أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا ٦٠التفسير الميسرألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك المنافقين الذين يدَّعون الإيمان بما أُنزل إليك -وهو القرآن- وبما أُنزل إلى الرسل من قبلك، وهم يريدون أن يتحاكموا في فَصْل الخصومات بينهم إلى غير ما شرع الله من الباطل، وقد أُمروا أن يكفروا بالباطل؟ ويريد الشيطان أن يبعدهم عن طريق الحق، بعدًا شديدًا. وفي هذه الآية دليل على أن الإيمان الصادق، يقتضي الانقياد لشرع الله، والحكم به في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في زعمه.
تفسير السعدييعجب تعالى عباده من حالة المنافقين. الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مؤمنون بما جاء به الرسول وبما قبله، ومع هذا يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وهو كل من حكم بغير شرع الله فهو طاغوت. والحال أنهم قد أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ فكيف يجتمع هذا والإيمان؟ فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور، فمَنْ زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك. وهذا من إضلال الشيطان إياهم، ولهذا قال: وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا عن الحق.
تفسير ابن كثيرهذا إنكار من الله ، عز وجل ، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين ، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية : أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما ، فجعل اليهودي يقول : بيني وبينك محمد . وذاك يقول : بيني وبينك كعب بن الأشرف . وقيل : في جماعة من المنافقين ، ممن أظهروا الإسلام ، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية . وقيل غير ذلك ، والآية أعم من ذلك كله ، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة ، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل ، وهو المراد بالطاغوت هاهنا ; ولهذا قال : ( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت [ وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا .
تفسير القرطبيألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيداروى يزيد بن زريع عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال : كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة ، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة . ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم ؛ لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم ؛ فلما اجتمعا على أن يحكما كاهنا في جهينة ؛ فأنزل الله تعالى في ذلك : ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك يعني المنافق . وما أنزل من قبلك يعني اليهودي . يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت إلى قوله : ويسلموا تسليما وقال الضحاك : دعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف وهو الطاغوت ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال : كان بين رجل من المنافقين يقال له بشر وبين يهودي خصومة ؛ فقال اليهودي : انطلق بنا إلى محمد ، وقال المنافق : بل إلى كعب بن الأشرف وهو الذي سماه الله الطاغوت أي ذو الطغيان فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلما رأى ذلك المنافق أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي . فلما خرجا قال المنافق : لا أرضى ، انطلق بنا إلى أبي بكر ؛ فحكم لليهودي فلم يرض ذكره الزجاج وقال : انطلق بنا إلى عمر فأقبلا على عمر فقال اليهودي : إنا صرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى أبي بكر فلم يرض ؛ فقال عمر للمنافق : أكذلك هو ؟ قال : نعم . قال : رويدكما حتى أخرج إليكما . فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى برد ، وقال : هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله ؛ وهرب اليهودي ، ونزلت الآية ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنت الفاروق . ونزل جبريل وقال : إن عمر فرق بين الحق والباطل ؛ فسمي الفاروق . وفي ذلك نزلت الآيات كلها إلى قوله : ويسلموا تسليما وانتصب : ضلالا على المعنى ، أي فيضلون ضلالا ؛ ومثله قوله تعالى : والله أنبتكم من الأرض نباتا . وقد تقدم هذا المعنى مستوفى .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا (60)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " ألم تر "، يا محمد، بقلبك، فتعلم = إلى الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك من الكتاب، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من الكتب، يريدون أن يتحاكموا في خصومتهم إلى الطاغوت = يعني إلى: من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله، (1) =" وقد أمروا أن يكفروا به "، يقول: وقد أمرهم الله أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوتُ الذي يتحاكون إليه، فتركوا أمرَ الله واتبعوا أمر الشيطان =" ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا "، يعني: أن الشيطان يريد أن يصدَّ هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الحق والهدى، فيضلهم عنها ضلالا بعيدًا = يعني: فيجور بهم عنها جورًا شديدًا (2) .* * *وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين دعا رجلا من اليهود في خصومة كانت بينهما إلى بعض الكهَّان، ليحكم بينهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهُرهم.*ذكر من قال ذلك:9891 - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود، لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين، لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة. فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جُهَيْنة، فأنزل الله فيه هذه الآية: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك " حتى بلغ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .9892 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك "، فذكر نحوه = وزاد فيه: فأنزل الله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك "، يعني المنافقين =" وما أنزل من قبلك "، يعني اليهود =" يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، يقول: إلى الكاهن =" وقد أمروا أن يكفروا به "، أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه، أن يكفر بالكاهن.9893 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي قال: كانت بين رجل ممن يزعم أنه مسلم، وبين رجل من اليهود، خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك = أو قال: إلى النبي = لأنه قد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ الرشوة في الحكم، فاختلفا، فاتفقا على أن يأتيا كاهنًا في جهينة، قال: فنزلت: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك "، يعنى: الذي من الأنصار =" وما أنزل من قبلك "، يعني: اليهوديّ (3) " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، إلى الكاهن =" وقد أمروا أن يكفروا به "، يعني: أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه. وتلا " ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا "، وقرأ: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ إلى وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .9894 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: زعم حضرميٌّ أن رجلا من اليهود كان قد أسلم، فكانت بينه وبين رجل من اليهود مدارأة في حق، (4) فقال اليهودي له: انطلق إلى نبي الله. فعرف أنه سيقضي عليه. قال: فأبى، فانطلقا إلى رجل من الكهان فتحاكما إليه. قال الله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ".9895 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك "، الآية، حتى بلغ " ضلالا بعيدًا "، ذُكر لنا أن هذه الآية نزلت في رجلين: رجل من الأنصار يقال له " بشر "، وفي رجل من اليهود، في مدارأة كانت بينهما في حق، فتدارءا بينهما، فتنافرا إلى كاهن بالمدينة يحكم بينهما، وتركا نبي الله صلى الله عليه وسلم. فعاب الله عز وجل ذلك = وذُكر لنا أن اليهودي كان يدعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما، وقد علم أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لن يجور عليه. فجعل الأنصاري يأبى عليه وهو يزعم أنه مسلم، ويدعوه إلى الكاهن، فأنزل الله تبارك وتعالى ما تسمعون، فعابَ ذلك على الذي يزعم أنه مسلم، وعلى اليهودي الذي هو من أهل الكتاب، فقال: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك " إلى قوله: صُدُودًا .9896 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، قال: كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم. وكانت قُرَيظة والنَّضير في الجاهلية، إذا قُتِل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة، قتلوا به منهم. فإذا قُتِل الرجل من بني قريظة قتلته النضير، أعطوْا ديتَه ستين وَسْقًا من تمر. (5) فلما أسلم ناس من بني قريظة والنضير، قتل رجلٌ من بني النضير رجلا من بني قريظة، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النضيري: يا رسول الله، إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية، فنحن نعطيهم اليوم ذلك. فقالت قريظة: لا ولكنا إخوانكم في النسب والدين، ودماؤنا مثل دمائكم، ولكنكم كنتم تغلبوننا في الجاهلية، فقد جاء الله بالإسلام! فأنزل الله يُعَيِّرهم بما فعلوا فقال: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [سورة المائدة: 45]، فعيَّرهم، ثم ذكر قول النضيري: " كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقًا، ونقتل منهم ولا يقتلونا "، فقال أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [سورة المائدة: 50]. وأخذ النضيري فقتله بصاحبه، فتفاخرت النضير وقريظة، فقالت النضير: نحن أكرم منكم! وقالت قريظة: نحن أكرم منكم! ودخلوا المدينة إلى أبي بُرْدة، (6) الكاهن الأسلمي، فقال المنافق من قريظة والنضير: انطلقوا إلى أبي بردَة ينفِّر بيننا! (7) وقال المسلمون من قريظة والنضير: لا بل النبي صلى الله عليه وسلم يُنفِّر بيننا، فتعالوا إليه! فأبى المنافقون، وانطلقوا إلى أبي بردة فسألوه، (8) فقال: أعظِموا اللُّقمة = يقول: أعظِموا الخَطَر (9) = فقالوا: لك عشرة أوساق. قال: لا بل مئة وسْق، ديتي، (10) فإني أخاف أن أنفِّر النضير فتقتلني قريظة، أو أنفِّر قريظة فتقتلني النضير! فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوساق، وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل الله عز وجل: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " = وهو أبو بردة (11) =" وقد أمروا أن يكفروا به " إلى قوله: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .* * *وقال آخرون: " الطاغوت "، في هذا الموضع، هو كعب بن الأشرف.*ذكر من قال ذلك:9897 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به "، و " الطاغوت " رجل من اليهود كان يقال له: كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا، بل نحاكمكم إلى كعب! فذلك قوله: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، الآية.9798 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك "، قال: تنازع رجلٌ من المنافقين ورجلٌ من اليهود، فقال المنافق: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف. وقال اليهودي: اذهب بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال الله تبارك وتعالى: " ألم تر إلى الذين يزعمون " الآية، والتي تليها فيهم أيضًا. (12)9899 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك "، فذكر مثله = إلا أنه قال: وقال اليهودي: اذهب بنا إلى محمد.9900 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك " إلى قوله: " ضلالا بعيدًا "، قال: كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بينهما خصومة، أحدهم مؤمن والآخر منافق، فدعاه المؤمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، فأنزل الله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا .9901 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، قال: تنازع رجل من المؤمنين ورجل من اليهود، فقال اليهودي: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف. وقال المؤمن: اذهب بنا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقال الله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك " إلى قوله: " صُدُودًا " = قال ابن جريج: " يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك "، قال: القرآن =" وما أنزل من قبلك "، قال: التوراة. قال: يكون بين المسلم والمنافق الحق، فيدعوه المسلم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ليحاكمه إليه، فيأبى المنافق ويدعوه إلى الطاغوت = قال ابن جريج: قال مجاهد: " الطاغوت "، كعب بن الأشرف.9902 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، هو كعب بن الأشرف.* * *وقد بينا معنى: " الطاغوت " في غير هذا الموضع، فكرهنا إعادته. (13)------------------الهوامش :(1) انظر تفسير"الطاغوت" فيما سلف 5: 416 - 419 / 8: 461 - 465.(2) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف: 8 : 428 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.(3) في المخطوطة: "اليهود".(4) المدرأة: المدافعة والخصومة.(5) "الوسق" مكيلة معلومة في زمانهم ، كانت تبلغ حمل بعير.(6) في المطبوعة: "أبو برزة الأسلمي" وهو خطأ محض ، والصواب ما كان في المخطوطة ، فإن أبا برزة الأسلمي - نضلة بن عبيد - فهو صحابي جليل ، و"برزة" بفتح الباء بعدها راء ساكنة بعدها زاي. وأما "أبو بردة" فهو بالباء المضمومة بعدها راء ساكنة بعدها دال.وذكر الثعلبي في تفسيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أبا بردة الأسلمي إلى الإسلام ، فأبى ، ثم كلمه ابناه في ذلك ، فأجاب إليه وأسلم. وقال الحافظ ابن حجر: "وعند الطبراني بسند جيد عن ابن عباس قال: كان أبو بردة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود ، فذكر القصة في نزول قوله تعالى: ألم تر إلى الذين يزعمون..." الإصابة في ترجمته. وذكر الهيثمي خبر ابن عباس في مجمع الزوائد 7: 6 ، وفيه أيضًا"أبو برزة الأسلمي" ، وهو خطأ ، وقال: "رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح". وكذلك رواه ابن كثير في تفسيره 2: 500 وفيه أيضًا"أبو برزة" وهو خطأ.(7) في المطبوعة هنا أيضًا"أبو برزة" ، وانظر التعليق السالف. ويقال: "نفر الحاكم أحد المتخاصمين على صاحبه تنفيرًا": أي قضى عليه بالغلبة. وهو من"المنافرة" وذلك أن يتفاخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه ، ثم يحكما بينهما رجلا ، يغلب أحدهما على الآخر.(8) في المطبوعة هنا مرة ثالثة: "أبو برزة".(9) "الخطر" هو المال الذي يجعل رهنًا بين المتراهنين ، وأراد به الجعل الذي يدفعه كل واحد من المتنافرين إلى الحكم. وسماه"اللقمة" مجازًا ، وهذا كله لم تقيده كتب اللغة ، ولم أجده في أخبار المنافرات. فيستفاد من هذا الخبر. أن الحكم في المنافرة كانوا يجعلون له جعلا يأخذه بعد استماعه للمنافرة ، وبعد الحكم.(10) "أوساق" جمع"وسق" ومضى تفسيره"الوسق" فيما سلف ص: 510 ، تعليق: 1.(11) في المطبوعة هنا مرة رابعة"أبو برزة".(12) في المخطوطة: "الآية التي تليها منهم فيهما أيضًا" ، ولا أدري ما هو ، وما في المطبوعة أقرب إلى الصواب.(13) انظر ما سلف: 507 والتعليق: 1 ، والمراجع هناك.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا ٦١التفسير الميسروإذا نُصح هؤلاء، وقيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله، وإلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهديه، أبصَرْتَ الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، يعرضون عنك إعراضًا.
تفسير السعدي
تفسير ابن كثيروقوله : ( يصدون عنك صدودا ) أي : يعرضون عنك إعراضا كالمستكبرين عن ذلك ، كما قال تعالى عن المشركين : ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ) [ لقمان : 21 ] هؤلاء وهؤلاء بخلاف المؤمنين ، الذين قال الله فيهم : ( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا [ وأطعنا وأولئك هم المفلحون ] ) [ النور : 51 ] .
تفسير القرطبي" صدودا " اسم للمصدر عند الخليل ، والمصدر الصد . والكوفيون يقولون : هما مصدران .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ألم تر، يا محمد، إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك من المنافقين، وإلى الذي يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من أهل الكتاب، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت =" وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله "، يعني بذلك: " وإذا قيل لهم تعالوا "، هلُمُّوا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه، وإلى الرسول ليحكم بيننا (14) =" رأيت المنافقين يصدون عنك "، يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم =" صدودًا ". (15)* * *وقال ابن جريج في ذلك بما:-9903 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول "، قال: دعا المسلمُ المنافقَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم، قال: " رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا ".* * *= وأما على تأويل قول من جعل الدَّاعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديّ، والمدعوَّ إليه المنافق، على ما ذكرت من أقوال من قال ذلك في تأويل قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ = فإنه على ما بيَّنت قبل.------------------الهوامش :(14) انظر تفسير"تعالوا" فيما سلف 6: 474 ، 483 ، 485.(15) انظر تفسير"الصد" فيما سلف 4: 300 / 7: 53 / 8: 482.
فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَٰنٗا وَتَوۡفِيقًا ٦٢التفسير الميسرفكيف يكون حال أولئك المناففين، إذا حلَّت بهم مصيبة بسبب ما اقترفوه بأيديهم، ثم جاؤوك -أيها الرسول- يعتذرون، ويؤكدون لك أنهم ما قصدوا بأعمالهم تلك إلا الإحسان والتوفيق بين الخصوم؟
تفسير السعدي فَكَيْفَ يكون حال هؤلاء الضالين إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من المعاصي ومنها تحكيم الطاغوت؟! ثُمَّ جَاءُوكَ معتذرين لما صدر منهم، ويقولون: إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا أي: ما قصدنا في ذلك إلا الإحسان إلى المتخاصمين والتوفيق بينهم، وهم كَذَبة في ذلك. فإن الإحسان كل الإحسان تحكيم الله ورسوله ومَنْ أحْسَن من الله حكمًا لقوْمٍ يوقنون
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى في ذم المنافقين : ( فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ) أي : فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم واحتاجوا إليك في ذلك ، ( ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ) أي : يعتذرون إليك ويحلفون : ما أردنا بذهابنا إلى غيرك ، وتحاكمنا إلى عداك إلا الإحسان والتوفيق ، أي : المداراة والمصانعة ، لا اعتقادا منا صحة تلك الحكومة ، كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله : ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى [ أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ] فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) [ المائدة : 52 ] .وقد قال الطبراني : حدثنا أبو زيد أحمد بن يزيد الحوطي ، حدثنا أبو اليمان ، حدثنا صفوان بن عمر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس . قال : كان أبو برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله عز وجل : ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك [ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ] ) إلى قوله : ( إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا )
تفسير القرطبيقوله تعالى : فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقاأي فكيف يكون حالهم ، أو فكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة أي من ترك الاستعانة بهم ، وما يلحقهم من الذل في قوله : فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا . وقيل : يريد قتل صاحبهم بما قدمت أيديهم وتم الكلام . ثم ابتدأ يخبر عن فعلهم ؛ وذلك أن عمر لما قتل صاحبهم جاء قومه يطلبون ديته ويحلفون ما نريد بطلب ديته إلا الإحسان وموافقة الحق . وقيل : المعنى ما أردنا بالعدول عنك في المحاكمة إلا التوفيق بين الخصوم ، والإحسان بالتقريب في الحكم . ابن كيسان : عدلا وحقا ؛ نظيرها وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فكيف بهؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك =" إذا أصابتهم مصيبة "، يعني: إذا نزلت بهم نقمة من الله =" بما قدمت أيديهم "، يعني: بذنوبهم التي سلفت منهم، (16) =" ثم جاؤوك يحلفون بالله "، يقول: ثم جاؤوك يحلفون بالله كذبًا وزورًا =" إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا ". وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين أنهم لا يردعهم عن النفاق العِبر والنِّقم، وأنهم إن تأتهم عقوبة من الله على تحاكمهم إلى الطاغوت لم ينيبوا ولم يتوبوا، (17) ولكنهم يحلفون بالله كذبًا وجرأة على الله: ما أردنا باحتكامنا إليه إلا الإحسان من بعضنا إلى بعض، والصوابَ فيما احتكمنا فيه إليه.--------------------الهوامش :(16) انظر تفسير"قدمت أيديهم" فيما سلف 2: 368 / 7: 447.(17) في المطبوعة والمخطوطة: "وأنهم وإن تأتهم" ، والأجود حذف الواو.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَوۡلَۢا بَلِيغٗا ٦٣التفسير الميسرأولئك هم الذين يعلم الله حقيقة ما في قلوبهم من النفاق، فتولَّ عنهم، وحذِّرهم من سوء ما هم عليه، وقل لهم قولا مؤثرًا فيهم زاجرًا لهم.
تفسير السعدي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ أي: من النفاق والقصد السيئ. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي: لا تبال بهم ولا تقابلهم على ما فعلوه واقترفوه. وَعِظْهُمْ أي: بين لهم حكم الله تعالى مع الترغيب في الانقياد لله، والترهيب من تركه وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا أي: انصحهم سرا بينك وبينهم، فإنه أنجح لحصول المقصود، وبالغ في زجرهم وقمعهم عمَّا كانوا عليه، وفي هذا دليل على أن مقترف المعاصي وإن أعرض عنه فإنه ينصح سرًا، ويبالغ في وعظه بما يظن حصول المقصود به.
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى : ( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ) [ أي ] هذا الضرب من الناس هم المنافقون ، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك ، فإنه لا تخفى عليه خافية ، فاكتف به يا محمد فيهم ، فإن الله عالم بظواهرهم وبواطنهم ; ولهذا قال له : ( فأعرض عنهم ) أي : لا تعنفهم على ما في قلوبهم ( وعظهم ) أي : وانههم على ما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر ( وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ) أي : وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم .
تفسير القرطبيفقال الله تعالى مكذبا لهم أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم قال الزجاج : معناه قد علم الله أنهم منافقون . والفائدة لنا : اعلموا أنهم منافقون . فأعرض عنهم قيل : عن عقابهم . وقيل : عن قبول اعتذارهم وعظهم أي خوفهم . قيل في الملا . وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا أي ازجرهم بأبلغ الزجر في السر والخلاء . الحسن : قل لهم إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم . وقد بلغ القول بلاغة ؛ ورجل بليغ يبلغ بلسانه كنه ما في قلبه . والعرب تقول : أحمق بلغ وبلغ ، أي نهاية في الحماقة . وقيل : معناه يبلغ ما يريد وإن كان أحمق . ويقال : إن قوله تعالى : فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم نزل في شأن الذين بنوا مسجد الضرار ؛ فلما أظهر الله نفاقهم ، وأمرهم بهدم المسجد حلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعا عن أنفسهم : ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعة الله وموافقة الكتاب .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا (63)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " أولئك "، هؤلاء المنافقون الذين وصفت لك، يا محمد، صفتهم =" يعلم الله ما في قلوبهم " في احتكامهم إلى الطاغوت، وتركهم الاحتكام إليك، وصدودهم عنك = من النفاق والزيغ، (18) وإن حلفوا بالله: ما أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا =" فأعرض عنهم وعظهم "، يقول: فدعهم فلا تعاقبهم في أبدانهم وأجسامهم، ولكن عظهم بتخويفك إياهم بأسَ الله أن يحلّ بهم، وعقوبته أن تنزل بدارهم، وحذِّرهم من مكروهِ ما هم عليه من الشك في أمر الله وأمر رسوله = ،" وقل لهم في أنفسهم قولا بليغًا "، يقول: مرهم باتقاء الله والتصديق به وبرسوله ووعده ووعيده.----------------------الهوامش :(18) السياق: "يعلم الله ما في قلوبهم... من النفاق والزيغ".
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا ٦٤التفسير الميسروما بعَثْنَا من رسول من رسلنا، إلا ليستجاب له، بأمر الله تعالى وقضائه. ولو أن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم باقتراف السيئات، جاؤوك -أيها الرسول- في حياتك تائبين سائلين الله أن يغفر لهم ذنوبهم، واستغفرت لهم، لوجدوا الله توابًا رحيمًا.
تفسير السعدييخبر تعالى خبرا في ضمنه الأمر والحث على طاعة الرسول والانقياد له. وأن الغاية من إرسال الرسل أن يكونوا مطاعين ينقاد لهم المرسلُ إليهم في جميع ما أمروا به ونهوا عنه، وأن يكونوا معظمين تعظيم المطيع للمطاع. وفي هذا إثبات عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون عنه؛ لأن الله أمر بطاعتهم مطلقا، فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ، لما أمر بذلك مطلقا. وقوله: بِإِذْنِ اللَّهِ أي: الطاعة من المطيع صادرة بقضاء الله وقدره. ففيه إثبات القضاء والقدر، والحث على الاستعانة بالله، وبيان أنه لا يمكن الإنسان -إن لم يعنه الله- أن يطيع الرسول. ثم أخبر عن كرمه العظيم وجوده، ودعوته لمن اقترفوا السيئات أن يعترفوا ويتوبوا ويستغفروا الله فقال: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ أي: معترفين بذنوبهم باخعين بها. فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا أي: لتاب عليهم بمغفرته ظلْمَهم، ورحمهم بقبول التوبة والتوفيق لها والثواب عليها، وهذا المجيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مختص بحياته؛ لأن السياق يدل على ذلك لكون الاستغفار من الرسول لا يكون إلا في حياته، وأما بعد موته فإنه لا يطلب منه شيء بل ذلك شرك.
تفسير ابن كثيرقول تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) أي : فرضت طاعته على من أرسله إليهم وقوله : ( بإذن الله ) قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني . يعني : لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك ، كقوله : ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ) [ آل عمران : 52 ] أي : عن أمره وقدره ومشيئته ، وتسليطه إياكم عليهم .وقوله : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده ، ويسألوه أن يستغفر لهم ، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم ، ولهذا قال : ( لوجدوا الله توابا رحيما )وقد ذكر جماعة منهم : الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتابه " الشامل " الحكاية المشهورة عن العتبي ، قال : كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله ، سمعت الله يقول : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول :يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنهفيه العفاف وفيه الجود والكرمثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال : يا عتبي ، الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيماقوله تعالى : وما أرسلنا من رسول " من " زائدة للتوكيد . إلا ليطاع فيما أمر به ونهى عنه . بإذن الله " بعلم الله . وقيل : بتوفيق الله . ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك روى أبو صادق عن علي قال : قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام ، فرمى بنفسه على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحثا على رأسه من ترابه ؛ فقال : قلت يا رسول الله فسمعنا قولك ، ووعيت عن الله فوعينا عنك ، وكان فيما أنزل الله عليك ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم الآية ، وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي . فنودي من القبر إنه قد غفر لك . ومعنى لوجدوا الله توابا رحيما أي قابلا لتوبتهم ، وهما مفعولان لا غير .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِقال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولم نرسل، يا محمد، رسولا إلا فرضت طاعته على من أرسلته إليه. يقول تعالى ذكره: فأنت، يا محمد، من الرسل الذين فرضت طاعتهم على من أرسلتُه إليه.وإنما هذا من الله توبيخ للمحتكمين من المنافقين = الذين كانوا يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم = فيما اختصموا فيه إلى الطاغوت، صدودًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول لهم تعالى ذكره: ما أرسلتُ رسولا إلا فرضت طاعته على من أرسلته إليه، فمحمد صلى الله عليه وسلم من أولئك الرسل، فمن ترك طاعته والرِّضى بحكمه واحتكم إلى الطاغوت، فقد خالف أمري، وضيَّع فرضي.* * *ثم أخبر جل ثناؤه: أن من أطاع رسله، فإنما يطيعهم بإذنه = يعني: بتقديره ذلك وقضائه السابق في علمه ومشيئته، (19) كما:-9904 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " إلا ليطاع بإذن الله "، واجب لهم أن يطيعهم من شاء الله، ولا يطيعهم أحد إلا بإذن الله.9905 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.9906 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.* * *قال أبو جعفر: إنما هذا تعريض من الله تعالى ذكره لهؤلاء المنافقين، بأن تركهم طاعة الله وطاعة رسوله والرضى بحكمه، إنما هو للسابق لهم من خِذْلانه وغلبة الشقاء عليهم، ولولا ذلك لكانوا ممن أذن له في الرضى بحكمه، والمسارعة إلى طاعته.* * *القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولو أن هؤلاء المنافقين = الذين وصف صفتهم في هاتين الآيتين، الذين إذا دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صدّوا صدودًا =،" إذ ظلموا أنفسهم "، باكتسابهم إياها العظيم من الإثم في احتكامهم إلى الطاغوت، وصدودهم عن كتاب الله وسنة رسوله إذا دعوا إليها =" جاؤوك "، يا محمد، حين فعلو ما فعلوا من مصيرهم إلى الطاغوت راضين بحكمه دون حكمك، جاؤوك تائبين منيبين، فسألوا الله أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم، وسأل لهم اللهَ رسولهُ صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. وذلك هو معنى قوله: " فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ".* * *= وأما قوله: " لوجدوا الله توابًا رحيمًا "، فإنه يقول: لو كانوا فعلوا ذلك فتابوا من ذنبهم =" لوجدوا الله توابًا "، يقول: راجعًا لهم مما يكرهون إلى ما يحبون (20) =" رحيمًا " بهم، في تركه عقوبتهم على ذنبهم الذي تابوا منه.* * *وقال مجاهد: عُنِي بذلك اليهوديُّ والمسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف.9907 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ظلموا أنفسهم " إلى قوله: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ، قال: إن هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف.----------------------الهوامش :(19) انظر تفسير"الإذن" فيما سلف 8: 192 تعليق: 2 والمراجع هناك.(20) انظر تفسير"الاستغفار" و"التوبة" فيما سلف من فهارس اللغة.
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥التفسير الميسرأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة أن هؤلاء لا يؤمنون حقيقة حتى يجعلوك حكمًا فيما وقع بينهم من نزاع في حياتك، ويتحاكموا إلى سنتك بعد مماتك، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا مما انتهى إليه حكمك، وينقادوا مع ذلك انقيادًا تاماً، فالحكم بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة في كل شأن من شؤون الحياة من صميم الإيمان مع الرضا والتسليم.
تفسير السعديثم أقسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم، أي: في كل شيء يحصل فيه اختلاف، بخلاف مسائل الإجماع، فإنها لا تكون إلا مستندة للكتاب والسنة، ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق، وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض، ثم لا يكفي ذلك حتى يسلموا لحكمه تسليمًا بانشراح صدر، وطمأنينة نفس، وانقياد بالظاهر والباطن. فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمَن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها. فمَن ترك هذا التحكيم المذكور غير ملتزم له فهو كافر، ومَن تركه، مع التزامه فله حكم أمثاله من العاصين.
تفسير ابن كثيروقوله : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة : أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور ، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا ; ولهذا قال : ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) أي : إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به ، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة ، كما ورد في الحديث : " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " .وقال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله حدثنا محمد بن جعفر ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة قال : خاصم الزبير رجلا في شريج من الحرة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك " فقال الأنصاري : يا رسول الله ، أن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : " اسق يا زبير ، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ، ثم أرسل الماء إلى جارك " واستوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم ، حين أحفظه الأنصاري ، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة . قال الزبير : فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) الآية .وهكذا رواه البخاري هاهنا أعني في كتاب : " التفسير " من صحيحه من حديث معمر : وفي كتاب : " الشرب " من حديث ابن جريج ومعمر أيضا ، وفي كتاب : " الصلح " من حديث شعيب بن أبي حمزة ، ثلاثتهم عن الزهري عن عروة ، فذكره وصورته صورة الإرسال ، وهو متصل في المعنى .وقد رواه الإمام أحمد من هذا الوجه فصرح بالإرسال فقال : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني عروة بن الزبير : أن الزبير كان يحدث : أنه كان يخاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة ، كانا يسقيان بها كلاهما ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير : " اسق ثم أرسل إلى جارك " فغضب الأنصاري وقال : يا رسول الله ، أن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : " اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر " فاستوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار علىالزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري ، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم ، قال عروة : فقال الزبير : والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما )هكذا رواه الإمام أحمد وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير ; فإنه لم يسمع منه ، والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله ، فإن أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رواه كذلك في تفسيره فقال :حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، حدثنا الليث ويونس ، عن ابن شهاب ، أن عروة بن الزبير حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام : أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج في الحرة ، كانا يسقيان به كلاهما النخل ، فقال الأنصاري : سرح الماء يمر . فأبى عليه الزبير ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك " فغضب الأنصاري وقال : يا رسول الله ، أن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : " اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر " واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري ، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى للزبير حقه في صريح الحكم فقال الزبير : ما أحسب هذه الآية إلا في ذلك : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما )وهكذا رواه النسائي من حديث ابن وهب ، به ورواه أحمد والجماعة كلهم من حديث الليث ، به وجعله أصحاب الأطراف في مسند عبد الله بن الزبير ، وكذا ساقه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن الزبير ، والله أعلم . والعجب كل العجب من الحاكم أبي عبد الله النيسابوري ، فإنه روى هذا الحديث من طريق ابن أخي ابن شهاب ، عن عمه ، عن عروة ، عن عبد الله بن الزبير ، عن الزبير فذكره ، ثم قال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه . فإني لا أعلم أحدا قام بهذا الإسناد عن الزهري يذكر عبد الله بن الزبير ، غير ابن أخيه ، وهو عنه ضعيف .وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن علي أبو دحيم ، حدثنا أحمد بن حازم ، حدثنا الفضل بن دكين ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن سلمة - رجل من آل أبي سلمة - قال : خاصم الزبير رجلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للزبير ، فقال الرجل : إنما قضى له لأنه ابن عمته . فنزلت : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ) الآية .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عمرو بن عثمان ، حدثنا أبو حيوة ، حدثنا سعيد بن عبد العزيز ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب في قوله : ( فلا وربك لا يؤمنون [ حتى يحكموك ] ) [ الآية ] قال : نزلت في الزبير بن العوام ، وحاطب بن أبي بلتعة . اختصما في ماء ، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسقي الأعلى ثم الأسفل . هذا مرسل ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري .ذكر سبب آخر غريب جدا :قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عبد الله بن لهيعة ، عن أبي الأسود قال : اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ، فقال الذي قضي عليه : ردنا إلى عمر بن الخطاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انطلقا إليه " فلما أتيا إليه قال الرجل : يا ابن الخطاب ، قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا ، فقال : ردنا إلى عمر . فردنا إليك . فقال : أكذاك ؟ فقال : نعم فقال عمر : مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما . فخرج إليهما مشتملا على سيفه ، فضرب الذي قال ردنا إلى عمر فقتله ، وأدبر الآخر فارا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله قتل عمر والله صاحبي ، ولولا أني أعجزته لقتلني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن " فأنزل الله : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ) الآية ، فهدر دم ذلك الرجل ، وبرئ عمر من قتله ، فكره الله أن يسن ذلك بعد ، فقال : ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ) [ النساء : 66 ] .وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة ، عن أبي الأسود به .وهو أثر غريب ، وهو مرسل ، وابن لهيعة ضعيف والله أعلم .طريق أخرى : قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في تفسيره : حدثنا شعيب بن شعيب حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا عتبة بن ضمرة ، حدثني أبي : أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للمحق على المبطل ، فقال المقضي عليه : لا أرضى . فقال صاحبه : فما تريد ؟ قال : أن نذهب إلى أبي بكر الصديق ، فذهبا إليه ، فقال الذي قضي له : قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي فقال أبو بكر : فأنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم فأبى صاحبه أن يرضى ، قال : نأتي عمر بن الخطاب ، فأتياه ، فقال المقضي له : قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقضى لي عليه ، فأبى أن يرضى ، [ ثم أتينا أبا بكر ، فقال : أنتما على ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبى أن يرضى ] فسأله عمر ، فقال : كذلك ، فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سله ، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى ، فقتله ، فأنزل الله : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) [ إلى آخر ] الآية .
تفسير القرطبيفلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليمافيه خمس مسائل :الأولى : قال مجاهد وغيره : المراد بهذه الآية من تقدم ذكره ممن أراد التحاكم إلى الطاغوت وفيهم نزلت . وقال الطبري : قوله فلا رد على ما تقدم ذكره ؛ تقديره فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ، ثم استأنف القسم بقوله : وربك لا يؤمنون . وقال غيره : إنما قدم لا على القسم اهتماما بالنفي وإظهارا لقوته ، ثم كرره بعد القسم تأكيدا للتهمم بالنفي ، وكان يصح إسقاط لا الثانية ويبقى أكثر الاهتمام بتقديم الأولى ، وكان يصح إسقاط الأولى ويبقى معنى النفي ويذهب معنى الاهتمام . و " شجر " معناه اختلف واختلط ؛ ومنه الشجر لاختلاف أغصانه . ويقال لعصي الهودج : شجار ؛ لتداخل بعضها في بعض . قال الشاعر :نفسي فداؤك والرماح شواجر والقوم ضنك للقاء قيام وقال طرفة :وهم الحكام أرباب الهدى وسعاة الناس في الأمر الشجر وقالت طائفة : نزلت في الزبير مع الأنصاري ، وكانت الخصومة في سقي بستان ؛ فقال عليه السلام للزبير : اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك . فقال الخصم : أراك تحابي ابن عمتك ؛ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للزبير : اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر ونزل : فلا وربك لا يؤمنون . الحديث ثابت صحيح رواه البخاري عن علي بن عبد الله عن محمد بن جعفر عن معمر ، ورواه مسلم عن قتيبة كلاهما عن الزهري . واختلف أهل هذا القول في الرجل الأنصاري ؛ فقال بعضهم : هو رجل من الأنصار من أهل بدر . وقال مكي والنحاس : هو حاطب بن أبي بلتعة . وقال الثعلبي والواحدي والمهدوي : هو حاطب . وقيل : ثعلبة بن حاطب . وقيل غيره : والصحيح القول الأول ؛ لأنه غير معين ولا مسمى ؛ وكذا في البخاري ومسلم أنه رجل من الأنصار . واختار الطبري أن يكون نزول الآية في المنافق واليهودي . كما قال مجاهد ؛ ثم تتناول بعمومها قصة الزبير . قال ابن العربي : وهو الصحيح ؛ فكل من اتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحكم فهو كافر ، لكن الأنصاري زل زلة فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأقال عثرته لعلمه بصحة يقينه ، وأنها كانت فلتة وليست لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم . وكل من لم يرض بحكم الحاكم وطعن فيه ورده فهي ردة يستتاب . أما إن طعن في الحاكم نفسه لا في الحكم فله تعزيره وله أن يصفح عنه وسيأتي بيان هذا في آخر سورة " الأعراف " إن شاء الله تعالى .الثانية : وإذا كان سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من الحديث ففقهها أنه عليه السلام سلك مع الزبير وخصمه مسلك الصلح فقال : اسق يا زبير لقربه من الماء ثم أرسل الماء إلى جارك . أي تساهل في حقك ولا تستوفه وعجل في إرسال الماء إلى جارك . فحضه على المسامحة والتيسير ، فلما سمع الأنصاري هذا لم يرض بذلك وغضب ؛ لأنه كان يريد ألا يمسك الماء أصلا ، وعند ذلك نطق بالكلمة الجائرة المهلكة الفاقرة فقال : آن كان ابن عمتك ؟ بمد همزة " أن " المفتوحة على جهة الإنكار ؛ أي أتحكم له علي لأجل أنه قرابتك ؟ . فعند ذلك تلون وجه النبي صلى الله عليه وسلم غضبا عليه ، وحكم للزبير باستيفاء حقه من غير مسامحة له . وعليه لا يقال : كيف حكم في حال غضبه وقد قال : ( لا يقضي القاضي وهو غضبان ) ؟ فإنا نقول : لأنه معصوم من الخطأ في التبليغ والأحكام ، بدليل العقل الدال على صدقه فيما يبلغه عن الله تعالى فليس مثل غيره من الحكام . وفي هذا الحديث إرشاد الحاكم إلى الإصلاح بين الخصوم وإن ظهر الحق . ومنعه مالك ، واختلف فيه قول الشافعي . وهذا الحديث حجة واضحة على الجواز ؛ فإن اصطلحوا وإلا استوفى لذي الحق حقه وثبت الحكم .الثالثة : واختلف أصحاب مالك في صفة إرسال الماء الأعلى إلى الأسفل ؛ فقال ابن حبيب : يدخل صاحب الأعلى جميع الماء في حائطه ويسقي به ، حتى إذا بلغ الماء من قاعة الحائط إلى الكعبين من القائم فيه أغلق مدخل الماء ، وصرف ما زاد من الماء على مقدار الكعبين إلى من يليه ، فيصنع به مثل ذلك حتى يبلغ السيل إلى أقصى الحوائط . وهكذا فسره لي مطرف وابن الماجشون . وقاله ابن وهب . وقال ابن القاسم : إذا انتهى الماء في الحائط إلى مقدار الكعبين أرسله كله إلى من تحته ولا يحبس منه شيئا في حائطه . قال ابن حبيب : وقول مطرف وابن الماجشون أحب إلي وهم أعلم بذلك ؛ لأن المدينة دارهما وبها كانت القضية وفيها جرى العمل .الرابعة : روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سيل مهزور ومذينب : يمسك حتى الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل . قال أبو عمر : " لا أعلم هذا الحديث يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه من الوجوه ، وأرفع أسانيده ما ذكره محمد بن إسحاق عن أبي مالك بن ثعلبة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه أهل مهزور فقضى أن الماء إذا بلغ الكعبين لم يحبس الأعلى . وذكر عبد الرزاق عن أبي حازم القرطبي عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مهزور أن يحبس على كل حائط حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل . وغيره من السيول كذلك . وسئل أبو بكر البزار عن حديث هذا الباب فقال : لست أحفظ فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا يثبت . قال أبو عمر : في هذا المعنى - وإن لم يكن بهذا اللفظ حديث ثابت مجتمع على صحته . رواه ابن وهب عن الليث بن سعد ويونس بن يزيد جميعا عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة كانا يسقيان بها كلاهما النخل ؛ فقال الأنصاري : سرح الماء ؛ فأبى عليه ، فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم " وذكر الحديث . قال أبو عمر : وقوله في الحديث : ( يرسل ) وفي الحديث الآخر إذا بلغ الماء الكعبين لم يحبس الأعلى يشهد لقول ابن القاسم . ومن جهة النظر أن الأعلى لو لم يرسل إلا ما زاد على الكعبين لا يقطع ذلك الماء في أقل مدة ، ولم ينته حيث ينتهي إذا أرسل الجميع ، وفي إرسال الجميع بعد أخذ الأعلى منه ما بلغ الكعبين أعم فائدة وأكثر نفعا فيما قد جعل الناس فيه شركاء ؛ فقول ابن القاسم أولى على كل حال . هذا إذا لم يكن أصله ملكا للأسفل مختصا به ، فإن ما استحق بعمل أو بملك صحيح أو استحقاق قديم وثبوت ملك فكل على حقه على حسب ما كان من ذلك بيده وعلى أصل مسألته . وبالله التوفيق .الخامسة : قوله تعالى : ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت أي ضيقا وشكا ؛ ومنه قيل للشجر الملتف : حرج وحرجة ، وجمعها حراج . وقال الضحاك : أي إثما بإنكارهم ما قضيت . ويسلموا تسليما أي ينقادوا لأمرك في القضاء . وقال الزجاج : تسليما مصدر مؤكد ؛ فإذا قلت : ضربت ضربا فكأنك قلت لا أشك فيه ؛ وكذلك ويسلموا تسليما أي ويسلموا لحكمك تسليما لا يدخلون على أنفسهم شكا .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فلا " فليس الأمر كما يزعمون: أنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدّون عنك إذا دعوا إليك يا محمد = واستأنف القسم جل ذكره فقال: " وربك "، يا محمد =" لا يؤمنون "، أي: لا يصدقون بي وبك وبما أنزل إليك =" حتى يحكموك فيما شجر بينهم "، يقول: حتى يجعلوك حكمًا بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه. يقال: " شجَر يشجُر شُجورًا وشَجْرًا "، و " تشاجر القوم "، إذا اختلفوا في الكلام والأمر،" مشاجرة وشِجارًا ".* * *=" ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت "، يقول: لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا مما قضيت. وإنما معناه: ثم لا تحرَج أنفسهم مما قضيت = أي: لا تأثم بإنكارها ما قضيتَ، وشكّها في طاعتك، وأن الذي قضيت به بينهم حقٌّ لا يجوز لهم خلافه، كما:-9908 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " حرجًا مما قضيت "، قال: شكًّا.9909 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: " حرجًا مما قضيت "، يقول: شكًّا.9910 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.9911 - حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت "، قال: إثمًا =" ويسلموا تسليما "، يقول: ويسلّموا لقضائك وحكمك، إذعانًا منهم بالطاعة، وإقرارًا لك بالنبوة تسليمًا.* * *واختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية، وفيمن نزلت؟فقال بعضهم: نزلت في الزبير بن العَوَّام وخصم له من الأنصار، اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور.ذكر الرواية بذلك:9912 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس والليث بن سعد، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدَّثه: أن عبد الله بن الزبير حدثه، عن الزبير بن العوام: أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شِرَاج من الحرّة كانا يسقيان به كَلأهما النخل، (21) فقال الأنصاري: سَرِّح الماء يمرّ! (22) فأبى عليه، فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله، أنْ كان ابن عمتك؟ (23) فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدْر، (24) ثم أرسل الماء إلى جارك. واستوعَى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه = قال أبو جعفر: والصواب: " استوعب " (25) = وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه الشفقة له وللأنصاري. فلما أحفظَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الأنصاريُّ، (26) استوعب للزبير حقه في صريح الحكم = قال فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم "، الآية. (27)9913 - حدثني يعقوب قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري عن عروة، قال: خاصم الزبير رجل من الأنصار في شَرْج من شِراج الحَرَّة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا زبير، أَشْرِب، ثم خلِّ سبيل الماء. فقال الذي من الأنصار من بني أمية: (28) اعدل يا نبيَّ الله، وإن كان ابن عمتك! قال: فتغيَّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عُرف أن قد ساءه ما قال، ثم قال: يا زبير، احبس الماء إلى الجدْرِ = أو: إلى الكعبين = ثم خل سبيل الماء. قال: ونزلت: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ". (29)9914 - حدثني عبد الله بن عمير الرازي قال، حدثنا عبد الله بن الزبير قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا عمرو بن دينار، عن سلمة رجلٍ من ولد أم سلمة، عن أم سلمة: أن الزبير خاصم رجلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير، فقال الرجل لما قضى للزبير: أن كان ابن عمتك! فأنزل الله: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا ". (30)* * *وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في المنافق واليهوديّ اللذين وصف الله صفتهما في قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ .*ذكر من قال ذلك:9915 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما "، قال: هذا الرجل اليهوديُّ والرجل المسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف.9916 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.9917 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، بنحوه = إلا أنه قال: إلى الكاهن. (31)* * *قال أبو جعفر: وهذا القول = أعني قول من قال: عني به المحتكمان إلى الطاغوت اللذان وصف الله شأنهما في قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ = أولى بالصواب، لأن قوله: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " في سياق قصة الذين ابتدأ الله الخبر عنهم بقوله: (32) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، ولا دلالة تدل على انقطاع قصتهم، فإلحاق بعض ذلك ببعض = ما " لم تأت دلالة على انقطاعه = أولى.* * *فإن ظن ظانٌّ أن في الذي روي عن الزبير وابن الزبير من قصته وقصة الأنصاري في شِراج الحرة، وقولِ من قال في خبرهما:فنزلت " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " = ما ينبئ عن انقطاع حكم هذه الآية وقصتها من قصة الآيات قبلها، فإنه غير مستحيل أن تكون الآية نزلت في قصة المحتكمين إلى الطاغوت، (33) ويكون فيها بيان ما احتكم فيه الزبير وصاحبه الأنصاري، إذ كانت الآية دلالة دالة (34) وإذ كان ذلك غير مستحيل، كان إلحاق معنى بعض ذلك ببعضٍ، أولى، ما دام الكلام متسقة معانيه على سياق واحد، إلا أن تأتي دلالة على انقطاع بعض ذلك من بعض، فيُعْدَل به عن معنى ما قبله.* * *وأما قوله: " ويسلموا "، فإنه منصوب عطفًا، على قوله: " ثم لا يجدوا في أنفسهم " = وقوله: " ثم لا يجدوا في أنفسهم "، نصبٌ عطفًا على قوله: " حتى يحكموك فيما شجر بينهم ".* * *--------------------------------------------------------------------------------(21) "الشراج" (بكسر الشين) جمع"شرج" (بفتح فسكون) ، وهو مسيل الماء من الحرة إلى السهل. و"الحرة" موضع معروف بالمدينة ، وهي أرض ذات حجارة سود نخرة ، كأنما أحرقت بالنار. و"الكلأ" هو العشب ترعاه الأنعام. وكان في المطبوعة: "كلاهما" بغير همز ، وهو خطأ يوهم.(22) قوله: "سرح الماء" ، أي أطلقه ، لأن الماء كان يمر على أرض الزبير قبل أرض الأنصاري ، فكان يحبسه حتى يسقي أرضه.(23) قوله: "أن كان..." ، "أن" (بفتح الألف وسكون النون) ، التعليل ، يقول أمن أجل أنه ابن عمتك؟ وأم الزبير هي: صفية بنت عبد المطلب ، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.(24) "الجدر" (بفتح الجيم وسكون الدال) ، وهي الحواجز التي تحبس الماء.(25) الظاهر أن قول أبي جعفر: "والصواب: استوعب" ، إنما عنى به صواب الرواية في هذا الخبر بهذا الإسناد ، ولا أظن أبا جعفر ينكر"استوعى" أن تكون صحيحة ، فإن"استوعى" بمعنى: استوعب الحق واستوفاه ، عربي صحيح لا شك فيه.(26) "أحفظه" أغضبه.(27) الحديث: 9912 - سياق هذا الإسناد ظاهره أنه من حديث"الزبير بن العوام" - لقوله"أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام". ويحتمل أن يكون من حديث"عبد الله بن الزبير" حكاية عن القصة. وقد جاء الحديث بسياقات أخر ، بعضها ظاهره أنه من حديث عروة بن الزبير - يحكي القصة ، فيكون ظاهره الإرسال. وبعضها ظاهره أنه من رواية عروة عن أبيه الزبير ، كما سيأتي:فرواه ابن أبي حاتم - فيما نقل عنه ابن كثير 2: 503 - بإسناد الطبري هذا: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، به.وكذلك رواه ابن الجارود في المنتقى ، ص: 453 ، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن ابن وهب.وكذلك رواه الإسماعيلي ، فيما نقله عند الحافظ في الفتح 5: 26.ورواه النسائي 2: 308 - 309 ، كرواية الطبري هذه. ولكن عن شيخين: يونس بن عبد الأعلى والحارث بن مسكين - كلاهما عن ابن وهب ، بهذا الإسناد - وعند هؤلاء جميعًا - كما هنا: "أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام".ورواه أحمد في المسند: 16185 (ج4 ص4 - 5 حلبي) ، في مسند عبد الله بن الزبير - عن هاشم بن القاسم ، عن الليث ، عن ابن شهاب ، "عن عروة بن الزبير ، عن عبد الله بن الزبير ، قال: خاصم رجل من الأنصار الزبير" ، إلخ.وبنحو ذلك رواه البخاري 5: 26 - 28 ، ومسلم 2: 221 ، وأبو داود: 3637 ، والترمذي 2: 289 - 290 ، وابن ماجه: 2480 ، وابن حبان في صحيحه: 23 (بتحقيقنا) - كلهم من طريق الليث بن سعد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عبد الله بن الزبير ، حكاية للقصة. وفي بعض ألفاظهم: "عن عروة: أن عبد الله بن الزبير حدثه". وظاهر هذه الأسانيد أنه من حديث"عبد الله بن الزبير" - حكاية للقصة ، ليس فيها التصريح بروايته عن أبيه الزبير بن العوام.وقال البخاري عقب هذه الرواية: "ليس أحد يذكر: عروة عن عبد الله - إلا الليث فقط".وقد تعقبه الحافظ ابن حجر برواية"النسائي وغيره" - المطابقة لرواية الطبري هنا وابن الجارود وابن أبي حاتم - أن يونس بن يزيد الأيلي ذكر فيه"عن عبد الله بن الزبير" ، كما ذكره الليث. بل زاد ابن وهب في روايته هذه عن يونس والليث: أنه"عن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه الزبير بن العوام".ورواه أحمد في المسند: 1419 ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري ، قال ، "أخبرني عروة بن الزبير: أن الزبير كان يحدث أنه خاصم رجلا من الأنصار" - إلخ.وكذلك رواه البخاري 5: 227 (فتح) ، عن أبي اليمان ، بهذا الإسناد ، كرواية أحمد.فهذه الرواية ظاهرها أن عروة يروي الحديث فيها عن أبيه الزبير بن العوام مباشرة.وقد نقل ابن كثير 2: 502 - 503 هذه الرواية عن المسند. ثم قال: "هكذا رواه الإمام أحمد ، وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير ، فإنه لم يسمع منه. والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله".وقد تعقبته في شرح المسند: 1419 فقلت: إن الحديث حديث الزبير ، ولا يبعد أن يكون سمعه منه أبناه عبد الله وعروة ، وأن يكون عروة سمعه أيضًا من أخيه عبد الله ، أو ثبته عبد الله فيه. وأما ادعاء أن عروة لم يسمع من أبيه فالأدلة تنقضه ، فإنه كان مراهقًا أو بالغًا عند مقتل أبيه ، كانت سنه 13 سنة. وفي التهذيب 7: 185: "قال مسلم بن الحجاج في كتاب التمييز: حج عروة مع عثمان ، وحفظ عن أبيه فمن دونهما من الصحابة".وأزيد هنا أن البخاري صرح في ترجمة"عروة" في التاريخ الكبير 4 / 1 / 31 بسماعه من أبيه ، فقال: "سمع أباه وعائشة وعبد الله بن عمر". وأن الإمام أحمد روى حديثًا آخر قبله: 1418 ، من طريق هشام بن عروة ، "عن عروة ، قال: أخبرني أبي الزبير" - وإسناده صحيح ، وفيه التصريح بسماع عروة من أبيه ، وأن الحافظ في الفتح 5: 26 قال: "وإنما صححه البخاري - مع هذا الاختلاف - اعتمادًا على صحة سماع عروة من أبيه".ورواه عروة أيضًا من عند نفسه ، حكاية للقصة ، دون أن يذكر أنه عن اخيه أو عن أبيه - فيكون ظاهره أنه حديث مرسل ، كما في الرواية الآتية عقب هذه ، وسيأتي باقي الكلام هناك.(28) في المطبوعة: حذف قوله: "من بني أمية" ، كأنه ظن أن"بني أمية" هنا هم القرشيون!! و"بنو أمية" هنا: هم بنو أمية بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس.(29) الحديث: 9913 - إسماعيل بن إبراهيم: هو ابن علية.عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة: ثقة ، وثقه ابن معين والبخاري وغيرهما. وأخرج له مسلم في صحيحه. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 212 - 213.وهذا الحديث صورته صورة الإرسال ، كما أشرنا في الحديث قبله. لأن عروة بن الزبير - وهو تابعي - يحكي القصة ، دون أن يذكر روايته إياها عن أبيه أو عن أخيه.وكذلك رواه يحيى بن آدم في كتاب الخراج ، رقم: 337 (بتحقيقنا) ، عن ابن علية ، كرواية الطبري هذه.وبهذه الصورة - صورة الإرسال - رواه البخاري 5: 29 (فتح) ، من طريق معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، قال: "خاصم الزبير رجلا". - إلخ. وكذلك رواه مرة أخرى 8: 191 ، من طريق معمر.وكذلك رواه 5: 30 ، من طريق ابن جريج ، عن الزهري - على صوره الإرسال.وأشار الحافظ في الفتح 5: 26 إلى روايات أخر عن الزهري توافق روايتي معمر وابن جريج على روايته بصورة الحديث المرسل.والراجح عندي أن عروة سمع الحديث من أبيه مع أخيه عبد الله ، ولعله لم يتثبت من حفظه تمامًا لصغر سنه ، فسمعه مرة أخرى من أخيه. فحدث به على تارات: يذكر أنه عن أخيه عن أبيه. أو يذكر أنه عن أبيه مباشرة. أو يرسل القصة إرسالا دون ذكر واحد منهما لثقته بسماعها واطمئنانه.ولذلك أخرج البخاري في صحيحه الرواية التي صورتها صورة الإرسال في موضعين ، توثيقًا منه لثبوته موصولا. وأريد الحافظ في الفتح 5: 26 صنيع البخاري هذا بقوله: "ثم الحديث ورد في شيء يتعلق بالزبير ، فداعية ولده متوفرة على ضبطه".والحديث - في أصله - ذكره السيوطي 2: 180 ، وزاد نسبته لعبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، والبيهقي.(30) الحديث: 9914 - عبد الله بن عمير الرازي - شيخ الطبري: لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا في شيء من المراجع.عبد الله بن الزبير بن عيسى الأسدي: هو الحميدي الإمام الثقة المشهور ، من شيوخ البخاري. قال أبو حاتم: "هو أثبت الناس في ابن عيينة ، وهو رئيس أصحابه ، وهو ثقة إمام". مات سنة 219.سفيان: هو ابن عيينة."سلمة رجل من ولد أم سلمة": هو"سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة". مضت ترجمته في: 8368 ، 8369.وهذا الحديث فيه القصة السابقة التي رواها عروة بن الزبير.وقد أشار إليه الحافظ في الفتح 5: 26 ، قال: "وقد جاءت هذه القصة من وجه آخر ، أخرجها الطبري والطبراني ، من حديث أم سلمة".وقد ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج7 ص4) بنحوه. وقال: "رواه الطبراني ، وفيه يعقوب بن حميد ، وثقه ابن حبان ، وضعفه غيره".وليس"يعقوب بن حميد" في هذا الإسناد - إسناد الطبري - فهو وجه آخر.وقد ذكره ابن كثير 2: 503 - 504 من كتاب ابن مردويه ، من طريق الفضل بن دكين ، عن ابن عيينة ، بهذا الإسناد. ولكن فيه: "عن رجل من آل أبي سلمة ، قال: خاصم الزبير رجلا" - إلخ. فلم يذكر فيه"عن أم سلمة".وذكره السيوطي 2: 180 ، وزاد نسبته للحميدي - وهو الوجه الذي في الطبري هنا - وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر.(31) وهناك قول آخر ذكر الطبري فيما سلف ، دليله في الأثر رقم: 5819 ، أن الآية نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين ، كان له ابنان فتنصرا. وقد بينت آنفًا في 5: 410 ، تعليق: 4 ، أن هذا من الأدلة على اختصار أبي جعفر تفسيره هذا.(32) في المطبوعة: "الذين أسدى الله الخبر عنهم" ، وهو كلام خلو من كل معنى ، أوقعه فيه أنه لم يحسن قراءة المخطوطة ، ولم يعرف قط قاعدة ناسخها ، فإنه يكتب"ابتدأ" هكذا: "ابتدى" غير منقوطة.(33) في المطبوعة: "في حصة المحتكمين" ، وهو خطأ في الطباعة.(34) في المطبوعة: "إذ كانت الآية دالة على ذلك" ، وأثبت ما في المخطوطة وهو صواب.