وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا ٦٦التفسير الميسرولو أوجبنا على هؤلاء المنافقين المتحاكمين إلى الطاغوت أن يقتل بعضهم بعضًا، أو أن يخرجوا من ديارهم، ما استجاب لذلك إلا عدد قليل منهم، ولو أنهم استجابوا لما يُنصحون به لكان ذلك نافعًا لهم، وأقوى لإيمانهم، ولأعطيناهم من عندنا ثوابًا عظيمًا في الدنيا والآخرة، ولأرشدناهم ووفقناهم إلى طريق الله القويم.
تفسير السعدييخبر تعالى أنه لو كتب على عباده الأوامر الشاقة على النفوس من قتل النفوس والخروج من الديار لم يفعله إلا القليل منهم والنادر، فليحمدوا ربهم وليشكروه على تيسير ما أمرهم به من الأوامر التي تسهل على كل أحد، ولا يشق فعلها، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يلحظ العبد ضد ما هو فيه من المكروهات، لتخف عليه العبادات، ويزداد حمدًا وشكرًا لربه. ثم أخبر أنهم لو فعلوا ما يوعظون به أي: ما وُظِّف عليهم في كل وقت بحسبه، فبذلوا هممهم، ووفروا نفوسهم للقيام به وتكميله، ولم تطمح نفوسهم لما لم يصلوا إليه، ولم يكونوا بصدده، وهذا هو الذي ينبغي للعبد، أن ينظر إلى الحالة التي يلزمه القيام بها فيكملها، ثم يتدرج شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى ما قدر له من العلم والعمل في أمر الدين والدنيا، وهذا بخلاف من طمحت نفسه إلى أمر لم يصل إليه ولم يؤمر به بعد، فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك بسبب تفريق الهمة، وحصول الكسل وعدم النشاط. ثم رتب ما يحصل لهم على فعل ما يوعظون به، وهو أربعة أمور: (أحدها) الخيرية في قوله: لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ أي: لكانوا من الأخيار المتصفين بأوصافهم من أفعال الخير التي أمروا بها، أي: وانتفى عنهم بذلك صفة الأشرار، لأن ثبوت الشيء يستلزم نفي ضده. (الثاني) حصول التثبيت والثبات وزيادته، فإن الله يثبت الذين آمنوا بسبب ما قاموا به من الإيمان، الذي هو القيام بما وعظوا به، فيثبتهم في الحياة الدنيا عند ورود الفتن في الأوامر والنواهي والمصائب، فيحصل لهم ثبات يوفقون لفعل الأوامر وترك الزواجر التي تقتضي النفس فعلها، وعند حلول المصائب التي يكرهها العبد. فيوفق للتثبيت بالتوفيق للصبر أو للرضا أو للشكر. فينزل عليه معونة من الله للقيام بذلك، ويحصل له الثبات على الدين، عند الموت وفي القبر. وأيضا فإن العبد القائم بما أمر به، لا يزال يتمرن على الأوامر الشرعية حتى يألفها ويشتاق إليها وإلى أمثالها، فيكون ذلك معونة له على الثبات على الطاعات. (الثالث) قوله: وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا أي: في العاجل والآجل الذي يكون للروح والقلب والبُدن، ومن النعيم المقيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. (الرابع) الهداية إلى صراط مستقيم. وهذا عموم بعد خصوص، لشرف الهداية إلى الصراط المستقيم، من كونها متضمنة للعلم بالحق، ومحبته وإيثاره والعمل به، وتوقف السعادة والفلاح على ذلك، فمن هُدِيَ إلى صراط مستقيم، فقد وُفِّقَ لكل خير واندفع عنه كل شر وضير.
تفسير ابن كثيريخبر تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بما هم مرتكبونه من المناهي لما فعلوه ; لأن طباعهم الرديئة مجبولة على مخالفة الأمر ، وهذا من علمه - تبارك وتعالى - بما لم يكن أو كان فكيف كان يكون ; ولهذا قال تعالى : ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم )قال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثني إسحاق ، حدثنا أبو زهير عن إسماعيل ، عن أبي إسحاق السبيعي ، قال : لما نزلت : ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل [ منهم ] ) الآية ، قال رجل : لو أمرنا لفعلنا ، والحمد لله الذي عافانا . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي " .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا جعفر بن منير ، حدثنا روح ، حدثنا ، عن الحسن قال : لما نزلت هذه الآية : ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ) الآية . قال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لو فعل ربنا لفعلنا ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي " .وقال السدي : افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود ، فقال اليهودي : والله لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا . فقال ثابت : والله لو كتب علينا : ( أن اقتلوا أنفسكم ) لقتلنا . فأنزل الله هذه الآية . رواه ابن أبي حاتم .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمود بن غيلان ، حدثنا بشر بن السري ، حدثنا مصعب بن ثابت ، عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير ، قال : لما نزلت [ ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ) قال أبو بكر : يا رسول الله ، والله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت ، قال : " صدقت يا أبا بكر " .حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن أبي عمر العدني قال : سئل سفيان عن قوله ] ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم " .وحدثنا أبي ، حدثنا أبو اليمان ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن صفوان بن عمرو ، عن شريح بن عبيد قال : لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم [ أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ] ) الآية ، أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى عبد الله بن رواحة ، فقال : " لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل " يعني : ابن رواحة .ولهذا قال تعالى : ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ) أي : ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به ، وتركوا ما ينهون عنه ( لكان خيرا لهم ) أي : من مخالفة الأمر وارتكاب النهي ( وأشد تثبيتا ) قال السدي : أي : وأشد تصديقا .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتاسبب نزولها ما روي أن ثابت بن قيس بن شماس تفاخر هو ويهودي ؛ فقال اليهودي : والله لقد كتب علينا أن نقتل أنفسنا فقتلنا ، وبلغت القتلى سبعين ألفا ؛ فقال ثابت : والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا . وقال أبو إسحاق السبيعي : لما نزلت ولو أنا كتبنا عليهم الآية ، قال رجل : لو أمرنا لفعلنا ، والحمد لله الذي عافانا . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن من أمتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي . قال ابن وهب قال مالك : القائل ذلك هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ؛ وهكذا ذكر مكي أنه أبو بكر . وذكر النقاش أنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وذكر عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال : لو كتب علينا ذلك لبدأت بنفسي وأهل بيتي . وذكر أبو الليث السمرقندي : أن القائل منهم عمار بن ياسر وابن مسعود وثابت بن قيس ، قالوا : لو أن الله أمرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الإيمان أثبت في قلوب الرجال من الجبال الرواسي . ولو حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره ؛ فأخبر الله سبحانه أنه لم يكتب ذلك علينا رفقا بنا لئلا تظهر معصيتنا . فكم من أمر قصرنا عنه مع خفته فكيف بهذا الأمر مع ثقله ! لكن أما والله لقد ترك المهاجرون مساكنهم خاوية وخرجوا يطلبون بها عيشة راضية . ما فعلوه أي القتل والخروج إلا قليل منهم قليل بدل من الواو ، والتقدير ما فعله أحد إلا قليل . وأهل الكوفة يقولون : هو على التكرير ما فعلوه ما فعله إلا قليل منهم . وقرأ عبد الله بن عامر وعيسى بن عمر " إلا قليلا " على الاستثناء . وكذلك هو في مصاحف أهل الشام . الباقون بالرفع ، والرفع أجود عند جميع النحويين . وقيل : انتصب على إضمار فعل ، تقديره إلا أن يكون قليلا منهم . وإنما صار الرفع أجود لأن اللفظ أولى من المعنى ، وهو أيضا يشتمل على المعنى . وكان من القليل أبو بكر وعمر وثابت بن قيس كما ذكرنا . وزاد الحسن ومقاتل عمارا وابن مسعود وقد ذكرناهما . ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم أي في الدنيا والآخرة . وأشد تثبيتا أي على الحق .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْقال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم "، ولو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، المحتكمين إلى الطاغوت، أن يقتلوا أنفسهم وأمرناهم بذلك = أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دار أخرى سواها (1) =" ما فعلوه "، يقول: ما قتلوا أنفسهم بأيديهم، ولا هاجروا من ديارهم فيخرجوا عنها إلى الله ورسوله، طاعة لله ولرسوله =" إلا قليل منهم ".* * *وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:9918 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم "، يهود يعني = أو كلمة تشبهها = والعربَ، (2) كما أمر أصحاب موسى عليه السلام.9919 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم "، كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضًا بالخناجر، لم يفعلوا إلا قليل منهم.9920 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم "، افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من يهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا! فقال ثابت: والله لو كُتب علينا أن اقتلوا أنفسكم، لقتلنا أنفسنا! أنزل الله في هذا: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا .9921 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن إسماعيل، عن أبي إسحاق السبيعي قال: لما نزلت: " وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ"، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا! فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ من أمتي لَرِجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرَّواسي.* * *واختلف أهل العربية في وجه الرفع في قوله: " إلا قليل منهم ".فكان بعض نحويي البصرة يزعم أنه رفع " قليل "، لأنه جعل بدلا من الأسماء المضمرة في قوله: " ما فعلوه "، لأن الفعل لهم.* * *وقال بعض نحويي الكوفة: إنما رفع على نية التكرير، كأن معناه: ما فعلوه، ما فعله إلا قليل منهم، كما قال عمرو بن معد يكرب: (3)وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ,لَعمْرُ أَبِيك إلا الفَرْقَدَانِ (4)قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: رفع " القليل " بالمعنى الذي دلَّ عليه قوله: " ما فعلوه إلا قليل منهم ". وذلك أن معنى الكلام: ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعله إلا قليل منهم = فقيل: " ما فعلوه " على الخبر عن الذين مضى ذكرهم في قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ألم استثنى " القليل "، فرفع بالمعنى الذي ذكرنا، إذ كان الفعل منفيًّا عنه.* * *وهي في مصاحف أهل الشام: ( مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ ). وإذا قرئ كذلك، فلا مرْزِئَةَ على قارئه في إعرابه، (5) لأنه المعروف في كلام العرب، إذ كان الفعل مشغولا بما فيه كنايةُ مَنْ قد جرى ذكره، (6) ثم استثني منهم القليل.* * *القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدُّون عنك صدودًا =" فعلوا ما يوعظون به "، يعني: ما يذكّرون به من طاعة الله والانتهاء إلى أمره (7) =" لكان خيرًا لهم "، في عاجل دنياهم، وآجل معادهم =" وأشد تثبيتًا "، وأثبت لهم في أمورهم، وأقوم لهم عليها. (8) وذلك أن المنافق يعمل على شك، فعمله يذهب باطلا وعناؤه يضمحلّ فيصير هباء، وهو بشكه يعمل على وناءٍ وضعف. (9) ولو عمل على بصيرة، لاكتسب بعمله أجرًا، ولكان له عند الله ذخرًا، وكان على عمله الذي يعمل أقوى، ولنفسه أشدَّ تثبيتًا، لإيمانه بوعد الله على طاعته، وعمله الذي يعمله. ولذلك قال من قال: معنى قوله: " وأشد تثبيتًا "، تصديقًا، كما:-9922 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا "، قال: تصديقًا.* * *= لأنه إذا كان مصدّقًا، كان لنفسه أشد تثبيتًا، ولعزمه فيه أشدّ تصحيحًا. وهو نظير قوله جل ثناؤه: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [سورة البقرة: 265].وقد أتينا على بيان ذلك في موضعه، بما فيه كفاية من إعادته، (10)-------------------الهوامش :(1) انظر تفسير"كتب" فيما سلف ص: 8: 170 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(2) في المطبوعة: "هم يهود يعني والعرب". ومثلها في الدر المنثور 2: 181 ، وهو تصرف من السيوطي ، وتبعه الناشر الأول. وذلك أنه شك في معنى"أو كلمة تشبهها" فحذفها ، وزاد في أول الكلام"هم". ولكن قوله: "أو كلمة تشبهها" أي: تشبه"يعني" في معناها ، كقولك "يريد" أو "أراد".(3) وأصح ، نسبته إلى حضرمي بن عامر الأسدي ، وينسب إلى سوار بن المضرب ، وهو خطأ.(4) سيبويه 1: 371 / مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 131 / البيان والتبيين 1: 228 / حماسة البحتري: 151 / الكامل 2: 298 / المؤتلف والمختلف: 85 / الخزانة 2: 52= 4: 79 / شرح شواهد المغني: 78. هذا ولم أجد أبيات عمرو بن معد يكرب ، وأما شعر حضرمي ، فقبل البيت ، وهو شعر جيد:وَذِي فَجْعٍ عَزَفتُ النَّفْسَ عَنْهُحِذَارَ الشَّامتين، وَقَدْ شَجَانِيأَخِي ثِقَةٍ، إذَا مَا اللَّيْلُ أَفْضَىإلَيَّ بِمُؤْيِدٍ حُبْلَى كَفَانِيقَطَعْتُ قَرِينَتِي عَنْهُ فأغْنَىغناهُ، فَلَنْ أَراهُ وَلَنْ يَرَانِيوكُلُّ قَرِينَةٍ قُرِنَتْ بِأُخْرى،وَلَوْ ضَنَّتْ بِهَا، سَتَفَرَّقَانِوكُلُّ أَخٍ....................... . . . . . . . . . . . . . . . . . .وَكُلُّ إِجَابَتي إِيَّاهُ أَنِّيعَطَفْتُ عَلَيْهِ خَوَّار الْعِنَانِوقوله: "وذي فجع" ، أي: صديق يورث فراقه الفجيعة ، ويروى"وذى لطف" ، ويروي"وذي فخم" ، يعني: ذي كبرياء واستعلاء. و"عزف نفسه عن الشيء": صرفها. و"شجاني": أحزنني. و"المؤيد" الداهية العظيمة."حبلى" تلد شرًا بعد شر. و"القرينة" النفس التي تقارن صاحبها لا تفارقه ، حتى يموت. و"خوار العنان" صفة الفرس إذا كان سهل المعطف لينه كثير الجري ، يعني ، أنه ينصره في الحرب حين يستغيث به.(5) "المرزئة" (بفتح الميم ، وسكون الراء ، وكسر الزاي) ، مثل الرزء ، والرزيئة: وهو المصيبة والعناء والضرر والنقص ، وكل ما يثقل عليك ، عافاك الله. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "فلا مرد به على قارئه" ، وهو شيء لا يفهم ولا يقال!!(6) "الكناية" الضمير ، كما سلف مرارًا كثيرة. ثم انظر مقالة أبي عبيدة في مجاز القرآن 1: 131.(7) انظر تفسير"الوعظ" ، فيما سلف ص: 299 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.(8) انظر تفسير"التثبيت" فيما سلف 5: 354 ، 531 / 7: 272 ، 273. ولو قال: "وأقوى لهم عليها" ، لكان ذلك أرجح عندي ، وكلتاهما صواب.(9) "الونا" و"الوناء": الفترة والكلال والإعياء والضعف.(10) انظر تفسير الآية فيما سلف 5: 530 - 534.
وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٦٧التفسير الميسرولو أوجبنا على هؤلاء المنافقين المتحاكمين إلى الطاغوت أن يقتل بعضهم بعضًا، أو أن يخرجوا من ديارهم، ما استجاب لذلك إلا عدد قليل منهم، ولو أنهم استجابوا لما يُنصحون به لكان ذلك نافعًا لهم، وأقوى لإيمانهم، ولأعطيناهم من عندنا ثوابًا عظيمًا في الدنيا والآخرة، ولأرشدناهم ووفقناهم إلى طريق الله القويم.
تفسير السعديرتب ما يحصل لهم على فعل ما يوعظون به، وهو أربعة أمور:(الثالث) قوله: وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا أي: في العاجل والآجل الذي يكون للروح والقلب والبُدن، ومن النعيم المقيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
تفسير ابن كثير( وإذا لآتيناهم من لدنا ) أي : من عندنا ، ( أجرا عظيما ) يعني : الجنة .
تفسير القرطبيوإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما أي ثوابا في الآخرة . وقيل : اللام لام الجواب ، وإذا دالة على الجزاء ، والمعنى لو فعلوا ما يوعظون به لآتيناهم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم، لإيتائنا إياهم على فعلهم ما وعِظُوا به من طاعتنا والانتهاء إلى أمرنا =" أجرًا " يعني: جزاء وثوابًا عظيمًا (11) = وأشد تثبيتًا لعزائمهم وآرائهم، وأقوى لهم على أعمالهم، لهدايتنا إياهم صراطًا مستقيمًا = يعني: طريقًا لا اعوجاج فيه، وهو دين الله القويم الذي اختاره لعباده وشرعه لهم، وذلك الإسلام. (12)---------------الهوامش :(11) انظر تفسيره"الأجر" فيما سلف ص: 365 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.(12) انظر تفسير"الصراط المستقيم" فيما سلف 1: 170 - 177 / 3: 140 ، 141 / 6: 441.
وَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٦٨التفسير الميسرولو أوجبنا على هؤلاء المنافقين المتحاكمين إلى الطاغوت أن يقتل بعضهم بعضًا، أو أن يخرجوا من ديارهم، ما استجاب لذلك إلا عدد قليل منهم، ولو أنهم استجابوا لما يُنصحون به لكان ذلك نافعًا لهم، وأقوى لإيمانهم، ولأعطيناهم من عندنا ثوابًا عظيمًا في الدنيا والآخرة، ولأرشدناهم ووفقناهم إلى طريق الله القويم.
تفسير السعديرتب ما يحصل لهم على فعل ما يوعظون به، وهو أربعة أمور: ( الرابع ) الهداية إلى صراط مستقيم. وهذا عموم بعد خصوص، لشرف الهداية إلى الصراط المستقيم، من كونها متضمنة للعلم بالحق، ومحبته وإيثاره والعمل به، وتوقف السعادة والفلاح على ذلك، فمن هُدِيَ إلى صراط مستقيم، فقد وُفِّقَ لكل خير واندفع عنه كل شر وضير.
تفسير ابن كثير( ولهديناهم صراطا مستقيما ) أي في الدنيا والآخرة .
تفسير القرطبيأصل الصراط في كلام العرب الطريق ; قال عامر بن الطفيل : شحنا أرضهم بالخيل حتى تركناهم أذل من الصراط وقال جرير : أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم وقال آخر : فصد عن نهج الصراط الواضح حكى النقاش : الصراط الطريق بلغة الروم ; فقال ابن عطية : وهذا ضعيف جدا .وقرئ : السراط ( بالسين ) من الاستراط بمعنى الابتلاع ; كأن الطريق يسترط من يسلكه .وقرئ بين الزاي والصاد .وقرئ بزاي خالصة والسين الأصل .وحكى سلمة عن الفراء قال : الزراط بإخلاص الزاي لغة لعذرة وكلب وبني القين , قال : وهؤلاء يقولون [ في أصدق ] : أزدق .وقد قالوا الأزد والأسد ولسق به ولصق به .و " الصراط " نصب على المفعول الثاني ; لأن الفعل من الهداية يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر ; قال الله تعالى : " فاهدوهم إلى صراط الجحيم " .[ الصافات : 23 ] .وبغير حرف كما في هذه الآية ." المستقيم " صفة ل " الصراط " وهو الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ; ومنه قوله تعالى : " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه " [ الأنعام : 153 ] وأصله مستقوم , نقلت الحركة إلى القاف وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها .
تفسير الطبريومعنى قوله: " ولهديناهم "، ولوفَّقناهم للصراط المستقيم. (13)ثم ذكر جل ثناؤه ما وعد أهل طاعته وطاعة رسوله عليه السلام، من الكرامة الدائمة لديه، والمنازل الرفيعة عنده. فقال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ الآية.--------------------الهوامش :(13) انظر تفسير"الهدي" فيما سلف من فهارس اللغة.
وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا ٦٩التفسير الميسرومن يستجب لأوامر الله تعالى وهدي رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فأولئك الذين عَظُمَ شأنهم وقدرهم، فكانوا في صحبة مَن أنعم الله تعالى عليهم بالجنة من الأنبياء والصديقين الذين كمُل تصديقهم بما جاءت به الرسل، اعتقادًا وقولا وعملا والشهداء في سبيل الله وصالح المؤمنين، وحَسُنَ هؤلاء رفقاء في الجنة.
تفسير السعديأي: كل مَنْ أطاع الله ورسوله على حسب حاله وقدر الواجب عليه من ذكر وأنثى وصغير وكبير، فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي: النعمة العظيمة التي تقتضي الكمال والفلاح والسعادة مِنَ النَّبِيِّينَ الذين فضلهم الله بوحيه، واختصهم بتفضيلهم بإرسالهم إلى الخلق، ودعوتهم إلى الله تعالى وَالصِّدِّيقِينَ وهم: الذين كمل تصديقهم بما جاءت به الرسل، فعلموا الحق وصدقوه بيقينهم، وبالقيام به قولا وعملا وحالا ودعوة إلى الله، وَالشُّهَدَاءِ الذين قاتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله فقتلوا، وَالصَّالِحِينَ الذين صلح ظاهرهم وباطنهم فصلحت أعمالهم، فكل من أطاع الله تعالى كان مع هؤلاء في صحبتهم وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا بالاجتماع بهم في جنات النعيم والأُنْس بقربهم في جوار رب العالمين.
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) أي : من عمل بما أمره الله ورسوله ، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله ، فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته ، ويجعله مرافقا للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة ، وهم الصديقون ، ثم الشهداء ، ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم .ثم أثنى عليهم تعالى فقال : ( وحسن أولئك رفيقا )وقال البخاري : حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن عروة ، عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة " وكان في شكواه التي قبض فيه ، فأخذته بحة شديدة فسمعته يقول : ( مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) فعلمت أنه خير .وكذا رواه مسلم من حديث شعبة ، عن سعد بن إبراهيم به .وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر : " اللهم في الرفيق الأعلى " ثلاثا ثم قضى ، عليه أفضل الصلاة والتسليم .ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة :قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير قال : جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " يا فلان ، ما لي أراك محزونا ؟ " قال : يا نبي الله شيء فكرت فيه ؟ قال : " ما هو ؟ " قال : نحن نغدو عليك ونروح ، ننظر إلى وجهك ونجالسك ، وغدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك . فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه شيئا ، فأتاه جبريل بهذه الآية : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين [ والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ] ) فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فبشره .قد روي هذا الأثر مرسلا عن مسروق ، وعكرمة ، وعامر الشعبي ، وقتادة ، وعن الربيع بن أنس ، وهو من أحسنها سندا .قال ابن جرير : حدثنا المثنى ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قوله : ( ومن يطع الله والرسول [ فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ] ) الآية ، قال : إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن اتبعه وصدقه ، وكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضا ؟ فأنزل الله في ذلك - يعني هذه الآية - فقال : يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم ، فيجتمعون في رياضها ، فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه ، وينزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به ، فهم في روضة يحبرون ويتنعمون فيه " .وقد روي مرفوعا من وجه آخر ، فقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم ، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد ، حدثنا عبد الله بن عمران ، حدثنا فضيل بن عياض ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله : إنك لأحب إلي من نفسي وأحب إلي من أهلي ، وأحب إلي من ولدي ، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك ، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين ، وإن دخلت الجنة خشيت ألا أراك . فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت عليه : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا )وهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه : " صفة الجنة " ، من طريق الطبراني ، عن أحمد بن عمرو بن مسلم الخلال ، عن عبد الله بن عمران العابدي ، به . ثم قال : لا أرى بإسناده بأسا والله أعلم .وقال ابن مردويه أيضا : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي ، حدثنا أبو بكر بن ثابت بن عباس المصري حدثنا خالد بن عبد الله ، عن عطاء بن السائب ، عن عامر الشعبي ، عن ابن عباس ، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني لأحبك حتى إني لأذكرك في المنزل فيشق ذلك علي وأحب أن أكون معك في الدرجة . فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، فأنزل الله عز وجل [ ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) ] .وقد رواه ابن جرير ، عن ابن حميد ، عن جرير ، عن عطاء ، عن الشعبي ، مرسلا . وثبت في صحيح مسلم من حديث هقل بن زياد ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال : كنت أبيت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته ، فقال لي : " سل " . فقلت : يا رسول الله ، أسألك مرافقتك في الجنة . فقال : " أو غير ذلك ؟ " قلت : هو ذاك . قال : " فأعني على نفسك بكثرة السجود " .وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، أخبرنا ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، عن عيسى بن طلحة ، عن عمرو بن مرة الجهني قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه " تفرد به أحمد .قال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو سعيد مولى أبي هاشم ، حدثنا ابن لهيعة ، عن زبان بن فائد ، عن سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا ، إن شاء الله " .وروى الترمذي من طريق سفيان الثوري ، عن أبي حمزة ، عن الحسن البصري ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء " .ثم قال : هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وأبو حمزة اسمه عبد الله بن جابر شيخ بصري .وأعظم من هذا كله بشارة ما ثبت في الصحاح والمسانيد وغيرهما ، من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم ؟ فقال : " المرء مع من أحب " قال أنس : فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث .وفي رواية عن أنس أنه قال : إني أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحب أبا بكر وعمر ، رضي الله عنهما وأرجو أن يبعثني الله معهم وإن لم أعمل كعملهم .وقال الإمام مالك بن أنس ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم ، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم " . قالوا : يا رسول الله ، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟ قال : " بلى ، والذي نفسي بيده ، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " .أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك ولفظه لمسلم .وقال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا فزارة ، أخبرني فليح ، عن هلال - يعني ابن علي - عن عطاء ، عن أبي هريرة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة كما تراءون - أو ترون - الكوكب الدري الغارب في الأفق والطالع في تفاضل الدرجات " . قالوا : يا رسول الله ، أولئك النبيون ؟ قال : " بلى ، والذي نفسي بيده ، وأقوام آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " .قال الحافظ الضياء المقدسي : هذا الحديث على شرط البخاري والله أعلم .وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير : حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا محمد بن عمار الموصلي ، حدثنا عفيف بن سالم ، عن أيوب بن عتبة عن عطاء ، عن ابن عمر قال : أتى رجل من الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سل واستفهم " . فقال : يا رسول الله ، فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة ، أفرأيت إن آمنت بما آمنت به ، وعملت مثل ما عملت به ، إني لكائن معك في الجنة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم ، والذي نفسي بيده إنه ليضيء بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام " قال : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قال : لا إله إلا الله ، كان له بها عهد عند الله ، ومن قال : سبحان الله وبحمده ، كتب له بها مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة " فقال رجل : كيف نهلك بعدها يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله ، فتقوم النعمة من نعم الله فتكاد أن تستنفد ذلك كله إلا أن يتطاول الله برحمته " ونزلت هذه الآيات ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ) إلى قوله : ( نعيما وملكا كبيرا ) [ الإنسان : 1 - 20 ] فقال الحبشي : وإن عيني لتريان ما ترى عيناك في الجنة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " نعم " . فاستبكى حتى فاضت نفسه ، قال ابن عمر : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدليه في حفرته بيديه .فيه غرابة ونكارة ، وسنده ضعيف .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقافيه مسائل : الأولى : قوله تعالى : ومن يطع الله والرسول لما ذكر تعالى الأمر الذي لو فعله المنافقون حين وعظوا به وأنابوا إليه لأنعم عليهم ، ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله . وهذه الآية تفسير قوله تعالى : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم وهي المراد في قوله عليه السلام عند موته اللهم الرفيق الأعلى . وفي البخاري عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة كان في شكواه الذي مرض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فعلمت أنه خير . وقالت طائفة : إنما نزلت هذه الآية لما قال عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري - الذي أري الأذان - : يا رسول الله ، إذا مت ومتنا كنت في عليين لا نراك ولا نجتمع بك ؛ وذكر حزنه على ذلك فنزلت هذه الآية . وذكر مكي عن عبد الله هذا وأنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال : اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده ؛ فعمي مكانه . وحكاه القشيري فقال : اللهم أعمني فلا أرى شيئا بعد حبيبي حتى ألقى حبيبي ؛ فعمي مكانه . وحكى الثعلبي : أنها نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه ، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه ، يعرف في وجهه الحزن ؛ فقال له : يا ثوبان ما غير لونك فقال : يا رسول الله ما بي ضر ولا وجع ، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، ثم ذكرت الآخرة وأخاف ألا أراك هناك ؛ لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك ، وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبدا ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية . ذكره الواحدي عن الكلبي . وأسند عن مسروق قال : قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا ، فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا ؛ فأنزل الله تعالى : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين . وفي طاعة الله طاعة رسوله ولكنه ذكره تشريفا لقدره وتنويها باسمه صلى الله عليه وسلم وعلى آله .فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم أي هم معهم في دار واحدة ونعيم واحد يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم ، لا أنهم يساوونهم في الدرجة ؛ فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدنيا والاقتداء . وكل من فيها قد رزق الرضا بحاله ، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه مفضول . قال الله تعالى : ونزعنا ما في صدورهم من غل . والصديق فعيل ، المبالغ في الصدق أو في التصديق ، والصديق هو الذي يحقق بفعله ما يقول بلسانه . وقيل : هم فضلاء أتباع الأنبياء الذين يسبقونهم إلى التصديق كأبي بكر الصديق . وقد تقدم في البقرة اشتقاق الصديق ومعنى الشهيد . والمراد هنا بالشهداء عمر وعثمان وعلي ، والصالحين سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين . وقيل : والشهداء القتلى في سبيل الله . والصالحين صالحي أمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .قلت : واللفظ يعم كل صالح وشهيد ، والله أعلم . والرفق لين الجانب . وسمي الصاحب رفيقا لارتفاقك بصحبته ؛ ومنه الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض . ويجوز " وحسن أولئك رفقاء " . قال الأخفش : رفيقا منصوب على الحال وهو بمعنى رفقاء ؛ وقال : انتصب على التمييز فوحد لذلك ؛ فكأن المعنى وحسن كل واحد منهم رفيقا . كما قال تعالى : ثم نخرجكم طفلا أي نخرج كل واحد منكم طفلا . وقال تعالى : ينظرون من طرف خفي وينظر معنى هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم : خير الرفقاء أربعة ولم يذكر الله تعالى هنا إلا أربعة فتأمله .الثانية : في هذه الآية دليل على خلافة أبي بكر رضي الله عنه ؛ وذلك أن الله تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم وهم النبيون ، ثم ثنى بالصديقين ولم يجعل بينهما واسطة . وأجمع المسلمون على تسمية أبي بكر الصديق رضي الله عنه صديقا ، كما أجمعوا على تسمية محمد عليه السلام رسولا ، وإذا ثبت هذا وصح أنه الصديق وأنه ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز أن يتقدم بعده أحد . والله أعلم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ) بالتسليم لأمرهما، وإخلاص الرضى بحكمهما، والانتهاء إلى أمرهما، والانزجار عما نهيا عنه من معصية الله، فهو مع الذين أنعم الله عليهم بهدايته والتوفيق لطاعته في الدنيا من أنبيائه، وفي الآخرة إذا دخل الجنة = (وَالصِّدِّيقِينَ) وهم جمع " صِدِّيق ".* * *واختلف في معنى: " الصديقين ".فقال بعضهم: " الصديقون "، تُبَّاع الأنبياء الذين صدّقوهم واتبعوا منهاجهم بعدهم حتى لحقوا بهم. فكأن " الصدِّيق "،" فِعِّيل "، على مذهب قائلي هذه المقالة، من " الصدق "، كما يقال: " رجل سِكّير " من " السُّكر "، إذا كان مدمنًا على ذلك، و " شِرِّيبٌ"، و " خِمِّير ".* * *وقال آخرون: بل هو " فِعِّيل " من " الصَّدَقة "، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو تأويل من قال ذلك، وهو ما:-9923 - حدثنا به سفيان بن وكيع قال، حدثنا خالد بن مخلد، عن موسى بن يعقوب قال، أخبرتني عمتي قريبة بنت عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أمها كريمة ابنة المقداد، (14) عن ضباعة بنت الزبير، (15) وكانت تحت المقداد، عن المقداد قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: شيء سمعته منك شككت فيه! قال: إذا شكّ أحدكم في الأمر فليسألني عنه. قال قلت: قولك في أزواجك: " إنيّ لأرجو لهن من بعدِيَ الصدِّيقين " قال: من تَعُدُّون الصديقين؟ (16) قلت: أولادنا الذين يهلكون صغارًا. قال: لا ولكن الصدِّيقين هم المصَدِّقون. (17)* * *وهذا خبر، لو كان إسناده صحيحًا، لم نستجز أن نعدوه إلى غيره، ولو كان في إسناده بعض ما فيه.فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى ب " الصديق "، أن يكون معناه: المصدِّق قوله بفعله. إذ كان " الفعِّيل " في كلام العرب، إنما يأتي، إذا كان مأخوذًا من الفعل، بمعنى المبالغة، إما في المدح، وإما في الذم، ومنه قوله جل ثناؤه في صفة مريم: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ [سورة المائدة: 75].وإذا كان معنى ذلك ما وصفنا، كان داخلا من كان موصوفًا بما قلنا في صفة المتصدقين والمصدقين.=" والشهداء "، وهم جمع " شهيد "، وهو المقتول في سبيل الله، سمي بذلك لقيامه بشهادة الحق في جَنب الله حتى قتل. (18)* * *=" والصالحين "، وهم جمع " صالح "، وهو كل من صلحت سريرته وعلانيته. (19)وأما قوله جل ثناؤه: " وحَسُن أولئك رفيقًا "، فإنه يعني: وحسن، هؤلاء الذين نعتهم ووصفهم، (20) رفقاء في الجنة.* * *و " الرفيق " في لفظ واحدٍ بمعنى الجميع، (21) كما قال الشاعر: (22)دَعَوْنَ الهَوَى, ثُمَّ ارْتَمَيْنَ قُلُوَبنَابِأَسْهُمِ أَعْدَاءِ, وَهُنَّ صَدِيقُ (23)بمعنى: وهن صدائق.* * *وأما نصب " الرفيق "، فإن أهل العربية مختلفون فيه.فكان بعض نحويي البصرة يرى أنه منصوب على الحال، ويقول: هو كقول الرجل: " كَرُم زيد رجلا "، ويعدل به عن معنى: " نعم الرجل "، ويقول: إن " نعم " لا تقع إلا على اسم فيه " ألف ولام "، أو على نكرة.* * *وكان بعض نحويي الكوفة يرى أنه منصوب على التفسير، (24) وينكر أن يكون حالا ويستشهد على ذلك بأن العرب تقول: " كرم زيدٌ من رجل " و " حسن أولئك من رفقاء "، وأن دخول " مِنْ" دلالة على أن " الرفيق " مفسره. قال: وقد حكي عن العرب: " نَعِمتم رجالا "، فدل على أن ذلك نظير قوله: " وحسنتم رفقاء ".* * *قال أبو جعفر: وهذا القول أولى بالصواب، للعلة التي ذكرنا لقائليه.* * *وقد ذكر أن هذه الآية نزلت، (25) لأن قومًا حزنوا على فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرًا أن لا يروه في الآخرة.ذكر الرواية بذلك:9924 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا فلان، مالي أراك محزونًا؟ قال: يا نبي الله، شيء فكرت فيه! فقال: ما هو؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح، ننظر في وجهك ونجالسك، غدًا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك! فلم يردّ النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا. فأتاه جبريل عليه السلام بهذه الآية: " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا ". قال: فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فبشره.9925 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا، فإنك لو قَدْ مِتَّ رُفِعت فوقنا فلم نرك! فأنزل الله: " ومن يطع الله والرسول "، الآية.9926 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين "، ذكر لنا أن رجالا قالوا: هذا نبي الله نراه في الدنيا، فأما في الآخرة فيرفع فلا نراه! فأنزل الله: " ومن يطع الله والرسول " إلى قوله: " رفيقًا ".9927 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم " الآية، قال: قال ناس من الأنصار: يا رسول الله، إذا أدخلك الله الجنة فكنت في أعلاها، ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع؟ فأنزل الله " ومن يطع الله والرسول ".9928 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " ومن يطع الله والرسول "، الآية، قال: إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم له فضله على من آمن به في درجات الجنة، (26) ممن اتبعه وصدقه، فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضًا؟ فأنزل الله في ذلك. يقال: (27) إن الأعلَين ينحدرون إلى من هم أسفل منهم فيجتمعون في رياضها، فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه، وينزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به، فهم في رَوْضه يحبرون ويتنعَّمون فيه. (28) .----------------الهوامش :(14) في المخطوطة"كريمة ابنة المقدام" ، وهو خطأ ، والصواب ما في المطبوعة.(15) في المخطوطة: "متاعة بنت الزبير" ، خطأ ، صوابه في المطبوعة.(16) في المخطوطة والمطبوعة: "من تعنون الصديقين" ، وهو خطأ لا معنى له. والصواب ما أثبت من مختصر هذا الأثر في منتخب كنز العمال (هامش المسند) 5: 113.(17) الحديث: 9923 - سفيان بن وكيع بن الجراح - شيخ الطبري: ضعيف ، كما فصلنا في: 142 ، 143.موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود ، الزمعي -بسكون الميم - المدني: ثقة ، وثقه ابن معين وابن القطان وغيرهما. وضعفه ابن المديني وغيره. مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 1 / 298 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 167 - ولم يذكرا فيه جرحًا. بل اقتصر ابن أبي حاتم على توثيق ابن معين إياه.قريبة - بالتصغير - بنت عبد الله بن وهب بن زمعة ، عمة موسى بن يعقوب: مترجمة في التهذيب ، دون جرحها بشيء.أمها: "كريمة بنت المقداد بن الأسود": تابعية ثقة. ذكرها ابن حبان في الثقات.ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ، بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم: صحابية معروفة. كانت زوجًا للمقداد بن الأسود. ولها أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن زوجها المقداد.وهذا الحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور 2: 183 ، مختصرًا ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.ولكنه ذكره في الجامع الكبير ، المسمى"جمع الجوامع" ، كما يدل عليه ذكره في كتاب"منتخب كنز العمال" للمتقي الهندي ، المطبوع بهامش مسند أحمد - طبعة الحلبي - ذكره فيه مختصرًا (ج5 ص113) ، ونسبه للطبراني في الكبير.وقد أعجزني أن أجده في مجمع الزوائد ، لأنه على شرطه. ولست أعرف إذا كانت روايته عند الطبراني من طريق سفيان بن وكيع ، أو من طريق راو آخر ، فإن يكن من طريق راو غيره ، كان الإسناد جيدًا ، لأن جرح سفيان بن وكيع لم يكن من قبل صدقه ، كما بينا في ترجمته.(18) انظر تفسير"الشهداء" فيما سلف: 368 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.(19) انظر تفسير"الصالح" فيما سلف: 293 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(20) انظر ما كتبته في"حسن" 4: 458 ، تعليق: 2.(21) في المطبوعة: "بلفظ الواحد" ، وأثبت ما في المخطوطة.(22) هو جرير.(23) ديوانه: 398 ، وطبقات فحول الشعراء: 351 ، واللسان (صدق) ، وغيرها كثير. من أبيات ذكر فيهن الحجاج ، قبله أبيات حسان ، تحفظ:وَبِتُّ أُرَائِي صَاحِبَيَّ تَجَلُّدًاوَقَدْ عَلِقَتْنِي مِنْ هَوَاكِ عَلُوقُفَكَيْفَ بِهَا? لا الدَّارُ جَامِعَةُ الْهَوَىوَلا أنْتَ عَصْرًا عَنْ صِبَاكَ مُفِيقُأَتجْمَعُ قَلْبًا بِالْعِرَاقِ فَرِيُقهُ،ومِنْهُ بِأَظْلالٍ الأََرَاكِ فَرِيقُ?كأنْ لَمْ تَرُقْني الرَّائِحَاتُ عَشِيَّةًوَلَمْ يُمْسِ فِي أَهْل الْعِرَاقِ وَمِيقُأُعَالِجُ بَرْحًا مِنْ هَوَاكِ، وَشَفَّنيفُؤَادٌ إذَا مَا تُذْكَرِينَ خَفُوقُأَوَانِسُ، أَمَّا مَنْ أَرَدْنَ عَنَاءَهُفَعَانِ، وَمَنْ أَطْلَقْنَ فَهُوَ طَلِيقُدَعَوْنَ الْهَوَى.............. . . . . . . . . . . . . . . . . . .وفي المطبوعة: "نصبن الهوى" ، وهي رواية أخرى ، غير التي في المخطوطة والديوان.(24) "التفسير". التمييز و"المفسر": المميز. كما سلف مرارًا. انظر فهرس المصطلحات.(25) في المخطوطة: "وقد ذكرنا أن..." ، والصواب ما في المطبوعة.(26) في المطبوعة: "له فضل على من آمن" ، وأثبت ما في المخطوطة.(27) في المطبوعة: "فقال" ، والصواب ما في المخطوطة.(28) في المطبوعة: "في روضة" ، وأثبت ما في المخطوطة.
ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمٗا ٧٠التفسير الميسرذلك العطاء الجزيل من الله وحده. وكفى بالله عليما يعلم أحوال عباده، ومَن يَستحقُّ منهم الثواب الجزيل بما قام به من الأعمال الصالحة.
تفسير السعدي ذَلِكَ الْفَضْلُ الذي نالوه مِنَ اللَّهِ فهو الذي وفقهم لذلك، وأعانهم عليه، وأعطاهم من الثواب ما لا تبلغه أعمالهم. وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا يعلم أحوال عباده ومن يستحق منهم الثواب الجزيل، بما قام به من الأعمال الصالحة التي تواطأ عليها القلب والجوارح.
تفسير ابن كثيرولهذا قال تعالى : ( ذلك الفضل من الله ) أي : من عند الله برحمته ، هو الذي أهلهم لذلك ، لا بأعمالهم . ( وكفى بالله عليما ) أي : هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق .
تفسير القرطبيالثالثة : قوله تعالى : ذلك الفضل من الله أخبر تعالى أنهم لم ينالوا الدرجة بطاعتهم بل نالوها بفضل الله تعالى وكرمه . خلافا لما قالت المعتزلة : إنما ينال العبد ذلك بفعله . فلما امتن الله سبحانه على أوليائه بما آتاهم من فضله ، وكان لا يجوز لأحد أن يثني على نفسه بما لم يفعله دل ذلك على بطلان قولهم . والله أعلم .
تفسير الطبريوأما قوله: " ذلك الفضل من الله "، فإنه يقول: كون من أطاع الله والرسول مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين =" الفضل من الله "، يقول: ذلك عطاء الله إياهم وفضله عليهم، لا باستيجابهم ذلك لسابقة سبقت لهم. (29)* * *فإن قال قائل: أوليس بالطاعة وصلوا إلى ما وصلوا إليه من فضله؟قيل له: إنهم لم يطيعوه في الدنيا إلا بفضله الذي تفضل به عليهم، فهداهم به لطاعته، فكل ذلك فضل منه تعالى ذكره.* * *وقوله: " وكفى بالله عليما "، يقول: وحسب العباد بالله الذي خلقهم =" عليما " بطاعة المطيع منهم ومعصية العاصي، فإنه لا يخفى عليه شيء من ذلك، ولكنه يحصيه عليهم ويحفظه، حتى يجازي جميعهم، جزاء المحسنين منهم بالإحسان، والمسيئين منهم بالإساءة، (30) ويعفو عمن شاء من أهل التوحيد.--------------------الهوامش :(29) انظر تفسير"الفضل" فيما سلف 2: 344 / 5: 164 ، 571 / 6: 518 / 7: 299 ، 414 / 8: 268.(30) في المطبوعة: "فيجزي المحسن منهم بالإحسان ، والمسيء منهم بالإساءة" وفي المخطوطة: "جزاء المحسنين منهم بالإحسان ، والمسيء منهم بالإساءة" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وأثبت صواب السياق على ما يقتضيه صدر الكلام.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا ٧١التفسير الميسريا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم بالاستعداد لعدوكم، فاخرجوا لملاقاته جماعة بعد جماعة أو مجتمعين.
تفسير السعدييأمر تعالى عباده المؤمنين بأخذ حذرهم من أعدائهم الكافرين. وهذا يشمل الأخذ بجميع الأسباب، التي بها يستعان على قتالهم ويستدفع مكرهم وقوتهم، من استعمال الحصون والخنادق، وتعلم الرمي والركوب، وتعلم الصناعات التي تعين على ذلك، وما به يعرف مداخلهم، ومخارجهم، ومكرهم، والنفير في سبيل الله. ولهذا قال: فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أي: متفرقين بأن تنفر سرية أو جيش، ويقيم غيرهم أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا وكل هذا تبع للمصلحة والنكاية، والراحة للمسلمين في دينهم، وهذه الآية نظير قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ
تفسير ابن كثيريأمر الله عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم ، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد وتكثير العدد بالنفير في سبيله .( ثبات ) أي : جماعة بعد جماعة ، وفرقة بعد فرقة ، وسرية بعد سرية ، والثبات : جمع ثبة ، وقد تجمع الثبة على ثبين .قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( فانفروا ثبات ) أي : عصبا يعني : سرايا متفرقين ( أو انفروا جميعا ) يعني : كلكم .وكذا روي عن مجاهد ، وعكرمة ، والسدي ، وقتادة ، والضحاك ، وعطاء الخراساني ، ومقاتل بن حيان ، وخصيف الجزري .
تفسير القرطبيقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعافيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم هذا خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأمر لهم بجهاد الكفار والخروج في سبيل الله وحماية الشرع . ووجه النظم والاتصال بما قبل أنه لما ذكر طاعة الله وطاعة رسوله ، أمر أهل الطاعة بالقيام بإحياء دينه وإعلاء دعوته ، وأمرهم ألا يقتحموا على عدوهم على جهالة حتى يتحسسوا إلى ما عندهم ، ويعلموا كيف يردون عليهم ، فذلك أثبت لهم فقال : خذوا حذركم فعلمهم مباشرة الحروب . ولا ينافي هذا التوكل بل هو مقام عين التوكل كما تقدم في " آل عمران " ويأتي . والحذر والحذر لغتان كالمثل والمثل . قال الفراء : أكثر الكلام الحذر ، والحذر مسموع أيضا ؛ يقال : خذ حذرك ، أي احذر . وقيل : خذوا السلاح حذرا ؛ لأنه به الحذر والحذر لا يدفع القدر . وهي :الثانية : خلافا للقدرية في قولهم : إن الحذر يدفع ويمنع من مكائد الأعداء ، ولو لم يكن كذلك ما كان لأمرهم بالحذر معنى . فيقال لهم : ليس في الآية دليل على أن الحذر يمنع من القدر شيئا ؛ ولكنا تعبدنا بألا نلقي بأيدينا إلى التهلكة ؛ ومنه الحديث اعقلها وتوكل . وإن كان القدر جاريا على ما قضي ، ويفعل الله ما يشاء ، فالمراد منه طمأنينة النفس ، لا أن ذلك ينفع من القدر وكذلك أخذ الحذر . والدليل على ذلك أن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا فلو كان يصيبهم غير ما قضى عليهم لم يكن لهذا الكلام معنى .الثالثة : قوله تعالى : فانفروا ثبات يقال : نفر ينفر ( بكسر الفاء ) نفيرا . ونفرت الدابة تنفر ( بضم الفاء ) نفورا ؛ المعنى : انهضوا لقتال العدو . واستنفر الإمام الناس دعاهم إلى النفر ، أي للخروج إلى قتال العدو . والنفير اسم للقوم الذين ينفرون ، وأصله من النفار والنفور وهو الفزع ؛ ومنه قوله تعالى : ولوا على أدبارهم نفورا أي نافرين . ومنه نفر الجلد أي ورم . وتخلل رجل بالقصب فنفر فمه أي ورم . قال أبو عبيد : إنما هو من نفار الشيء من الشيء وهو تجافيه عنه وتباعده منه . قال ابن فارس : النفر عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة . والنفير النفر أيضا ، وكذلك النفر والنفرة ، حكاها الفراء بالهاء . ويوم النفر : يوم ينفر الناس عن منى .( ثبات ) معناه جماعات متفرقات . ويقال : ثبين يجمع جمع السلامة في التأنيث والتذكير . قال عمرو بن كلثوم :فأما يوم خشيتنا عليهم فتصبح خيلنا عصبا ثبينافقوله تعالى : ( ثبات ) كناية عن السرايا ، الواحدة ثبة وهي العصابة من الناس . وكانت في الأصل الثبية . وقد ثبيت الجيش جعلتهم ثبة ثبة . والثبة : وسط الحوض الذي يثوب إليه الماء أي يرجع قال النحاس : وربما توهم الضعيف في العربية أنهما واحد ، وأن أحدهما من الآخر ؛ وبينهما فرق ، فثبة الحوض يقال في تصغيرها : ثويبة ؛ لأنها من ثاب يثوب . ويقال في ثبة الجماعة : ثبية . قال غيره : فثبة الحوض محذوفة الواو وهو عين الفعل ، وثبة الجماعة معتل اللام من ثبا يثبو مثل خلا يخلو . ويجوز أن يكون الثبة بمعنى الجماعة من ثبة الحوض ؛ لأن الماء إذا ثاب اجتمع ؛ فعلى هذا تصغر به الجماعة ثويبة فتدخل إحدى الياءين في الأخرى . وقد قيل : إن ثبة الجماعة إنما اشتقت من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه في حياته وجمعت محاسن ذكره فيعود إلى الاجتماع .الرابعة : قوله تعالى : أو انفروا جميعا معناه الجيش الكثيف مع الرسول عليه السلام ؛ قاله ابن عباس وغيره . ولا تخرج السرايا إلا بإذن الإمام ليكون متجسسا لهم ، عضدا من ورائهم ، وربما احتاجوا إلى درئه . وسيأتي حكم السرايا وغنائمهم وأحكام الجيوش ووجوب النفير في " الأنفال " و " براءة إن شاء الله تعالى .الخامسة : ذكر ابن خويز منداد : وقيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : انفروا خفافا وثقالا وبقوله : إلا تنفروا يعذبكم ؛ ولأن يكون انفروا خفافا وثقالا منسوخا بقوله : فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وبقوله : وما كان المؤمنون لينفروا كافة أولى ؛ لأن فرض الجهاد تقرر على الكفاية ، فمتى سد الثغور بعض المسلمين أسقط الفرض عن الباقين . والصحيح أن الآيتين جميعا محكمتان ، إحداهما في الوقت الذي يحتاج فيه إلى تعين الجميع ، والأخرى عند الاكتفاء بطائفة دون غيرها .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71)قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (31) " يا أيها الذين آمنوا "، صدَّقوا الله ورسوله =" خذوا حذركم "، خذوا جُنَّتكم وأسلحتكم التي تتقون بها من عدوكم لغزوهم وحربهم =" فانفروا إليهم ثُبات ".* * *= وهي جمع " ثبة "، و " الثبة "، العصبة.= ومعنى الكلام: فانفروا إلى عدوكم جماعة بعد جماعة متسلحين.= ومن " الثبة " قول زهير:وَقَدْ أَغْدُوا عَلَى ثُبَةٍ كِرَامٍنَشَاوَى وَاجِدِينَ لِمَا نَشَاء (32)وقد تجمع " الثبة " على " ثُبِين ". (33) .* * *=" أو انفروا جميعًا "، يقول: أو انفروا جميعًا مع نبيكم صلى الله عليه وسلم لقتالهم.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:9929 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " خذوا حذركم فانفروا ثبات "، يقول: عصبًا، يعني سَرايَا متفرقين =" أو انفروا جميعًا "، يعني: كلكم.9930 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " فانفروا ثبات "، قال: فرقًا، قليلا قليلا.9931 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " فانفروا ثبات "، قال: " الثبات " الفرق.9932 - حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة مثله.9933 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فانفروا ثبات "، فهي العصبة، وهي الثبة =" أو انفروا جميعًا "، مع النبي صلى الله عليه وسلم.9934 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فانفروا ثبات "، يعني: عصبًا متفرِّقين.----------------الهوامش :(31) في المطبوعة والمخطوطة: "يعني بذلك..." والسياق يقتضي ما أثبت.(32) ديوانه: 72 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 132 ، واللساق (ثبا) و (نشا) ، وغيرها. من أبيات وصف فيها الشرب ، قد بلغت منهم النشوة ، وهم في ترف من يومهم ، لا يفتقدون شيئًا ثم يقول:لَهُمْ رَاحٌ، وَرَاوُوقٌ، ومِسْكٌتُعَلُّ بِهِ جُلُودُهُمُ، ومَاءُأُمَشِّي بَيْنَ قَتْلَى قَدْ أُصِيَبتْنُفُوسُهُمُ، ولَمْ تَقْطُرَ دماءُيَجُرُّونَ الْبُرُودَ وَقَدْ تَمَشَّتْحُمَيَّا الْكَأْسِ فِيهِمْ والغِنَاءُ(33) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 132.
وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا ٧٢التفسير الميسروإنَّ منكم لنفرًا يتأخر عن الخروج لملاقاة الأعداء متثاقلا ويثبط غيره عن عمد وإصرار، فإن قُدِّر عليكم وأُصِبتم بقتل وهزيمة، قال مستبشرًا: قد حفظني الله، حين لم أكن حاضرًا مع أولئك الذين وقع لهم ما أكرهه لنفسي، وسرَّه تخلفه عنكم.
تفسير السعديثم أخبر عن ضعفاء الإيمان المتكاسلين عن الجهاد فقال: وَإِنَّ مِنْكُمْ أي: أيها المؤمنون لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ أي: يتثاقل عن الجهاد في سبيل الله ضعفا وخورا وجبنا، هذا الصحيح. وقيل معناه: ليبطئن غيرَه أي: يزهده عن القتال، وهؤلاء هم المنافقون، ولكن الأول أَولى لوجهين: أحدهما: قوله مِنْكُمْ والخطاب للمؤمنين. والثاني: قوله في آخر الآية: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ فإن الكفار من المشركين والمنافقين قد قطع الله بينهم وبين المؤمنين المودة. وأيضا فإن هذا هو الواقع، فإن المؤمنين على قسمين: صادقون في إيمانهم أوجب لهم ذلك كمال التصديق والجهاد. وضعفاء دخلوا في الإسلام فصار معهم إيمان ضعيف لا يقوى على الجهاد. كما قال تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا إلى آخر الآيات. ثم ذكر غايات هؤلاء المتثاقلين ونهاية مقاصدهم، وأن معظم قصدهم الدنيا وحطامها فقال: فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ أي: هزيمة وقتل، وظفر الأعداء عليكم في بعض الأحوال لما لله في ذلك من الحكم. قَالَ ذلك المتخلف قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا رأى من ضعف عقله وإيمانه أن التقاعد عن الجهاد الذي فيه تلك المصيبة نعمة. ولم يدر أن النعمة الحقيقية هي التوفيق لهذه الطاعة الكبيرة، التي بها يقوى الإيمان، ويسلم بها العبد من العقوبة والخسران، ويحصل له فيها عظيم الثواب ورضا الكريم الوهاب. وأما القعود فإنه وإن استراح قليلاً، فإنه يعقبه تعب طويل وآلام عظيمة، ويفوته ما يحصل للمجاهدين.
تفسير ابن كثيروقوله : ( وإن منكم لمن ليبطئن ) قال مجاهد وغير واحد : نزلت في المنافقين ، وقال مقاتل بن حيان : ( ليبطئن ) أي : ليتخلفن عن الجهاد .ويحتمل أن يكون المراد أنه يتباطأ هو في نفسه ، ويبطئ غيره عن الجهاد ، كما كان عبد الله بن أبي ابن - قبحه الله - يفعل ، يتأخر عن الجهاد ، ويثبط الناس عن الخروج فيه . وهذا قول ابن جريج وابن جرير ; ولهذا قال تعالى إخبارا عن المنافق أنه يقول إذا تأخر عن الجهاد : ( فإن أصابتكم مصيبة ) أي : قتل وشهادة وغلب العدو لكم ، لما لله في ذلك من الحكمة ( قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ) أي : إذ لم أحضر معهم وقعة القتال ، يعد ذلك من نعم الله عليه ، ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر أو الشهادة إن قتل .
تفسير القرطبيقوله تعالى : وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداقوله تعالى : وإن منكم لمن ليبطئن يعني المنافقين . والتبطئة والإبطاء التأخر ، تقول : ما أبطأك عنا ؛ فهو لازم . ويجوز بطأت فلانا عن كذا أي أخرته ؛ فهو متعد . والمعنيان مراد في الآية ؛ فكانوا يقعدون عن الخروج ويقعدون غيرهم . والمعنى أن من دخلائكم وجنسكم وممن أظهر إيمانه لكم . فالمنافقون في ظاهر الحال من أعداد المسلمين بإجراء أحكام المسلمين عليهم . واللام في قوله ( لمن ) لام توكيد ، والثانية لام قسم ، ومن في موضع نصب ، وصلتها ليبطئن لأن فيه معنى اليمين ، والخبر منكم . وقرأ مجاهد والنخعي والكلبي " وإن منكم لمن ليبطئن " بالتخفيف ، والمعنى واحد . وقيل : المراد بقوله وإن منكم لمن ليبطئن بعض المؤمنين ؛ لأن الله خاطبهم بقوله : وإن منكم وقد فرق الله تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله وما هم منكم وهذا يأباه مساق الكلام وظاهره . وإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب كما بينا لا من جهة الإيمان . هذا قول الجمهور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ، والله أعلم . يدل عليه قوله :فإن أصابتكم مصيبة أي قتل وهزيمة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا يعني بالقعود ، وهذا لا يصدر إلا من منافق ؛ لا سيما في ذلك الزمان الكريم ، بعيد أن يقوله مؤمن . وينظر إلى هذه الآية ما رواه الأئمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إخبارا عن المنافقين إن أثقل صلاة عليهم صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا الحديث . في رواية ولو علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهدها يعني صلاة العشاء . يقول : لو لاح شيء من الدنيا يأخذونه وكانوا على يقين منه لبادروا إليه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72)قال أبو جعفر: وهذا نعت من الله تعالى ذكره للمنافقين، نعتهم لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه ووصفهم بصفتهم فقال: " وإن منكم "، أيها المؤمنون، يعني: من عِدَادكم وقومكم، ومن يتشَّبه بكم، ويظهر أنه من أهل دعوتكم ومِلَّتكم، وهو منافق يبطِّئ من أطاعه منكم عن جهاد عدوكم وقتالهم إذا أنتم نفرتم إليهم =" فإن أصابتكم مصيبة "، (34) يقول: فإن أصابتكم هزيمة، أو نالكم قتل أو جراح من عدوكم =" قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدًا "، فيصيبني جراح أو ألم أو قتل، وسَرَّه تخلّفه عنكم، شماتة بكم، لأنه من أهل الشك في وعد الله الذي وعد المؤمنين على ما نالهم في سبيله من الأجر والثواب، وفي وعيده. فهو غيرُ راج ثوابًا، ولا خائف عقابًا.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:9935 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة " إلى قوله: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ، ما بين ذلك في المنافقين.9936 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.9937 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وإن منكم لمن ليبطئن " عن الجهاد والغزو في سبيل الله =" فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدًا "، قال: هذا قول مكذِّب.9938 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج: المنافق يبطِّئ المسلمين عن الجهاد في سبيل الله، قال الله: " فإن أصابتكم مصيبة "، قال: بقتل العدو من المسلمين =" قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدًا "، قال: هذا قول الشامت.9939 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فإن أصابتكم مصيبة "، قال: هزيمةٌ.* * *ودخلت " اللام " في قوله: " لمن "، وفتحت، لأنها " اللام " التي تدخل توكيدًا للخبر مع " إنَّ"، كقول القائل: " إنّ في الدار لَمَن يكرمك ". وأما " اللام " الثانية التي في" ليبطئن "، فدخلت لجواب القسم، كأن معنى الكلام: وإن منكم أيها القوم لمن والله ليبطئن. (35)------------------الهوامش :(34) انظر تفسير"إصابة المصيبة" فيما سلف: 514.(35) انظر تفصيل ذلك في معاني القرآن للفراء 1: 275 ، 276.
وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٧٣التفسير الميسرولئن نالكم فضل من الله وغنيمة، ليقولن -حاسدًا متحسرًا، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة في الظاهر-: يا ليتني كنت معهم فأظفر بما ظَفِروا به من النجاة والنصرة والغنيمة.
تفسير السعدي وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ أي: نصر وغنيمة لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا أي: يتمنى أنه حاضر لينال من المغانم، ليس له رغبة ولا قصد في غير ذلك، كأنه ليس منكم يا معشر المؤمنين ولا بينكم وبينه المودة الإيمانية التي من مقتضاها أن المؤمنين مشتركون في جميع مصالحهم ودفع مضارهم، يفرحون بحصولها ولو على يد غيرهم من إخوانهم المؤمنين ويألمون بفقدها، ويسعون جميعا في كل أمر يصلحون به دينهم ودنياهم، فهذا الذي يتمنى الدنيا فقط، ليست معه الروح الإيمانية المذكورة.
تفسير ابن كثير( ولئن أصابكم فضل من الله ) أي : نصر وظفر وغنيمة ( ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ) أي : كأنه ليس من أهل دينكم ( يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ) أي : بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه . وهو أكبر قصده وغاية مراده .
تفسير القرطبيقوله : ولئن أصابكم فضل من الله أي غنيمة وفتح ليقولن هذا المنافق قول نادم حاسد يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما كأن لم يكن بينكم وبينه مودة فالكلام فيه تقديم وتأخير . وقيل : المعنى ليقولن كأن لم يكن بينكم وبينه مودة أي كأن لم يعاقدكم على الجهاد . وقيل : هو في موضع نصب على الحال . وقرأ الحسن " ليقولن " بضم اللام على معنى " من " ؛ لأن معنى قوله لمن ليبطئن ليس يعني رجلا بعينه . ومن فتح اللام أعاد فوحد الضمير على لفظ من . وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم كأن لم تكن بالتاء على لفظ المودة . ومن قرأ بالياء جعل مودة بمعنى الود . وقول المنافق يا ليتني كنت معهم على وجه الحسد أو الأسف على فوت الغنيمة مع الشك في الجزاء من الله . ( فأفوز ) جواب التمني ولذلك نصب . وقرأ الحسن " فأفوز " بالرفع على أنه تمنى الفوز ، فكأنه قال : يا ليتني أفوز فوزا عظيما . والنصب على الجواب ؛ والمعنى إن أكن معهم أفز . والنصب فيه بإضمار " أن " لأنه محمول على تأويل المصدر ؛ التقدير يا ليتني كان لي حضور ففوز .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73)قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: " ولئن أصابكم فضل من الله "، ولئن أظفركم الله بعدوكم فأصبتم منهم غنيمة، ليقولن هذا المبطِّئُ المسلمين عن الجهاد معكم في سبيل الله، المنافقُ =" كأن لم يكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز "، بما أصيب معهم من الغنيمة =" فوزًا عظيمًا ".* * *وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين: أنّ شهودهم الحرب مع المسلمين إن شهدوها، لطلب الغنيمة = وإن تخلَّفوا عنها، فللشك الذي في قلوبهم، وأنهم لا يرجون لحضورها ثوابًا، ولا يخافون بالتخلف عنها من الله عقابًا.* * *وكان قتادة وابن جريج يقولان: إنما قال من قال من المنافقين إذا كان الظفر للمسلمين: " يا ليتني كنت معهم "، حسدًا منهم لهم.9940 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا "، قال: قول حاسد.9941 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " ولئن أصابكم فضل من الله "، قال: ظهور المسلمين على عدوهم فأصابوا الغنيمة، ليقولن: " يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا "، قال: قول الحاسد.
۞ فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٧٤التفسير الميسرفليجاهد في سبيل نصرة دين الله، وإعلاء كلمته، الذين يبيعون الحياة الدنيا بالدار الآخرة وثوابها. ومن يجاهد في سبيل الله مخلصًا، فيُقْتَلْ أو يَغْلِبْ، فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا.
تفسير السعديومن لطف الله بعباده أن لا يقطع عنهم رحمته، ولا يغلق عنهم أبوابها. بل من حصل منه غير ما يليق أمره ودعاه إلى جبر نقصه وتكميل نفسه، فلهذا أمر هؤلاء بالإخلاص والخروج في سبيله فقال: فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ هذا أحد الأقوال في هذه الآية وهو أصحها. وقيل: إن معناه: فليقاتل في سبيل الله المؤمنون الكاملو الإيمان، الصادقون في إيمانهم الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ أي: يبيعون الدنيا رغبة عنها بالآخرة رغبة فيها. فإن هؤلاء الذين يوجه إليهم الخطاب لأنهم الذين قد أعدوا أنفسهم ووطَّنوها على جهاد الأعداء، لما معهم من الإيمان التام المقتضي لذلك. وأما أولئك المتثاقلون، فلا يعبأ بهم خرجوا أو قعدوا، فيكون هذا نظير قوله تعالى: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا إلى آخر الآيات. وقوله: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ وقيل: إن معنى الآية: فليقاتل المقاتل والمجاهد للكفار الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، فيكون على هذا الوجه "الذين" في محل نصب على المفعولية. وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بأن يكون جهادا قد أمر الله به ورسوله، ويكون العبد مخلصا لله فيه قاصدا وجه الله. فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا زيادة في إيمانه ودينه، وغنيمة، وثناء حسنا، وثواب المجاهدين في سبيل الله الذين أعد الله لهم في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
تفسير ابن كثيرثم قال تعالى : ( فليقاتل ) أي : المؤمن النافر ( في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ) أي : يبيعون دينهم بعرض قليل من الدنيا ، وما ذلك إلا لكفرهم وعدم إيمانهم .ثم قال تعالى : ( ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) أي : كل من قاتل في سبيل الله - سواء قتل أو غلب وسلب - فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل ، كما ثبت في الصحيحين وتكفل الله للمجاهد في سبيله ، إن توفاه أن يدخله الجنة ، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة .
تفسير القرطبيقوله تعالى : فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : فليقاتل في سبيل الله الخطاب للمؤمنين ؛ أي فليقاتل في سبيل الله الكفار ( الذين يشرون ) أي يبيعون ، أي يبذلون أنفسهم وأموالهم لله عز وجل بالآخرة أي بثواب الآخرة .الثانية : قوله تعالى : ومن يقاتل في سبيل الله شرط . فيقتل أو يغلب عطف عليه ، والمجازاة فسوف نؤتيه أجرا عظيما . ومعنى فيقتل فيستشهد . أو يغلب يظفر فيغنم . وقرأت طائفة " ومن يقاتل " " فليقاتل " بسكون لام الأمر . وقرأت فرقة " فليقاتل " بكسر لام الأمر . فذكر تعالى غايتي حالة المقاتل واكتفى بالغايتين عما بينهما ؛ ذكره ابن عطية .الثالثة : ظاهر الآية يقتضي التسوية بين من قتل شهيدا أو انقلب غانما . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة وذكر الحديث . وفيه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم . فقوله : نائلا ما نال من أجر أو غنيمة يقتضي أن لمن يستشهد من المجاهدين أحد الأمرين ؛ إما الأجر إن لم يغنم ، وإما الغنيمة ولا أجر ، بخلاف حديث عبد الله بن عمرو ، ولما كان هذا قال قوم : حديث عبد الله بن عمرو ليس بشيء ؛ لأن في إسناده حميد بن هانئ وليس بمشهور ، ورجحوا الحديث الأول عليه لشهرته . وقال آخرون : ليس بينهما تعارض ولا اختلاف . و " أو " في حديث أبي هريرة بمعنى الواو ، كما يقول الكوفيون وقد دلت عليه رواية أبي داود فإنه قال فيه : ( من أجر وغنيمة ) بالواو الجامعة . وقد رواه بعض رواة مسلم بالواو الجامعة أيضا . وحميد بن هانئ مصري سمع أبا عبد الرحمن الحبلي وعمرو بن مالك ، وروى عنه حيوة بن شريح وابن وهب ؛ فالحديث الأول محمول على مجرد النية والإخلاص في الجهاد ؛ فذلك الذي ضمن الله له إما الشهادة ، وإما رده إلى أهله مأجورا غانما ، ويحمل الثاني على ما إذا نوى الجهاد ولكن مع نيل المغنم ، فلما انقسمت نيته انحط أجره ؛ فقد دلت السنة على أن للغانم أجرا كما دل عليه الكتاب فلا تعارض . ثم قيل : إن نقص أجر الغانم على من يغنم إنما هو بما فتح الله عليه من الدنيا فتمتع به وأزال عن نفسه شظف عيشه ؛ ومن أخفق فلم يصب شيئا بقي على شظف عيشه والصبر على حالته ، فبقي أجره موفرا بخلاف الأول . ومثله قوله في الحديث الآخر : فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا - منهم مصعب بن عمير - ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74)قال أبو جعفر: وهذا حضٌّ من الله المؤمنين على جهاد عدوه من أهل الكفر به على أحايينهم = غالبين كانوا أو مغلوبين، والتهاونِ بأقوال المنافقين في جهاد من جاهدوا من المشركين، (36) [وأن لهم في] جهادهم إياهم - مغلوبين كانوا أو غالبين - منزلة من الله رفيعة. (37)* * *يقول الله لهم جل ثناؤه: " فليقاتل في سبيل الله "، يعني: في دين الله والدعاء إليه، والدخول فيما أمر به أهل الكفر به =" الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة "، يعني: الذين يبيعون حياتهم الدنيا بثواب الآخرة وما وعد الله أهل طاعته فيها. وبيعُهم إياها بها: إنفاقهم أموالهم في طلب رضى الله، لجهاد من أمر بجهاده من أعدائه وأعداء دينه، (38) وبَذْلهم مُهَجهم له في ذلك.* * *أخبر جل ثناؤه بما لهم في ذلك إذا فعلوه فقال: " ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا "، يقول: ومن يقاتل - في طلب إقامة دين الله وإعلاء كلمة الله - أعداءَ الله =" فيقتل "، يقول: فيقتله أعداء الله، أو يغلبهم فيظفر بهم =" فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا "، يقول: فسوف نعطيه في الآخرة ثوابًا وأجرًا عظيمًا. وليس لما سمى جل ثناؤه " عظيمًا "، مقدار يعرِف مبلغَه عبادُ الله. (39)* * *وقد دللنا على أن الأغلب على معنى: " شريت "، في كلام العرب: " بعت "، بما أغنى [عن إعادته]، (40)وقد:-9942 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة "، يقول: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة.9943 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " يشرون الحياة الدنيا بالآخرة "، ف " يشري": يبيع، و " يشري": يأخذ = وإن الحمقى باعوا الآخرة بالدنيا.* * *---------------(36) في المخطوطة والمطبوعة"والتهاون بأحوال المشركين" ، والذي يدل عليه سياق التفسير ، هو ما أثبت. ويعني بذلك ما يقوله المنافق عند هزيمة المسلمين: "قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدًا" ، وقوله إذا كانت الدولة والظفر للمسلمين: "يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا".وقوله: "والتهاون" عطف على قوله: "وهذا حض من الله المؤمنين على جهاد عدوه".(37) كان مكان ما بين القوسين في المخطوطة والمطبوعة: "وقع" وهو كلام لا يستقيم البتة ، فاستظهرت أن يكون صواب سياقه ما أثبت ، أو ما يشبهه من القول.(38) في المطبوعة والمخطوطة: "كجهاد من أمر بجهاده" ، وصواب السياق"لجهاد........" كما أثبتها.(39) انظر تفسير"الأجر" فيما سلف: 529 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(40) انظر تفسير"شرى" و"اشترى" فيما سلف 1: 312- 315 / 2: 340- 342 ، 455 / 3: 328 / 4: 246 / 6: 527 / 7: 420 ، 459 / 8: 428وزدت ما بين القوسين ، جريًا على نهج عبارته في مئات من المواضع السالفة ، والظاهر أن الناسخ نسى أن يكتبها ، لأن"بما أغنى" وقعت في آخر الصفحة ، ثم قلب الورقة إلى الصفحة التالية ، وكتب"وقد".