزه. (49)* * *وقال آخرون: بل ذلك قول من قائليه على معنى المسألة والدعاء لله بأن يجعلهم ممن آتاهم ما وعدهم من الكرامة على ألسن رسله، (50) لا أنهم كانوا قد استحقوا منزلة الكرامة عند الله في أنفسهم، ثم سألوه أن يؤتيهم ما وعدهم بعد علمهم باستحقاقهم عند أنفسهم، فيكون ذلك منهم مسألة لربهم أن لا يُخلف وعده. قالوا: ولو كان القوم إنما سألوا ربهم أن يؤتيهم ما وعد الأبرار، لكانوا قد زكَّوْا أنفسهم، وشهدوا لها أنها ممن قد استوجب كرامة الله وثوابه. قالوا. وليس ذلك صفة أهل الفضل من المؤمنين.* * *وقال آخرون: بل قالوا هذا القول على وجه المسألة، والرغبة منهم إلى الله أن يؤتيهم ما وعدهم من النصر على أعدائهم من أهل الكفر، والظفر بهم، وإعلاء كلمة الحق على الباطل، فيعجل ذلك لهم. قالوا: ومحال أن يكون القوم= مع وصف الله إياهم بما وصفهم به، كانوا على غير يقين من أن الله لا يخلف الميعاد، فيرغبوا إلى الله جل ثناؤه في ذلك، ولكنهم كانوا وُعدوا النصرَ، ولم يوقَّت لهم في تعجيل ذلك لهم، لما في تعجَله من سرور الظفر ورَاحة الجسد.* * *قال أبو جعفر: والذي هو أولى الأقوال بالصواب في ذلك عندي، أن هذه الصفة، صفة من هاجر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من وطنه وداره، مفارقًا لأهل الشرك بالله إلى الله ورسوله، وغيرهم من تُبّاع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رغبوا إلى الله في تعجيل نصرتهم على أعداء الله وأعدائهم، فقالوا: ربنا آتنا ما وعدتنا من نُصرتك عليهم عاجلا فإنك لا تخلف الميعاد، ولكن لا صبر لنا على أناتك وحلمك عنهم، فعجل [لهم] خزيهم، ولنا الظفر عليهم. (51)يدل على صحة ذلك آخر الآية الأخرى، وهو قوله: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا الآيات بعدها. وليس ذلك مما ذهب إليه الذين حكيت قولهم في شيء. وذلك أنه غير موجود في كلام العرب أن يقال: " افعل بنا يا رب كذا وكذا "، بمعنى: " لتفعل بنا كذا وكذا ". (52) ولو جاز ذلك، لجاز أن يقول القائل لآخر (53) : " أقبل إليّ وكلمني"، بمعنى: " أقبل إليّ لتكلمني"، وذلك غير موجود في الكلام ولا معروف جوازه.وكذلك أيضًا غير معروف في الكلام: "آتنا ما وعدتنا "، بمعنى: " اجعلنا ممن آتيته ذلك ". وإن كان كل من أعطى شيئًا سنيًّا، فقد صُيِّر نظيرًا لمن كان مثله في المعنى الذي أعطيه. ولكن ليس الظاهر من معنى الكلام ذلك، وإن كان قد يؤول معناه إليه. (54)* * *قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: ربنا أعطنا ما وعدتنا على ألسن رسلك: أنك تُعلي كلمتك كلمةَ الحق، بتأييدنا على من كفر بك وحادَّك وعبد غيرك (55) = وعجَل لنا ذلك، فإنا قد علمنا أنك لا تخلف ميعادك- ولا تخزنا يوم القيامة فتفضحنا بذنوبنا التي سلفت منا، ولكن كفِّرها عنا واغفرها لنا. وقد:-8366 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك "، قال: يستنجز موعود الله على رُسله.* * *---------------الهوامش:(47) "أهل البحث" ، أهل النظر من المتكلمين ، وانظر ما سلف 5: 387 ، تعليق 2 ، وأيضا: 406 ، تعليق: 1.(48) في المخطوطة: "بعطية" ، وعلى الياء شدة ، وكأن الصواب ما في المطبوعة على الأرجح.(49) في المطبوعة: "تفضل بإيتائه" ، والصواب ما في المخطوطة ، يعني أن الله ابتدأه متفضلا به من غير سؤال ولا دعاء.(50) في المطبوعة: "بل ذلك قول من قائله" على الإفراد ، وصواب السياق الجمع ، كما في المخطوطة.(51) في المطبوعة: "فعجل حربهم" ، وفي المخطوطة ، غير منقوطة ، إلا نقطة على الخاء ، وصواب قراءتها ما أثبت. وزدت"لهم" بين القوسين ، استظهارًا من قوله"ولنا الظفر عليهم". ولو كان قوله"ولنا" تصحيف"وآتنا" ، لكان جيدًا أيضًا ، ولما احتاج الكلام إلى زيادة"لهم".(52) في المطبوعة: "بمعنى أفعل بنا لكذا الذي. ولو جاز ذلك..." ، وهذا خلط ليس له معنى مفهوم. وفي المخطوطة: "بمعنى: افعل بنا كذى الذي. ولو جاز ذلك" ، وهذا خلط أشد فسادًا من الأول. والصواب الذي لا شك فيه هو ما أثبته ، لأن هذا رد من أبي جعفر على أصحاب القول الأول الذين قالوا إنها بمعنى: "لتؤتينا ما وعدتنا" في تفسير"وآتنا ما وعدتنا" ، ولأنه مثل بعد بقوله: "أقبل إلي وكلمني" ، أنه غير موجود بمعنى"أقبل إلي لتكلمني".(53) في المخطوطة والمطبوعة: "أن يقول القائل الآخر" وهو خطأ لا شك فيه.(54) وهذا رد على أصحاب القول الثاني من الأقوال الثلاثة التي ذكرها قبل. وهم الذين قالوا إن قوله: "وآتنا ما وعدتنا" ، على معنى المسألة والدعاء لله بإن يجعلهم ممن آتاهم ما وعدهم.(55) في المخطوطة: "بأيدينا على من كفر بك" ، وأرجح ما جاء في المطبوعة.