وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٤٩التفسير الميسرواذكروا نعمتنا عليكم حين أنقذناكم من بطش فرعون وأتباعه، وهم يُذيقونكم أشدَّ العذاب، فيُكثِرون مِن ذَبْح أبنائكم، وترك بناتكم للخدمة والامتهان. وفي ذلك اختبار لكم من ربكم، وفي إنجائكم منه نعمة عظيمة، تستوجب شكر الله تعالى في كل عصوركم وأجيالكم.
تفسير السعديهذا شروع في تعداد نعمه على بني إسرائيل على وجه التفصيل فقال: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أي: من فرعون وملئه وجنوده وكانوا قبل ذلك يَسُومُونَكُمْ أي: يولونهم ويستعملونهم، سُوءَ الْعَذَابِ أي: أشده بأن كانوا يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ خشية نموكم، وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ أي: فلا يقتلونهن، فأنتم بين قتيل ومذلل بالأعمال الشاقة، مستحيي على وجه المنة عليه والاستعلاء عليه فهذا غاية الإهانة، فمن الله عليهم بالنجاة التامة وإغراق عدوهم وهم ينظرون لتقر أعينهم. وَفِي ذَلِكم أي: الإنجاء بَلَاءٌ أي: إحسان مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ فهذا مما يوجب عليكم الشكر والقيام بأوامره.
تفسير ابن كثيرقول تعالى : واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون أي :خلصتكم منهم وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى ، عليه السلام ، وقد كانوا يسومونكم ، أي : يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب . وذلك أن فرعون - لعنه الله - كان قد رأى رؤيا هالته ، رأى نارا خرجت من بيت المقدس فدخلت دور القبط ببلاد مصر ، إلا بيوت بني إسرائيل ، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل ، ويقال : بل تحدث سماره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم ، يكون لهم به دولة ورفعة ، وهكذا جاء في حديث الفتون ، كما سيأتي في موضعه [ في سورة طه ] إن شاء الله ، فعند ذلك أمر فرعون - لعنه الله - بقتل كل [ ذي ] ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل ، وأن تترك البنات ، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأراذلها .وهاهنا فسر العذاب بذبح الأبناء ، وفي سورة إبراهيم عطف عليه ، كما قال : ( يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) [ إبراهيم : 6 ] وسيأتي تفسير ذلك في أول سورة القصص ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة والمعونة والتأييد .ومعنى ( يسومونكم ) أي : يولونكم ، قاله أبو عبيدة ، كما يقال : سامه خطة خسف إذا أولاه إياها ، قال عمرو بن كلثوم :إذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقر الخسف فيناوقيل : معناه : يديمون عذابكم ، كما يقال : سائمة الغنم من إدامتها الرعي ، نقله القرطبي ، وإنما قال هاهنا : ( يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) ليكون ذلك تفسيرا للنعمة عليهم في قوله : ( يسومونكم سوء العذاب ) ثم فسره بهذا لقوله هاهنا ( اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) وأما في سورة إبراهيم فلما قال : ( وذكرهم بأيام الله ) [ إبراهيم : 5 ] ، أي : بأياديه ونعمه عليهم فناسب أن يقول هناك : ( يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) فعطف عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والأيادي .وفرعون علم على كل من ملك مصر ، كافرا من العماليق وغيرهم ، كما أن قيصر علم على كل من ملك الروم مع الشام كافرا ، وكسرى لكل من ملك الفرس ، وتبع لمن ملك اليمن كافرا [ والنجاشي لمن ملك الحبشة ، وبطليموس لمن ملك الهند ] ويقال : كان اسم فرعون الذي كان في زمن موسى ، عليه السلام ، الوليد بن مصعب بن الريان ، وقيل : مصعب بن الريان ، أيا ما كان فعليه لعنة الله ، [ وكان من سلالة عمليق بن داود بن إرم بن سام بن نوح ، وكنيته أبو مرة ، وأصله فارسي من استخر ] .وقوله تعالى : ( وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) قال ابن جرير : وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون بلاء لكم من ربكم عظيم . أي : نعمة عظيمة عليكم في ذلك .وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس [ في ] قوله : ( بلاء من ربكم عظيم ) قال : نعمة . وقال مجاهد : ( بلاء من ربكم عظيم ) قال : نعمة من ربكم عظيمة . وكذا قال أبو العالية ، وأبو مالك ، والسدي ، وغيرهم .وأصل البلاء : الاختبار ، وقد يكون بالخير والشر ، كما قال تعالى : ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) [ الأنبياء : 25 ] ، وقال : ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات ) [ الأعراف : 168 ] .قال ابن جرير : وأكثر ما يقال في الشر : بلوته أبلوه بلاء ، وفي الخير : أبليه إبلاء وبلاء ، قال زهير بن أبي سلمى :جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلوقال : فجمع بين اللغتين ؛ لأنه أراد فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده .[ وقيل : المراد بقوله : ( وفي ذلكم بلاء ) إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين من ذبح الأبناء واستحياء النساء ؛ قال القرطبي : وهذا قول الجمهور ولفظه بعدما حكى القول الأول ، ثم قال : وقال الجمهور : الإشارة إلى الذبح ونحوه ، والبلاء هاهنا في الشر ، والمعنى في الذبح مكروه وامتحان ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيمفيه ثلاث عشرة مسألة : الأولى : قوله تعالى : وإذ نجيناكم من آل فرعون إذ في موضع نصب عطف على اذكروا نعمتي وهذا وما بعده تذكير ببعض النعم التي كانت له عليهم أي اذكروا نعمتي بإنجائكم من عدوكم وجعل الأنبياء فيكم ، والخطاب للموجودين ، والمراد من سلف من الآباء كما قال إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية أي حملنا آباءكم وقيل إنما قال نجيناكم ؛ لأن نجاة الآباء كانت سببا لنجاة هؤلاء الموجودين ، ومعنى نجيناكم ألقيناكم على نجوة من الأرض ، وهي ما ارتفع منها هذا هو الأصل ثم سمي كل فائز ناجيا فالناجي من خرج من ضيق إلى سعة وقرئ ( وإذ نجيتكم ) على التوحيدالثانية : قوله تعالى : من آل فرعون آل فرعون قومه وأتباعه وأهل دينه وكذلك آل الرسول صلى الله عليه وسلم من هو على دينه وملته في عصره وسائر الأعصار سواء كان نسيبا له أو لم يكن ، ومن لم يكن على دينه وملته فليس من آله ولا أهله وإن كان نسيبه وقريبه خلافا للرافضة حيث قالت إن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة والحسن والحسين فقط دليلنا قوله تعالى وأغرقنا آل فرعون أدخلوا آل فرعون أشد العذاب أي آل دينه ؛ إذ لم يكن له ابن ولا بنت ولا أب ولا عم ولا أخ ولا عصبة ؛ ولأنه لا خلاف أن من ليس بمؤمن ولا موحد فإنه ليس من آل محمد وإن كان قريبا له ولأجل هذا يقال إن أبا لهب وأبا جهل ليسا من آله ولا من أهله وإن كان بينهما وبين النبي صلى الله عليه وسلم قرابة ولأجل هذا قال الله تعالى في ابن نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول ألا إن آل أبي يعني فلانا ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين وقالت طائفة آل محمد أزواجه وذريته خاصة لحديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك ؟ قال : قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد رواه مسلم ، وقالت طائفة من أهل العلم الأهل معلوم والآل الأتباع والأول أصح لما ذكرناه ولحديث عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال ( اللهم صل عليهم ) فأتاه أبي بصدقته فقال اللهم صل على آل أبي أوفى .الثالثة : اختلف النحاة هل يضاف الآل إلى البلدان أو لا فقال الكسائي إنما يقال آل فلان وآل فلانة ولا يقال في البلدان هو من آل حمص ولا من آل المدينة قال الأخفش إنما يقال في الرئيس الأعظم نحو آل محمد صلى الله عليه وسلم وآل فرعون ؛ لأنه رئيسهم في الضلالة قال وقد سمعناه في البلدان قالوا أهل المدينة وآل المدينة .الرابعة : واختلف النحاة أيضا هل يضاف الآل إلى المضمر أو لا فمنع من ذلك النحاس والزبيدي والكسائي فلا يقال إلا اللهم صل على محمد وآل محمد ولا يقال وآله والصواب أن يقال أهله وذهبت طائفة أخرى إلى أن ذلك يقال منهم ابن السيد وهو الصواب ؛ لأن السماع الصحيح يعضده فإنه قد جاء في قول عبد المطلبلا هم إن العبد يم نع رحله فامنع حلالك وانصر على آل الصليب " وعابديه " اليوم آلكوقال ندبةأنا الفارس الحامي حقيقة والدي وآلي كما تحمي حقيقة آلكاالحقيقة [ بقافين ] ما يحق على الإنسان أن يحميه أي تجب عليه حمايته .الخامسة : واختلفوا أيضا في أصل آل فقال النحاس أصله أهل ثم أبدل من الهاء ألفا فإن صغرته رددته إلى أصله فقلت أهيل وقال المهدوي : أصله أول وقيل أهل قلبت الهاء همزة ثم أبدلت الهمزة ألفا وجمعه آلون وتصغيره أويل فيما حكى الكسائي ، وحكى غيره أهيل وقد ذكرنا عن النحاس ، وقال أبو الحسن بن كيسان إذا جمعت آلا قلت آلون فإن جمعت آلا الذي هو السراب قلت : آوال ، مثل مال وأموال .السادسة : قوله تعالى : فرعون فرعون قيل إنه اسم ذلك الملك بعينه . وقيل إنه اسم كل ملك من ملوك العمالقة مثل كسرى للفرس وقيصر للروم والنجاشي للحبشة وإن اسم فرعون موسى قابوس في قول أهل الكتاب وقال وهب اسمه الوليد بن مصعب بن الريان ويكنى أبا مرة وهو من بني عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قال السهيلي ، وكل من ولي القبط ومصر فهو فرعون ، وكان فارسيا من أهل إصطخر قال المسعودي لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية قال الجوهري : فرعون لقب الوليد بن مصعب ملك مصر وكل عات فرعون والعتاة الفراعنة وقد تفرعن وهو ذو فرعنة أي دهاء ونكر وفي الحديث ( أخذنا فرعون هذه الأمة ) و " فرعون " في موضع خفض إلا أنه لا ينصرف لعجمتهالسابعة : قوله تعالى : يسومونكم قيل معناه يذيقونكم ويلزمونكم إياه ، وقال أبو عبيدة يولونكم يقال سامه خطة خسف إذا أولاه إياها ومنه قول عمرو بن كلثومإذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقر الذل فيناوقيل يديمون تعذيبكم والسوم الدوام ، ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرعي قال الأخفش : وهو في موضع رفع على الابتداء ، وإن شئت كان في موضع نصب على الحال أي سائمين لكم .الثامنة : قوله تعالى : سوء العذاب مفعول ثان ل " يسومونكم " ومعناه أشد العذاب ، ويجوز أن يكون بمعنى سوم العذاب ، وقد يجوز أن يكون نعتا بمعنى سوما سيئا فروي أن فرعون جعل بني إسرائيل خدما وخولا وصنفهم في أعماله فصنف يبنون وصنف يحرثون ويزرعون وصنف يتخدمون ، وكان قومه جندا ملوكا ومن لم يكن منهم في عمل من هذه الأعمال ضربت عليه الجزية فذلك سوء العذابالتاسعة : قوله تعالى : يذبحون أبناءكم يذبحون بغير واو على البدل من قوله يسومونكم كما قال أنشده سيبويهمتى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبا جزلا ونارا تأججاقال الفراء وغيره يذبحون بغير واو على التفسير لقوله يسومونكم سوء العذاب كما تقول أتاني القوم زيد وعمرو فلا تحتاج إلى الواو في زيد . ونظيره : ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب وفي سورة إبراهيم ويذبحون بالواو ؛ لأن المعنى يعذبونكم بالذبح وبغير الذبح فقوله ويذبحون أبناءكم جنس آخر من العذاب لا تفسير لما قبله والله أعلم .قلت : قد يحتمل أن يقال إن الواو زائدة بدليل سورة " البقرة " والواو قد تزاد كما قال :فلما أجزنا ساحة الحي وانتحىأي قد انتحى . وقال آخرإلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحمأراد إلى الملك القرم بن الهمام ليث الكتيبة ، وهو كثير .العاشرة : قوله تعالى : يذبحون قراءة الجماعة بالتشديد على التكثير وقرأ ابن محيصن " يذبحون " بفتح الباء والذبح الشق والذبح المذبوح والذباح تشقق في أصول الأصابع وذبحت الدن بزلته أي كشفته ، وسعد الذابح : أحد السعود ، والمذابح : المحاريب ، والمذابح جمع مذبح ، وهو إذا جاء السيل فخد في الأرض فما كان كالشبر ونحوه سمي مذبحا فكان فرعون يذبح الأطفال ويبقي البنات وعبر عنهم باسم النساء بالمآل وقالت طائفة " يذبحون أبناءكم " يعني الرجال وسموا أبناء لما كانوا كذلك واستدل هذا القائل بقوله " نساءكم " والأول أصح ؛ لأنه الأظهر والله أعلم .الحادية عشرة : نسب الله تعالى الفعل إلى آل فرعون وهم إنما كانوا يفعلون بأمره وسلطانه لتوليهم ذلك بأنفسهم وليعلم أن المباشر مأخوذ بفعله قال الطبري ويقتضي أن من أمره ظالم بقتل أحد فقتله المأمور فهو المأخوذ به .قلت : وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال يقتلان جميعا ، هذا بأمره والمأمور بمباشرته هكذا قال النخعي وقاله الشافعي ومالك في تفصيل لهما قال الشافعي إذا أمر السلطان رجلا بقتل رجل والمأمور يعلم أنه أمر بقتله ظلما كان عليه وعلى الإمام القود كقاتلين معا وإن أكرهه الإمام عليه وعلم أنه يقتله ظلما كان على الإمام القود ، وفي المأمور قولان أحدهما أن عليه القود والآخر لا قود عليه وعليه نصف الدية حكاه ابن المنذر ، وقال علماؤنا : لا يخلو المأمور أن يكون ممن تلزمه طاعة الآمر ويخاف شره كالسلطان والسيد لعبده فالقود في ذلك لازم لهما أو يكون ممن لا يلزمه ذلك فيقتل المباشر وحده دون الآمر وذلك كالأب يأمر ولده أو المعلم بعض صبيانه أو الصانع بعض متعلميه إذا كان محتلما فإن كان غير محتلم فالقتل على الآمر ، وعلى عاقلة الصبي نصف الدية وقال ابن نافع لا يقتل السيد إذا أمر عبده وإن كان أعجميا بقتل إنسان قال ابن حبيب وبقول ابن القاسم أقول إن القتل عليهما فأما أمر من لا خوف على المأمور في مخالفته فإنه لا يلحق بالإكراه بل يقتل المأمور دون الآمر ويضرب الآمر ويحبس وقال أحمد في السيد يأمر عبده أن يقتل رجلا يقتل السيد وروي هذا القول عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهما وقال علي ويستودع العبد السجن وقال أحمد ويحبس العبد ويضرب ويؤدب وقال الثوري يعزر السيد وقال الحكم وحماد يقتل العبد وقال قتادة يقتلان جميعا وقال الشافعي إن كان العبد فصيحا يعقل قتل العبد وعوقب السيد وإن كان العبد أعجميا فعلى السيد القود وقال سليمان بن موسى لا يقتل الآمر ولكن تقطع يديه ثم يعاقب ويحبس وهو القول الثاني ويقتل المأمور للمباشرة وكذلك قال عطاء والحكم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق في الرجل يأمر الرجل بقتل الرجل وذكره ابن المنذر وقال زفر : لا يقتل واحد منهما ، وهو القول الثالث حكاه أبو المعالي في البرهان ورأى أن الآمر والمباشر ليس كل واحد منهما مستقلا في القود فلذلك لا يقتل واحد منهما عنده ، والله أعلم .الثانية عشرة : قرأ الجمهور يذبحون بالتشديد على المبالغة وقرأ ابن محيصن " يذبحون " بالتخفيف والأول أرجح إذ الذبح متكرر وكان فرعون على ما روي قد رأى في منامه نارا خرجت من بيت المقدس فأحرقت بيوت مصر فأولت له رؤياه أن مولودا من بني إسرائيل ينشأ فيكون خراب ملكه على يديه وقيل غير هذا والمعنى متقاربالثالثة عشرة : وفي ذلكم إشارة إلى جملة الأمر إذ هو خبر فهو كمفرد حاضر أي وفي فعلهم ذلك بكم بلاء أي امتحان واختبار و بلاء نعمة ومنه قوله تعالى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا قال أبو الهيثم البلاء يكون حسنا ويكون سيئا وأصله المحنة والله عز وجل يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره فقيل للحسن بلاء وللسيئ بلاء حكاه الهروي وقال قوم الإشارة ب " ذلكم " إلى التنجية فيكون البلاء على هذا في الخير أي : تنجيتكم نعمة من الله عليكم وقال الجمهور الإشارة إلى الذبح ونحوه والبلاء هنا في الشر ، والمعنى وفي الذبح مكروه وامتحان وقال ابن كيسان ويقال في الخير أبلاه الله وبلاه وأنشد :جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلوفجمع بين اللغتين والأكثر في الخير أبليته وفي الشر بلوته وفي الاختبار ابتليته وبلوته قاله النحاس .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَأما تأويل قوله: (وإذ نجيناكم) فإنه عطف على قوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ . فكأنه قال: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم, واذكروا إنعامنا عليكم -إذ نجيناكم من آل فرعون- بإنجائناكم منهم. (1)* * *وأما آل فرعون فإنهم أهل دينه وقومه وأشياعه.وأصل "آل " أهل, أبدلت الهاء همزة, كما قالوا " ماء " (2) فأبدلوا الهاء همزة, فإذا صغروه قالوا: " مويه ", فردوا الهاء في التصغير وأخرجوه على أصله. وكذلك إذا صغروا آل, قالوا: " أهيل ". وقد حكي سماعا من العرب في تصغير "آل ": " أويل ". (3) وقد يقال: " فلان من آل النساء " (4) يراد به أنه منهن خلق, ويقال ذلك أيضا بمعنى أنه يريدهن ويهواهن, كما قال الشاعر:فإنك من آل النساء وإنمايَكُنَّ لأدْنَى; لا وصال لغائب (5)وأحسن أماكن "آل " أن ينطق به مع الأسماء المشهورة, مثل قولهم: آل النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وآل علي, وآل عباس, وآل عقيل. وغير مستحسن استعماله مع المجهول, وفي أسماء الأرضين وما أشبه ذلك; غير حسن عند أهل العلم بلسان العرب أن يقال: رأيت آل الرجل, ورآني آل المرأة -ولا-: رأيت آل البصرة, وآل الكوفة. وقد ذكر عن بعض العرب سماعا أنها تقول: " رأيت آل مكة وآل المدينة ". وليس ذلك في كلامهم بالفاشي المستعمل (6) .* * *وأما " فرعون " فإنه يقال: إنه اسم كانت ملوك العمالقة بمصر تسمى به, كما كانت ملوك الروم يسمى بعضهم " قيصر " وبعضهم " هرقل ", وكما كانت ملوك فارس تسمى " الأكاسرة " واحدهم " كسرى ", وملوك اليمن تسمى " التبابعة "، واحدهم " تبع ".وأما " فرعون موسى " الذي أخبر الله تعالى عن بني إسرائيل أنه نجاهم منه فإنه يقال: إن اسمه " الوليد بن مُصعب بن الريان ", وكذلك ذكر محمد بن إسحاق أنه بلغه عن اسمه.888 - حدثنا بذلك محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: أن اسمه الوليد بن مُصعب بن الريان. (7)* * *وإنما جاز أن يقال: (وإذ نجيناكم من آل فرعون)، والخطاب به لمن لم يدرك فرعون ولا المنجَّين منه, لأن المخاطبين بذلك كانوا أبناء من نجاهم من فرعون وقومه, فأضاف ما كان من نعمه على آبائهم إليهم, وكذلك ما كان من كفران آبائهم على وجه الإضافة, كما يقول القائل لآخر: " فعلنا بكم كذا, وفعلنا بكم كذا, وقتلناكم وسبيناكم ", والمخبِر إما أن يكون يعني قومه وعشيرته بذلك، أو أهل بلده ووطنه -كان المقولُ له ذلك أدرك ما فعل بهم من ذلك أو لم يدركه, كما قال الأخطل يهاجي جرير بن عطية:ولقد سما لكم الهذيل فنالكمبإرَابَ, حيث يقسِّم الأنفالا (8)في فيلق يدعو الأراقم, لم تكنفرسانه عُزلا ولا أكفالا (9)ولم يلحق جرير هذيلا ولا أدركه, ولا أدرك إراب ولا شهده. (10) ولكنه لما كان يوما من أيام قوم الأخطل على قوم جرير, أضاف الخطاب إليه وإلى قومه. فكذلك خطاب الله عز وجل من خاطبه بقوله: (وإذ نجيناكم من آل فرعون) لما كان فعله ما فعل من ذلك بقوم من خاطبه بالآية وآبائهم, أضاف فعله ذلك الذي فعله بآبائهم إلى المخاطبين بالآية وقومهم. (11) .* * *القول في تأويل قوله تعالى يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِوفي قوله: (يسومونكم) وجهان من التأويل, أحدهما: أن يكون خبرا مستأنفا عن فعل فرعون ببني إسرائيل, فيكون معناه حينئذ: و اذكروا نعمتي عليكم إذ نجيتكم من آل فرعون (12) وكانوا من قبل يسومونكم سوء العذاب. وإذا كان ذلك تأويله كان موضع " يسومونكم " رفعا.والوجه الثاني: أن يكون " يسومونكم " حالا فيكون تأويله حينئذ: وإذ نجيناكم من آل فرعون سائميكم سوء العذاب, فيكون حالا من آل فرعون.* * *وأما تأويل قوله: (يسومونكم) فإنه: يوردونكم, ويذيقونكم, ويولونكم, يقال منه: " سامه خطة ضيم "، إذا أولاه ذلك وأذاقه, كما قال الشاعر:إن سيم خسفا, وجهه تربدا (13)* * *فأما تأويل قوله: (سوء العذاب) فإنه يعني: ما ساءهم من العذاب. وقد قال بعضهم: أشد العذاب; ولو كان ذلك معناه لقيل: أسوأ العذاب.* * *فإن قال لنا قائل: وما ذلك العذاب الذي كانوا يسومونهم الذي كان يسوؤهم؟ (14)قيل: هو ما وصفه الله تعالى في كتابه فقال: يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ، وقد قال محمد بن إسحاق في ذلك ما:-889 - حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلمة, قال: أخبرنا ابن إسحاق, قال: كان فرعون يعذب بني إسرائيل فيجعلهم خدما وخولا وصنفهم في أعماله, فصنف يبنون, [وصنف يحرثون]، وصنف يزرعون له, فهم في أعماله, ومن لم يكن منهم في صنعة [له] من عمله: فعليه الجزية -فسامهم- كما قال الله عز وجل: سوء العذاب. (15)وقال السدي: جعلهم في الأعمال القذرة, وجعل يقتل أبناءهم, ويستحيي نساءهم:890 - حدثني بذلك موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط عن السدي. (16)* * *القول في تأويل قوله تعالى يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْقال أبو جعفر: وأضاف الله جل ثناؤه ما كان من فعل آل فرعون ببني إسرائيل = من سومهم إياهم سوء العذاب، وذبحهم أبناءهم، واستحيائهم نساءهم = إليهم، دون فرعون -وإن كان فعلهم ما فعلوا من ذلك كان بقوة فرعون، وعن أمره- لمباشرتهم ذلك بأنفسهم. فبين بذلك أن كل مباشر قتل نفس أو تعذيب حي بنفسه، وإن كان عن أمر غيره, ففاعله المتولي ذلك هو المستحق إضافة ذلك إليه, وإن كان الآمر قاهرا الفاعل المأمور بذلك -سلطانا كان الآمر، أو لصا خاربا، أو متغلبا فاجرا. (17) كما أضاف جل ثناؤه ذبح أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم إلى آل فرعون دون فرعون, وإن كانوا بقوة فرعون وأمره إياهم بذلك، فعلوا ما فعلوا، مع غلبته إياهم وقهره لهم. فكذلك كل قاتل نفسا بأمر غيره ظلما، فهو المقتول عندنا به قصاصا, وإن كان قتله إياها بإكراه غيره له على قتله. (18)* * *وأما تأويل ذبحهم أبناء بني إسرائيل, واستحيائهم نساءهم، (19) فإنه كان فيما ذكر لنا عن ابن عباس وغيره كالذي:-891 - حدثنا به العباس بن الوليد الآملي وتميم بن المنتصر الواسطي, قالا حدثنا يزيد بن هارون, قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد, قال: حدثنا القاسم بن أيوب, قال: حدثنا سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم خليله أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا وائتمروا, وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفارُ (20) يطوفون في بني إسرائيل, فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه, ففعلوا. فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم, وأن الصغار يذبحون, قال: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة ما كانوا يكفونكم, فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقل أبناؤهم؛ ودعوا عاما. فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان, فولدته علانية آمنة, حتى إذا كان القابل حملت بموسى. (21)892 - وقد حدثنا عبد الكريم بن الهيثم, قال: حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي, قال: حدثنا سفيان بن عيينة, قال: حدثنا أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذا العام مولود يذهب بملكك. قال: فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل, وعلى كل مائة عشرة, وعلى كل عشرة رجلا فقال: انظروا كل امرأة حامل في المدينة, فإذا وضعت حملها فانظروا إليه, فإن كان ذكرا فاذبحوه, وإن كان أنثى فخلوا عنها. وذلك قوله: (يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) . (22)893 - حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة, فقالت الكهنة: إنه سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه. فبعث في أهل مصر نساء قوابل (23) فإذا ولدت امرأة غلاما أُتي به فرعون فقتله، ويستحيي الجواري.894 - وحدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج, قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس في قوله: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الآية, قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة, وإنه أتاه آت, فقال: إنه سينشأ في مصر غلام من بني إسرائيل، فيظهر عليك، ويكون هلاكك على يديه. فبعث في مصر نساء. فذكر نحو حديث آدم.895 - وحدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط بن نصر عن السدي, قال: كان من شأن فرعون أنه رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر, فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، وأخربت بيوت مصر. فدعا السحرة والكهنة والعافة والقافة والحازة, فسألهم عن رؤياه (24) فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه -يعنون بيت المقدس- رجل يكون على وجهه هلاك مصر. فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه, ولا تولد لهم جارية إلا تركت. وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجا فأدخلوهم, واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة. فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم, وأدخلوا غلمانهم; فذلك حين يقول الله تبارك وتعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ -يقول: تجبر في الأرض- وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا - , يعني بني إسرائيل, حين جعلهم في الأعمال القذرة-, يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ [القصص: 4] فجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح، فلا يكبر الصغير. وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت, فأسرع فيهم. فدخل رءوس القبط على فرعون, فكلموه, فقالوا: إن هؤلاء قد وقع فيهم الموت, فيوشك أن يقع العمل على غلماننا! بذبح أبنائهم، فلا تبلغ الصغار وتفنى الكبار! (25) فلو أنك كنت تبقي من أولادهم! فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة. فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هارون, فترك; فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت بموسى. (26) .896 - حدثنا محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: ذكر لي أنه لما تقارب زمان موسى أتى منجمو فرعون وحزاته إليه (27) فقالوا له: تعلم أنا نجد في علمنا أن مولودا من بني إسرائيل قد أظلك زمانه الذي يولد فيه (28) يسلبك ملكك، ويغلبك على سلطانك, ويخرجك من أرضك, ويبدل دينك. فلما قالوا له ذلك, أمر بقتل كل مولود يولد من بني إسرائيل من الغلمان, وأمر بالنساء يستحيين. فجمع القوابل من نساء [أهل] مملكته, فقال لهن: لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتلتنه. فكن يفعلن ذلك, وكان يذبح من فوق ذلك من الغلمان, ويأمر بالحبالى فيعذبن حتى يطرحن ما في بطونهن. (29)897 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن عبد الله بن أبي نجيح, عن مجاهد قال، لقد ذكر [لي] أنه كان ليأمر بالقصب فيشق حتى يجعل أمثال الشفار, ثم يصف بعضه إلى بعض, ثم يؤتى بالحبالى من بني إسرائيل فيوقفهن عليه (30) فيحز أقدامهن. حتى إن المرأة منهن لتمصع بولدها فيقع من بين رجليها (31) فتظل تطؤه تتقي به حد القصب عن رجلها، لما بلغ من جهدها، حتى أسرف في ذلك وكاد يفنيهم، فقيل له: أفنيت الناس وقطعت النسل! وإنهم خولك وعمالك! فأمر أن يقتل الغلمان عاما ويستحيوا عاما. فولد هارون في السنة التي يستحيا فيها الغلمان, وولد موسى في السنة التي فيها يقتلون. (32)* * *قال أبو جعفر: والذي قاله من ذكرنا قوله من أهل العلم: كان ذبح آل فرعون أبناء بني إسرائيل واستحياؤهم نساءهم (33) فتأويل قوله إذًا -على ما تأوله الذين ذكرنا قولهم-: (ويستحيون نساءكم)، يستبقونهن فلا يقتلونهن.وقد يجب على تأويل من قال بالقول الذي ذكرنا عن ابن عباس وأبي العالية والربيع بن أنس والسدي في تأويل قوله: (ويستحيون نساءكم)، أنه تركهم الإناث من القتل عند ولادتهن إياهن - أن يكون جائزا أن يسمى الطفل من الإناث في حال صباها وبعد ولادها: " امرأة " (34) والصبايا الصغار وهن أطفال: " نساء ". لأنهم تأولوا قول الله عز وجل: (ويستحيون نساءكم)، يستبقون الإناث من الولدان عند الولادة فلا يقتلونهن.وقد أنكر ذلك من قولهم ابن جريج, فقال بما:-898 - حدثنا به القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين بن داود قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: (ويستحيون نساءكم) قال: يسترقون نساءكم.فحاد ابن جريج، بقوله هذا، عما قاله من ذكرنا قوله في قوله: (ويستحيون نساءكم): إنه استحياء الصبايا الأطفال, إذ لم يجدهن يلزمهن اسم " نساء " (35) ثم دخل فيما هو أعظم مما أنكر بتأويله " ويستحيون "، يسترقون, وذلك تأويل غير موجود في لغة عربية ولا أعجمية (36) . وذلك أن الاستحياء إنما هو استفعال من الحياة (37) نظير " الاستبقاء " من " البقاء "، و " الاستسقاء " من " السقي". وهو من معنى الاسترقاق بمعزل.* * *وقد تأول آخرون: قوله (38) (يذبحون أبناءكم)، بمعنى يذبحون رجالكم آباء أبنائكم، وأنكروا أن يكون المذبوحون الأطفال, وقد قرن بهم النساء. فقالوا: في إخبار الله جل ثناؤه إن المستحيين هم النساء، الدلالة الواضحة على أن الذين كانوا يذبحون هم الرجال دون الصبيان, لأن المذبحين لو كانوا هم الأطفال، لوجب أن يكون المستحيون هم الصبايا. قالوا: وفي إخبار الله عز وجل أنهم النساء، ما بين أن المذبحين هم الرجال (39) .قال أبو جعفر: وقد أغفل قائلو هذه المقالة - مع خروجهم من تأويل أهل التأويل من الصحابة والتابعين - موضع الصواب. وذلك أن الله جل ثناؤه قد أخبر عن وحيه إلى أم موسى أنه أمرها أن ترضع موسى, فإذا خافت عليه أن تلقيه في التابوت، ثم تلقيه في اليم. فمعلوم بذلك أن القوم لو كانوا إنما يقتلون الرجال ويتركون النساء، لم يكن بأم موسى حاجة إلى إلقاء موسى في اليم, أو لو أن موسى كان رجلا لم تجعله أمه في التابوت.ولكن ذلك عندنا على ما تأوله ابن عباس ومن حكينا قوله قبل: من ذبح آل فرعون الصبيان وتركهم من القتل الصبايا. وإنما قيل: (ويستحيون نساءكم)، إذ كان الصبايا داخلات مع أمهاتهن - وأمهاتهن لا شك نساء في الاستحياء، لأنهم لم يكونوا يقتلون صغار النساء ولا كبارهن, فقيل: (ويستحيون نساءكم)، يعني بذلك الوالدات والمولودات، كما يقال: " قد أقبل الرجال " وإن كان فيهم صبيان. فكذلك قوله: (ويستحيون نساءكم). وأما من الذكور، فإنه لما لم يكن يذبح إلا المولودون، قيل: " يذبحون أبناءكم ", ولم يقل: يذبحون رجالكم.* * *القول في تأويل قوله تعالى وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)أما قوله: ( وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ )، فإنه يعني: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائناكم (40) - مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون إياكم، على ما وصفت - بلاء لكم من ربكم عظيم.* * *ويعني بقوله " بلاء ": نعمة، كما:-899 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس، قوله: (بلاء من ربكم عظيم)، قال: نعمة.900 - وحدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي في قوله: (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)، أما البلاء فالنعمة.901 - وحدثنا سفيان قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد: (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)، قال: نعمة من ربكم عظيمة.902 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثل حديث سفيان.903 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)، قال: نعمة عظيمة (41) .* * *وأصل " البلاء " في كلام العرب - الاختبار والامتحان, ثم يستعمل في الخير والشر. لأن الامتحان والاختبار قد يكون بالخير كما يكون بالشر, كما قال ربنا جل ثناؤه: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف: 168]، يقول: اختبرناهم, وكما قال جل ذكره: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: 35]. ثم تسمي العرب الخير " بلاء " والشر " بلاء ". غير أن الأكثر في الشر أن يقال: " بلوته أبلوه بلاء "، وفي الخير: " أبليته أبليه إبلاء وبلاء "، ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى:جزى الله بالإحسان ما فعلا بكموأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (42)فجمع بين اللغتين، لأنه أراد: فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده.------------الهوامش :(1) في المطبوعة : "بإنجائنا لكم منهم" ، غيروه ليستقيم وما ألفوه من دارج الكلام(2) في المطبوعة : "كما قالوا : ماه" ، وهو خطأ بين .(3) انظر مادة (أهل) و(أول) في لسان العرب .(4) في المطبوعة : "وقد يقال : فلان . . . "(5) لم أجد البيت ولم أعرف قائله ، وقوله : "يكن لأدنى" يعني للداني القريب الحاضر ، يصلن حباله بالمودة ، أما الغائب فقد تقطعت حباله . وتلك شيمهن ، أستغفر الله بل شيمة أبناء أبينا آدم .(6) في المطبوعة : "بالمستعمل الفاشي" .(7) انظر تاريخ الطبري 1 : 199 .(8) ديوانه : 48 ، ونقائض جرير والأخطل : 77 - 78 . قال الطبري فيما مضى 1 : 366 : "سما فلان لفلان" : إذا أشرف عليه وقصد نحوه عاليا عليه" . والهذيل ، هو الهذيل بن هبيرة التغلبي غزا بني يربوع بإراب (وهو ماء لبنى رياح بن يربوع) فقتل منهم قتلا ذريعا . وأصاب نعما كثيرا ، وسبى سببا كثيرا ، منهم"الخطفى" جد جرير ، فسمى الهذيل"مجدعا" ، وصارت بنو تميم تفزع أولادها باسمه . (انظر خبر ذلك في النقائض 473 ، ونقائض جرير والأخطل : 78) نالكم : أدرككم وأصاب منكم ما أصاب . والأنفال جمع نفل (بفتحتين) : وهي الغنائم . وفي المطبوعة : "تقسم" وهي صواب لا بأس بها .(9) الفيلق : الكتيبة العظيمة . وقوله : "يدعو" الضمير للهذيل . والأراقم : هم جشم ومالك والحارث وثعلبة ومعاوية وعمرو - أبناء بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب ، رهط الهذيل . وأنما سموا الأراقم لأن كاهنتهم نظرت إليهم وهم صبيان ، وكانوا تحت دثار لهم ، فكشفت الدثار ، فلما رأتهم قالت : "كأنهم نظروا إلى بعيون الأراقم" ، والأراقم جمع أرقم : وهو أخبث الحيات ، وأشدها ترقدا وطلبا للناس . والعزل جمع أعزل: وهو الذي لا سلاح معه، والأكفال جمع كفل (بكسر فسكون): وهو الذي لا يثبت على متن فرسه ، ولا يحسن الركوب .(10) في المطبوعة : "ولم يلق جرير . . . " .(11) انظر ما سلف قريبا ، 23 - 24(12) في المطبوعة : "إذ نجيناكم . . . " علي سياق الآية ، وهذه أجود .(13) لم أجد الرجز . الخسف : الظلم والإذلال والهوان ، وهي شر ما ينزل بالإنسان ، وأقبح ما ينزله أخ بأخيه الإنسان . وتربد وجهه : تلون من الغضب وتغير ، كأنما تسود منه مواضع . وقوله : "وجهه" فاعل مقدم ، أي تربد وجهه .(14) قوله : "الذي كان يسوؤهم" ، ليس في المخطوطة ، سقط منها .(15) الأثر : 889 - من خبر طويل في تاريخ الطبري 1 : 199 ، والزيادة بين الأقواس من موضعها هناك ويقال : هؤلاء خول فلان : إذا اتخذهم عبيدا .(16) الأثر : 890 - من خبر طويل في تاريخ الطبري 1 : 200 ، وانظر ما سيأتي رقم : 895 .(17) الخارب : اللص الشديد الفساد ، من قولهم : فلان صاحب خربة (بضم فسكون) أي فساد وريبة ، ومنه الخارب : من شدائد الدهر . وأما أصحاب اللغة فيقولون : الخارب : سارق الإبل خاصة ، ثم نقل إلى غيره من اللصوص اتساعا .(18) في المطبوعة : "وإن كان قتله إياه" ، وهو تصرف لا خير فيه .(19) في المطبوعة : "ذبح" ، مكان"ذبحهم" ، وسقط من المخطوطة قوله : "أبناء" .(20) الشفار جمع شفرة : وهي السكين العريضة العظيمة الحديدة ، تمتهن في قطع اللحم وغيره .(21) الأثر: 891 - هذا موقوف، وإسناده صحيح إلى ابن عباس. أما صحة المتن، فلا نستطيع أن نجزم بها، لعله مما كان يتحدث به الصحابة عن التاريخ القديم نقلا عن أهل الكتاب. العباس بن الوليد بن مزيد الآملي البيروتي: ثقة، مترجم في التهذيب، وترجمه ابن أبي حاتم 3 /1 / 214 - 215. وتميم بن المنتصر بن تميم الواسطي: ثقة، مترجم في التهذيب، وترجمه ابن أبي حاتم 1 / 1/ 444 - 445. والأصبغ بن زيد بن علي الجهني الواسطي الوراق: ثقة، وثقه ابن معين وغيره، مترجم في التهذيب، وترجمه البخاري في الكبير 1 /2/ 36، وابن أبي حاتم 1 / 1/ 320 - 321. القاسم بن أبي أيوب الأسدي الواسطي: ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري 4 / 1 /168 - 169، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 107. ووقع في المطبوعة هنا" القاسم بن أيوب"، وهو خطأ.وهو في تاريخ الطبري بتمامه 1: 202، مع اختلاف يسير في اللفظ. وفي المخطوطة في هذا الموضع أخطاء من الناسخ تجافينا عن ذكرها. وفي المطبوعة والمخطوطة:"فولدته علانية أمه"، والصواب من التاريخ.(22) الأثر: 892 - وهذا كالذي قبله، موقوف، إسناده إلى ابن عباس صحيح. وقد رواه الطبري بهذا الإسناد، في التاريخ أيضًا 1: 225.عبد الكريم بن الهيثم بن زياد القطان: ثقة مأمون، مات سنة 278. ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد 11: 78 - 79، وياقوت في معجم الأدباء 4: 154. إبراهيم بن بشار الرمادي: ثقة، يهم في الشيء بعد الشيء. مترجم في التهذيب، وفي الكبير 1 / 1 / 277، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 89 - 90. أبو سعيد - الراوي عن عكرمة: هو عبد الكريم بن مالك الجزري.ولم أجد الأثر في مكانه من تاريخ الطبري.(23) قوابل جمع قابلة : وهي المرأة التي تتلقى الولد عند الولادة .(24) الكهنة جمع كاهن : وهو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان . والعافة جمع عائف : وهو الذي يتعاطى العيافة ، وهو تكهن كان في الجاهلية ، ذكروا أنها زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها . وفي اللسان (حزا) : العائف : العالم بالأمور ، ولا يستعاف إلا من علم وجرب وعرف . فلعل الذي وصفه أصحاب كتب اللغة إنما هو ضرب واحد من ضروب العيافة . والقافة جمع قائف : وهو الذي يتبع الآثار ويعرفها ، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه ، وليست من السحر والكهانة ولا الجبت . ولعل زيادة ذكرها هنا زيادة من النساخ ، فإن الذي جاء في رواية التاريخ : "القافة" ، ولم يذكر"العافة" ، فلعل الذي في التاريخ تصحيف صوابه"العافة" ، والحازة جمع حاز ، والحازي : هو الذي ينظر في النجوم وأحكامها بظنه وتقديره ، فربما أصاب ، وهو الحزاء (بتشديد الزاي) .(25) في المطبوعة : نذبح أبناءهم" ، والصواب من التاريخ .(26) الأثر : 895 - في تاريخ الطبري 1 : 200 ، وإسناده هناك هو الإسناد الذي يدور في التفسير وتمامه : " . . . عن السدي في خبره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . " .(27) في المطبوعة : "فرعون وأحزابه" ، وهو خطأ محض ، صوابه في المخطوطة وتاريخ الطبري والحزاة جمع حاز أيضًا ، كقاض وقضاة . والحازى : سلف شرحه في ص : 38 ، تعليق : 1 .(28) في المطبوعة : " نعم ، إنا نجد في علمنا" ، وهو خطأ معرق . وتعلم (بتشديد اللام) : بمعنى أعلم, وهي فاشية في سيرة ابن إسحاق وغيره . وانظر تعليقنا فيما مضى 1 : 217 . وأظلك : صار كالظل ، أي قارب ودنا دنوا شديدا .(29) الأثر : 896 - في تاريخ الطبري 1 : 199 ، والزيادة بين القوسين ، والتصحيح منه .(30) في المطبوعة : "ثم يؤتى . . . فيوقفن" ، بالبناء للمجهول . وذاك نص التاريخ والمخطوطة .(31) مصعت المرأة بولدها : زحرت زحرة واحدة فرمته من بطنها وألقته .(32) الأثر : 897 - في تاريخ الطبري 1 : 199 - 200 .(33) هذه جملة سقط منها خبر"كان" ، وهي هكذا في الأصول ، وأظن أن صوابها : كان ذبح آل فرعون أبناء بني إسرائيل واستحياؤهم نساءهم ، أن فرعون أمر ، بقتل كل مولود يولد من أبناء بني إسرائيل ، وباستحياء نسائهم" كما في الأثرين : 891 ، 896 ، فكأن سطرا سقط من الناسخ .(34) في المطبوعة : " الطفلة من الإناث" . والعرب تقول : جارية طفل وطفلة ، وجاريتان طفل ، وجوار طفل ، قال تعالى : "ثم يخرجكم طفلا" ، وقال : "أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء" .(35) في المطبوعة : "قال : إذ لم يجدهن" بزيادة"قال" ، وهو فساد .(36) في المطبوعة : "عجمية" .(37) في المطبوعة : "إنما هو الاستفعال من الحياة" ، وليس بشيء(38) في المطبوعة : ""وقد قال آخرون . . . " ، وليس بشيء .(39) في المطبوعة : "ما يبين أن المذبحين" .(40) في المطبوعة : "من إنجائنا إياكم" ، بدلوه ليجرى على دارج كلامهم .(41) الأثر : 903 - مقدم في المخطوطة على الذي قبله .(42) ديوانه : 109 ، وروايته"رأى الله . . . فأبلاهما" . وهذا بيت من قصيدة من جيد شعر زهير وخالصه .
وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٠التفسير الميسرواذكروا نعمتنا عليكم، حين فَصَلْنا بسببكم البحر، وجعلنا فيه طرقًا يابسةً، فعبرتم، وأنقذناكم من فرعون وجنوده، ومن الهلاك في الماء. فلما دخل فرعون وجنوده طرقكم أهلكناهم في الماء أمام أعينكم.
تفسير السعديتفسير الآيات من 50 الى 55 : ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده, أي: ذهابه. وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ عالمون بظلمكم, قد قامت عليكم الحجة, فهو أعظم جرما وأكبر إثما. ثم إنه أمركم بالتوبة على لسان نبيه موسى بأن يقتل بعضكم بعضا فعفا الله عنكم بسبب ذلك لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الله.
تفسير ابن كثيروقوله تعالى : ( وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ) معناه : وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون ، وخرجتم مع موسى ، عليه السلام ، خرج فرعون في طلبكم ، ففرقنا بكم البحر ، كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلا كما سيأتي في مواضعه ومن أبسطها في سورة الشعراء إن شاء الله .( فأنجيناكم ) أي : خلصناكم منهم ، وحجزنا بينكم وبينهم ، وأغرقناهم وأنتم تنظرون ؛ ليكون ذلك أشفى لصدوركم ، وأبلغ في إهانة عدوكم .قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن أبي إسحاق الهمداني ، عن عمرو بن ميمون الأودي في قوله تعالى : ( وإذ فرقنا بكم البحر ) إلى قوله : ( وأنتم تنظرون ) قال : لما خرج موسى ببني إسرائيل ، بلغ ذلك فرعون فقال : لا تتبعوهم حتى تصيح الديكة . قال : فوالله ما صاح ليلتئذ ديكحتى أصبحوا ؛ فدعا بشاة فذبحت ، ثم قال : لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط . فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط ثم سار ، فلما أتى موسى البحر ، قال له رجل من أصحابه ، يقال له : يوشع بن نون : أين أمر ربك ؟ قال : أمامك ، يشير إلى البحر . فأقحم يوشع فرسه في البحر حتى بلغ الغمر ، فذهب به الغمر ، ثم رجع . فقال : أين أمر ربك يا موسى ؟ فوالله ما كذبت ولا كذبت . فعل ذلك ثلاث مرات ، ثم أوحى الله إلى موسى : ( أن اضرب بعصاك البحر ) فضربه ( فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) [ الشعراء : 63 ] ، يقول : مثل الجبل . ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون في طريقهم ، حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم فلذلك قال : ( وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ) .وكذلك قال غير واحد من السلف ، كما سيأتي بيانه في مواضعه . وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء ، كما قال الإمام أحمد :حدثنا عفان ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا أيوب ، عن عبد الله بن سعيد بن جبير ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء ، فقال : ما هذا اليوم الذي تصومون ؟ . قالوا : هذا يوم صالح ، هذا يوم نجى الله عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم ، فصامه موسى ، عليه السلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا أحق بموسى منكم . فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر بصومه .وروى هذا الحديث البخاري ، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجه من طرق ، عن أيوب السختياني ، به نحو ما تقدم .وقال أبو يعلى الموصلي : حدثنا أبو الربيع ، حدثنا سلام - يعني ابن سليم - عن زيد العمي عن يزيد الرقاشي عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فلق الله البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء .وهذا ضعيف من هذا الوجه فإن زيدا العمي فيه ضعف ، وشيخه يزيد الرقاشي أضعف منه .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرونقوله تعالى : وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم إذ في موضع نصب و فرقنا فلقنا فكان كل فرق كالطود العظيم أي الجبل العظيم وأصل الفرق الفصل ومنه فرق الشعر ، ومنه الفرقان ؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل أي يفصل ومنه فالفارقات فرقا يعني الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل ومنه يوم الفرقان يعني يوم بدر كان فيه فرق بين الحق والباطل ومنه وقرآنا فرقناه أي فصلناه وأحكمناه وقرأ الزهري " فرقنا " بتشديد الراء أي جعلناه فرقا ومعنى بكم أي لكم فالباء بمعنى اللام وقيل الباء في مكانها أي فرقنا البحر بدخولكم إياه أي صاروا بين الماءين فصار الفرق بهم وهذا أولى يبينه فانفلق .قوله تعالى : " البحر " البحر معروف سمي بذلك لاتساعه ويقال فرس بحر إذا كان واسع الجري أي كثيره ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مندوب فرس أبي طلحة ( وإن وجدناه لبحرا ) والبحر الماء الملح ويقال أبحر الماء ملح قال نصيبوقد عاد ماء الأرض بحرا فزادني إلى مرضي أن أبحر المشرب العذبوالبحر البلدة يقال هذه بحرتنا أي بلدتنا قاله الأموي والبحر السلال يصيب الإنسان . ويقولون لقيته صحرة بحرة أي بارزا مكشوفا ، وفي الخبر عن كعب الأحبار قال إن لله ملكا يقال له صندفاييل البحار كلها في نقرة إبهامه ذكره أبو نعيم عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن كعبقوله تعالى : فأنجيناكم أي أخرجناكم منه يقال نجوت من كذا نجاء ، ممدود ، ونجاة ، مقصور ، والصدق منجاة وأنجيت غيري ونجيته وقرئ بهما وإذ نجيناكم فأنجيناكم .قوله تعالى : وأغرقنا آل فرعون يقال غرق في الماء غرقا فهو غرق وغارق أيضا ومنه قول أبي النجم :من بين مقتول وطاف غارقوأغرقه غيره وغرقه فهو مغرق وغريق ولجام مغرق بالفضة أي محلى والتغريق القتل قال الأعشىألا ليت قيسا غرقته القوابلوذلك أن القابلة كانت تغرق المولود في ماء السلى عام القحط ذكرا كان أو أنثى حتى يموت ثم جعل كل قتل تغريقا ، ومنه قول ذي الرمة :إذا غرقت أرباضها ثني بكرة بتيهاء لم تصبح رءوما سلوبهاوالأرباض الحبال والبكرة الناقة الفتية وثنيها بطنها . الثاني : وإنما لم تعطف على ولدها لما لحقها من التعب .القول في اختلاف العلماء في كيفية إنجاء بني إسرائيلفذكر الطبري أن موسى عليه السلام أوحي إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي والمتاع من القبط وأحل الله ذلك لبني إسرائيل فسرى بهم موسى من أول الليل فأعلم فرعون فقال لا يتبعهم أحد حتى تصيح الديكة فلم يصح تلك الليلة بمصر ديك وأمات الله تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط فاشتغلوا في الدفن وخرجوا في الأتباع مشرقين كما قال تعالى فأتبعوهم مشرقين وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه وكانت عدة بني إسرائيل نيفا على ستمائة ألف وكانت عدة فرعون ألف ألف ومائتي ألف . وقيل : إن فرعون اتبعه في ألف ألف حصان سوى الإناث وقيل دخل إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام مصر في ستة وسبعين نفسا من ولده وولد ولده فأنمى الله عددهم وبارك في ذريته حتى خرجوا إلى البحر يوم فرعون وهم ستمائة ألف من المقاتلة سوى الشيوخ والذرية والنساء وذكر أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة قال حدثنا شبابة بن سوار عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود أن موسى عليه السلام حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون فأمر بشاة فذبحت ثم قال : لا والله لا يفرغ من سلخها حتى تجتمع لي ستمائة ألف من القبط قال فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر فقال له : افرق فقال له البحر لقد استكبرت يا موسى وهل فرقت لأحد من ولد آدم فأفرق لك ؟ ! قال ومع موسى رجل على حصان له قال فقال له ذلك الرجل : أين أمرت يا نبي الله ؟ قال ما أمرت إلا بهذا الوجه قال فأقحم فرسه فسبح فخرج فقال أين أمرت يا نبي الله ؟ قال ما أمرت إلا بهذا الوجه قال والله ما كذبت ولا كذبت ثم اقتحم الثانية فسبح به حتى خرج فقال أين أمرت يا نبي الله ؟ فقال ما أمرت إلا بهذا الوجه قال والله ما كذبت ولا كذبت قال فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه موسى بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم فكان فيه اثنا عشر فرقا لاثني عشر سبطا لكل سبط طريق يتراءون ، وذلك أن أطواد الماء صار فيها طيقانا وشبابيك يرى منها بعضهم بعضا فلما خرج أصحاب موسى وقام أصحاب فرعون التطم البحر عليهم فأغرقهم ، ويذكر أن البحر هو بحر القلزم ، وأن الرجل الذي كان مع موسى على الفرس هو فتاه يوشع بن نون ، وأن الله تعالى أوحى إلى البحر أن انفرق لموسى إذا ضربك فبات البحر تلك الليلة يضطرب فحين أصبح ضرب البحر وكناه أبا خالد ذكره ابن أبي شيبة أيضا ، وقد أكثر المفسرون في قصص هذا المعنى ، وما ذكرناه كاف وسيأتي في سورة " يونس والشعراء " زيادة بيان إن شاء الله تعالى .فصلذكر الله تعالى الإنجاء والإغراق ولم يذكر اليوم الذي كان ذلك فيه فروى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما هذا اليوم الذي تصومونه ) فقالوا هذا يوم عظيم أنجى الله فيهموسى وقومه وغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فنحن نصومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أحق وأولى بموسى منكم فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه وأخرجه البخاري أيضا عن ابن عباس ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه أنتم أحق بموسى منهم فصوموا .مسألة : ظاهر هذه الأحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صام عاشوراء وأمر بصيامه اقتداء بموسى عليه السلام على ما أخبره به اليهود ، وليس كذلك لما روته عائشة رضي الله عنها قالت كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك صيام يوم عاشوراء فمن شاء صامه ، ومن شاء تركه أخرجه البخاري ومسلم .فإن قيل يحتمل أن تكون قريش إنما صامته بإخبار اليهود لها ؛ لأنهم كانوا يسمعون منهم ؛ لأنهم كانوا عندهم أهل علم فصامه النبي عليه السلام كذلك في الجاهلية أي بمكة فلما قدم المدينة ، ووجد اليهود يصومونه قال ( نحن أحق وأولى بموسى منكم ) فصامه اتباعا لموسى ( وأمر بصيامه ) أي أوجبه وأكد أمره حتى كانوا يصومونه الصغار قلنا هذه شبهة من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لعله كان متعبدا بشريعة موسى وليس كذلك على ما يأتي بيانه في " الأنعام " عند قوله تعالى فبهداهم اقتده .مسألة : اختلف في يوم عاشوراء هل هو التاسع من المحرم أو العاشر ؟ فذهب الشافعي إلى أنه التاسع لحديث الحكم بن الأعرج قال انتهيت إلى ابن عباس رضي الله عنهما وهو متوسد رداءه في زمزم فقلت له أخبرني عن صوم عاشوراء فقال إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما قلت هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصومه قال نعم خرجه مسلم وذهب سعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وجماعة من السلف إلى أنه العاشر وذكر الترمذي حديث الحكم ولم يصفه بصحة ولا حسن ثم أردفه أنبأنا قتيبة أنبأنا عبد الوارث عن يونس عن الحسن عن ابن عباس قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم عاشوراء يوم العاشر قال أبو عيسى حديث ابن عباس حديث حسن صحيح قال الترمذي وروي عن ابن عباس أنه قال صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود ، وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق قال غيره : وقول ابن عباس للسائل ( فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما ) ليس فيه دليل على ترك صوم العاشر بل وعد أن يصوم التاسع مضافا إلى العاشر قالوا فصيام اليومين جمع بين الأحاديث وقول ابن عباس للحكم لما قال له هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصومه قال نعم معناه أن لو عاش ، وإلا فما كان النبي صلى الله عليه وسلم صام التاسع قط يبينه ما خرجه ابن ماجه في سننه ومسلم في صحيحه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن بقيت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع .فضيلة : روى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله أخرجه مسلم والترمذي ، وقال : لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال ( صيام يوم عاشوراء كفارة سنة ) إلا في حديث أبي قتادةقوله تعالى : وأنتم تنظرون جملة في موضع الحال ومعناه بأبصاركم فيقال : إن آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم يغرقون وإلى أنفسهم ينجون ففي هذا أعظم المنة ، وقد قيل إنهم أخرجوا لهم حتى رأوهم فهذه منة بعد منة ، وقيل المعنى وأنتم تنظرون أي ببصائركم الاعتبار ؛ لأنهم كانوا في شغل عن الوقوف والنظر بالأبصار وقيل المعنى وأنتم بحال من ينظر لو نظر كما تقول : هذا الأمر منك بمرأى ومسمع ؛ أي بحال تراه وتسمعه إن شئت . وهذا القول والأول أشبه بأحوال بني إسرائيل لتوالي عدم الاعتبار فيما صدر من بني إسرائيل بعد خروجهم من البحر ، وذلك أن الله تعالى لما أنجاهم وغرق عدوهم قالوا يا موسى إن قلوبنا لا تطمئن ، إن فرعون قد غرق حتى أمر الله البحر فلفظه فنظروا إليه .ذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن قيس بن عباد أن بني إسرائيل قالت ما مات فرعون ، وما كان ليموت أبدا قال فلما أن سمع الله تكذيبهم نبيه عليه السلام رمى به على ساحل البحر كأنه ثور أحمر يتراءاه بنو إسرائيل فلما اطمأنوا وبعثوا من طريق البر إلى مدائن فرعون حتى نقلوا كنوزه وغرقوا في النعمة رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة حتى زجرهم موسى ، وقال أغير الله أبغيكم إلها ، وهو فضلكم على العالمين أي عالمي زمانه ثم أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة التي كانت مساكن آبائهم ويتطهروا من أرض فرعون وكانت الأرض المقدسة في أيدي الجبارين قد غلبوا عليها فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال فقالوا أتريد أن تجعلنا لحمة للجبارين فلو أنك تركتنا في يد فرعون كان خيرا لنا قال ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم إلى قوله قاعدون حتى دعا عليهم وسماهم فاسقين فبقوا في التيه أربعين سنة عقوبة ثم رحمهم فمن عليهم بالسلوى وبالغمام على ما يأتي بيانه ثم سار موسى إلى طور سيناء ليجيئهم بالتوراة فاتخذوا العجل على ما يأتي بيانه ثم قيل لهم : قد وصلتم إلى بيت المقدس فادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة على ما يأتي وكان موسى عليه السلام شديد الحياء ستيرا فقالوا إنه آدر فلما اغتسل وضع على الحجر ثوبه فعدا الحجر بثوبه إلى مجالس بني إسرائيل وموسى على أثره عريان وهو يقول يا حجر ثوبي فذلك قوله تعالى يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا على ما يأتي بيانه ثم لما مات هارون قالوا له أنت قتلت هارون وحسدته حتى نزلت الملائكة بسريره وهارون ميت عليه وسيأتي في المائدة ثم سألوه أن يعلموا آية في قبول قربانهم فجعلت نار تجيء من السماء فتقبل قربانهم ثم سألوه أن بين لنا كفارات ذنوبنا في الدنيا فكان من أذنب ذنبا أصبح على بابه مكتوب ( عملت كذا وكفارته قطع عضو من أعضائك ) يسميه له ومن أصابه بول لم يطهر حتى يقرضه ويزيل جلدته من بدنه ثم بدلوا التوراة وافتروا على الله وكتبوا بأيديهم واشتروا به عرضا ثم صار أمرهم إلى أن قتلوا أنبياءهم ورسلهم . فهذه معاملتهم مع ربهم وسيرتهم في دينهم وسوء أخلاقهم وسيأتي بيان كل فصل من هذه الفصول مستوفى في موضعه إن شاء الله تعالى ، وقال الطبري وفي أخبار القرآن على لسان محمد عليه السلام بهذه المغيبات التي لم تكن من علم العرب ولا وقعت إلا في حق بني إسرائيل دليل واضح عند بني إسرائيل قائم عليهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَأما تأويل قوله: (وإذ فرقنا بكم)، فإنه عطف على: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ ، بمعنى: واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم, واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون, وإذ فرقنا بكم البحر.ومعنى قوله: (فرقنا بكم) : فصلنا بكم البحر. لأنهم كانوا اثني عشر سبطا؛ ففرق البحر اثني عشر طريقا, فسلك كل سبط منهم طريقا منها، فذلك فرق الله بهم عز وجل البحر, وفصله بهم، بتفريقهم في طرقه الاثني عشر، كما:-904 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط بن نصر, عن السدي: لما أتى موسى البحر كنّاه " أبا خالد ", وضربه فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم, فدخلت بنو إسرائيل. وكان في البحر اثنا عشر طريقا في كل طريق سبط. (43)* * *وقد قال بعض نحويي البصرة: معنى قوله: (وإذ فرقنا بكم البحر)، فرقنا بينكم وبين الماء. يريد بذلك: فصلنا بينكم وبينه، وحجزناه حيث مررتم به. وذلك خلاف ما في ظاهر التلاوة، (44) لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنه فرق البحر بالقوم, ولم يخبر أنه فرق بين القوم وبين البحر, فيكون التأويل ما قاله قائلو هذه المقالة, وفرقه البحر بالقوم, إنما هو تفريقه البحر بهم، على ما وصفنا من افتراق سبيله بهم، على ما جاءت به الآثار.* * *القول في تأويل قوله تعالى فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل وكيف غرق الله جل ثناؤه آل فرعون ونجى بني إسرائيل؟قيل له، كما:-905 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن كعب القرظي, عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: لقد ذكر لي أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفا من دُهم الخيل، سوى ما في جنده من شهب الخيل. (45)وخرج موسى, حتى إذا قابله البحر ولم يكن له عنه منصرف, طلع فرعون في جنده من خلفهم, فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ مُوسَى كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [سورة الشعراء: 61-62] أي للنجاة, وقد وعدني ذلك ولا خلف لوعده. (46)906 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال: أوحى الله إلى البحر -فيما ذكر لي: إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال: فبات البحر يضرب. بعضه بعضا فرقا من الله وانتظاره أمره. (47) فأوحى الله جل وعز إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه بها، وفيها سلطان الله الذي أعطاه, فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي كالجبل على نشز من الأرض &; 2-52 &; (48) . يقول الله لموسى: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى [طه: 77]. فلما استقر له البحر على طريق قائمة يَبَسٍ (49) سلك فيه موسى ببني إسرائيل, وأتبعه فرعون بجنوده. (50)907 - وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق, عن محمد بن كعب القرظي, عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي قال: حدثت أنه لما دخلت بنو إسرائيل البحر فلم يبق منهم أحد, أقبل فرعون وهو على حصان له من الخيل، حتى وقف على شفير البحر, وهو قائم على حاله, فهاب الحصان أن ينفذ. (51) فعرض له جبريل على فرس أنثى وديق, (52) فقربها منه فشمها الفحل, فلما شمها قدمها, (53) فتقدم معها الحصان عليه فرعون. فلما رأى جند فرعون فرعون قد دخل، دخلوا معه وجبريل أمامه, وهم يتبعون فرعون، وميكائيل على فرس من خلف القوم يسوقهم, يقول: " الحقوا بصاحبكم ". حتى إذا فصل جبريل من البحر ليس أمامه أحد, ووقف ميكائيل على ناحيته الأخرى، وليس خلفه أحد, طبق عليهم البحر, ونادى فرعون -حين رأى من سلطان الله عز وجل وقدرته ما رأى وعرف ذله، وخذلته نفسه (54) -: لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (55) [يونس: 90].908 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن أبي إسحاق الهمداني, عن عمرو بن ميمون الأودي في قوله: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ، قال: لما خرج موسى ببني إسرائيل، بلغ ذلك فرعون فقال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك. قال: فوالله ما صاح ليلتئذ ديك حتى أصبحوا: فدعا بشاة فذبحت, ثم قال: لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط. فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط. ثم سار, فلما أتى موسى البحر, قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون: أين أمرك ربك يا موسى؟ قال: أمامك. يشير إلى البحر. فأقحم يوشع فرسه في البحر حتى بلغ الغَمْر, فذهب به، ثم رجع. (56) فقال: أين أمرك ربك يا موسى؟ فوالله ما كَذبتَ ولا كُذبتَ: ففعل ذلك ثلاث مرات. ثم أوحى الله جل ثناؤه إلى موسى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [ الشعراء: 63] - يقول: مثل جبل - قال: ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون في طريقهم, حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم. فلذلك قال: (وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون). قال معمر، قال قتادة: كان مع موسى ستمائة ألف, وأتبعه فرعون على ألف ألف ومائة ألف حصان.909 - وحدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: أوحى الله جل وعز إلى موسى أن أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون. قال: فسرى موسى ببني إسرائيل ليلا فاتبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، وكان موسى في ستمائة ألف. فلما عاينهم فرعون قال: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [ الشعراء: 54-56] فسرى موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر, فالتفتوا فإذا هم برَهَج دواب فرعون، فقالوا: يا موسى، &; 2-54 &; أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا! هذا البحر أمامنا, وهذا فرعون قد رَهِقنا بمن معه! (57) قال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون. قال: فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، وأوحى إلى البحر أن اسمع لموسى وأطع إذا ضربك. قال: فبات البحر له أفكل (58) - يعني: له رعدة - لا يدري من أي جوانبه يضربه. قال: فقال يوشع لموسى: بماذا أمرت؟ قال: أمرت أن أضرب البحر. قال: فاضربه. قال: فضرب موسى البحر بعصاه, فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريقا, كل طريق كالطود العظيم؛ فكان لكل سبط منهم طريق يأخذون فيه. فلما أخذوا في الطريق قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى أصحابنا؟ قالوا لموسى: أين أصحابنا لا نراهم؟ قال: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتى نراهم .قال سفيان, قال عمار الدهني: قال موسى: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة. قال: فأوحى الله إليه: أن قل بعصاك هكذا. وأومأ إبراهيم بيده يديرها على البحر. قال موسى بعصاه على الحيطان هكذا, (59) فصار فيها كوى ينظر بعضهم إلى بعض.قال سفيان: قال أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عباس: فساروا حتى خرجوا من البحر. فلما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون على البحر هو وأصحابه, وكان فرعون على فرس أدهم ذَنوب حصان (60) . فلما هجم على البحر، هاب الحصان أن يقتحم في البحر, فتمثل له جبريل على فرس أنثى وديق، (61) &; 2-55 &; فلما رآها الحصان تقحم خلفها. وقيل لموسى: اترك البحر رهوا - قال: طُرقا على حاله (62) - قال: ودخل فرعون وقومه في البحر, فلما دخل آخر قوم فرعون، وجاز آخر قوم موسى، أطبق البحر على فرعون وقومه، فأغرقوا. (63)910 - حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط بن نصر, عن السدي: أن الله أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل, فقال: أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون. فخرج موسى وهارون في قومهما, وألقي على القبط الموت، فمات كل بكر رجل، فأصبحوا يدفنونهم, فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس. فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [الشعراء: 60] فكان موسى على ساقة بني إسرائيل, وكان هارون أمامهم يقدمهم (64) فقال المؤمن لموسى: يا نبي الله, أين أمرت؟ قال: البحر. فأراد أن يقتحم, فمنعه موسى، وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل, لا يعدون ابن العشرين لصغره، ولا ابن الستين لكبره, وإنما عدوا ما بين ذلك، سوى الذرية. وتبعهم فرعون وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان، ليس فيها ماذِيانة (65) -يعني الأنثى- وذلك حين يقول الله جل ثناؤه: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [ الشعراء: 53-54] يعني بني إسرائيل. فتقدم هارون فضرب البحر, فأبى البحر أن ينفتح, وقال: من هذا الجبار الذي يضربني؟ حتى أتاه موسى فكناه " أبا خالد " وضربه فانفلق، &; 2-56 &; فكان كل فرق كالطود العظيم -يقول: كالجبل العظيم-، فدخلت بنو إسرائيل. وكان في البحر اثنا عشر طريقا, في كل طريق سبط -وكانت الطرق انفلقت بجدران (66) - فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا! فلما رأى ذلك موسى, دعا الله, فجعلها لهم قناطر كهيئة الطِّيقان (67) فنظر آخرهم إلى أولهم, حتى خرجوا جميعا. ثم دنا فرعون وأصحابه, فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقا قال: ألا ترون البحر فَرِق مني؟ (68) قد انفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم! فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ [الشعراء: 64] يقول: قربنا ثم الآخرين، يعني آل فرعون. فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيله أن تقتحم, فنزل جبريل على ماذيانة, فشامت الحصن ريح الماذيانة, فاقتحم في أثرها, (69) حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم, أمر البحر أن يأخذهم, فالتطم عليهم. (70) .911 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما أخذ عليهم فرعون الأرض إلى البحر، قال لهم فرعون: قولوا لهم يدخلون البحر إن كانوا صادقين! فلما رآهم أصحاب موسى قالوا: إنا لمدركون! قال كلا إن معي ربي سيهدين. فقال موسى للبحر: ألست تعلم أني رسول الله؟ قال: بلى. قال! وتعلم أن هؤلاء عباد من عباد الله أمرني أن آتي بهم؟ قال: بلى. &; 2-57 &; قال: أتعلم أن هذا عدو الله؟ قال: بلى. قال: فافرق لي طريقا ولمن معي. (71) قال: يا موسى, إنما أنا عبد مملوك، ليس لي أمر إلا أن يأمرني الله تعالى. فأوحى الله عز وجل إلى البحر: إذا ضربك موسى بعصاه فانفرق. وأوحى إلى موسى أن يضرب البحر, وقرأ قول الله تعالى: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى [ سورة طه: 77] وقرأ قوله: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا [الدخان: 24] -سهلا ليس فيه نُقر (72) -فانفرق اثنتي عشرة فرقة, فسلك كل سبط في طريق. قال: فقالوا لفرعون: إنهم قد دخلوا البحر. قال: ادخلوا عليهم. قال: وجبريل في آخر بني إسرائيل يقول لهم: ليلحق آخركم أولكم. وفي أول آل فرعون يقول لهم: رويدا يلحق آخركم أولكم. فجعل كل سبط في البحر يقولون للسبط الذين دخلوا قبلهم: قد هلكوا! فلما دخل ذلك قلوبهم أوحى الله جل وعز إلى البحر فجعل لهم قناطر، ينظر هؤلاء إلى هؤلاء, حتى إذا خرج آخر هؤلاء ودخل آخر هؤلاء أمر الله البحر فأطبق على هؤلاء.* * *ويعني بقوله: (وأنتم تنظرون)، أي تنظرون إلى فرق الله لكم البحر، وإهلاكه آل فرعون في الموضع الذي نجاكم فيه, وإلى عظيم سلطانه -في الذي أراكم من طاعة البحر إياه، من مصيره ركاما فلقا كهيئة الأطواد الشامخة، (73) غير زائل عن حده, انقيادا لأمر الله وإذعانا لطاعته, وهو سائل ذائب قبل ذلك.يوقفهم بذلك جل ذكره على موضع حججه عليهم, ويذكرهم آلاءه عند أوائلهم, ويحذرهم -في تكذيبهم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم- أن يحل بهم ما حل بفرعون وآله، في تكذيبهم موسى صلى الله عليه وسلم.* * *وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى قوله: (وأنتم تنظرون)، كمعنى قول القائل: " ضربت وأهلك ينظرون, فما أتوك ولا أعانوك " بمعنى: وهم قريب بمرأى ومسمع, وكقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [الفرقان: 45]، وليس هناك رؤية, إنما هو علم.قال أبو جعفر: والذي دعاه إلى هذا التأويل، أنه وجه قوله: (وأنتم تنظرون)، أي وأنتم تنظرون إلى غرق فرعون، فقال: قد كانوا في شغل من أن ينظروا -مما اكتنفهم من البحر- إلى فرعون وغرقه. وليس التأويل الذي تأوله تأويل الكلام, إنما التأويل: وأنتم تنظرون إلى فرق الله البحر لكم -على ما قد وصفنا آنفا- والتطام أمواج البحر بآل فرعون، في الموضع الذي صير لكم في البحر طريقا يبسا. وذلك كان، لا شك نظر عيان لا نظر علم، كما ظنه قائل القول الذي حكينا قوله.------------الهوامش :(43) الأثر 904 - من خبر طويل في تاريخ الطبري ، وهذه الفقرة منه في 1 : 214 ، وانظر أيضًا رقم : 910 .(44) انظر تفسير"الظاهر" فيما مضى : 2 : 15 ، والمراجع .(45) في المخطوطة والمطبوعة : "من شية الخيل" ، وشية الفرس : لونه ، فكان الأجود أن يقول : "من شيات الخيل" . وفي التاريخ . "من شهب الخيل" ، كما أثبتناه . والشهب جمع أشهب ، والشُّهبة في ألوان الخيل : أن تشق معظم لونه شعرة أو شعرات بيض ، كميتا كان الفرس أو أشقر أو أدهم .(46) الأثر : 905 - في تاريخ الطبري 1 : 217 ، وفيه"ولا خلف لموعوده" . والموعود كالوعد ، وهو من المصادر التي جاءت على مفعول .(47) في المطبوعة : "فثاب البحر . . . " ، وهو تصحيف ، والصواب في المخطوطة والتاريخ . وفي المطبوعة : "وانتظار أمره" ، وفي التاريخ"وانتظارا لأمره" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو جيد .(48) في المطبوعة : "على يبس من الأرض" ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ . والنشز : المتن المرتفع من الأرض - أو ما ارتفع عن الوادي إلى الأرض ، وليس بالغليظ .(49) في المطبوعة : "فلما استقر لهم . . . " .(50) الأثر : 906 - في تاريخ الطبري 1 : 217 .(51) هكذا في المخطوطة والمطبوعة"أن ينفذ" ، وفي التاريخ : "أن يتقدم" ، وكأنها الصواب ، والآخر تحريف ، سقط الميم من آخره .(52) فرس وديق : مريدة للفحل تشهيه .(53) في المطبوعة"فلما شمها تبعها" ، وهو خطأ وخلط . والصواب ما في المخطوطة والتاريخ . وقوله : "قدمها" أي زجرها ، بقولهم للفرس : "أقدم" أي امض قدما إلى أمام .(54) في المطبوعة وحدها : "ذلته" .(55) الأثر : 907 - في تاريخ الطبري 1 : 217 . وفي المطبوعة : "آمنت أنه لا إله إلا الذي . . . " وفي التاريخ : "نادي أن لا إله إلا الذي . . . " وأثبت ما في المخطوطة .(56) في ابن كثير 1 : 165"فذهب به الغمر ، ثم رجع" .(57) رهقه : غشيه وأوشك أن يدركه .(58) في المطبوعة"فثاب له" ، وهو تصحيف مضى مثله في : 45 ، تعليق : 3(59) قال بعصاه أو بيده : أشار بها . والإشارة ضرب من التعبير والبيان ، فكان مجاز القول إلى معنى الإشارة جيدا .(60) الأدهم : الأسود . والذنوب : الفرس الوافر الذنب الطويلة . وقوله : "حصان" هنا : أي فحل ، قد ضن بمائه فلم ينز على أنثى .(61) الوديق : مضى تفسيرها في ص : 46 تعليق : 4(62) في المخطوطة : "علي حياله" ، وهو خطأ ، وانظر ما مضى ص : 46 ، وانظر أيضًا تفسير : "رهوا" في 25 : 73 (بولاق) .(63) الأثر : 909 - هو كالأثر الماضي : 892 ، وبالإسناد نفسه . انظر تمام هذا الأثر في رقم : 918 . وأقحم سفيان روايته عن عمار الدهني ، في روايته عن أبي سعيد . وعمار ، هو عمار بن معاوية الدهني (بضم الدال وسكون الهاء) ، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي ، وذكره ابن حبان في الثقات (تهذيب التهذيب) .(64) ساقة الجيش ، وساقة الحاج : هم الذين يكونون في مؤخره يسوقونه ويحفظونه من ورائه .(65) في المطبوعة : "ما ذبانه" ، وفي المخطوطة : " مادنانة" بالدال المهملة . ولم أجد الكلمة فيما بين يدي من الكتب .(66) في تاريخ الطبري : "وكأن الطرق إذا انفلقت بجدران" .(67) الطيقان والأطواق ، جمع طاق : وهو عقد البناء حيث كان .(68) فرق يفرق فرقا (بفتحتين) : فزع أشد الفزع .(69) في المطبوعة : "ماذبانة . . . الماذبانة" ، وانظر ما سلف : 49 تعليق : 5 ، وفي المطبوعة"فشام الحصان" بالإفراد ، وهو غير جيد في سياق الكلام . الصواب من المخطوطة وتاريخ الطبري . وشام الشيء : تشممه . والحصن ، جمع حصان .(70) الأثر : 910 - في تاريخ الطبري 1 : 213 - 214 ، ومضت فقرة منه برقم : 904 . والتطم البحر عليهم : أطبق عليهم وختم وهو يتلاطم موجه . ولم أجدها في كتب اللغة . ولكنهم يقولون : التطمت الأمواج وتلاطمت ، ضرب بعضها بعضا . ويقولون : لطم الكتاب : أي ختمه . فالذي جاء في الخبر عربى معرق في مجازه .(71) في المطبوعة"فانفرق لي طريقا . . " وهو خطأ .(72) في المطبوعة : "ليس فيه تعد" ، وفي المخطوطة : "نفد" والدال تشبه أن تكون راء . فاستظهرت أن تكون ما أثبت . والنقر جمع نقرة : وهي الوهدة المستديرة في الأرض ، أو الحفرة صغيرة ليست بكبيرة . وهذا أشبه بالكلام والمعنى .(73) في المطبوعة : "ركاما فرقا" ، وهو تغيير بلا سبب . ركام : مجتمع بعضه فوق بعض والفلق جمع فلقة (بكسر فسكون) : وهي الشق .
وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٥١التفسير الميسرواذكروا نعمتنا عليكم: حين واعدنا موسى أربعين ليلة لإنزال التوراة هدايةً ونورًا لكم، فإذا بكم تنتهزون فرصة غيابه هذه المدة القليلة، وتجعلون العجل الذي صنعتموه بأيديكم معبودًا لكم من دون الله - وهذا أشنع الكفر بالله- وأنتم ظالمون باتخاذكم العجل إلهًا.
تفسير السعديتفسير الآيات من 50 الى 55 : ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده, أي: ذهابه. وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ عالمون بظلمكم, قد قامت عليكم الحجة, فهو أعظم جرما وأكبر إثما. ثم إنه أمركم بالتوبة على لسان نبيه موسى بأن يقتل بعضكم بعضا فعفا الله عنكم بسبب ذلك لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الله.
تفسير ابن كثيريقول تعالى : واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم ، لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه ، عند انقضاء أمد المواعدة ، وكانت أربعين يوما ، وهي المذكورة في الأعراف ، في قوله تعالى : ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ) [ الأعراف : 142 ] قيل : إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة ، وكان ذلك بعد خلاصهم من قوم فرعون وإنجائهم من البحر .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمونفيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة : قرأ أبو عمرو " وعدنا " بغير ألف ، واختاره أبو عبيد ورجحه وأنكر واعدنا قال : لأن المواعدة إنما تكون من البشر فأما الله جل وعز فإنما هو المنفرد بالوعد والوعيد . على هذا وجدنا القرآن ، كقوله عز وجل : وعدكم وعد الحق ( إبراهيم : 22 ) وقوله : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ( الفتح : 29 ) وقوله : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم قال مكي : وأيضا فإن ظاهر اللفظ فيه وعد من الله تعالى لموسى ، وليس فيه وعد من موسى ، فوجب حمله على الواحد ، لظاهر النص أن الفعل مضاف إلى الله تعالى وحده ، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وشيبة وعيسى بن عمر ، وبه قرأ قتادة وابن أبي إسحاق قال أبو حاتم : قراءة العامة عندنا " وعدنا " بغير ألف ; لأن المواعدة أكثر ما تكون بين المخلوقين والمتكافئين ، كل واحد منهما يعد صاحبه . قال الجوهري : الميعاد : المواعدة والوقت والموضع . قال مكي : المواعدة أصلها من اثنين ، وقد تأتي المفاعلة من واحد في كلام العرب ، قالوا : طارقت النعل ، وداويت العليل ، وعاقبت اللص ، والفعل من واحد . فيكون لفظ المواعدة من الله خاصة لموسى كمعنى وعدنا ، فتكون القراءتان بمعنى واحد والاختيار واعدنا بالألف ؛ لأنه بمعنى " وعدنا " في أحد معنييه ، ولأنه لا بد لموسى من وعد أو قبول يقوم مقام الوعد فتصح المفاعلة . قال النحاس : وقراءة " واعدنا " بالألف أجود وأحسن ، وهي قراءة مجاهد والأعرج وابن كثير ونافع والأعمش وحمزة والكسائي ، وليس قوله عز وجل : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات من هذا في شيء ; لأن واعدنا موسى إنما هو من باب الموافاة ، وليس هذا من الوعد والوعيد في شيء ، وإنما هو من قولك : موعدك يوم الجمعة ، وموعدك موضع كذا . والفصيح في هذا أن يقال : واعدته . قال أبو إسحاق الزجاج : واعدنا ها هنا بالألف جيد ؛ لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة ، فمن الله جل وعز وعد ، ومن موسى قبول واتباع يجري مجرى المواعدة . قال ابن عطية . ورجح أبو عبيدة " وعدنا " وليس بصحيح ; لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة .الثانية : قوله تعالى : " موسى " موسى اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف والقبط على - ما يروى - يقولون للماء : مو ، وللشجر : شا . فلما وجد موسى في التابوت عند ماء وشجر سمي موسى . قال السدي : لما خافت عليه أمه جعلته في التابوت وألقته في اليم - كما أوحى الله إليها - فألقته في اليم بين أشجار عند بيت فرعون ، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدنه ، فسمي باسم المكان . وذكر النقاش وغيره : أن اسم الذي التقطته صابوث . قال ابن إسحاق : وموسى هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام .الثالثة : قوله تعالى : أربعين ليلة أربعين نصب على المفعول الثاني ، وفي الكلام حذف قال الأخفش : التقدير وإذ واعدنا موسى تمام أربعين ليلة كما قال واسأل القرية والأربعون كلها داخلة في الميعاد .والأربعون في قول أكثر المفسرين ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة ، وكان ذلك بعد أن جاوز البحر وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله فخرج إلى الطور في سبعين من خيار بني إسرائيل وصعدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة فعدوا فيما ذكر المفسرون عشرين يوما وعشرين ليلة وقالوا قد أخلفنا موعده فاتخذوا العجل وقال لهم السامري هذا إلهكم وإله موسى فاطمأنوا إلى قوله ونهاهم هارون وقال يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى فلم يتبع هارون ولم يطعه في ترك عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفا فيما روي في الخبر وتهافت في عبادته سائرهم وهم أكثر من ألفي ألف فلما رجع موسى ووجدهم على تلك الحال ألقى الألواح فرفع من جملتها ستة أجزاء وبقي جزء واحد ، وهو الحلال والحرام وما يحتاجون ، وأحرق العجل وذراه في البحر فشربوا من مائه حبا للعجل فظهرت على شفاههم صفرة وورمت بطونهم فتابوا ولم تقبل توبتهم دون أن يقتلوا أنفسهم فذلك قوله تعالى فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم فقاموا بالخناجر والسيوف بعضهم إلى بعض من لدن طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى فقتل بعضهم بعضا لا يسأل والد عن ولده ولا ولد عن والده ولا أخ عن أخيه ولا أحد عن أحد كل من استقبله ضربه بالسيف وضربه الآخر بمثله حتى عج موسى إلى الله صارخا يا رباه قد فنيت بنو إسرائيل فرحمهم الله وجاد عليهم . بفضله فقبل توبة من بقي وجعل من قتل في الشهداء على ما يأتي .الرابعة : إن قيل لم خص الليالي بالذكر دون الأيام ؟ قيل له ؛ لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة ; ولذلك وقع بها التاريخ فالليالي أول الشهور والأيام تبع لها .الخامسة : قال النقاش : في هذه الآية إشارة إلى صلة الصوم ; لأنه تعالى لو ذكر الأيام لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل فلما نص على الليالي اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين يوما بلياليها قال ابن عطية : سمعت أبي يقول : سمعت الشيخ الزاهد الإمام الواعظ أبا الفضل الجوهري رحمه الله يعظ الناس في الخلوة بالله والدنو منه في الصلاة ونحوه وأن ذلك يشغل عن كل طعام وشراب ويقول أين حال موسى في القرب من الله ووصال ثمانين من الدهر من قوله حين سار إلى الخضر لفتاه في بعض يوم آتنا غداءنا .قلت : وبهذا استدل علماء الصوفية على الوصال ، وأن أفضله أربعون يوما وسيأتي الكلام في الوصال في آي الصيام من هذه السورة إن شاء الله تعالى ويأتي في " الأعراف " زيادة أحكام لهذه الآية عند قوله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ويأتي لقصة العجل بيان في كيفيته وخواره هناك وفي " طه " إن شاء الله تعالى .السادسة : قوله تعالى : ثم اتخذتم العجل من بعده أي اتخذتموه إلها من بعد موسى وأصل اتخذتم ائتخذتم من الأخذ ووزنه افتعلتم سهلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين فجاء ايتخذتم فاضطربت الياء في التصريف ، جاءت ألفا في ياتخذ وواوا في موتخذ فبدلت بحرف جلد ثابت من جنس ما بعدها وهي التاء وأدغمت ثم اجتلبت ألف الوصل للنطق ، وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير كقوله تعالى قل أتخذتم عند الله عهدا فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير قال الشاعر :أستحدث الركب عن أشياعهم خبرا أم راجع القلب من أطرابه طربونحوه في القرآن أطلع الغيب أصطفى البنات أستكبرت أم كنت ومذهب أبي علي الفارسي أن " اتخذتم " من تخذ لا من أخذ . وأنتم ظالمون جملة في موضع الحال وقد تقدم معنى الظلم . والحمد لله
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى وَإِذْ وَاعَدْنَااختلفت القَرَأَة في قراءة ذلك, (74) فقرأ بعضهم: (واعدنا) بمعنى أن الله تعالى واعد موسى موافاة الطور لمناجاته, (75) فكانت المواعدة من الله لموسى, ومن موسى لربه. وكان من حجتهم على اختيارهم قراءة (واعدنا) على " وعدنا " أن قالوا: كل اتعاد كان بين اثنين للالتقاء و الاجتماع, (76) فكل واحد منهما &; 2-59 &; مواعد صاحبه ذلك. فلذلك -زعموا- (77) وجب أن يُقضى لقراءة من قرأ (واعدنا) بالاختيار على قراءة من قرأ " وعدنا ".وقرأ بعضهم: " وعدنا " بمعنى أن الله الواعد والمنفرد بالوعد دونه. وكان من حجتهم في اختيارهم ذلك أن قالوا: إنما تكون المواعدة بين البشر, فأما الله جل ثناؤه، فإنه المنفرد بالوعد والوعيد في كل خير وشر. قالوا: وبذلك جاء التنزيل في القرآن كله, فقال جل ثناؤه: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [ إبراهيم: 22] وقال: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ [ الأنفال: 7]. قالوا: فكذلك الواجب أن يكون هو المنفرد بالوعد في قوله: " وإذ وعدنا موسى ".* * *والصواب عندنا في ذلك من القول: أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القَرَأَة, وليس في القراءة بإحداهما إبطال معنى الأخرى, وإن كان في إحداهما زيادة معنى على الأخرى من جهة الظاهر والتلاوة. (78) فأما من جهة المفهوم بهما فهما متفقتان. وذلك أن من أخبر عن شخص أنه وعد غيره اللقاء بموضع من المواضع, فمعلوم أن الموعود ذلك واعد صاحبه من لقائه بذلك المكان, مثل الذي وعده من ذلك صاحبه، إذا كان وعده ما وعده إياه من ذلك عن اتفاق منهما عليه. ومعلوم أن موسى صلوات الله عليه لم يعده ربه الطور إلا عن رضا موسى بذلك, إذ كان موسى غير مشكوك فيه أنه كان بكل ما أمر الله به راضيا, وإلى محبته فيه مسارعا. ومعقول أن الله تعالى لم يعد موسى ذلك، إلا وموسى إليه مستجيب. وإذ كان ذلك كذلك, فمعلوم أن الله عز ذكره قد كان وعد موسى الطور, ووعده موسى اللقاء. فكان الله عز ذكره لموسى واعدا مواعدا &; 2-60 &; له المناجاة على الطور, (79) وكان موسى واعدا لربه مواعدا له اللقاء. فبأي القراءتين من " وعد " و " واعد " قرأ القارئ, فهو للحق في ذلك -من جهة التأويل واللغة- مصيب، لما وصفنا من العلل قبل. (80)ولا معنى لقول القائل: إنما تكون المواعدة بين البشر, وأن الله بالوعد والوعيد منفرد في كل خير وشر. وذلك أن انفراد الله بالوعد والوعيد في الثواب والعقاب، والخير والشر، والنفع والضر الذي هو بيده وإليه دون سائر خلقه -لا يحيل الكلام الجاري بين الناس في استعمالهم إياه عن وجوهه، ولا يغيره عن معانيه. والجاري بين الناس من الكلام المفهوم ما وصفنا: من أن كل اتعاد كان بين اثنين، (81) فهو وعد من كل واحد منهما صاحبه، ومواعدة بينهما, وأن كل واحد منهما واعد صاحبه مواعد, وأن الوعد الذي يكون به الانفراد من الواعد دون الموعود، إنما هو ما كان بمعنى " الوعد " الذي هو خلاف " الوعيد ".* * *القول في تأويل قوله تعالى مُوسَىوموسى -فيما بلغنا- بالقبطية كلمتان, يعني بهما: ماء وشجر." فمو "، هو الماء, و " شا " هو الشجر. (82) وإنما سمي بذلك -فيما بلغنا- لأن أمه لما جعلته في التابوت -حين خافت عليه من فرعون وألقته في اليم، كما أوحى الله إليها، وقيل: إن اليم الذي ألقته فيه هو النيل - دفعته أمواج اليم حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون, فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن, فوجدن &; 2-61 &; التابوت فأخذنه, فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه، كان ذلك بمكان فيه ماء وشجر, (83) فقيل: موسى، ماء وشجر. كذلك:-912 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد, عن أسباط بن نصر, عن السدي. (84)* * *وقال أبو جعفر: وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله, فيما زعم ابن إسحاق.913 - حدثني بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عنه. (85) .* * *القول في تأويل قوله تعالى أَرْبَعِينَ لَيْلَةًومعنى ذلك: وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة بتمامها. فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد.وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أي رأس الأربعين, ومثل ذلك بقوله: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] وبقولهم: " اليوم أربعون منذ خرج فلان "," واليوم يومان ". أي اليوم تمام يومين، وتمام أربعين.قال أبو جعفر: وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل، وخلاف ظاهر التلاوة. فأما ظاهر التلاوة, فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين ليلة, فليس لأحد إحالة ظاهر خبره إلى باطن، (86) بغير برهان دال على صحته.* * *وأما أهل التأويل فإنهم قالوا في ذلك ما أنا ذاكره, وهو ما:-914 - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية قوله: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة)، قال: يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة. وذلك حين خلف موسى أصحابه واستخلف عليهم هارون, فمكث على الطور أربعين ليلة, وأنزل عليه التوراة في الألواح -وكانت الألواح من برد (87) - فقربه الرب إليه نجيا, وكلمه, وسمع صريف القلم. وبلغنا أنه لم يحدث حدثا في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور. (88)915 - وحدثت عن عمار بن الحسن, حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, بنحوه.916 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل, عن ابن إسحاق قال: وعد الله موسى-حين أهلك فرعون وقومه, ونجاه وقومه ثلاثين ليلة, ثم أتمها بعشر, فتم ميقات ربه أربعين ليلة, يلقاه ربه فيها ما شاء. (89) واستخلف موسى هارون على بني إسرائيل, وقال: إني متعجل إلى ربي فاخلفني في قومي ولا تتبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه متعجلا للُقِيِّه شوقا إليه, (90) وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به. (91)917 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا &; 2-63 &; أسباط عن السدي قال: انطلق موسى واستخلف هارون على بني إسرائيل, وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر. (92)* * *القول في تأويل قوله تعالى ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51)وتأويل قوله: (ثم اتخذتم العجل من بعده)، ثم اتخذتم في أيام مواعدة موسى العجل إلها، من بعد أن فارقكم موسى متوجها إلى الموعد. و " الهاء " في قوله " من بعده " عائدة على ذكر موسى.فأخبر جل ثناؤه المخالفين نبينا صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل، المكذبين به المخاطبين بهذه الآية -عن فعل آبائهم وأسلافهم، وتكذيبهم رسلهم، وخلافهم أنبياءهم, مع تتابع نعمه عليهم، وشيوع آلائه لديهم, (93) مُعَرِّفَهم بذلك أنهم -من خلاف محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به، وجحودهم لرسالته, مع علمهم بصدقه (94) - على مثل منهاج آبائهم وأسلافهم, ومحذِّرَهم من نزول سطوته بهم =بمقامهم على ذلك من تكذيبهم= ما نزل بأوائلهم المكذبين بالرسل: من المسخ واللعن وأنواع النقمات.وكان سبب اتخاذهم العجل، ما:-918 - حدثني به عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال، حدثنا سفيان بن عيينة قال، حدثنا أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه, وكان فرعون على فرس أدهم &; 2-64 &; ذنوب حصان، فلما هجم على البحر، هاب الحصان أن يقتحم في البحر, فتمثل له جبريل على فرس أنثى وديق, فلما رآها الحصان تقحم خلفها. (95) قال: وعرف السامري جبريل، لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه, فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه, فيجد في بعض أصابعه لبنا, وفي الأخرى عسلا وفي الأخرى سمنا، فلم يزل يغذوه حتى نشأ. فلما عاينه في البحر عرفه, فقبض قبضة من أثر فرسه. قال: أخذ من تحت الحافر قبضة. -قال سفيان: فكان ابن مسعود يقرؤها: " فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول " [ طه: 96].قال أبو سعيد قال عكرمة, عن ابن عباس: وألقي في رُوع السامري (96) إنك لا تلقيها على شيء فتقول: " كن كذا وكذا " إلا كان. فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر. فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر, وأغرق الله آل فرعون, قال موسى لأخيه هارون: اخلفني في قومي وأصلح. ومضى موسى لموعد ربه. قال: وكان مع بني إسرائيل حَلْي من حَلْي آل فرعون قد تعوَّروه, (97) فكأنهم تأثموا منه, فأخرجوه لتنزل النار فتأكله. فلما جمعوه, قال السامري بالقبضة التي كانت في يده هكذا, (98) فقذفها فيه - وأومأ ابن إسحاق بيده هكذا - وقال: كن عجلا جسدا له خوار. فصار عجلا جسدا له خوار، وكان تدخل الريح في دبره وتخرج من فيه، يسمع له صوت, فقال: هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا على العجل يعبدونه, فقال هارون: يا قوم إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري! قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى.919 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا &; 2-65 &; أسباط بن نصر, عن السدي: لما أمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل - يعني من أرض مصر - أمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط. فلما نجى الله موسى ومن معه من بني إسرائيل من البحر, وغرق آل فرعون, أتى جبريل إلى موسى يذهب به إلى الله. فأقبل على فرس، فرآه السامري فأنكره وقال: إنه فرس الحياة! فقال حين رآه: إن لهذا لشأنا. فأخذ من تربة الحافر -حافر الفرس- فانطلق موسى, واستخلف هارون على بني إسرائيل, وواعدهم ثلاثين ليلة, وأتمها الله بعشر. فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل، إن الغنيمة لا تحل لكم, وإن حَلْي القبط إنما هو غنيمة, فاجمعوها جميعا, واحفروا لها حفرة فادفنوها, فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها, وإلا كان شيئا لم تأكلوه. فجمعوا ذلك الحَلْي في تلك الحفرة , وجاء السامري بتلك القبضة فقذفها , فأخرج الله من الحلي عجلا جسدا له خوار . وعدت بنو إسرائيل موعد موسى , فعدوا الليلة يوما واليوم يوما , فلما كان تمام العشرين، خرج لهم العجل. فلما رأوه قال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى فنسي - يقول: ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه. فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي. فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل إنما فتنتم به -يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل- وإن ربكم الرحمن. فأقام هارون ومن معه من بني إسرائيل لا يقاتلونهم، وانطلق موسى إلى إلهه يكلمه, فلما كلمه قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى؟ قال: هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى. قال: فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري، فأخبره خبرهم. قال موسى؛ يا رب هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل, أرأيت الروح من نفخها فيه؟ قال الرب: أنا . قال: رب أنت إذا أضللتهم . (99)920 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال: كان &; 2-66 &; -فيما ذكر لي- أن موسى قال لبني إسرائيل فيما أمره الله عز وجل به: استعيروا منهم - يعني من آل فرعون - الأمتعة والحلي والثياب , فإني منفلكم أموالهم مع هلاكهم . فلما أذن فرعون في الناس , كان مما يحرض به على بني إسرائيل أن قال: حين ساروا لم يرضوا أن خرجوا بأنفسهم، حتى ذهبوا بأموالكم معهم! (100)921 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق , عن حكيم بن جبير , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس قال: كان السامري رجلا من أهل باجَرْما , وكان من قوم يعبدون البقر , وكان حب عبادة البقر في نفسه , وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل . فلما فضل هارون في بني إسرائيل، وفصل موسى إلى ربه , (101) قال لهم هارون: أنتم قد حُمِّلتم أوزارا من زينة القوم - آل فرعون - وأمتعة وحليا , فتطهروا منها , فإنها نجس . وأوقد لهم نارا فقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها. قالوا: نعم .فجعلوا يأتون بما كان فيهم من تلك الأمتعة وذلك الحلي , (102) فيقذفون به فيها. حتى إذا تكسر الحلي فيها، ورأى السامري، أثر فرس جبريل، فأخذ ترابا من أثر حافره , (103) ثم أقبل إلى النار فقال لهارون: (104) يا نبي الله، ألقي ما في يدي؟ قال: نعم. ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الحلي والأمتعة، فقذفه فيها وقال: " كن عجلا جسدا له خوار "، فكان، للبلاء والفتنة. فقال: هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا عليه , وأحبوه حبا لم يحبوا مثله شيئا قط. يقول الله عز وجل: فَنَسِيَ [ طه: 88] أي ترك ما كان عليه من الإسلام - يعني السامري - أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا &; 2-67 &; [ طه: 89] وكان اسم السامري موسى بن ظفر , وقع في أرض مصر , فدخل في بني إسرائيل. (105) فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [ طه: 90-91] فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن , وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوف هارون، إن سار بمن معه من المسلمين، أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. وكان له هائبا مطيعا (106) .922 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما أنجى الله عز وجل بني إسرائيل من فرعون , وأغرق فرعون ومن معه , قال موسى لأخيه هارون: اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين. قال: لما خرج موسى وأمر هارون بما أمره (107) وخرج موسى متعجلا مسرورا إلى الله، قد عرف موسى أن المرء إذا أنجح في حاجة سيده، كان يسره أن يتعجل إليه (108) . قال: وكان حين خرجوا استعاروا حليا وثيابا من آل فرعون , فقال لهم هارون: إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم , فاجمعوا نارا , فألقوه فيها فأحرقوه. قال: فجمعوا نارا . قال: وكان السامري قد نظر إلى أثر دابة جبريل , وكان على فرس أنثى - وكان السامري في قوم موسى - قال: فنظر إلى أثره فقبض منه قبضة , فيبست عليها يده. فلما ألقى قوم موسى الحلي في النار, وألقى السامري &; 2-68 &; معهم القبضة , صور الله جل وعز ذلك لهم عجلا ذهبا , فدخلته الريح , فكان له خوار , فقالوا: ما هذا؟ فقال: السامري الخبيث: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ، الآية , إلى قوله: حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [طه: 88-91] قال: حتى إذا أتى موسى الموعد , قال الله: وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي فقرأ حتى بلغ: أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ [طه: 86].923 - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد في قوله: (ثم اتخذتم العجل من بعده) قال: العجل: حسيل البقرة (109) . قال: حلي استعاروه من آل فرعون , فقال لهم هارون: أخرجوه فتطهروا منه وأحرقوه. وكان السامري قد أخذ قبضة من أثر فرس جبريل فطرحه فيه، فانسبك , فكان له كالجوف تهوي فيه الرياح .924 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر , عن الربيع , عن أبي العالية , قال: إنما سمي العجل , لأنهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى.925 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد بنحو حديث القاسم عن الحسن .926 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد بنحوه (110)* * *القول في تأويل قوله : وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51)يعني" وأنتم واضعو العبادة في غير موضعها، لأن العبادة لا تنبغي إلا لله عز وجل، وعبدتم أنتم العجل ظلما منكم، ووضعا للعبادة في غير موضعها. وقد دللنا -في غير هذا الموضع مما مضى من كتابنا- أن أصل كل ظلم، وضع الشيء في غير موضعه , فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع (111) .-----------الهوامش :(74) في المطبوعة في الموضعين : "القراء" ، كما فعل كثيرا فيما مضى . والقَرَأَة جمع قارئ .(75) في المطبوعة : "ملاقاة الطور" ، ولا أدري لم غيره من غيره! .(76) في المطبوعة : "كل إبعاد . . أو الاجتماع" ، ولا أدري لم فعل ذلك! . واتعد اتعادا افتعل ، من الوعد .(77) في المطبوعة : "فلذلك رموا أنه وجب" بزيادة أنه" ، وهي زيادة مفسدة للمعنى .(78) انظر ما مضى في تفسير"الظاهر" : 44 ، والمراجع .(79) في المطبوعة : قد كان وعد موسى" بزيادة"قد" ، وفيها أيضًا "وكان الله عز وجل لموسى واعد ومواعدا" ، والواو هنا ليست بشيء في قوله"وكان" ، و"مواعدا" .(80) في المطبوعة : "فهو الحق في ذلك . . . " ، وهو خطأ .(81) في المطبوعة هنا أيضًا كما سلف : "كل إبعاد" ، وهو فساد وخطأ .(82) في المطبوعة والمخطوطة : "سا" وأثبت ما في التاريخ .(83) في المطبوعة : "وكان ذلك المكان فيه" وليست بشيء .(84) الأثر : 912 تاريخ الطبري 1 : 201 في خبر طويل .(85) الأثر : 913 - مختصر من خبر نسبه في تاريخ الطبري 1 : 198 .(86) انظر تفسير"ظاهر" و" باطن" فيما سلف ص : 44 ، والمراجع قبلها .(87) في المطبوعة : "وكانت الألواح من زبرجد" ، والصواب ما أثبته من المخطوطة ، ومما جاء عن أبي العالية ، في صفة الألواح 9 : 46 (بولاق) .(88) صريف الأقلام : صوتها وصريرها وهي تجري بما تكتبه الملائكة . وقوله : "لم يحدث حدثا" ، أي لم يكربه ما يكرب الناس من قضاء الحاجة .(89) في المطبوعة : "تلقاه ربه فيها بما شاء" .(90) في المطبوعة : "للقائه" ، وهما سواء في المعنى .(91) الأثر : 916 - صدر هذا الأثر في تاريخ الطبري 1 : 217 - 218 ، ولكن قطعه الطبري ، وأتمه من خبر السدي .(92) الأثر : 917 - في تاريخ الطبري في خبر طويل 1 : 218 ، وسيأتي تمامه في رقم : 919 .(93) في المطبوعة : "سبوغ آلائه" . وشيوع آلائه : ظهورها وعمومها حتى استوى فيها جميعهم . وانظر ما سيأتي بعد ص : 77 ، تعليق : 2 .(94) في المطبوعة : "من خلافهم محمدا . . " .(95) انظر آخر الأثر رقم : 909 فهو هذا بنصه ، ثم يأتي تمامه .(96) الروع (بضم الراء) : القلب والعقل . وقع ذلك في روعى : أي في نفسي وخلدي وبالي .(97) تعور الشيء واستعاره : أخذه عارية ، كما تقول : تعجب واستعجب .(98) قال بالقبضة : رفعها مشيرا بيده ليلقيها . وقد مضى تفسير ذلك في ص : 54 تعليق : 3 .(99) الأثر : 919 - مضى صدره في رقم : 917 . وفي التاريخ 1 : 218 .(100) الأثر : 920 - في تاريخ الطبري 1 : 216 . وفي المطبوعة"أن يخرجوا بأنفسهم" ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ . نفله الشيء : جعله نفلا ، أي غنيمة مستباحة .(101) فصل فلان عن البلد يفصل فصولا : إذا خرج وفارقها(102) في المطبوعة : "بما كان معهم" ، غيروه ليستقيم على دارج ما ألفوه .(103) في المطبوعة : "أخذ ترابا" ، حذفوا الفاء ليستقي على عربيتهم ، فيما زعموا .(104) في تاريخ الطبري : "ثم أقبل إلى الحفرة . . . " .(105) هو كما ذكر في أول الخبر من أهل"باجرما" ، وباجرما : قرية من أعمال البليخ قرب الرقة ، من أرض الجزيرة . (ياقوت) . ويقال : موضع قبل نصيبن (معجم ما استعجم) . وقال الميداني في شرح المثل : [خطب يسير في خطب كبير] أن الزباء كانت من أهل باجرما وتتكلم العربية .(106) الأثر : 921 - في تاريخ الطبري 1 : 219 - 220 .(107) في المطبوعة : "بما أمره به" .(108) في المطبوعة : "نجح" ، وأنجح : أدرك طلبته وبلغ النجاح . وإن كنت أخشى أن يكون في الكلمة تصحيف خفي عليَّ .(109) الحسيل (بفتح فكسر) : ولد البقرة .(110) الأثران : 925 ، 926 - في المخطوطة ساق إسناد الأثرين جميعا في موضع واحد قال : "قال حدثنا عيسى - وحدثني المثنى بن إبراهيم ، قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل - جميعا عن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : "ثم اتخذتم العجل" قال : العجل : حسيل البقرة . . . " ثم ساق نص ما في الأثر : 924 . فآثرت ترك ما في المطبوعة على حاله .(111) انظر ما مضى 1 : 523 - 524 .
ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٢التفسير الميسرثمَّ تجاوزنا عن هذه الفعلة المنكرة، وقَبِلْنَا توبتكم بعد عودة موسى؛ رجاءَ أن تشكروا الله على نعمه وأفضاله، ولا تتمادوا في الكفر والطغيان.
تفسير السعديتفسير الآيات من 50 الى 55 : ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده, أي: ذهابه. وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ عالمون بظلمكم, قد قامت عليكم الحجة, فهو أعظم جرما وأكبر إثما. ثم إنه أمركم بالتوبة على لسان نبيه موسى بأن يقتل بعضكم بعضا فعفا الله عنكم بسبب ذلك لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الله.
تفسير ابن كثيريقول تعالى : واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم ، لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه ، عند انقضاء أمد المواعدة ، وكانت أربعين يوما ، وهي المذكورة في الأعراف ، في قوله تعالى : ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ) [ الأعراف : 142 ] قيل : إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة ، وكان ذلك بعد خلاصهم من قوم فرعون وإنجائهم من البحر .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرونفيه أربع مسائل : الأولى : قوله تعالى : ثم عفونا عنكم العفو : عفو الله جل وعز عن خلقه ، وقد يكون بعد العقوبة وقبلها بخلاف الغفران فإنه لا يكون معه عقوبة البتة ، وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه فالعفو محو الذنب أي محونا ذنوبكم وتجاوزنا عنكم مأخوذ من قولك عفت الريح الأثر أي أذهبته وعفا الشيء كثر فهو من الأضداد ومنه قوله تعالى حتى عفوا .الثانية : قوله تعالى : من بعد ذلك أي من بعد عبادتكم العجل وسمي العجل عجلا لاستعجالهم عبادته والله أعلم والعجل ولد البقرة والعجول مثله والجمع العجاجيل والأنثى عجلة عن أبي الجراح .الثالثة : قوله تعالى : لعلكم تشكرون كي تشكروا عفو الله عنكم ، وقد تقدم معنى لعل وأما الشكر فهو في اللغة الظهور من قوله دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف وحقيقته الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه كما تقدم في الفاتحة قال الجوهري الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف يقال شكرته وشكرت له وباللام أفصح والشكران خلاف الكفران وتشكرت له مثل شكرت له ، وروى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يشكر الله من لا يشكر الناس قال الخطابي هذا الكلام يتأول على معنيين : أحدهما أن من كان من طبعه كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله عز وجل وترك الشكر له ، والوجه الآخر أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ، ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر .الرابعة : في عبارات العلماء في معنى الشكر فقال سهل بن عبد الله الشكر الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السر والعلانية ، وقالت فرقة أخرى : الشكر هو الاعتراف في تقصير الشكر للمنعم ولذلك قال تعالى اعملوا آل داود شكرا فقال داود : كيف أشكرك يا رب والشكر نعمة منك قال الآن قد عرفتني وشكرتني إذ قد عرفت أن الشكر مني نعمة قال يا رب فأرني أخفى نعمك علي قال يا داود تنفس فتنفس داود فقال الله تعالى من يحصي هذه النعمة الليل والنهار وقال موسى عليه السلام كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازي بها عملي كله فأوحى الله إليه يا موسى الآن شكرتني ، وقال الجنيد حقيقة الشكر العجز عن الشكر وعنه قال كنت بين يدي السري السقطي ألعب وأنا ابن سبع سنين وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي يا غلام ما الشكر ؟ فقلت ألا يعصى الله بنعمه فقال لي أخشى أن يكون حظك من الله لسانك قال الجنيد فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها السري لي وقال الشبلي الشكر التواضع والمحافظة على الحسنات ومخالفة الشهوات وبذل الطاعات ومراقبة جبار الأرض والسماوات وقال ذو النون المصري أبو الفيض الشكر لمن فوقك بالطاعة ولنظيرك بالمكافأة ولمن دونك بالإحسان والإفضال .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى ذكره ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)قال أبو جعفر: وتأويل قوله: (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك)، يقول: تركنا معاجلتكم بالعقوبة،" من بعد ذلك " , أي من بعد اتخاذكم العجل إلها . كما:-927 - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا أبو جعفر , عن الربيع , عن أبي العالية: (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك)، يعني من بعد ما اتخذتم العجل.* * *وأما تأويل قوله: (لعلكم تشكرون)، فإنه يعني به: لتشكروا . ومعنى " لعل " في هذا الموضع معنى " كي". وقد بينت فيما مضى قبلُ أن أحد معاني" لعل "" كي"، بما فيه الكفاية عن إعادته في هذا الموضع (112) .* * *فمعنى الكلام إذا: ثم عفونا عنكم من بعد اتخاذكم العجل إلها، لتشكروني على عفوي عنكم , إذ كان العفو يوجب الشكر على أهل اللب والعقل .------------الهوامش :(112) انظر ما مضى 1 : 364 - 365 .
وَإِذۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡفُرۡقَانَ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ٥٣التفسير الميسرواذكروا نعمتنا عليكم حين أعطينا موسى الكتاب الفارق بين الحق والباطل -وهو التوراة-؛ لكي تهتدوا من الضلالة.
تفسير السعديتفسير الآيات من 50 الى 55 : ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده, أي: ذهابه. وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ عالمون بظلمكم, قد قامت عليكم الحجة, فهو أعظم جرما وأكبر إثما. ثم إنه أمركم بالتوبة على لسان نبيه موسى بأن يقتل بعضكم بعضا فعفا الله عنكم بسبب ذلك لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الله.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وإذ آتينا موسى الكتاب ) يعني : التوراة ( والفرقان ) وهو ما يفرق بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ( لعلكم تهتدون ) وكان ذلك - أيضا - بعد خروجهم من البحر ، كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف . ولقوله تعالى : ( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون ) [ القصص : 43 ] .وقيل : الواو زائدة ، والمعنى : ولقد آتينا موسى الكتاب والفرقان وهذا غريب ، وقيل : عطف عليه وإن كان المعنى واحدا ، كما في قول الشاعر :وقدمت الأديم لراقشيه فألفى قولها كذبا وميناوقال الآخر :ألا حبذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النأي والبعدفالكذب هو المين ، والنأي : هو البعد . وقال عنترة :حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثمفعطف الإقفار على الإقواء وهو هو .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون" إذ " اسم للوقت الماضي و " إذا " اسم للوقت المستقبل وآتينا أعطينا ، وقد تقدم جميع هذا والكتاب التوراة بإجماع من المتأولين واختلف في الفرقان فقال الفراء وقطرب : المعنى آتينا موسى التوراة ومحمدا عليه السلام الفرقان قال النحاس هذا خطأ في الإعراب والمعنى أما الإعراب فإن المعطوف على الشيء مثله وعلى هذا القول يكون المعطوف على الشيء خلافه وأما المعنى فقد قال تعالى ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان قال أبو إسحاق الزجاج يكون الفرقان هو الكتاب ، أعيد ذكره باسمين تأكيدا وحكي عن الفراء ومنه قول الشاعر [ عدي بن يزيد ] :وقدمت الأديم لراهشيه وألفى قولها كذبا وميناوقال آخر [ الحطيئة ] :ألا حبذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النأي والبعدفنسق البعد على النأي والمين على الكذب لاختلاف اللفظين تأكيدا ، ومنه قول عنترةحييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثمقال النحاس وهذا إنما يجيء في الشعر وأحسن ما قيل في هذا قول مجاهد فرقا بين الحق والباطل أي الذي علمه إياه وقال ابن زيد الفرقان انفراق البحر له حتى صار فرقا فعبروا ، وقيل الفرقان الفرج من الكرب ؛ لأنهم كانوا مستعبدين مع القبط ، ومنه قوله تعالى إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا أي فرجا ومخرجا وقيل : إنه الحجة والبيان قاله ابن بحر وقيل الواو صلة والمعنى آتينا موسى الكتاب الفرقان والواو قد تزاد في النعوت كقولهم فلان حسن وطويل وأنشدإلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحمأراد إلى الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة ودليل هذا التأويل قوله عز وجل : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء أي بين الحرام والحلال والكفر والإيمان والوعد والوعيد وغير ذلك ، وقيل الفرقان الفرق بينهم وبين قوم فرعون أنجى هؤلاء وأغرق أولئك ونظيره يوم الفرقان فقيل يعني به يوم بدر نصر الله فيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهلك أبا جهل وأصحابه . لعلكم تهتدون لكي تهتدوا من الضلالة وقد تقدم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)قال أبو جعفر: يعني بقوله: (وإذ ءاتينا موسى الكتاب): واذكروا أيضا إذ آتينا موسى الكتاب والفرقان. ويعني ب " الكتاب ": التوراة , وب " الفرقان ": الفصل بين الحق والباطل، كما:-928 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال حدثنا أبو جعفر , عن الربيع بن أنس , عن أبي العالية , في قوله: (وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان)، قال: فرق به بين الحق والباطل .929 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله: (وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان)، قال: الكتاب: هو الفرقان , فرقان بين الحق والباطل (113) .930 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد مثله .931 - وحدثني القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد، قوله: (وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان)، قال: الكتاب هو الفرقان , فرق بين الحق والباطل .932 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج , عن ابن جريج قال، وقال ابن عباس: " الفرقان ": جماع اسم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان .وقال ابن زيد في ذلك بما: -933 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب. قال: &; 2-71 &; سألته -يعني ابن زيد- عن قول الله عز وجل: (وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان) فقال: أما " الفرقان " الذي قال الله جل وعز: يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [الأنفال: 41]، فذلك يوم بدر , يوم فرق الله بين الحق والباطل , والقضاء الذي فرق به بين الحق والباطل . قال: فكذلك أعطى الله موسى الفرقان , فرق الله بينهم , وسلمه وأنجاه، فرق بينهم بالنصر. فكما جعل الله ذلك بين محمد صلى الله عليه وسلم والمشركين , فكذلك جعله بين موسى وفرعون (114) .* * *قال أبو جعفر: وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية، (115) ما روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد: من أن الفرقان الذي ذكر الله أنه آتاه موسى في هذا الموضع، هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل , وهو نعت للتوراة وصفة لها . فيكون تأويل الآية حينئذ: وإذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح وفرقنا بها بين الحق والباطل .فيكون " الكتاب " نعتا للتوراة أقيم مقامها، استغناء به عن ذكر التوراة , ثم عطف عليه ب " الفرقان " , إذ كان من نعتها.* * *وقد بينا معنى " الكتاب " فيما مضى من كتابنا هذا, وأنه بمعنى المكتوب. (116)* * *وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالآية، وإن كان محتملا غيره من التأويل، لأن الذي قبله من ذكر " الكتاب " , وأن معنى " الفرقان " الفصل (117) - وقد دللنا على ذلك فيما مضى من كتابنا هذا (118) -, فإلحاقه إذ كان كذلك، بصفة ما وليه أولى من إلحاقه بصفة ما بعد منه.وأما تأويل قوله: (لعلكم تهتدون)، فنظير تأويل قوله : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ، ومعناه لتهتدوا (119) .وكأنه قال: واذكروا أيضا إذ آتينا موسى التوراة التي تفرق بين الحق والباطل لتهتدوا بها، وتتبعوا الحق الذي فيها، لأني جعلتها كذلك هدى لمن اهتدى بها واتبع ما فيها .-----------الهوامش :(113) في المخطوطة : "هو الفرقان بين الحق والباطل" ، والذي في المطبوعة أجود .(114) في المطبوعة : "بين محمد والمشركين" ، وأثبت ما في المخطوطة .(115) في المطبوعة : "فأولى هذين التأويلين . . . " .(116) انظر ما مضى 1 : 97 - 99 .(117) في المطبوعة : "لأن الذي قبله ذكر الكتاب" بإسقاط"من" .(118) انظر ما مضى 1 : 98 - 99 .(119) انظر ما مضى 2 : 69 .
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٥٤التفسير الميسرواذكروا نعمتنا عليكم حين قال موسى لقومه: إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل إلهًا، فتوبوا إلى خالقكم: بأن يَقْتل بعضكم بعضًا، وهذا خير لكم عند خالقكم من الخلود الأبدي في النار، فامتثلتم ذلك، فمنَّ الله عليكم بقَبول توبتكم. إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده، الرحيم بهم.
تفسير السعديتفسير الآيات من 50 الى 55 : ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده, أي: ذهابه. وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ عالمون بظلمكم, قد قامت عليكم الحجة, فهو أعظم جرما وأكبر إثما. ثم إنه أمركم بالتوبة على لسان نبيه موسى بأن يقتل بعضكم بعضا فعفا الله عنكم بسبب ذلك لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الله.
تفسير ابن كثيرهذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل ، قال الحسن البصري ، رحمه الله ، في قوله تعالى : ( وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ) فقال ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع حين قال الله تعالى : ( ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا ) الآية [ الأعراف : 149 ] .قال : فذلك حين يقول موسى : ( يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل )وقال أبو العالية ، وسعيد بن جبير ، والربيع بن أنس : ( فتوبوا إلى بارئكم ) أي إلى خالقكم .قلت : وفي قوله هاهنا : ( إلى بارئكم ) تنبيه على عظم جرمهم ، أي : فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره .وروى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم ، من حديث يزيد بن هارون ، عن الأصبغ بن زيد الوراق عن القاسم بن أبي أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال الله تعالى : إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم كل من لقي من ولد ووالد فيقتله بالسيف ، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن . فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم ، فاعترفوا بها ، وفعلوا ما أمروا به فغفر الله تعالى للقاتل والمقتول . وهذا قطعة من حديث الفتون ، وسيأتي في تفسير سورة طه بكماله ، إن شاء الله .وقال ابن جرير : حدثني عبد الكريم بن الهيثم ، حدثنا إبراهيم بن بشار ، حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : قال أبو سعيد : عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال موسى لقومه : ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ) قال : أمر موسى قومه - من أمر ربه عز وجل - أن يقتلوا أنفسهم قال : واحتبى الذين عبدوا العجل فجلسوا ، وقام الذين لم يعكفوا على العجل ، فأخذوا الخناجر بأيديهم ، وأصابتهم ظلة شديدة ، فجعل يقتل بعضهم بعضا ، فانجلت الظلة عنهم ، وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل ، كل من قتل منهم كانت له توبة ، وكل من بقي كانت له توبة .وقال ابن جريج : أخبرني القاسم بن أبي بزة أنه سمع سعيد بن جبير ومجاهدا يقولان في قوله تعالى : ( فاقتلوا أنفسكم ) قالا قام بعضهم إلى بعض بالخناجر فقتل بعضهم بعضا ، لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد ، حتى ألوى موسى بثوبه ، فطرحوا ما بأيديهم ، فكشف عن سبعين ألف قتيل . وإن الله أوحى إلى موسى : أن حسبي ، فقد اكتفيت ، فذلك حين ألوى موسى بثوبه ، [ وروي عن علي رضي الله عنه نحو ذلك ] .وقال قتادة : أمر القوم بشديد من الأمر ، فقاموا يتناحرون بالشفار يقتل بعضهم بعضا ، حتى بلغ الله فيهم نقمته ، فسقطت الشفار من أيديهم ، فأمسك عنهم القتل ، فجعل لحيهم توبة ، وللمقتول شهادة .وقال الحسن البصري : أصابتهم ظلمة حندس ، فقتل بعضهم بعضا [ نقمة ] ثم انكشف عنهم ، فجعل توبتهم في ذلك .وقال السدي في قوله : ( فاقتلوا أنفسكم ) قال : فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف ، فكان من قتل من الفريقين شهيدا ، حتى كثر القتل ، حتى كادوا أن يهلكوا ، حتى قتل بينهم سبعون ألفا ، وحتى دعا موسى وهارون : ربنا أهلكت بني إسرائيل ، ربنا البقية البقية ،فأمرهم أن يضعوا السلاح وتاب عليهم ، فكان من قتل منهم من الفريقين شهيدا ، ومن بقي مكفرا عنه ؛ فذلك قوله : ( فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم )وقال الزهري : لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها ، برزوا ومعهم موسى ، فاضطربوا بالسيوف ، وتطاعنوا بالخناجر ، وموسى رافع يديه ، حتى إذا أفنوا بعضهم ، قالوا : يا نبي الله ، ادع الله لنا . وأخذوا بعضديه يسندون يديه ، فلم يزل أمرهم على ذلك ، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم ، بعضهم عن بعض ، فألقوا السلاح ، وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم ، فأوحى الله ، جل ثناؤه ، إلى موسى : ما يحزنك ؟ أما من قتل منكم فحي عندي يرزقون ، وأما من بقي فقد قبلت توبته . فسر بذلك موسى ، وبنو إسرائيل .رواه ابن جرير بإسناد جيد عنه .وقال ابن إسحاق : لما رجع موسى إلى قومه ، وأحرق العجل وذراه في اليم ، خرج إلى ربه بمن اختار من قومه ، فأخذتهم الصاعقة ، ثم بعثوا ، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل . فقال : لا إلا أن يقتلوا أنفسهم قال : فبلغني أنهم قالوا لموسى : نصبر لأمر الله . فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده . فجلسوا بالأفنية وأصلت عليهم القوم السيوف ، فجعلوا يقتلونهم ، وبكى موسى ، وبهش إليه النساء والصبيان ، يطلبون العفو عنهم ، فتاب الله عليهم ، وعفا عنهم وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف .وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لما رجع موسى إلى قومه ، وكان سبعون رجلا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه . فقال لهم موسى : انطلقوا إلى موعد ربكم . فقالوا : يا موسى ، ما من توبة ؟ قال : بلى ، ( فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم ) الآية ، فاخترطوا السيوف والجرزة والخناجر والسكاكين . قال : وبعث عليهم ضبابة . قال : فجعلوا يتلامسون بالأيدي ، ويقتل بعضهم بعضا . قال : ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري . قال : ويتنادون [ فيها ] : رحم الله عبدا صبر نفسه حتى يبلغ الله رضاه ، قال : فقتلاهم شهداء ، وتيب على أحيائهم ، ثم قرأ : ( فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم )
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيمقوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه القوم الجماعة الرجال دون النساء قال الله تعالى لا يسخر قوم من قوم ثم قال ولا نساء من نساء وقال زهير :وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساءوقال تعالى ولوطا إذ قال لقومه أراد الرجال دون النساء وقد يقع القوم على الرجال والنساء قال الله تعالى إنا أرسلنا نوحا إلى قومه وكذا كل نبي مرسل إلى النساء والرجال جميعاقوله تعالى : يا قوممنادى مضاف وحذفت الياء في يا قوم ؛ لأنه موضع حذف والكسرة تدل عليها ، وهي بمنزلة التنوين فحذفتها كما تحذف التنوين من المفرد ويجوز في غير القرآن إثباتها ساكنة فتقول يا قومي ؛ لأنها اسم وهي في موضع خفض وإن شئت فتحتها وإن شئت ألحقت معها هاء فقلت يا قوميه وإن شئت أبدلت منها ألفا ؛ لأنها أخف فقلت يا قوما وإن شئت قلت يا قوم بمعنى يا أيها القوم وإن جعلتهم نكرة نصبت ونونت وواحد القوم امرؤ على غير اللفظ وتقول قوم وأقوام وأقاوم جمع الجمع والمراد هنا بالقوم عبدة العجل وكانت مخاطبته عليه السلام لهم بأمر من الله تعالى .قوله تعالى : إنكم ظلمتم أنفسكم استغنى بالجمع القليل عن الكثير ، والكثير نفوس وقد يوضع الجمع الكثير موضع جمع القلة والقليل موضع الكثرة قال الله تعالى ثلاثة قروء وقال وفيها ما تشتهيه الأنفس ويقال لكل من فعل فعلا يعود عليه ضرره إنما أسأت إلى نفسك ، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه . ثم قال تعالى : باتخاذكم العجل قال بعض أرباب المعاني عجل كل إنسان نفسه فمن أسقطه وخالف مراده فقد برئ من ظلمه والصحيح أنه هنا عجل على الحقيقة عبدوه كما نطق به التنزيل والحمد للهقوله تعالى : فتوبوا إلى بارئكم لما قال لهم فتوبوا إلى بارئكم قالوا كيف ؟ قال فاقتلوا أنفسكم قال أرباب الخواطر ذللوها بالطاعات وكفوها عن الشهوات والصحيح أنه قتل على الحقيقة هنا ، والقتل إماتة الحركة وقتلت الخمر كسرت شدتها بالماء قال سفيان بن عيينة التوبة نعمة من الله أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم وكانت توبة بني إسرائيل القتل وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده قال الزهري لما قيل لهم فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم قاموا صفين وقتل بعضهم بعضا حتى قيل لهم كفوا فكان ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحي على ما تقدم ، وقال بعض المفسرين : أرسل الله عليهم ظلاما ففعلوا ذلك وقيل : وقف الذين عبدوا العجل صفا ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم وقيل قام السبعون الذين كانوا مع موسى فقتلوا - إذ لم يعبدوا العجل - من عبد العجل . ويروى أن يوشع بن نون خرج عليهم وهم محتبون فقال ملعون من حل حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فما حل أحد منهم حبوته حتى قتل منهم يعني من قتل ، وأقبل الرجل يقتل من يليه . ذكره النحاس وغيره ، وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم على القول الأول ; لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوه ، وإنما اعتزلوا وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده ، وهذه سنة الله في عباده إذا فشا المنكر ، ولم يغير عوقب الجميع روى جرير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب أخرجه ابن ماجه في سننه ، وسيأتي الكلام في هذا المعنى إن شاء الله تعالى فلما استحر فيهم القتل ، وبلغ سبعين ألفا عفا الله عنهم قاله ابن عباس وعلي رضي الله عنهما ، وإنما رفع الله عنهم القتل ؛ لأنهم أعطوا المجهود في قتل أنفسهم فما أنعم الله على هذه الأمة نعمة بعد الإسلام هي أفضل من التوبة ، وقرأ قتادة " فأقيلوا أنفسكم " من الإقالة أي استقبلوها من العثرة بالقتل .وله تعالى : بارئكم البارئ الخالق وبينهما فرق ، وذلك أن البارئ هو المبدع المحدث والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال والبرية الخلق ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة غير أنها لا تهمز وقرأ أبو عمرو " بارئكم " بسكون الهمزة ويشعركم وينصركم ويأمركم واختلف النحاة في هذا فمنهم من يسكن الضمة والكسرة في الوصل ، وذلك في الشعر وقال أبو العباس المبرد : لا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب في كلام ولا شعر وقراءة أبي عمرو لحن قال النحاس وغيره : وقد أجاز ذلك النحويون القدماء الأئمة وأنشدواإذا اعوججن قلت صاحب قوم بالدو أمثال السفين العوموقال امرؤ القيسفاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغلوقال آخرقالت سليمى اشتر لنا سويقاوقال الآخررحت وفي رجليك ما فيهما وقد بدا هنك من المئزرفمن أنكر التسكين في حرف الإعراب فحجته أن ذلك لا يجوز من حيث كان علما للإعراب . قال أبو علي : وأما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها مع توالي الحركات ، وأصل برأ من تبرى الشيء من الشيء ، وهو انفصاله منه فالخلق قد فصلوا من العدم إلى الوجود ومنه برأت من المرض برءا ( بالفتح ) كذا يقول أهل الحجاز وغيرهم يقول برئت من المرض برءا ( بالضم ) وبرئت منك ومن الديون والعيوب براءة ومنه المبارأة للمرأة . وقد بارأ شريكه وامرأتهقوله تعالى : فتاب عليكم في الكلام حذف تقديره ففعلتم فتاب عليكم أي فتجاوز عنكم أي على الباقين منكم .إنه هو التواب الرحيم تقدم معناه ، والحمد لله .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى ذكره وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)وتأويل ذلك: اذكروا أيضا إذ قال موسى لقومه من بني إسرائيل: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم . وظلمهم إياها، كان فعلَهم بها ما لم يكن لهم أن يفعلوه بها، مما أوجب لهم العقوبة من الله تعالى. وكذلك كل فاعل فعلا يستوجب به العقوبة من الله تعالى فهو ظالم لنفسه بإيجابه العقوبة لها من الله تعالى . وكان الفعل الذي فعلوه فظلموا به أنفسهم , هو ما أخبر الله عنهم: من ارتدادهم باتخاذهم العجل ربا بعد فراق موسى إياهم.ثم أمرهم موسى بالمراجعة من ذنبهم، والإنابة إلى الله من ردتهم، بالتوبة إليه , والتسليم لطاعته فيما أمرهم به. وأخبرهم أن توبتهم من الذنب الذي ركبوه قتلهم أنفسهم .* * *وقد دللنا فيما مضى على أن معنى " التوبة ": الأوبة مما يكرهه الله إلى ما يرضاه من طاعته. (120)* * *فاستجاب القوم لما أمرهم به موسى من التوبة مما ركبوا من ذنوبهم إلى ربهم، على ما أمرهم به، كما:-934 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة بن الحجاج , عن أبي إسحاق , عن أبي عبد الرحمن أنه قال في هذه الآية: (فاقتلوا أنفسكم) قال: عمدوا إلى الخناجر , فجعل يطعن بعضهم بعضا.935 - حدثني عباس بن محمد قال، حدثنا حجاج بن محمد، قال ابن جريج , أخبرني القاسم بن أبي بزة أنه سمع سعيد بن جبير ومجاهدا قالا قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتل بعضهم بعضا لا يحن رجل على رجل قريب ولا بعيد , (121) حتى ألوى موسى بثوبه , (122) فطرحوا ما بأيديهم , فتكشف عن سبعين ألف قتيل. وإن الله أوحى إلى موسى: أن حسبي فقد اكتفيت ! فذلك حين ألوى بثوبه . (123)936 - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان بن عيينة قال، قال أبو سعيد , عن عكرمة , عن ابن عباس قال: قال موسى لقومه: (توبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم). قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه عز وجل - أن يقتلوا أنفسهم , قال: فاحتبى الذين عكفوا على العجل فجلسوا , (124) &; 2-74 &; وقام الذين لم يعكفوا على العجل، وأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة , فجعل يقتل بعضهم بعضا، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل , (125) كل من قتل منهم كانت له توبة , وكل من بقي كانت له توبة.937 - وحدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط , عن السدي قال: لما رجع موسى إلى قومه قال: يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا إلى قوله: فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ [ طه: 86-87]. فألقى موسى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [ طه: 94]. فترك هارون ومال إلى السامري , ف قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ إلى قوله: ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا [ طه: 95-97] ثم أخذه فذبحه , ثم حرقه بالمبرد , (126) ثم ذراه في اليم , فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء منه . ثم قال لهم موسى: اشربوا منه . فشربوا , فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب . فذلك حين يقول: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [ البقرة: 93] . فلما سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى , ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا: لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ . فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل، إلا بالحال التي كرهوا أن يقاتلهم حين عبدوا العجل , (127) فقال لهم موسى: (يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم). قال: فصفوا صفين، ثم اجتلدوا بالسيوف . فاجتلد الذين عبدوه &; 2-75 &; والذين لم يعبدوه بالسيوف , فكان من قتل من الفريقين شهيدا , حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل بينهم سبعون ألفا , وحتى دعا موسى وهارون (128) ربنا هلكت بنو إسرائيل! ربنا البقية البقية! (129) ! فأمرهم أن يضعوا السلاح , وتاب عليهم . فكان من قتل شهيدا , ومن بقي كان مكفرا عنه . فذلك قوله: (فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم). (130)938 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله تعالى: (باتخاذكم العجل)، قال: كان موسى أمر قومه - عن أمر ربه - أن يقتل بعضهم بعضا بالخناجر, فجعل الرجل يقتل أباه ويقتل ولده , فتاب الله عليهم.939 - وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " باتخاذكم العجل " ، قال : كان أمر موسى قومه - عن أمر ربه - أن يقتل بعضهم بعضا، ولا يقتل الرجل أباه ولا أخاه. فبلغ ذلك في ساعة من نهار سبعين ألفا. (131)940 - وحدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر , عن الربيع , عن أبي العالية في قوله: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم) الآية ، قال: فصاروا صفين, فجعل يقتل بعضهم بعضا, فبلغ القتلى ما شاء الله , ثم قيل لهم: قد تيب على القاتل والمقتول.941 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل , عن ابن شهاب قال، لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها، برزوا &; 2-76 &; ومعهم موسى , فاضطربوا بالسيوف, (132) وتطاعنوا بالخناجر , وموسى رافع يديه . حتى إذا فتر، أتاه بعضهم فقالوا: يا نبي الله ادع الله لنا. وأخذوا بعضديه يسندون يديه . (133) فلم يزل أمرهم على ذلك، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيدي بعضهم عن بعض, فألقوا السلاح. وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم, فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى: ما يحزنك؟, (134) أما من قتل منكم، فحي عندي يرزق؛ وأما من بقي، فقد قبلت توبته! فبشر بذلك موسى بني إسرائيل (135) .942 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الزهري وقتادة في قوله: (فاقتلوا أنفسكم)، قال: قاموا صفين يقتل بعضهم بعضا، (136) حتى قيل لهم كُفوا. قال قتادة: كانت شهادة للمقتول وتوبة للحي.943 - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين بن داود قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج قال، قال لي عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: قام بعضهم إلى بعض، يقتل بعضهم بعضا, ما يترابأ الرجل أخاه ولا أباه ولا ابنه ولا أحدا حتى نزلت التوبة. (137)قال ابن جريج, وقال ابن عباس: بلغ قتلاهم سبعين ألفا, ثم رفع الله عز وجل عنهم القتل, وتاب عليهم. قال ابن جريج: قاموا صفين فاقتتلوا بينهم, فجعل الله القتل لمن قتل منهم شهادة , وكانت توبة لمن بقي . وكان قتل بعضهم بعضا أن الله علم أن ناسا منهم علموا أن العجل باطل، فلم يمنعهم أن ينكروا عليهم إلا مخافة القتال , فلذلك أمر أن يقتل بعضهم بعضا .944 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق قال: لما رجع موسى إلى قومه , وأحرق العجل وذراه في اليم، (138) وخرج إلى ربه بمن اختار من قومه , فأخذتهم الصاعقة , ثم بعثوا - سأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل , فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم . قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى: نصبر لأمر الله! فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده. فجلسوا بالأفنية، وأَصْلَتَ عليهم القوم السيوف , (139) فجعلوا يقتلونهم. وبكى موسى، وبهش إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم , (140) فتاب عليهم وعفا عنهم , وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف . (141)945 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما رجع موسى إلى قومه , وكان سبعون رجلا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه، فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربكم . فقالوا: يا موسى، أما من توبة؟ قال: بلى!(اقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم) &; 2-78 &; الآية . فاخترطوا السيوف والجِرَزَة والخناجر والسكاكين . (142) قال: وبعث عليهم ضبابة , قال: فجعلوا يتلامسون بالأيدي , ويقتل بعضهم بعضا. قال: ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري , ويتنادون فيها: رحم الله عبدا صبر نفسه حتى يبلغ الله رضاه . (143) وقرأ قول الله جل ثناؤه: وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ [ الدخان: 33]. قال: فقتلاهم شهداء , وتيب على أحيائهم، وقرأ: (فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم) . (144) .* * *فالذي ذكرنا -عمن روينا عنه الأخبار التي رويناها- كان توبة القوم من الذنب الذي أتوه فيما بينهم وبين ربهم، بعبادتهم العجل مع ندمهم على ما سلف منهم من ذلك.* * *وأما معنى قوله: (فتوبوا إلى بارئكم)، فإنه يعني به: ارجعوا إلى طاعة خالقكم، وإلى ما يرضيه عنكم، كما: -946 - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر , عن الربيع , عن أبي العالية: (فتوبوا إلى بارئكم)، أي: إلى خالقكم.* * *وهو من " برأ الله الخلق يبرؤه فهو بارئ" . و " البرية ": الخلق. وهي" فعيلة " بمعنى " مفعولة " , غير أنها لا تهمز. كما لا يهمز " ملك " وهو من " لأك " , لكنه جرى بترك الهمزة كذلك (145) قال نابغة بني ذبيان:إلا سليمان إذ قال المليك لهقم في البرية فاحدُدْها عن الفَنَد (146)وقد قيل: إن " البرية " إنما لم تهمز لأنها " فعيلة " من " البَرَى " , والبَرَى: التراب . فكأن تأويله على قول من تأوله كذلك أنه مخلوق من التراب.* * *وقال بعضهم: إنما أخذت " البرية " من قولك " بريت العود ". فلذلك لم يهمز .* * *قال أبو جعفر: وترك الهمز من " بارئكم " جائز , والإبدال منها جائز. فإذ كان ذلك جائزا في" باريكم " فغير مستنكر أن تكون " البرية " من: " برى الله الخلق " بترك الهمزة.* * *وأما قوله: (ذلكم خير لكم عند بارئكم)، فإنه يعني بذلك: توبتكم بقتلكم أنفسكم وطاعتكم ربكم، خير لكم عند بارئكم، لأنكم تنجون بذلك من عقاب الله في الآخرة على ذنبكم, وتستوجبون به الثواب منه.* * *وقوله: (فتاب عليكم)، أي: بما فعلتم مما أمركم به من قتل بعضكم بعضا. وهذا من المحذوف الذي استغني بالظاهر منه عن المتروك . لأن معنى الكلام: فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم , ذلكم خير لكم عند بارئكم , فتبتم، فتاب عليكم. فترك ذكر قوله: " فتبتم "، إذ كان في قوله: (فتاب عليكم) دلالة بينة على اقتضاء الكلام " فتبتم ".* * *ويعني بقوله: (فتاب عيكم) رَجَعَ لكم ربكم إلى ما أحببتم: من العفو عن ذنوبكم وعظيم ما ركبتم , والصفح عن جرمكم، (إنه هو التواب الرحيم) يعني: الراجع لمن أناب إليه بطاعته إلى ما يحب من العفو عنه. ويعني ب " الرحيم "، العائد إليه برحمته المنجية من عقوبته.-----------------الهوامش :(120) انظر ما سلف 1 : 547 .(121) حن عليه : عطف عليه . وفي ابن كثير 1 : 169"لا يحنو" ، وهو مثله في المعنى .(122) ألوى بثوبه : لمع به أشار . يأمرهم موسى بالكف عما هم فيه .(123) في المطبوعة : "قد اكتفيت ، فذلك حين ألوى . . . " وفي المخطوطة"بذلك" ، واخترت ما نقله ابن كثير 1 : 169 .(124) في المخطوطة : "فاختبأ الذي عكفوا . . . " ، وفي ابن كثير 1 : 169"فأخبر" ، وهو خطأ محض . واحتبى بثوبه : ضم رجليه إلى يطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ، يشده عليها ، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب . وانظر البغوي 1 : 169 ، فهو دال على صواب ما استظهرته في قراءة الكلمة .(125) أجلى عن كذا : انكشف عنه .(126) حرق الحديد بالمبرد حرقا ، وحرقه (بتشديد الراء) : برده وحك بعضه ببعض . وكذلك جاء عن ابن إسحاق في تاريخ الطبري 1 : 220 قال : "سمعت بعض أهل العلم يقول : إنما كان إحراقه سحلة" . والسحل : السحق والحك بالمبرد .(127) في المطبوعة : "أن يقاتلوهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وتاريخ الطبري .(128) في المخطوطة والمطبوعة : " وحتى دعا موسى" ، وأثبت ما في التاريخ بحذف واو العطف .(129) البقية : الإبقاء عليهم ، يدعوان ربهما أن يبقى بقية ، فلا يستأصلهم بقتل أنفسهم .(130) الأثر : 937 - في تاريخ الطبري 1 : 219 .(131) الأثر : 939 - سقط هذا الأثر كله من المطبوعة .(132) في المطبوعة : "فتضاربوا" وأثبت ما في المخطوطة وابن كثير 1 : 170 . وتضارب الرجلان بسيفيهما واضطربا : تجالدا بالسيف ، بمعنى واحد .(133) في المطبوعة : "يشدون" ، والصواب من المخطوطة وابن كثير . يريد : يسندون يديه وموسى رافع يديه يدعو الله .(134) في المطبوعة : "لا يحزنك" ، والصواب من المخطوطة وابن كثير .(135) في المطبوعة وابن كثير : "فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل" .(136) في المطبوعة : " فقتل بعضهم بعضا : ، ليست بشيء .(137) في المطبوعة"ما يتوقى الرجل" ، وفي المخطوطة"ما يترانا" . ورابأت فلانا : اتقيته واتقاني ومن مادته : "أربأ بك عن كذا" . أي أرفعك عنه ولا أرضاه لك . ويقال : "ما عبأت به ولا ربأت" : أي ما باليت به ولا حفلت . فقوله : "ما يترابأ" أي ما يبالي الرجل أن يقتل أخاه .(138) في صدر هذا الخبر من التاريخ 1 : 220 أن إحراق العجل : سحله ، كما مضى في ص : 70 تعليق : 1 .(139) في المطبوعة : "وسلت القوم عليهم السيوف" . وأثبت ما في تاريخ الطبري وابن كثير 1 : 170 وأصلت السيف : جرده من غمده .(140) بهش إليه : أقبل عليه وأسرع إليه ، وتهيأ للبكاء .(141) الأثر 944 - في تاريخ الطبري 1 : 221 ، وابن كثير 1 : 170 ، وفي التاريخ وحده : "أن يرفع عنهم السيف" .هذا ، وفي النسخة المخطوطة التي اعتمدناها ، خرم من عند قوله في هذا الأثر : "سأل ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة" - إلى أن يأتي قوله : " القول في تأويل قوله تعالى : "ثم بعثناكم من بعد موتكم" . وهو أول المجلد الثاني من هذه النسخة ، وتدل وثيقة الوقف التي كتبت على ظهر هذا المجلد ، أن هذه النسخة مجزأة في اثنين وعشرين جزءا .(142) اخترط السيف : سله . والجرزة (بكسر الجيم وفتح الزاي) جمع جرز (بضم فسكون) ، وهو عمود من الحديد ، سلاح يقاتل به .(143) في المطبوعة : "صبر حتى يبلغ" بحذف"نفسه" . والزيادة من ابن كثير 1 : 170(144) الأثر : 945 - في ابن كثير 1 : 170(145) انظر ما مضى 1 : 444 - 447 .(146) ديوانه : 29 ، من قصيدته التي قالها يذكر النعمان ويعتذر إليه ، وقبل البيت :ولا أرى فاعلا في الناس يشبههولا أحاشي من الأقوام من أحدحَدَدْتُ فلانا عن الشر : منعته وحبسته . والفند : الخطأ في الرأى وفي القول .
وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٥التفسير الميسرواذكروا إذ قلتم: يا موسى لن نصدقك في أن الكلام الذي نسمعه منك هو كلام الله، حتى نرى الله عِيَانًا، فنزلت نار من السماء رأيتموها بأعينكم، فقَتَلَتْكم بسبب ذنوبكم، وجُرْأتكم على الله تعالى.
تفسير السعديتفسير الآيات من 50 الى 55 : ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده, أي: ذهابه. وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ عالمون بظلمكم, قد قامت عليكم الحجة, فهو أعظم جرما وأكبر إثما. ثم إنه أمركم بالتوبة على لسان نبيه موسى بأن يقتل بعضكم بعضا فعفا الله عنكم بسبب ذلك لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الله.
تفسير ابن كثيريقول تعالى : واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق ، إذ سألتم رؤيتي جهرة عيانا ، مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم ، كما قال ابن جريج ، قال ابن عباس في هذه الآية : ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) قال : علانية .وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق ، عن أبي الحويرث ، عن ابن عباس ، أنه قال في قول الله تعالى : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) أي علانية ، أي حتى نرى الله .وقال قتادة ، والربيع بن أنس : ( حتى نرى الله جهرة ) أي عيانا .وقال أبو جعفر عن الربيع بن أنس : هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه . قال : فسمعوا كلاما ، فقالوا : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) قال : فسمعوا صوتا فصعقوا ، يقول : ماتوا .وقال مروان بن الحكم ، فيما خطب به على منبر مكة : الصاعقة : صيحة من السماء .وقال السدي في قوله : ( فأخذتكم الصاعقة ) الصاعقة : نار .وقال عروة بن رويم في قوله : ( وأنتم تنظرون ) قال : فصعق بعضهم وبعض ينظرون ، ثم بعث هؤلاء وصعق هؤلاء .وقال السدي : ( فأخذتكم الصاعقة ) فماتوا ، فقام موسى يبكي ويدعو الله ، ويقول : رب ، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم ( لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) [ الأعراف : 155 ] . فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل ، ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا رجل رجل ، ينظر بعضهم إلى بعض : كيف يحيون ؟ قال : فذلك قوله تعالى : ( ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون )
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرونفيه خمس مسائل : الأولى : " وإذ قلتم " معطوف . " يا موسى " نداء مفرد . لن نؤمن لك أي نصدقك حتى نرى الله جهرة قيل هم السبعون الذين اختارهم موسى ، وذلك أنهم لما أسمعهم كلام الله تعالى قالوا له بعد ذلك لن نؤمن لك . والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم فأرسل الله عليهم نارا من السماء فأحرقهم ثم دعا موسى ربه فأحياهم كما قال تعالى ثم بعثناكم من بعد موتكم وستأتي قصة السبعين في الأعراف إن شاء الله تعالى قال ابن فورك يحتمل أن تكون معاقبتهم لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه بقولهم لموسى أرنا الله جهرة وليس ذلك من مقدور موسى عليه السلام .وقد اختلف في جواز رؤية الله تعالى فأكثر المبتدعة على إنكارها في الدنيا والآخرة وأهل السنة والسلف على جوازها فيهما ووقوعها في الآخرة فعلى هذا لم يطلبوا من الرؤية محالا ; وقد سألها موسى عليه السلام وسيأتي الكلام في الرؤية في " الأنعام " و " الأعراف " إن شاء الله تعالىالثانية : قوله تعالى : : جهرة مصدر في موضع الحال ومعناه علانية وقيل عيانا قاله ابن عباس وأصل الجهر الظهور ومنه الجهر بالقراءة إنما هو إظهارها والمجاهرة بالمعاصي المظاهرة بها ورأيت الأمير جهارا وجهرة أي غير مستتر بشيء وقرأ ابن عباس ( جهرة ) بفتح الهاء ، وهما لغتان مثل زهرة وزهرة وفي الجهر وجهان : أحدهما : أنه صفة لخطابهم لموسى أنهم جهروا به وأعلنوا فيكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير وإذ قلتم جهرة يا موسى . الثاني : أنه صفة لما سألوه من رؤية الله تعالى أن يروه جهرة وعيانا فيكون الكلام على نسقه لا تقديم فيه ولا تأخير وأكد بالجهر فرقا بين رؤية العيان ورؤية المنامالثالثة قوله تعالى : فأخذتكم الصاعقة قد تقدم في أول السورة معنى الصاعقة ، وقرأ عمر وعثمان وعلي ( الصعقة ) وهي قراءة ابن محيصن في جميع القرآن .وأنتم تنظرون جملة في موضع الحال ويقال كيف يموتون وهم ينظرون ؟ فالجواب أن العرب تقول دور آل فلان تراءى أي يقابل بعضها بعضا ، وقيل المعنى تنظرون أي إلى حالكم وما نزل بكم من الموت وآثار الصعقة
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةًقال أبو جعفر: وتأويل ذلك: واذكروا أيضا إذ قلتم: يا موسى لن نصدقك ولن نقر بما جئتنا به، حتى نرى الله جهرة - عِيانا برفع الساتر بيننا وبينه, وكشف الغطاء دوننا ودونه، حتى ننظر إليه بأبصارنا , كما تجهر الرَّكيَّة , وذلك إذا كان ماؤها قد غطاه الطين , فنُقِّي ما قد غطاه حتى ظهر الماء وصفا. يقال منه: (147) " قد جَهَرْتُ الركية أجهرها جهرا وجهرة ". (148) ولذلك قيل: " قد جاهر فلان بهذا الأمر مجاهرة وجهارا "، (149) " إذا أظهره لرأي العين وأعلنه، كما قال الفرزدق بن غالب:من اللائي يظل الألف منهمنيخًا من مخافته جهارا (150)947 - وكما حدثنا به القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (حتى نرى الله جهرة)، قال: علانية.948 - وحدثت عن عمار بن الحسن قال، ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع: (حتى نرى الله جهرة) يقول: عيانا.949 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (حتى نرى الله جهرة)، حتى يطلع إلينا.950 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد , عن قتادة: (حتى نرى الله جهرة)، أي عيانا.فذكرهم بذلك جل ذكره اختلاف آبائهم، وسوء استقامة أسلافهم لأنبيائهم , مع كثرة معاينتهم من آيات الله جل وعز وعبره ما تثلج بأقلها الصدور , (151) وتطمئن بالتصديق معها النفوس. وذلك مع تتابع الحجج عليهم , وسبوغ النعم من الله لديهم، (152) وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلها غير الله. ومرة يعبدون العجل من دون الله. ومرة يقولون: لا نصدقك حتى نرى الله جهرة . وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا &; 2-82 &; قاعدون. ومرة يقال لهم: قولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم. فيقولون: حنطة في شعيرة! ويدخلون الباب من قبل أستاههم , مع غير ذلك من أفعالهم التي آذوا بها نبيهم عليه السلام، التي يكثر إحصاؤها.فأعلم ربنا تبارك وتعالى ذكره الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بني إسرائيل، الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم لن يعدوا أن يكونوا -في تكذيبهم محمدا صلى الله عليه و سلم, وجحودهم نبوته , وتركهم الإقرار به وبما جاء به , مع علمهم به، ومعرفتهم بحقيقة أمره- كأسلافهم وآبائهم الذين فصّل عليهم ققَصصهم في ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى, وتوثبهم على نبيهم موسى صلوات الله وسلامه عليه تارة بعد أخرى , مع عظيم بلاء الله جل وعز عندهم، وسبوغ آلائه عليهم. (153) .* * *القول في تأويل قوله تعالى فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55)اختلف أهل التأويل في صفة الصاعقة التي أخذتهم . فقال بعضهم بما: -951 - حدثنا به الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله: (فأخذتكم الصاعقة)، قال: ماتوا.952 - وحدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع: (فأخذتكم الصاعقة) قال: سمعوا صوتا فصَعِقوا ، يقول: فماتوا.* * *وقال آخرون بما: -953 - حدثني موسى بن هارون الهمداني قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، &; 2-83 &; حدثنا أسباط , عن السدي: (فأخذتكم الصاعقة)، والصاعقة: نار.* * *وقال آخرون بما: -954 - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق قال: أخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فماتوا جميعا.* * *وأصل " الصاعقة " كل أمر هائل رآه [المرء] أو عاينه أو أصابه - (154) حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب, وإلى ذهاب عقل وغمور فهم , (155) أو فقد بعض آلات الجسم - صوتا كان ذلك أو نارا , أو زلزلة , أو رجفا . ومما يدل على أنه قد يكون مصعوقا وهو حي غير ميت , قول الله عز وجل: وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا [الأعراف: 143]، يعني مغشيا عليه، ومنه قول جرير بن عطية:وهل كان الفرزدق غير قردأصابته الصواعق فاستدارا (156)فقد علم أن موسى لم يكن -حين غشي عليه وصعق ميتا، لأن الله جل وعز أخبر عنه أنه لما أفاق قال: تُبْتُ إِلَيْكَ [ الأعراف: 143]- ولا شبه جرير الفرزدق وهو حي بالقرد ميتا . ولكن معنى ذلك ما وصفنا .* * *ويعني بقوله: (وأنتم تنظرون) ، وأنتم تنظرون إلى الصاعقة التي أصابتكم , يقول: أخذتكم الصاعقة عيانا جهارا وأنتم تنظرون إليها.-------------الهوامش :(147) هذا نص كلام الأخفش (اللسان جهر) . وفي المطبوعة"فنفى ما قد غطاه" ، ولا بأس بها ، ولكني أثبت ما في اللسان .(148) قوله"وجهرة" ، مصدر لم أجده في اللسان ولا في غيره .(149) في المطبوعة : "جهر فلان بهذا الأمر مجاهرة وجهارا" ، وليس حسنا أن يقال كذلك . فإن"مجاهرة" لا تكون مصدر"جهر" ألبتة ، وإن جاز أن يكون"جهار" مصدرا له كما في اللسان : "جهر بكلامه يجهر جهرا وجهارا" . فمن أجل ذلك آثرت أن أضع مكان"جهر""جاهر" ، حتى يستقيم على الجادة .(150) ديوانه : 443 ، والنقائض : 255 ، يهجو جريرا ، وقبل البيت :عوى , فأثار أغلب ضيغميافويل ابن المراغة ! ما استثارا?قوله"عوى" يعني جريرا. وقوله"من اللائي"، أصله: من اللائين. و"اللاؤون" جمع"الذي" من غير لفظه، بمعنى"الذين". وفيه لغات: اللاؤون، في الرفع، واللائين، في الخفض والنصب. واللاؤو، بلانون، واللائي، بإثبات الياء في كل حال. يستوى فيه الرجال والنساء، ومنه قول عباد بن طهفة، وهو أبو الربيس، شاعر أموي:من النفر اللائي الذين إذا همويهاب اللئام حلقة الباب قعقعواوأجاز أبو الربيس أن يجمع بين"اللائي" و"الذين"، لاختلاف اللفظين، أو على إلغاء أحدهما. قول الفرزدق:"من اللائي"، يعني: من الذين. ثم قطع القول وحذف، لدلالة الكلام على ما أراد، كأنه قال: هو من الذين عرفت يا جرير. ثم استأنف فقال: يظل الألف منه..، والضمير في"منه" عائد إلى قوله:"أغلب ضيغميا"، هو الأسد، ويعني نفسه. والألف: يعني ألف رجل. وقوله:"منيخا": أي قد أناخ"الألف" ركابهم من مخافته، وقد قطع عليهم الطريق.هذا، ورواية النقائض والديوان:"نهارا" مكان"جهارا" جاء تفسيرها في النقائض:"قال: نهارا، ولم يقل: ليلا، لأن الأسد أكثر شجاعته وقوته بالليل.فيقول: هذا الأسد يظل الألف منه منيخا بالنهار، فكيف بالليل!". رواية الطبري:"جهارا" قريبة المعنى من رواية من روى"نهارا". وهم يقولون: لقيته جهارا نهارا. لأن النهار يكشف كل شيء ويعلنه ويجهره. أي أناخوا يرونه وهم يرونه رأى العين، وذلك في النهار.(151) ثلجت نفسه بالشيء (بكسر اللام) تثلج وتثلج (بفتح اللام وضمها) ثلوجا : اشتفت واطمأنت وسكنت إليه ، ووثقت به .(152) مضى في ص : 58 التعليق على مثل هذه الكلمة ، وكانت في المخطوطة : "شيوع آلائه لديهم" . وسبوغ النعمة : كمالها وتمامها واتساعها . ولا أزال أستحسن أن تكون هنا"شيوع" ، لقوله"لديهم" ، فأما إن قال"وسبوغ النعم عليهم" ، كما سيأتي في آخر هذه الفقرة ، فهي"سبوغ"ولا شك .(153) انظر التعليق السالف : 77 تعليق : 2(154) الزيادة بين القوسين من عندي . ليستقيم بها الكلام .(155) قوله"غمور فهم" لم أجد هذا المصدر في كتب اللغة. وكأنه مصدر غمر عليه (بالبناء للمجهول): أغمى عليه. وفي الحديث أنه أول ما اشتكي بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم - في بيت ميمونة، اشتد مرضه حتى غمر عليه - أي: أغمى عليه، حتى كأنه غطى على عقله وستر، من قولهم: غمرت الشيء: إذا سترته، وغشي عليه وأغمي عليه من معنى الستر أيضًا (اللسان، الفائق).(156) ديوانه : 281 ، والنقائض : 251 وبعده في هجاء الفرزدق ، وهو من أشده :وكنت إذا حللت بدار قومرحلت بِخَزْيَةٍ وتركت عاراوما أشد ما قال! وقال في النقائض في شرح البيت : "ولغته - يعني جريرا - الصواقع . فاستدار : أي استدار إنسانا بعد أن كان قردا" . وكأنه أخطأ المعنى ، فإنه أراد أنه مسخ قردا على هيئته التي كان عليها قبل أن يكون إنسانا . فقوله : "استدار" : عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" أي عاد كما بدأ . فهو يقول : كان الفرزدق في أصل نشأته قردا ، ثم تحول إنسانا ، فلما أصابته صواعق شعري عاد كما كان في أصل نشأته قردا صريحا .
ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٦التفسير الميسرثم أحييناكم مِن بعد موتكم بالصاعقة؛ لتشكروا نعمة الله عليكم، فهذا الموت عقوبة لهم، ثم بعثهم الله لاستيفاء آجالهم.
تفسير السعدي وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً وهذا غاية الظلم والجراءة على الله وعلى رسوله، فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ إما الموت أو الغشية العظيمة، وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وقوع ذلك, كل ينظر إلى صاحبه، ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
تفسير ابن كثيروقال الربيع بن أنس : كان موتهم عقوبة لهم ، فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم . وكذا قال قتادة .وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن حميد ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، قال : لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل ، وقال لأخيه وللسامري ما قال ، وحرق العجل وذراه في اليم ، اختار موسى منهم سبعين رجلا الخير فالخير ، وقال : انطلقوا إلى الله وتوبوا إلى الله مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم ، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم . فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه ، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم ، فقال له السبعون - فيما ذكر لي - حين صنعوا ما أمروا به وخرجوا للقاء الله ، قالوا : يا موسى ، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا ، فقال : أفعل . فلما دنا موسى من الجبل ، وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله ، ودنا موسى فدخل فيه ، وقال للقوم : ادنوا . وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نور ساطع ،لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه ، فضرب دونه بالحجاب ، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه : افعل ولا تفعل . فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام ، فأقبل إليهم ، فقالوا لموسى : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) فأخذتهم الرجفة ، وهي الصاعقة ، فماتوا جميعا . وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ، ويقول : ( رب لو شئت أهلكتهم من قبل [ وإياي ] ) [ الأعراف : 155 ] قد سفهوا ، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا ؟ أي : إن هذا لهم هلاك . اخترت منهم سبعين رجلا الخير فالخير ، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد! فما الذي يصدقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا ؟ ( إنا هدنا إليك ) [ الأعراف : 156 ] فلم يزل موسى يناشد ربه عز وجل ، ويطلب إليه حتى رد إليهم أرواحهم ، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل ، فقال : لا ؛ إلا أن يقتلوا أنفسهم .هذا سياق محمد بن إسحاق .وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير : لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل وتاب الله عليهم بقتل بعضهم بعضا كما أمرهم به ، أمر الله موسى أن يأتيه في كل أناس من بني إسرائيل ، يعتذرون إليه من عبادة العجل ، ووعدهم موسى ، فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عينه ، ثم ذهب بهم ليعتذروا . وساق البقية .[ وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل في قوله : ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) والمراد السبعون المختارون منهم ، ولم يحك كثير من المفسرين سواه ، وقد أغرب فخر الدين الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين : أنهم بعد إحيائهم قالوا : يا موسى ، إنك لا تطلب من الله شيئا إلا أعطاك ، فادعه أن يجعلنا أنبياء ، فدعا بذلك فأجاب الله دعوته ، وهذا غريب جدا ، إذ لا يعرف في زمان موسى نبي سوى هارون ثم يوشع بن نون ، وقد غلط أهل الكتاب أيضا في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله عز وجل ، فإن موسى الكليم ، عليه السلام ، قد سأل ذلك فمنع منه فكيف يناله هؤلاء السبعون ؟القول الثاني في الآية ] قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية : قال لهم موسى - لما رجع من عند ربه بالألواح ، قد كتب فيها التوراة ، فوجدهم يعبدون العجل ، فأمرهم بقتل أنفسهم ، ففعلوا ، فتاب الله عليهم ، فقال : إن هذه الألواح فيها كتاب الله ، فيه أمركم الذي أمركم به ونهيكم الذي نهاكم عنه . فقالوا : ومن يأخذه بقولك أنت ؟ لا والله حتى نرى الله جهرة ، حتىيطلع الله علينا فيقول : هذا كتابي فخذوه ، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى ! وقرأ قول الله : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) قال : فجاءت غضبة من الله ، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة ، فصعقتهم فماتوا أجمعون . قال : ثم أحياهم الله من بعد موتهم ، وقرأ قول الله : ( ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ) فقال لهم موسى : خذوا كتاب الله . فقالوا : لا فقال : أي شيء أصابكم ؟ فقالوا : أصابنا أنا متنا ثم حيينا . قال : خذوا كتاب الله . قالوا : لا . فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم .[ وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا . وقد حكى الماوردي في ذلك قولين : أحدهما : أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق ؛ والثاني : أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف ، قال القرطبي : وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم ؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورا عظاما من خوارق العادات ، وهم في ذلك مكلفون وهذا واضح ، والله أعلم ] .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ثم بعثناكم من بعد موتكم أي أحييناكم قال قتادة ماتوا وذهبت أرواحهم ثم ردوا لاستيفاء آجالهم . قال النحاس : وهذا احتجاج على من لم يؤمن بالبعث من قريش واحتجاج على أهل الكتاب إذ خبروا بهذا والمعنى لعلكم تشكرون ما فعل بكم من البعث بعد الموت وقيل ماتوا موت همود يعتبر به الغير ثم أرسلوا وأصل البعث الإرسال وقيل بل أصله إثارة الشيء من محله يقال بعثت الناقة أثرتها أي حركتها قال امرؤ القيس :وفتيان صدق قد بعثت بسحرة فقاموا جميعا بين عاث ونشوانوقال عنترة :وصحابة شم الأنوف بعثتهم ليلا وقد مال الكرى بطلاهاوقال بعضهم بعثناكم من بعد موتكم علمناكم من بعد جهلكم .قلت : والأول أصح ؛ لأن الأصل الحقيقة وكان موت عقوبة ومنه قوله تعالى ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم على ما يأتي .الخامسة : قال الماوردي واختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته ومعاينة الأحوال المضطرة إلى المعرفة على قولين : أحدهما بقاء تكليفهم ؛ لئلا يخلو عاقل من تعبد . الثاني : سقوط تكليفهم معتبرا بالاستدلال دون الاضطرار .قلت : والأول أصح فإن بني إسرائيل قد رأوا الجبل في الهواء ساقطا عليهم والنار محيطة بهم ، وذلك مما اضطرهم إلى الإيمان ، وبقاء التكليف ثابت عليهم ومثلهم قوم يونس ومحال أن يكونوا غير مكلفين والله أعلم
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى (157) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)يعني بقوله: (ثم بعثناكم) ثم أحييناكم .* * *وأصل " البعث " إثارة الشيء من محله . ومنه قيل: " بعث فلان راحلته " إذا أثارها من مبركها للسير , كما قال الشاعر:فأبعثها وهيَّ صنيعُ حولكركن الرَّعنِ, ذِعْلِبَةً وَقاحا (158)&; 2-85 &; و " الرعن ": منقطع أنف الجبل , و " الذعلبة ": الخفيفة , و " الوقاح ": الشديدة الحافر أو الخف . ومن ذلك قيل: " بعثت فلانا لحاجتي"، إذا أقمته من مكانه الذي هو فيه للتوجه فيها . ومن ذلك قيل ليوم القيامة: " يوم البعث " , لأنه يوم يثار الناس فيه من قبورهم لموقف الحساب.* * *يعني بقوله: (من بعد موتكم)، من بعد موتكم بالصاعقة التي أهلكتكم.* * *وقوله: (لعلكم تشكرون)، يقول: فعلنا بكم ذلك لتشكروني على ما أوليتكم من نعمتي عليكم، بإحيائي إياكم، استبقاء مني لكم ، لتراجعوا التوبة من عظيم ذنبكم، بعد إحلالي العقوبة بكم بالصاعقة التي أحللتها بكم, فأماتتكم بعظيم خطئكم الذي كان منكم فيما بينكم وبين ربكم.وهذا القول على تأويل من تأول قوله قول: (ثم بعثناكم) ثم أحييناكم.* * *وقال آخرون: معنى قوله: (ثم بعثناكم)، أي بعثناكم أنبياء .955 - حدثني بذلك موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط عن السدي .* * *قال أبو جعفر: وتأويل الكلام على ما تأوله السدي: فأخذتكم الصاعقة، ثم أحييناكم من بعد موتكم , وأنتم تنظرون إلى إحيائنا إياكم من بعد موتكم , ثم بعثناكم أنبياء لعلكم تشكرون.وزعم السدي أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير , والمؤخر الذي معناه التقديم.956 - حدثنا بذلك موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط , عن السدي.وهذا تأويل يدل ظاهر التلاوة على خلافه، مع إجماع أهل التأويل على تخطئته . والواجب على تأويل السدي الذي حكيناه عنه، أن يكون معنى قوله: (لعلكم تشكرون)، تشكروني على تصييري إياكم أنبياء.* * *وكان سبب قيلهم لموسى ما أخبر الله جل وعز عنهم أنهم قالوا له، من قولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً , ما:-957 - حدثنا به محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل , عن محمد بن إسحاق قال: لما رجع موسى إلى قومه , ورأى ما هم فيه من عبادة العجل , وقال لأخيه وللسامري ما قال , وحرق العجل وذراه في اليم، (159) اختار موسى منهم سبعين رجلا الخيِّر فالخيِّر , وقال: انطلقوا إلى الله عز وجل , فتوبوا إليه مما صنعتم، وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم؛ صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه , وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم . فقال له السبعون -فيما ذكر لي- حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا للقاء ربه: (160) يا موسى، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، (161) قال: أفعل . فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود غمام حتى تغشى الجبل كله , (162) ودنا موسى فدخل فيه , وقال للقوم: ادنوا . وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه . فضرب دونه الحجاب . ودنا القوم، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا , فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل . فلما فرغ إليه من أمره، انكشف عن موسى الغمام. (163) فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ، فأخذتهم &; 2-87 &; الرجفة -وهي الصاعقة- [فافتلتت أرواحهم] فماتوا جميعا . (164) وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي! قد سفهوا , أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما تفعل السفهاء منا؟ (165) -أي: إن هذا لهم هلاك , اخترت منهم سبعين رجلا الخير فالخير، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد! فما الذي يصدقوني به أو يأمنوني عليه بعد هذا؟ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ . فلم يزل موسى يناشد ربه عز وجل ويطلب إليه , (166) حتى رد إليهم أرواحهم , فطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل , فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم . (167) .958 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط بن نصر , عن السدي: لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل , وتاب الله عليهم بقتل بعضهم بعضا كما أمرهم به , أمر الله تعالى موسى أن يأتيه في ناس من بنى إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل , ووعدهم موعدا , فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عينه , ثم ذهب بهم ليعتذروا . فلما أتوا ذلك المكان قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ، فإنك قد كلمته فأرناه: فأخذتهم الصاعقة فماتوا. فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ فأوحى الله إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن اتخذ العجل , فذلك حين يقول موسى: إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ [إلى قوله] &; 2-88 &; إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [ الأعراف: 155-156]. [يقول تبنا إليك] . (168) وذلك قوله: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ . ثم إن الله جل ثناؤه أحياهم فقاموا وعاشوا رجلا رجلا ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون , فقالوا: يا موسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئا إلا أعطاك , فادعه يجعلنا أنبياء ! فدعا الله تعالى فجعلهم أنبياء, فذلك قوله: (ثم بعثناكم من بعد موتكم)، ولكنه قدم حرفا وأخر حرفا . (169)959 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قال لهم موسى لما - رجع من عند ربه بالألواح , قد كتب فيها التوراة، فوجدهم يعبدون العجل , فأمرهم بقتل أنفسهم , ففعلوا , فتاب الله عليهم - , (170) : إن هذه الألواح فيها كتاب الله، فيه أمره الذي أمركم به , ونهيه الذي نهاكم عنه . فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت! لا والله حتى نرى الله جهرة , حتى يطلع الله إلينا (171) فيقول: هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى، (172) فيقول: هذا كتابي فخذوه؟ وقرأ قول الله تعالى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ، قال: فجاءت غضبة من الله, فجاءتهم صاعقة بعد التوبة , فصعقتهم فماتوا أجمعون . قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم , وقرأ قول الله تعالى: (ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون). فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله . فقالوا : لا . فقال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: أصابنا أنا متنا ثم حيينا. قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا . فبعث الله تعالى ملائكة فنتقت الجبل &; 2-89 &; فوقهم . (173)960 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله: (فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم)، قال: أخذتهم الصاعقة , ثم بعثهم الله تعالى ليكملوا بقية آجالهم.961 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع بن أنس في قوله: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ، قال: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه . قال: فسمعوا كلاما , فقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً . قال: فسمعوا صوتا فصعقوا - يقول: ماتوا - فذلك قوله: (ثم بعثناكم من بعد موتكم)، فبعثوا من بعد موتهم، لأن موتهم ذاك كان عقوبة لهم , فبعثوا لبقية آجالهم .* * *فهذا ما روي في السبب الذي من أجله قالوا لموسى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم ذلك لموسى، تقوم به حجة فيسلم له . (174) وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه , فإذ كان لا خبر بذلك تقوم به حجة , فالصواب من القول فيه أن يقال: إن الله جل ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له: يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ، كما أخبر عنهم أنهم قالوه . وإنما أخبر الله عز وجل بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الآيات، توبيخا لهم في كفرهم بمحمد صلى الله عليه و سلم , وقد قامت حجته على من احتج به عليه , ولا حاجة لمن &; 2-90 &; انتهت إليه إلى معرفة السبب الداعي لهم إلى قيل ذلك . وقد قال الذين أخبرنا عنهم الأقوال التي ذكرناها , وجائز أن يكون بعضها حقا كما قال.----------------الهوامش :(157) عند هذا انتهى الخرم الذي ذكرناه في ص : 77 وبدأنا المخطوطة .(158) لم أجد البيت في مكان . وقوله : "هي" بتشديد الياء ، وهي لغة همدان ، يشددون الواو من"هو" كقول القائل .وإن لساني شُهدة يشتفى بهاوهوَّ, على من صبه الله, علقمويشدد الياء من"هي" كقول القائل :والنفس ما أمرت بالعنف آبيهوهي - إن أمرت باللطف تأتمروالضمير في"أبعثها"إلى ناقته. وقوله:"صنيع حول" أي قد رعت حولا - عاما - حتى سمنت وقويت. يقال صنع فرسه صنعا وصنعة، فهو فرس صنيع، والأنثى بغير هاء: إذا أحسن القيام عليه فغذاه وعلفه وسمنه. وكل ما تعهدته حتى جاد فهو صنيع. والرعن: الأنف العظيم من الجبل تراه متقدما. شبه ناقته في جلالها وقوتها بركن الجبل. ذعلبة: ناقة سريعة باقية على السير. وقاح: صلبة صبور، الذكر والأنثى سواء.(159) في المخطوطة : "وذراه في البحر" .(160) في المطبوعة : " للقاء الله" ، وأثبت ما في المخطوطة وتاريخ الطبري . وفي المخطوطة بعد قوله : "ربه" : "لموسى" ، وأما التاريخ ، فلم يذكر"يا موسى" ، ولا"لموسى" .(161) في المطبوعة : "لنسمع كلام . . " وفي التاريخ : "اطلب لنا نسمع كلام ربنا" بحذف"إلى ربك" .(162) في المطبوعة : "وقع عليه الغمام" ، وفي التاريخ : "وقع عليه عمود الغمام" .(163) في المطبوعة : "فلما فرغ من أمره" ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ . وفيها أيضًا : "وانكشف"بزيادة الواو ، وهو خطأ .(164) الذي بين القوسين زيادة من تاريخ الطبري ، وهي هناك : "فانفلتت أرواحهم" ، والصواب ما أثبته . يقال : "افتلتت نفسه" (بالبناء للمجهول) ، مات فلتة ، أي بغتة ، وفي الحديث : أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن أمي افتلتت نفسها ، فماتت ولم توص ، أفأتصدق عنها؟ قال : نعم .(165) في التاريخ : "قد سفهوا ، فيهلك من ورائي . . . إن هذا لهم هلاك" ، بحذف"أي" .(166) قوله : "ويسأله" ليست في المطبوعة .(167) الأثر : 957 - في تاريخ الطبري 1 : 220 - 221 .(168) الزيادة التي بين الأقواس من تاريخ الطبري ، والأولى منهما زيادة لا بد منها .(169) الأثر : 958 في تاريخ الطبري 1 : 221 . وقوله : "قدم حرفا وأخر حرفا" ، هو ما ذكره في تأويل الآية على ما ذهب إليه السدي (ص : 85)"فأخذتكم الصاعقة ، ثم أحييناكم . . )(170) في المطبوعة : "فقال : إن هذه الألواح . . "(171) في المطبوعة : "يطلع الله علينا" .(172) في المطبوعة : "كما يكلمك أنت" . وسيأتي على الصواب في رقم : 1115 .(173) الأثر : 959 - سيأتي أيضًا رقم : 1115 ، وفيه تمام الخبر نتقوا الجبل : اقتلعوه من أصله ورفعوه فوقهم .(174) في المطبوعة : "فسلم لهم" ، وهو خطأ وتعبير فاسد . وإنما أراد التسليم للخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا الذي قاله الطبري دليل على صحة ما ذكرنا من أنه لم يستدل بهذه الأخبار إلا للبيان عن بعض المعاني ، وإن كانت لا تقوم بها الحجة في التفسير ، كما قلنا في التذكرة التي كتبناها في الجزء الأول : 453 - 454 . وانظر بقية كلام الطبري في هذه الفقرة . فإنه كلام بليغ الدلالة ، مفيد في معرفة أسلوب الطبري في تفسيره .
وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٥٧التفسير الميسرواذكروا نعمتنا عليكم حين كنتم تتيهون في الأرض؛ إذ جعلنا السحاب مظللا عليكم من حَرِّ الشمس، وأنزلنا عليكم المنَّ، وهو شيء يشبه الصَّمغ طعمه كالعسل، وأنزلنا عليكم السَّلوى وهو طير يشبه السُّمانَى، وقلنا لكم: كلوا من طيِّبات ما رزقناكم، ولا تخالفوا دينكم، فلم تمتثلوا. وما ظلمونا بكفران النعم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون؛ لأن عاقبة الظلم عائدة عليهم.
تفسير السعديثم ذكر نعمته عليكم في التيه والبرية الخالية من الظلال وسعة الأرزاق، فقال: وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وهو اسم جامع لكل رزق حسن يحصل بلا تعب، ومنه الزنجبيل والكمأة والخبز وغير ذلك. وَالسَّلْوَى طائر صغير يقال له السماني، طيب اللحم، فكان ينزل عليهم من المن والسلوى ما يكفيهم ويقيتهم كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ أي: رزقا لا يحصل نظيره لأهل المدن المترفهين, فلم يشكروا هذه النعمة, واستمروا على قساوة القلوب وكثرة الذنوب. وَمَا ظَلَمُونَا يعني بتلك الأفعال المخالفة لأوامرنا لأن الله لا تضره معصية العاصين, كما لا تنفعه طاعات الطائعين، وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فيعود ضرره عليهم.
تفسير ابن كثيرلما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم ، شرع يذكرهم - أيضا - بما أسبغ عليهم من النعم ، فقال : ( وظللنا عليكم الغمام ) وهو جمع غمامة ، سمي بذلك لأنه يغم السماء ، أي : يواريها ويسترها . وهو السحاب الأبيض ، ظللوا به في التيه ليقيهم حر الشمس . كما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس في حديث الفتون ، قال : ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام .قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عمر ، والربيع بن أنس ، وأبي مجلز ، والضحاك ، والسدي ، نحو قول ابن عباس .وقال الحسن وقتادة : ( وظللنا عليكم الغمام ) [ قال ] كان هذا في البرية ظلل عليهم الغمام من الشمس .وقال ابن جرير قال آخرون : وهو غمام أبرد من هذا ، وأطيب .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وظللنا عليكم الغمام ) قال : ليس بالسحاب ، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة ، ولم يكن إلا لهم .وهكذا رواه ابن جرير ، عن المثنى بن إبراهيم ، عن أبي حذيفة .وكذا رواه الثوري ، وغيره ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، وكأنه يريد ، والله أعلم ، أنه ليس من زي هذا السحاب ، بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظرا ، كما قال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد ، عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : ( وظللنا عليكم الغمام ) قال : غمام أبرد من هذا وأطيب ، وهو الذي يأتي الله فيه في قوله : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ) [ البقرة : 210 ] وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر . قال ابن عباس : وكان معهم في التيه .وقوله : ( وأنزلنا عليكم المن ) اختلفت عبارات المفسرين في المن : ما هو ؟ فقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : كان المن ينزل عليهم على الأشجار ، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا .وقال مجاهد : المن : صمغة . وقال عكرمة : المن : شيء أنزله الله عليهم مثل الطل ، شبه الرب الغليظ .وقال السدي : قالوا : يا موسى ، كيف لنا بما هاهنا ؟ أين الطعام ؟ فأنزل الله عليهم المن ، فكان يسقط على شجر الزنجبيل .وقال قتادة : كان المن ينزل عليهم في محلتهم سقوط الثلج ، أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك ؛ فإذا تعدى ذلك فسد ولم يبق ، حتى إذا كان يوم سادسه ، ليوم جمعته ، أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه ؛ لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر معيشته ولا يطلبه لشيء ، وهذا كله في البرية .وقال الربيع بن أنس : المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل ، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه .وقال وهب بن منبه - وسئل عن المن - فقال : خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النقي .وقال أبو جعفر بن جرير : حدثني أحمد بن إسحاق ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا إسرائيل ، عن جابر ، عن عامر وهو الشعبي ، قال : عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المن .وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إنه العسل .ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت ، حيث قال :فرأى الله أنهم بمضيع لا بذي مزرع ولا مثمورا فسناها عليهم غادياتوترى مزنهم خلايا وخورا عسلا ناطفا وماء فراتاوحليبا ذا بهجة مرمورافالناطف : هو السائل ، والحليب المرمور : الصافي منه .والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن ، فمنهم من فسره بالطعام ، ومنهم من فسره بالشراب ، والظاهر ، والله أعلم ، أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب ، وغير ذلك ، مما ليس لهم فيه عمل ولا كد ، فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعاما وحلاوة ، وإن مزج مع الماء صار شرابا طيبا ، وإن ركب مع غيره صار نوعا آخر ، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده ؛ والدليل على ذلك قول البخاري :حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن عبد الملك ، عن عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد - رضي الله عنه - قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين .وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الملك ، وهو ابن عمير ، به .وأخرجه الجماعة في كتبهم ، إلا أبا داود ، من طرق عن عبد الملك ، وهو ابن عمير ، به . وقال الترمذي : حسن صحيح ، ورواه البخاري ومسلم والنسائي من رواية الحكم ، عن الحسن العرني ، عن عمرو بن حريث ، به .وقال الترمذي : حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر ومحمود بن غيلان ، قالا حدثنا سعيد بن عامر ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : العجوة من الجنة ، وفيها شفاء من السم ، والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين .تفرد بإخراجه الترمذي ، ثم قال : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن عمرو ، وإلا من حديث سعيد بن عامر ، عنه ، وفي الباب عن سعيد بن زيد ، وأبي سعيد وجابر .كذا قال ، وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره ، من طريق آخر ، عن أبي هريرة ، فقال : حدثنا أحمد بن الحسن بن أحمد البصري ، حدثنا أسلم بن سهل ، حدثنا القاسم بن عيسى ، حدثنا طلحة بن عبد الرحمن ، عن قتادة عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين .وهذا حديث غريب من هذا الوجه ، وطلحة بن عبد الرحمن هذا سلمي واسطي ، يكنى بأبي محمد، وقيل : أبو سليمان المؤدب قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي : روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها .ثم قال [ الترمذي ] حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثنا أبي ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة : أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : الكمأة جدري الأرض ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين ، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم .وهذا الحديث قد رواه النسائي ، عن محمد بن بشار ، به . وعنه ، عن غندر ، عن شعبة ، عن أبي بشر جعفر بن إياس ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة ، به . وعن محمد بن بشار ، عن عبد الأعلى ، عن خالد الحذاء ، عن شهر بن حوشب . بقصة الكمأة فقط .وروى النسائي - أيضا - وابن ماجه من حديث محمد بن بشار ، عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد ، عن مطر الوراق ، عن شهر : بقصة العجوة عند النسائي ، وبالقصتين عند ابن ماجه .وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة فإنه لم يسمعه منه ، بدليل ما رواه النسائي في الوليمة من سننه ، عن علي بن الحسين الدرهمي عن عبد الأعلى ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن أبي هريرة ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يذكرون الكمأة ، وبعضهم يقول جدري الأرض ، فقال : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين .وروي عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد وجابر ، كما قال الإمام أحمد :حدثنا أسباط بن محمد ، حدثنا الأعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن شهر بن حوشب ، عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري ، قالا قال 1 270رسول الله صلى الله عليه وسلم : الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم .قال النسائي في الوليمة أيضا : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر جعفر بن إياس عن شهر بن حوشب ، عن أبي سعيد وجابر ، رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين . ثم رواه - أيضا - ، وابن ماجه من طرق ، عن الأعمش ، عن أبي بشر ، عن شهر ، عنهما ، به .وقد رويا - أعني النسائي وابن ماجه - من حديث سعيد بن مسلم كلاهما عن الأعمش ، عن جعفر بن إياس عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، زاد النسائي : [ وحديث ] جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين .ورواه ابن مردويه ، عن أحمد بن عثمان ، عن عباس الدوري ، عن لاحق بن صواب عن عمار بن رزيق عن الأعمش ، كابن ماجه .وقال ابن مردويه أيضا : حدثنا أحمد بن عثمان ، حدثنا عباس الدوري ، حدثنا الحسن بن الربيع ، حدثنا أبو الأحوص ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كمآت ، فقال : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين .وأخرجه النسائي ، عن عمرو بن منصور ، عن الحسن بن الربيع ثم [ رواه ] ابن مردويه . رواه أيضا عن عبد الله بن إسحاق عن الحسن بن سلام ، عن عبيد الله بن موسى ، عن شيبان عن الأعمش به ، وكذا رواه النسائي عن أحمد بن عثمان بن حكيم ، عن عبيد الله بن موسى [ به ] .وقد روى من حديث أنس بن مالك ، رضي الله عنه كما قال ابن مردويه :حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، حدثنا حمدون بن أحمد ، حدثنا حوثرة بن أشرس ، حدثنا حماد ، عن شعيب بن الحبحاب عن أنس : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تدارؤوا في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ، فقال بعضهم : نحسبه الكمأة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين ، والعجوة من الجنة ، وفيها شفاء من السم .وهذا الحديث محفوظ أصله من رواية حماد بن سلمة . وقد روى الترمذي والنسائي من طريقه شيئا من هذا ، والله أعلم .[ وقد ] روي عن شهر ، عن ابن عباس ، كما رواه النسائي - أيضا - في الوليمة ، عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد ، عن عبد الله بن عون الخراز ، عن أبي عبيدة الحداد ، عن عبد الجليل بن عطية ، عن شهر ، عن عبد الله بن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين .فقد اختلف - كما ترى فيه - على شهر بن حوشب ، ويحتمل عندي أنه حفظه ورواه من هذه الطرق كلها ، وقد سمعه من بعض الصحابة وبلغه عن بعضهم ، فإن الأسانيد إليه جيدة ، وهو لا يتعمد الكذب ، وأصل الحديث محفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما تقدم من رواية سعيد بن زيد .وأما السلوى فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : السلوى طائر شبيه بالسمانى ، كانوا يأكلون منه .وقال السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : السلوى : طائر يشبه السمانى .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، حدثنا قرة بن خالد ، عن جهضم ، عن ابن عباس ، قال : السلوى : هو السمانى .وكذا قال مجاهد ، والشعبي ، والضحاك ، والحسن ، وعكرمة ، والربيع بن أنس ، رحمهم الله .وعن عكرمة : أما السلوى فطير كطير يكون بالجنة أكبر من العصفور ، أو نحو ذلك .وقال قتادة : السلوى من طير إلى الحمرة ، تحشرها عليهم الريح الجنوب . وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك ، فإذا تعدى فسد ولم يبق عنده ، حتى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه ؛ لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه لشيء ولا يطلبه .وقال وهب بن منبه : السلوى : طير سمين مثل الحمام ، كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت . وفي رواية عن وهب ، قال : سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام ، اللحم ، فقال الله : لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض ، فأرسل عليهم ريحا ، فأذرت عند مساكنهم السلوى ، وهو السمانى مثل ميل في ميل قيد رمح إلى السماء فخبئوا للغد فنتن اللحم وخنز الخبز .وقال السدي : لما دخل بنو إسرائيل التيه ، قالوا لموسى ، عليه السلام : كيف لنا بما هاهنا ؟ أين الطعام ؟ فأنزل الله عليهم المن فكان يسقط على الشجر الزنجبيل ، والسلوى وهو طائر يشبه السمانى أكبر منه ، فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير ، فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله ، فإذا سمن أتاه ، فقالوا : هذا الطعام فأين الشراب ؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، فشرب كل سبط من عين ، فقالوا : هذا الشراب ، فأين الظل ؟ فظلل عليهم الغمام . فقالوا : هذا الظل ، فأين اللباس ؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما يطول الصبيان ، ولا ينخرق لهم ثوب ، فذلك قوله تعالى : ( وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى ) وقوله ( وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم ) [ البقرة : 60 ] .وروي عن وهب بن منبه ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السدي .وقال سنيد ، عن حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : خلق لهم في التيه ثياب لا تخرق ولا تدرن ، قال ابن جريج : فكان الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد ، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدا .[ قال ابن عطية : السلوى : طير بإجماع المفسرين ، وقد غلط الهذلي في قوله : إنه العسل ، وأنشد في ذلك مستشهدا :وقاسمها بالله جهدا لأنتم ألذ من السلوى إذا ما أشورهاقال : فظن أن السلوى عسلا قال القرطبي : دعوى الإجماع لا تصح ؛ لأن المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير قال : إنه العسل ، واستدل ببيت الهذلي هذا ، وذكر أنه كذلك في لغة كنانة ؛ لأنه يسلى به ومنه عين سلوان ، وقال الجوهري : السلوى العسل ، واستشهد ببيت الهذلي - أيضا - ، والسلوانة بالضم خرزة ، كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربها العاشق سلا قال الشاعر :شربت على سلوانة ماء مزنة فلا وجديد العيش يا مي ما أسلوواسم ذلك الماء السلوان ، وقال بعضهم : السلوان دواء يشفي الحزين فيسلو والأطباء يسمونه ( مفرج ) ، قالوا : والسلوى جمع بلفظ - الواحد - أيضا ، كما يقال : سمانى للمفرد والجمع وويلى كذلك ، وقال الخليل واحده سلواة ، وأنشد :وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض السلواة من بلل القطروقال الكسائي : السلوى واحدة وجمعه سلاوي ، نقله كله القرطبي ] .وقوله تعالى : ( كلوا من طيبات ما رزقناكم ) أمر إباحة وإرشاد وامتنان . وقوله : ( وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) [ البقرة : 57 ] ، أي أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا ، كما قال : ( كلوا من رزق ربكم واشكروا له ) [ سبأ : 15 ] فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم ، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات والمعجزات القاطعات ، وخوارق العادات ، ومن هاهنا تتبين فضيلة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم ، على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم ، كما كانوا معه في أسفاره وغزواته ، منها عام تبوك ، في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد ، لم يسألوا خرق عادة ، ولا إيجاد أمر ، مع أن ذلك كان سهلا على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم ، فجاء قدر مبرك الشاة ، فدعا [ الله ] فيه ، وأمرهم فملئوا كل وعاء معهم ، وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى ، فجاءت سحابة فأمطرتهم ، فشربوا وسقوا الإبل وملئوا أسقيتهم . ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر . فهذا هو الأكمل في الاتباع : المشي مع قدر الله ، مع متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمونفيه ثماني مسائل : الأولى : قوله تعالى : وظللنا عليكم الغمام أي جعلناه عليكم كالظلة والغمام جمع غمامة كسحابة وسحاب قاله الأخفش سعيد . قال الفراء ويجوز غمائم وهي السحاب ؛ لأنها تغم السماء أي تسترها وكل مغطى فهو مغموم ، ومنه المغموم على عقله وغم الهلال إذا غطاه الغيم والغين مثل الغيم ، ومنه قوله عليه السلام ( إنه ليغان على قلبي ) قال صاحب العين : غين عليه غطي عليه والغين شجر ملتف وقال السدي الغمام السحاب الأبيض وفعل هذا بهم ليقيهم حر الشمس نهارا ، وينجلي في آخره ليستضيئوا بالقمر ليلا وذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين وقتالهم وقالوا لموسى فاذهب أنت وربك فقاتلا فعوقبوا في ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في خمسة فراسخ أو ستة ، روي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس ، وإذ كانوا بأجمعهم في التيه قالوا لموسى : من لنا بالطعام ؟ فأنزل الله عليهم المن والسلوى ، قالوا : من لنا من حر الشمس ؟ فظلل عليهم الغمام ، قالوا : فبم نستصبح ؟ فضرب لهم عمود نور في وسط محلتهم . وذكر مكي : عمود من نار ، قالوا : من لنا بالماء ؟ فأمر موسى بضرب الحجر ، قالوا : من لنا باللباس ؟ فأعطوا ألا يبلى لهم ثوب ولا يخلق ولا يدرن ، وأن تنمو صغارها حسب نمو الصبيان ، والله أعلم .الثانية : قوله تعالى : وأنزلنا عليكم المن والسلوى اختلف في المن ما هو ، وتعيينه على أقوال ؛ فقيل : الترنجبين بتشديد الراء وتسكين النون ، ذكره النحاس ويقال : الطرنجبين بالطاء ، وعلى هذا أكثر المفسرين . وقيل : صمغة حلوة ، وقيل : عسل ، وقيل : شراب حلو ، وقيل : خبز الرقاق عن وهب بن منبه ، وقيل : " المن " مصدر يعم جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع ، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل ، وماؤها شفاء للعين في رواية : من المن الذي أنزل الله على موسى رواه مسلم . قال علماؤنا : وهذا الحديث يدل على أن الكمأة مما أنزل الله على بني إسرائيل أي : مما خلقه الله لهم في التيه قال أبو عبيد : إنما شبهها بالمن لأنه لا مئونة فيها ببذر ولا سقي ولا علاج ، فهي منه ، أي : من جنس من بني إسرائيل في أنه كان دون تكلف ، روي أنه كان ينزل عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كالثلج ، فيأخذ الرجل ما يكفيه ليومه ، فإن ادخر منه شيئا فسد عليه إلا في يوم الجمعة ، فإنهم كانوا يدخرون ليوم السبت فلا يفسد عليهم ؛ لأن يوم السبت يوم عبادة ، وما كان ينزل عليهم يوم السبت شيء .الثالثة : لما نص عليه السلام على أن ماء الكمأة شفاء للعين قال بعض أهل العلم بالطب : إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة ، فتستعمل بنفسها مفردة ، وإما لغير ذلك فمركبة مع غيرها وذهب أبو هريرة رضي الله عنه إلى استعمالها بحتا في جميع مرض العين ، وهذا كما استعمل أبو وجزة العسل في جميع الأمراض كلها حتى في الكحل على ما يأتي بيانه في سورة " النحل " إن شاء الله تعالى ، وقال أهل اللغة : الكمء واحد ، وكمآن اثنان ، وأكمؤ ثلاثة ، فإذا زادوا قالوا : كمأة بالتاء ، على عكس شجرة وشجر ، والمن اسم جنس لا واحد له من لفظه مثل الخير والشر ، قاله الأخفش .الرابعة : قوله تعالى : والسلوى اختلف في السلوى ، فقيل : هو السمانى بعينه ، قاله الضحاك ، قال ابن عطية : السلوى طير بإجماع المفسرين ، وقد غلط الهذلي [ خالد بن زهير ] فقال :وقاسمها بالله جهدا لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورهاظن السلوى العسل .قلت : ما ادعاه من الإجماع لا يصح ، وقد قال المؤرج - أحد علماء اللغة والتفسير - : إنه العسل ، واستدل ببيت الهذلي ، وذكر أنه كذلك بلغة كنانة ، سمي به لأنه يسلى به ، ومنه عين السلوان ، وأنشد :لو أشرب السلوان ما سليت ما بي غنى عنك وإن غنيتوقال الجوهري : والسلوى : العسل ، وذكر بيت الهذلي :ألذ من السلوى إذا ما نشورهاولم يذكر غلطا ، والسلوانة ( بالضم ) خرزة كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربه العاشق سلا ، قال :شربت على سلوانة ماء مزنة فلا وجديد العيش يا مي ما أسلوواسم ذلك الماء السلوان ، وقال بعضهم : السلوان دواء يسقاه الحزين فيسلو ، والأطباء يسمونه المفرح ، يقال : سليت وسلوت لغتان ، وهو في سلوة من العيش أي : في رغد ، عن أبي زيد .الخامسة : واختلف في السلوى ، هل هو جمع أو مفرد ، فقال الأخفش : جمع لا واحد له من لفظه ، مثل الخير والشر ، وهو يشبه أن يكون واحده سلوى ، مثل جماعته ، كما قالوا : دفلى للواحد والجماعة وسمانى وشكاعى في الواحد والجميع ، وقال الخليل : واحده سلواة ، وأنشد :وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض السلواة من بلل القطروقال الكسائي : السلوى واحدة ، وجمعه سلاوي .السادسة : السلوى عطف على المن ولم يظهر فيه الإعراب ؛ لأنه مقصور ، ووجب هذا في المقصور كله ؛ لأنه لا يخلو من أن يكون في آخره ألف ، قال الخليل : والألف حرف هوائي لا مستقر له ، فأشبه الحركة ، فاستحالت حركته ، وقال الفراء : لو حركت الألف صارت همزة .السابعة : قوله تعالى : كلوا من طيبات ما رزقناكم كلوا فيه حذف تقديره : وقلنا كلوا ، فحذف اختصارا لدلالة الظاهر عليه ، والطيبات هنا قد جمعت الحلال واللذيذ .الثامنة : قوله تعالى : وما ظلمونا يقدر قبله : فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر .ولكن كانوا أنفسهم يظلمون لمقابلتهم النعم بالمعاصي .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ(وظللنا عليكم الغمام) عطف على قوله: ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ . فتأويل الآية: ثم بعثناكم من بعد موتكم , وظللنا عليكم الغمام - وعدد عليهم سائر ما أنعم به عليهم - لعلكم تشكرون .* * *و " الغمام " جمع " غمامة "، كما السحاب جمع سحابة ," والغمام " هو ما غم السماء فألبسها من سحاب وقتام، وغير ذلك مما يسترها عن أعين الناظرين . وكل مغطى فالعرب تسميه مغموما. (175)* * *وقد قيل: إن الغمام التي ظللها الله على بني إسرائيل لم تكن سحابا.962 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد قوله: (وظللنا عليكم الغمام)، قال: ليس بالسحاب.963 - وحدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن أبي نجيح , عن مجاهد قوله: (وظللنا عليكم الغمام)، قال: ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، لم يكن إلا لهم. (176)964 - وحدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه: (وظللنا عليكم الغمام)، قال: هو بمنزلة السحاب.965 - وحدثني القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (وظللنا عليكم الغمام)، قال: هو غمام أبرد من هذا وأطيب , وهو الذي يأتي الله عز وجل فيه يوم القيامة في قوله: (177) فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [ البقرة: 210], وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر. قال ابن عباس: وكان معهم في التيه . (178)* * *وإذ كان معنى الغمام ما وصفنا، مما غم السماء من شيء يغطى وجهها عن الناظر إليها, (179) فليس الذي ظلله الله عز وجل على بني إسرائيل - فوصفه بأنه كان غماما - بأولى، بوصفه إياه بذلك أن يكون سحابا، منه بأن يكون غير ذلك مما ألبس وجه السماء من شيء.* * *وقد قيل: إنه ما ابيض من السحاب.* * *القول في تأويل قوله تعالى وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّاختلف أهل التأويل في صفة " المن " . فقال بعضهم بما: -966 - حدثني به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله عز وجل: (وأنزلنا عليكم المن)، قال: المن صمغة .967 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن ابن &; 2-92 &; أبي نجيح , عن مجاهد مثله .968 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله: (وأنزلنا عليكم المن والسلوى)، يقول: كان المن ينزل عليهم مثل الثلج .* * *وقال آخرون: هو شراب .* ذكر من قال ذلك:969 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع بن أنس قال: المن، شراب كان ينزل عليهم مثل العسل , فيمزجونه بالماء , ثم يشربونه .* * *وقال آخرون: " المن "، عسل .* ذكر من قال ذلك:970 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: المن: عسل كان ينزل لهم من السماء .971 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل , عن جابر , عن عامر قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المن .* * *وقال آخرون: " المن " الخبز الرقاق . (180)* ذكر من قال ذلك:972 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد قال: سمعت وهبا - وسئل: ما المن ؟ قال: خبز الرقاق، , مثل الذرة , ومثل النقي. (181)* * *وقال آخرون: " المن "، الزنجبيل. (182)* ذكر من قال ذلك:&; 2-93 &;973 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط , عن السدي: المن كان يسقط على شجر الزنجبيل (183)* * *وقال آخرون: " المن "، هو الذي يسقط على الشجر الذي يأكله الناس.* ذكر من قال ذلك:974 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثتي حجاج , عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: كان المن ينزل على شجرهم، فيغدون عليه، فيأكلون منه ما شاءوا. (184) .975 - وحدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك , عن مجالد ، عن عامر في قوله: (وأنزلنا عليكم المن)، قال: المن: الذي يقع على الشجر.976 - حدثت عن المنجاب بن الحارث قال، حدثنا بشر بن عمارة , عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس في قوله: (المن)، قال: المن الذي يسقط من السماء على الشجر فتأكله الناس.977 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك , عن مجالد , عن عامر قال: المن، هذا الذي يقع على الشجر.* * *وقد قيل . إن " المن "، هو الترنجبين.* * *وقال بعضهم: " المن "، هو الذي يسقط على الثمام والعُشَر , وهو حلو كالعسل , وإياه عنى الأعشى -ميمون بن قيس- بقوله:&; 2-94 &; لو أُطعِموا المن والسلوى مكانَهمُما أبصر الناس طُعما فيهمُ نجعا (185)وتظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه صلى الله عليه و سلم قال:978 -" الكمأة من المن, وماؤها شفاء للعين " . (186)وقال بعضهم: " المن "، شراب حلو كانوا يطبخونه فيشربونه .* * *وأما أمية بن أبي الصلت، فإنه جعله في شعره عسلا فقال يصف أمرهم في التيه وما رزقوا فيه:فرأى الله أنهم بمَضِيعٍلا بذي مَزْرعٍ ولا معمورا (187)&; 2-95 &; فَنَساها عليهم غاديات,ومرى مزنهم خلايا وخورا (188)عسلا ناطِفا وماء فراتاوحليبا ذا بهجة مثمورا (189)المثمور: الصافي من اللبن (190) . فجعل المن الذي كان ينزل عليهم عسلا ناطفا , والناطف: هو القاطر . (191) .* * *القول في تأويل قوله تعالى وَالسَّلْوَىقال أبو جعفر: و " السلوى " اسم طائر يشبه السُّمانَى , واحده وجِماعه بلفظ واحد , كذلك السماني لفظ جماعها وواحدها سواء . وقد قيل: إن واحدة السلوى سلواة .* ذكر من قال ذلك:979 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثني عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط , عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك , وعن أبي صالح , عن ابن عباس , وعن مرة الهمداني , عن ابن مسعود , وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: السلوى طير يشبه السُّمانى . (192)980 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط , عن السدي قال: كان طيرا أكبر من السمانى .981 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر , عن قتادة قال: السلوى: طائر كانت تحشرها عليهم الريح الجنوب.982 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد قال: السلوى: طائر .983 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: السلوى طير.984 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد قال: سمعت وهبا - وسئل: ما السلوى؟ فقال: طير سمين مثل الحمام . (193)&; 2-97 &;985 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: السلوى طير.986 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع بن أنس: السلوى كان طيرا يأتيهم مثل السمانى .987 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك , عن مجالد , عن عامر , قال: السلوى السمانى .988 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر , عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس قال: السلوى، هو السمانى .989 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، أخبرنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك , عن مجالد , عن عامر قال: السلوى السمانى .990 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا قرة , عن الضحاك قال: السمانى هو السلوى .* * *فإن قال قائل: وما سبب تظليل الله جل ثناؤه الغمام، وإنزاله المن والسلوى على هؤلاء القوم؟قيل: قد اختلف أهل العلم في ذلك . ونحن ذاكرون ما حضرنا منه: -991 - فحدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط بن نصر , عن السدي: لما تاب الله على قوم موسى، (194) وأحيا السبعين الذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم , أمرهم الله بالسير إلى أريحا , (195) وهي أرض بيت المقدس . فساروا حتى إذا كانوا قريبا منها بعث موسى اثني عشر نقيبا . فكان من أمرهم وأمر الجبارين وأمر قوم موسى، ما قد قص الله في كتابه . (196) &; 2-98 &; فقال قوم موسى لموسى: (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون). فغضب موسى فدعا عليهم فقال: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . فكانت عَجْلَةً من موسى عجلها، فقال الله تعالى: (إنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض). فلما ضرب عليهم التيه، ندم موسى , وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلما ندم، أوحى الله إليه: أن لا تأس على القوم الفاسقين - أي لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين - فلم يحزن، فقالوا: يا موسى كيف لنا بماء ههنا ؟ أين الطعام؟ فأنزل ألله عليهم المن - فكان يسقط على شجر الترنجبين (197) - والسلوى = وهو طير يشبه السمانى = فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، إن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله , فإذا سمن أتاه . فقالوا: هذا الطعام , فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا , فشرب كل سبط من عين . فقالوا: هذا الطعام والشراب؟ فأين الظل؟ فظلل عليهم الغمام. فقالوا: هذا الظل، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان , ولا يتخرق لهم ثوب , فذلك قوله: (وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى) وقوله: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ . [البقرة: 60] (198)992 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق قال: لما تاب الله عز وجل على بني إسرائيل، وأمر موسى أن يرفع عنهم السيف من عبادة العجل , أمر موسى أن يسير بهم إلى الأرض المقدسة , (199) وقال: إني قد كتبتها لكم دارا وقرارا ومنزلا فاخرج إليها، وجاهد من فيها من العدو، فإني ناصركم &; 2-99 &; عليهم. فسار بهم موسى إلى الأرض المقدسة بأمر الله عز وجل. حتى إذا نزل التيه -بين مصر والشام، وهي أرض ليس فيها خَمَر ولا ظل (200) - دعا موسى ربه حين آذاهم الحر , فظلل عليهم بالغمام ؛ ودعا لهم بالرزق , فأنزل الله لهم المن والسلوى .993 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبى جعفر , عن أبيه , عن الربيع بن أنس -994 - وحدثت عن عمار بن الحسن , حدثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع (201) قوله: وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ، قال: ظلل عليهم الغمام في التيه، تاهوا في خمسة فراسخ أو ستة , (202) كلما أصبحوا ساروا غادين , فأمسوا فإذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه . فكانوا كذلك حتى مرت أربعون سنة . (203) قال: وهم في ذلك ينزل عليهم المن والسلوى، ولا تبلى ثيابهم. ومعهم حجر من حجارة الطور يحملونه معهم , فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه , فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا.995 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد قال، سمعت وهبا يقول: إن بني إسرائيل -لما حرم الله عليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأرض- شكوا إلى موسى فقالوا: ما نأكل؟ فقال: إن الله سيأتيكم بما تأكلون . قالوا: من أين لنا؟ إلا أن يمطر علينا خبزا! قال: إن الله عز وجل سينزل عليكم خبزا مخبوزا . فكان ينزل عليهم المن - سئل وهب: ما المن؟ قال: خبز الرقاق مثل الذرة أو &; 2-100 &; مثل النقيّ - (204) قالوا: وما نأتدم؟ وهل بد لنا من لحم؟ قال: فإن الله يأتيكم به . فقالوا: من أين لنا؟ إلا أن تأتينا به الريح! قال: فإن الريح تأتيكم به. فكانت الريح تأتيهم بالسلوى - فسئل وهب: ما السلوى؟ قال: طير سمين مثل الحمام، (205) كانت تأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت - (206) قالوا: فما نلبس؟ قال: لا يخلق لأحد منكم ثوب أربعين سنة . قالوا: فما نحتذي؟ قال: لا ينقطع لأحدكم شسع أربعين سنة. (207) قالوا: فإن يولد فينا أولاد، فما نكسوهم؟ (208) قال: ثوب الصغير يشب معه . قالوا: فمن أين لنا الماء؟ قال: يأتيكم به الله . قالوا: فمن أين؟ إلا أن يخرج لنا من الحجر ! فأمر الله تبارك وتعالى موسى أن يضرب بعصاه الحجر . قالوا: فما نبصر! تغشانا الظلمة! (209) فضرب لهم عمودا من نور في وسط عسكرهم، أضاء عسكرهم كله , قالوا: فبم نستظل؟ فإن الشمس علينا شديده! قال: يظلكم الله بالغمام . (210) .996 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد , فذكر نحو حديث موسى بن هارون، عن عمرو بن حماد , عن أسباط , عن السدي .997 - حدثني القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: قال عبد الله بن عباس: خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق &; 2-101 &; ولا تدرن . (211) قال، وقال ابن جريج: إن أخذ الرجل من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد , إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت، فلا يصبح فاسدا.* * *القول في تأويل قوله تعالى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْوهذا مما استغني بدلالة ظاهره على ما ترك منه . وذلك أن تأويل الآية: وظللنا عليكم الغمام , وأنزلنا عليكم المن والسلوى , وقلنا لكم: كلوا من طيبات ما رزقناكم . فترك ذكر قوله: " وقلنا لكم "، لما بينا من دلالة الظاهر في الخطاب عليه. وعنى جل ذكره بقوله: (كلوا من طيبات ما رزقناكم): كلوا من شهيات رزقنا الذي رزقناكموه . (212) وقد قيل عنى بقوله: (من طيبات ما رزقناكم): من حلاله الذي أبحناه لكم فجعلناه لكم رزقا.والأول من القولين أولى بالتأويل، لأنه وصف ما كان القوم فيه من هنيء العيش الذي أعطاهم , فوصف ذلك ب " الطيب "، الذي هو بمعنى اللذة، أحرى من وصفه بأنه حلال مباح .و " ما " التي مع " رزقناكم "، بمعنى " الذي". كأنه قيل: كلوا من طيبات الرزق الذي رزقناكموه.* * *القول في تأويل قوله تعالى وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)وهذا أيضا من الذي استغني بدلالة ظاهره على ما ترك منه. وذلك أن معنى الكلام: كلوا من طيبات ما رزقناكم. فخالفوا ما أمرناهم به وعصوا ربهم، ثم رسولنا إليهم , و " ما ظلمونا " ، فاكتفى بما ظهر عما ترك.وقوله: (وما ظلمونا) يقول: وما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم , ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.ويعني بقوله: (وما ظلمونا)، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا , ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها . كما: -999 - حدثنا عن المنجاب قال، حدثنا بشر , عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس: (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) قال: يضرون.* * *وقد دللنا فيما مضى، على أن أصل " الظلم ": وضع الشيء في غير موضعه - بما فيه الكفاية , فأغنى ذلك عن إعادته. (213)* * *وكذلك ربنا جل ذكره، لا تضره معصية عاص , ولا يتحيَّف خزائنه ظلم ظالم , ولا تنفعه طاعة مطيع , ولا يزيد في ملكه عدل عادل، بل نفسه يظلم الظالم , وحظها يبخس العاصي , وإياها ينفع المطيع , وحظها يصيب العادل .* * *---------------------------الهوامش :(175) في المطبوعة : "فإن العرب تسميه" .(176) الأثر 963 - في المخطوطة ، ساق هذا الأثر إلى قوله"قال : ليس بالسحاب" ثم قال بعده ما نصه : "وبإسناده عن مجاهد قال : ليس بالسحاب ، هو الغمام الذي . . . " إلى آخر الخبر .(177) في المخطوطة : "فيه في قوله" بحذف"يوم القيامة" .(178) الضمير في قوله : "وكان" ، للغمام .(179) في المطبوعة: "فغطى وجهها" وتلك أجود.(180) في المطبوعة : "خبز الرقاق" . خبز رقاق رقيق ، كطويل وطوال ، صفة . وهو خبز منبسط رقيق .(181) الأثر : 972 - بعض أثر سيأتي برقم : 995 . وفي المخطوطة : "من الذرة" ، وفي ابن كثير كما في المطبوعة ، وسيأتي كذلك في رقم : 995 .(182) في المطبوعة"الترنجبين" ، وكذلك في البغوي"الترنجبين" . وفي تاج العروس : "الترنجبين" . بالضم ، هو المن المذكور في القرآن" . وسيأتي ذلك بعد رقم : 977 ، وهو هنا"الزنجيل" كما في ابن كثير ، والمخطوطة . وانظر لسان العرب : (منن) .(183) في المطبوعة"شجر الترنجبين" .(184) الأثر : 974 - هو في المخطوطة بعد رقم : 976 .(185) ديوانه: 87 من قصيدة طويلة، يذكر فيها ذا التاج هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، وكانت بنو تميم قد وثبت على مال وطرف كانت تساق إلى كسرى، فأوقع بهم المكعبر الفارسي، والي كسرى على البحرين، وأدخلهم المشقر - وهو حصن بالبحرين - بخديعة خدعهم بها، فقتل رجالهم واستبقى الغلمان. وكلم هوذة بن علي المكعبر يومئذ في مائة من أسرى بني تميم، فوهبهم له يوم الفصح، فأعتقهم، فقال الأعشى، يذكر ما كان من قبل هوذة في بني تميم:سائل تميما به أيام صفقتهملما أتوه أسارى كلهم ضرعاوسط المشقر في عيطاء مظلمةلا يستطيعون فيها ثَمَّ ممتنعالو أُطعموا المن . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .فوصف بني تميم بالكفر لنعمته (تاريخ الطبري 2: 132 - 134). والطعم: ما أكل من الطعام. ونجع الطعام في الإنسان: هنا أكله وتبينت تنميته، واستمرأه وصلح عليه.(186) الحديث : 978 - هكذا رواه الطبري دون إسناد . وقد صدق في أنه تظاهرت به الأخبار . فقد رواه أحمد والشيخان والترمذي ، من حديث سعيد بن زيد . ورواه أيضًا أحمد والشيخان وابن ماجه ، من حديث أبي سعيد وجابر . ورواه أبو نعيم في الطب ، من حديث ابن عباس وعائشة . انظر مثلا ، المسند : 1625 ، 1626 . والجامع الصغير : 6463 . وزاد المعاد لابن القيم 3 : 383 . وتفسير ابن كثير 1 : 174 - 176 ، وقد ساق كثيرا من طرقه .(187) ديوانه : 34 - 35 . في الأصول والديوان . "ولا مثمورا" . مضيع : بموضع ضياع وهوان وهلاك . يقال : هو بدار مضيعة (بفتح الميم وكسر الضاد) ، كأنه فيها ضائع . وهو مفعلة ، وطرح التاء منها كما يقولون : المنزل والمنزلة . ومزرع : مصدر ميمي من"زرع" يعني ليس بذي زرع ، ومعمور : أي آهل ذهب خرابه . ونصب"ولا معمورا" ، عطفا على محل"بذي مزرع" ، وهو نصب . وآثرت هذه الكلمة ، لأنها هي التي تتفق مع سياقه الشعر ، ولأن التحريف في"معمور" و"مثمور" سهل ، ولما سترى في شرح البيت الثالث .(188) في المطبوعة : "فعفاها" وفي المخطوطة : "فسناها" ، وفي الديوان"فعفاها" ولا معنى لشيء منها ، فاستظهرت أن أقرأها من المخطوط"فنساها" ، أصلها"فنسأها" مهموزة ، كما قالوا : برأ الله الخلق وبراهم بطرح الهمزة . ونسأ الدابة رالإبل ينسؤها نسأ : زجرها وساقها . يقول : ساق عليهم السحاب . غاديات جمع غادية : وهي السحابة التي تنشأ غدوة . ومرى الناقة مريا : مسح ضرعها لتدر . والمزن جمع مزنة : وهي السحابة ذات الماء . وخلايا جمع خلية : وهي الناقة التي خليت للحلب لكرمها وغزارة لبنها . الخور" : إبل حمر إلى الغبرة ، رقيقات الجلود ، طوال الأوبار ، لها شعر ينفذ وبرها ، وهي أطول من سائر الوبر ، فإذا كانت فهي غزار كثيرة اللبن . شبه السحاب الغزير الماء بهذين الضربين من النوق الغزيرة اللبن ، يحلب مطرها عليهم حلبا ، ثم فصل في البيت التالي أنواع ما نزل عليهم من السماء .(189) ناطف ، من نطف ينطف : قطر . وهو مشروح بعد - أي يقطر من السماء . والفرات : أشد الماء عذوبة . ووصف اللبن بأنه ذو بهجة . وهي الحسن والنضارة ، لأنه لم يؤخذ زبده ، فيرق ، وتذهب لمعة الزبد منه ، فاستعار البهجة لذلك . أما قوله : "مثمورا" ، فهي في المطبوعة "ممرورا"، وفي المخطوطة في الصلب كانت تقرأ "مثمورا" ثم لعب فيها قلم الناسخ في الثاء والميم ، ثم كتب هو نفسه في الهامش : "مزمورا" ، ثم شرح في طرف الصفحة فقال : "المزمور : الصافي من اللبن" . وذلك شيء لا وجود له في كتب اللغة ، وقد رأيت أنه كتب في البيت الأول"مثمورا" ، ورجحت أن صوابها"معمورا" ، ورجحت في هذا البيت أن يكون اختلط عليه حين كتب"مثمورا" فعاد فجعلها"مزمورا" .ولم أجد"مثمورا" في كتب اللغة ، ولكن يقال : الثمير والثميرة : اللبن الذي ظهر زبده وتحبب قال ابن شميل : إذا مخض رؤي عليه أمثال الحصف في الجلد ، ثم يجتمع فيصير زبدا ، وما دامت صغارا فهو ثمير . ويقولون : إن لبنك لحسن الثمر ، وقد أثمر مخاضك . فكأنه قال : "مثمورا" ويعني"ثميرا" ، لأن فعيلا بمعنى مفعول هنا .(190) كانت في المطبوعة"الممرور" ، وقد ذكرت في التعليقة ، أنها بهامش المخطوطة"المزمور" .(191) قوله : "فجعل المن . . . " إلى آخر الجملة ليس في المخطوطة .(192) الأثر : 978 - اقتصر في المخطوطة على بعض هذا الإسناد ، إلى قوله : عن السدي" ، وأسقط الباقي ، وهو الإسناد الدائر في تفسيره ، فكأن كل إسناد وقف على السدي ، هو هذا الإسناد ، ثم اجتزأ ببعضه عن جميعه ، كما مضى آنفًا ، وكما سيأتي بعد .(193) الأثر 984 - بعض أثر سيأتي برقم : 995 .(194) في المخطوطة : "على موسى" بحذف"قوم" .(195) في المطبوعة : "بالمسير" ، وهما سواء .(196) هذا اختصار ، وتفصيله في التاريخ في موضعه ، كما سيأتي في موضعه من ذكره مراجعه .(197) في المخطوطة وحدها : "الزنجبيل" . وانظر ما مضى : 92 .(198) الأثر : 991 - في تاريخ الطبري 1 : 221 - 222 .(199) في المخطوطة : "أن يسبق بهم" ، وأراد الناسخ أن يصححها في الهامش ، فكتب"-" ولم يتمها .(200) الخمر (بفتحتين) : كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره .(201) هذا الإسناد الثاني ساقط من المخطوطة .(202) في المخطوطة : "فإذا هو في قدر" مصفحة ، وانظر تفسير الطبري 6 : 116 - 117 ، 119 (بولاق) وقوله : "قدر" ليست في المطبوعة .(203) في المخطوطة : "حتى قمرت أربعين سنة" محرفا .(204) هذه الجملة سلفت في الأثر رقم : 972(205) هذه الجملة سلفت في الأثر رقم : 984(206) في المطبوعة : "من السبت إلى السبت" .(207) الشسع : أحد سيور النعل الذي يدخل بين الإصبعين(208) في المطبوعة : "فإن فينا أولادا" .(209) في المطبوعة : "فبم نبصر" .(210) الأثر : 995 - إسحاق : هو ابن راهويه الإمام الكبير . إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل ابن منبه الصنعاني : ثقة ، مترجم في التهذيب ، ترجمة البخاري 1 /1 /367 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 /187 . وهو يروي هنا عن عمه : عبد الصمد بن معقل بن منبه ، وهو ثقة أيضًا ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 /50 . وعبد الصمد يروى عن عمه : وهب بن منبه ، هذا الأثر .(211) درن الثوب يدرن درنا فهو درن وأدرن : تلطخ بالوسخ .(212) في المطبوعة : "من مشهيات" ، ليست بشيء .(213) انظر ما مضى 1 : 523 - 524 ، وهذا الجزء 2 : 69 .