الأحد، ١٤ يونيو ٢٠٢٦
الأحد، ١٤ يونيو ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ النِّسَاءِ
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا  ٨٧۞ فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا  ٨٨وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ أَوۡلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرًا  ٨٩إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوۡ جَآءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا  ٩٠سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا  ٩١
تفسير سُورَةُ النِّسَاءِ
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا  ٨٧
التفسير الميسرالله وحده المتفرد بالألوهية لجميع الخلق، ليجمعنكم يوم القيامة، الذي لا شك فيه، للحساب والجزاء. ولا أحد أصدق من الله حديثًا فيما أخبر به.
تفسير السعدييخبر تعالى عن انفراده بالوحدانية وأنه لا معبود ولا مألوه إلا هو، لكماله في ذاته وأوصافه ولكونه المنفرد بالخلق والتدبير، والنعم الظاهرة والباطنة. وذلك يستلزم الأمر بعبادته والتقرب إليه بجميع أنواع العبودية. لكونه المستحق لذلك وحده والمجازي للعباد بما قاموا به من عبوديته أو تركوه منها، ولذلك أقسم على وقوع محل الجزاء وهو يوم القيامة، فقال: لَيَجْمَعَنَّكُمْ أي: أولكم وآخِركم في مقام واحد. في يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ أي: لا شك ولا شبهة بوجه من الوجوه، بالدليل العقلي والدليل السمعي، فالدليل العقلي ما نشاهده من إحياء الأرض بعد موتها، ومن وجود النشأة الأولى التي وقوع الثانية أَوْلى منها بالإمكان، ومن الحكمة التي تجزم بأن الله لم يخلق خلقه عبثًا، يحيون ثم يموتون. وأما الدليل السمعي فهو إخبار أصدق الصادقين بذلك، بل إقسامه عليه ولهذا قال: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا كذلك أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم عليه في غير موضع من القرآن، كقوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وفي قوله: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا إخبار بأن حديثه وأخباره وأقواله في أعلى مراتب الصدق، بل أعلاها. فكل ما قيل في العقائد [والعلوم] والأعمال مما يناقض ما أخبر الله به، فهو باطل لمناقضته للخبر الصادق اليقين، فلا يمكن أن يكون حقًّا.
تفسير ابن كثيروقوله : ( الله لا إله إلا هو ) إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات ، وتضمن قسما ، لقوله : ( ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ) وهذه اللام موطئة للقسم ، فقوله : ( الله لا إله إلا هو ) خبر وقسم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد فيجازي كل عامل بعمله .وقوله تعالى : ( ومن أصدق من الله حديثا ) أي : لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره ، ووعده ووعيده ، فلا إله إلا هو ، ولا رب سواه .
تفسير القرطبياللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْابتداء وخبر .واللام في قول " ليجمعنكم " لام القسم ; نزلت في الذين شكوا في البعث فأقسم الله تعالى بنفسه .وكل لام بعدها نون مشددة فهو لام القسم .ومعناه في الموت وتحت الأرضإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِوقال بعضهم : " إلى " صلة في الكلام , معناه ليجمعنكم يوم القيامة .وسميت القيامة قيامة لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين جل وعز ; قال الله تعالى : " ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم .يوم يقوم الناس لرب العالمين " [ المطففين : 4 - 6 ] .وقيل : سمي يوم القيامة لأن الناس يقومون من قبورهم إليها ; قال الله تعالى : " يوم يخرجون من الأجداث سراعا " [ المعارج : 43 ] وأصل القيامة الواو .وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًانصب على البيان , والمعنى لا أحد أصدق من الله .وقرأ حمزة والكسائي " ومن أزدق " بالزاي .الباقون : بالصاد , وأصله الصاد إلا أن لقرب مخرجها جعل مكانها زاي .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " الله لا إله إلا هو ليجمعنكم "، المعبود الذي لا تنبغي العبودية إلا له، (1) هو الذي له عبادة كل شيء وطاعة كل طائع. (2)* * *وقوله: " ليجمعنكم إلى يوم القيامة "، يقول: ليبعثنَّكم من بعد مماتكم، وليحشرنكم جميعًا إلى موقف الحساب الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم، ويقضي فيه بين أهل طاعته ومعصيته، وأهل الإيمان به والكفر (3) =" لا ريب فيه "، (4) يقول: لا شك في حقيقة ما أقول لكم من ذلك وأخبركم من خبري: أنّي جامعكم إلى يوم القيامة بعد مماتكم (5) =" ومن أصدق من الله حديثًا "، يعني بذلك: فاعلموا حقيقة ما أخبركم من الخبر، فإني جامعكم إلى يوم القيامة للجزاء والعرض والحساب والثواب والعقاب يقينًا، فلا تشكوا في صحته ولا تمتروا في حقيقته، (6) فإن قولي الصدق الذي لا كذب فيه، ووعدي الصدق الذي لا خُلْف له-" ومن أصدق من الله حديثًا "، يقول: وأي ناطق أصدق من الله حديثًا؟ وذلك أن الكاذب إنما يكذب ليجتلب بكذبه إلى نفسه نفعًا، أو يدفع به عنها ضرًّا. والله تعالى ذكره خالق الضر والنفع، فغير جائز أن يكون منه كذب، لأنه لا يدعوه إلى اجتلاب نفع إلى نفسه أو دفع ضر عنها [داعٍ. وما من أحدٍ لا يدعوه داعٍ إلى اجتلاب نفع إلى نفسه، أو دفع ضر عنها]، سواه تعالى ذكره، (7) فيجوز أن يكون له في استحالة الكذب منه نظيرًا، [فقال]: " ومن أصدق من الله حديثًا "، وخبرًا.----------------الهوامش :(1) انظر ما كتب عن"العبودة" فيما سلف 6: 271 ، تعليق: 1 404 ، تعليق 2 / 549 ، تعليق: 2 / 565 ، تعليق: 2.(2) انظر تفسير"لا إله إلا هو" فيما سلف 6: 149.(3) انظر تفسير"القيامة" فيما سلف 2: 518.(4) انظر تفسير"لا ريب فيه" 1: 228 ، 378 / 6: 221 ، 294 ، 295.(5) في المطبوعة: "أي جامعكم" ، أساء قراءة المخطوطة.(6) في المطبوعة: "في حقيته" ، وأثبت ما في المخطوطة.(7) زدت ما بين القوسين على ما جاء في المطبوعة ، لأنه حق الكلام. فإن أبا جعفر قدم الحجة الأولى في الجملة السابقة ، للبيان عن استحالة الكذب على الله سبحانه وتعالى. ثم أتبع ذلك بالبيان عن معنى استعمال التفضيل في قوله تعالى: "ومن أصدق من الله حديثًا" ، وبين أنه ليس لله سبحانه وتعالى نظير في ذلك.وكان في المطبوعة ، كما أثبته ، خلا ما بين القوسين وهو كلام غير مستقيم. أما المخطوطة ، فقد كان فيها ما نصه: "لأنه لا يدعوه إلى اجتلاب نفع ولا دفع ضر عن نفسه أو دفع ضر عنها؛ سواه تعالى ذكره ، فيجوز أن يكون..." وهو كلام مختلط دال على إسقاط الناسخ من كلام أبي جعفر. فاجتهدت في وضع هذه الزيادة التي أثبتها ، ليستقيم الكلام على وجه يصح. وزدت أيضًا"فقال" بين قوسين ، لحاجة الكلام إليها.
۞ فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا  ٨٨
التفسير الميسرفما لكم -أيها المؤمنون- في شأن المنافقين إذ اختلفتم فرقتين: فرقة تقول بقتالهم وأخرى لا تقول بذلك؟ والله تعالى قد أوقعهم في الكفر والضلال بسبب سوء أعمالهم. أتودون هداية من صرف الله تعالى قلبه عن دينه؟ ومن خذله الله عن دينه، واتباع ما أمره به، فلا طريق له إلى الهدى.
تفسير السعديالمراد بالمنافقين المذكورين في هذه الآيات: المنافقون المظهرون إسلامهم، ولم يهاجروا مع كفرهم، وكان قد وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم فيهم اشتباه، فبعضهم تحرج عن قتالهم، وقطع موالاتهم بسبب ما أظهروه من الإيمان، وبعضهم علم أحوالهم بقرائن أفعالهم فحكم بكفرهم.
تفسير ابن كثيريقول تعالى منكرا على المؤمنين في اختلافهم في المنافقين على قولين ، واختلف في سبب ذلك ، فقال الإمام أحمد :حدثنا بهز ، حدثنا شعبة ، قال عدي بن ثابت : أخبرني عبد الله بن يزيد ، عن زيد بن ثابت : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد ، فرجع ناس خرجوا معه ، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين : فرقة تقول : نقتلهم . وفرقة تقول : لا فأنزل الله : ( فما لكم في المنافقين فئتين ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها طيبة ، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة " .أخرجاه في الصحيحين ، من حديث شعبة .وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في وقعة أحد أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش ، رجع بثلاثمائة وبقي النبي صلى الله عليه وسلم في سبعمائة .وقال العوفي ، عن ابن عباس : نزلت في قوم كانوا بمكة ، قد تكلموا بالإسلام ، كانوا يظاهرون المشركين ، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم ، فقالوا : إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس ، وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة ، قالت فئة من المؤمنين : اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم ، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم . وقالت فئة أخرى من المؤمنين : سبحان الله ! أو كما قالوا : أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به ؟ أمن أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم . فكانوا كذلك فئتين ، والرسول عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء فأنزل الله : ( فما لكم في المنافقين فئتين )رواه ابن أبي حاتم ، وقد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا .وقال زيد بن أسلم ، عن ابن لسعد بن معاذ : أنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أبي ، حين استعذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر في قضية الإفك .وهذا غريب ، وقيل غير ذلك .وقوله : ( والله أركسهم بما كسبوا ) أي : ردهم وأوقعهم في الخطأ .قال ابن عباس : ( أركسهم ) أي : أوقعهم . وقال قتادة : أهلكهم . وقال السدي : أضلهم .وقوله : ( بما كسبوا ) أي : بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل .( أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) أي : لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه .
تفسير القرطبيفما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاقوله تعالى : فما لكم في المنافقين فئتين فئتين أي فرقتين مختلفتين . روى مسلم عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس ممن كان معه ، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين ؛ فقال بعضهم : نقتلهم . وقال بعضهم : لا ؛ فنزلت فما لكم في المنافقين فئتين . وأخرجه الترمذي فزاد : وقال : ( إنها طيبة ) وقال : ( إنها تنفي الخبيث كما تنفي النار خبث الحديد ) قال : حديث حسن صحيح . وقال البخاري : ( إنها طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة ) . والمعني بالمنافقين هنا عبد الله بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا ؛ كما تقدم في " آل عمران " . وقال ابن عباس : هم قوم بمكة آمنوا وتركوا الهجرة ، قال الضحاك : وقالوا إن ظهر محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد عرفنا ، وإن ظهر قومنا فهو أحب إلينا . فصار المسلمون فيهم فئتين قوم يتولونهم وقوم يتبرءون منهم ؛ فقال الله عز وجل : فما لكم في المنافقين فئتين . وذكر أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أنها نزلت في قوم جاءوا إلى المدينة وأظهروا الإسلام ؛ فأصابهم وباء المدينة وحماها ؛ فأركسوا فخرجوا من المدينة ، فاستقبلهم نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ما لكم رجعتم ؟ فقالوا : أصابنا وباء المدينة فاجتويناها ؛ فقالوا : ما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ؟ فقال بعضهم : نافقوا . وقال بعضهم : لم ينافقوا ، هم مسلمون ؛ فأنزل الله عز وجل : فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا الآية . حتى جاءوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون ، ثم ارتدوا بعد ذلك ، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها ، فاختلف فيهم المؤمنون فقائل يقول : هم منافقون ، وقائل يقول : هم مؤمنون ؛ فبين الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية وأمر بقتلهم .قلت : وهذان القولان يعضدهما سياق آخر الآية من قوله تعالى : حتى يهاجروا ، والأول أصح نقلا ، وهو اختيار البخاري ومسلم والترمذي . وفئتين نصب على الحال ؛ كما يقال : ما لك قائما ؟ عن الأخفش . وقال الكوفيون : هو خبر ( ما لكم ) كخبر كان وظننت ، وأجازوا إدخال الألف واللام فيه وحكى الفراء : " أركسهم ، وركسهم " أي ردهم إلى الكفر ونكسهم ؛ وقاله النضر بن شميل والكسائي : والركس والنكس قلب الشيء على رأسه ، أو رد أوله على آخره ، والمركوس المنكوس . وفي قراءة عبد الله وأبي رضي الله عنهما " والله ركسهم " . وقال ابن رواحة :أركسوا في فتنة مظلمة كسواد الليل يتلوها فتنأي نكسوا . وارتكس فلان في أمر كان نجا منه . والركوسية قوم بين النصارى والصابئين . والراكس الثور وسط البيدر والثيران حواليه حين الدياس . أتريدون أن تهدوا من أضل الله أي ترشدوه إلى الثواب بأن يحكم لهم بحكم المؤمنين . تجد له سبيلا أي طريقا إلى الهدى والرشد وطلب الحجة . وفي هذا رد على القدرية وغيرهم القائلين بخلق هداهم وقد تقدم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواقال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله : " فما لكم في المنافقين فئتين "، فما شأنكم، أيها المؤمنون، في أهل النفاق فئتين مختلفتين (8) =" والله أركسَهم بما كسبوا "، يعني بذلك: والله رَدّهم إلى أحكام أهل الشرك، في إباحة دمائهم وسَبْي ذراريهم.* * *و " الإركاس "، الردُّ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:فَأُرْكِسُوا فِي حَمِيمِ النَّارِ, إِنَّهُمُكَانُوا عُصَاةً وَقَالُوا الإفْكَ وَالزُّورَا (9)يقال منه: " أرْكَسهم " و " رَكَسَهم ".* * *وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله وأبي: ( وَاللَّهُ رَكَسَهُمْ )، بغير " ألف ". (10)* * *واختلف أهل التأويل في الذين نزلت فيهم هذه الآية.فقال بعضهم :نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين تخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وانصرفوا إلى المدينة، وقالوا لرسول الله عليه السلام ولأصحابه: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ [سورة آل عمران: 167].*ذكر من قال ذلك:10049- حدثني الفضل بن زياد الواسطي قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن عدي بن ثابت قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري يحدّث، عن زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد، رجعت طائفة ممن كان معه، فكان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، فرقة تقول: " نقتلهم "، وفرقة تقول: " لا ". فنزلت هذه الآية: " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا " الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة: إنها طَيْبَة، وإنها تَنْفي خَبَثها كما تنفي النار خبثَ الفِضَّة. (11)10050- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه. (12)10051- حدثني زريق بن السخت قال، حدثنا شبابة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت قال: ذكروا المنافقين عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال فريق: " نقتلهم "، وقال فريق: " لا نقتلهم ". فأنزل الله تبارك وتعالى: " فما لكم في المنافقين فئتين " إلى آخر الآية (13)وقال آخرون: بل نزلت في اختلاف كان بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا قدموا المدينة من مكة، فأظهروا للمسلمين أنهم مسلمون، ثم رجعوا إلى مكة وأظهروا لهم الشرك.*ذكر من قال ذلك:10052- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فما لكم في المنافقين فئتين "، قال: قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتّجرون فيها. فاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول: " هم منافقون "، وقائل يقول: " هم مؤمنون ". فبين الله نفاقهم فأمر بقتالهم، فجاؤوا ببضائعهم يريدون المدينة، فلقيهم علي بن عويمر، أو: هلال بن عويمر الأسلمي، (14) وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم حلف= وهو الذي حَصِر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يُقاتل قومه، فدفع عنهم= بأنهم يَؤُمُّون هلالا (15) وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد.10053- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله بنحوه= غير أنه قال: فبيّن الله نفاقهم، وأمر بقتالهم، فلم يقاتلوا يومئذ، فجاؤوا ببضائعهم يريدون هلالَ بن عويمر الأسلمي، وبينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حِلْف. (16)* * *وقال آخرون: بل كان اختلافهم في قوم من أهل الشرك كانوا أظهروا الإسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين.*ذكر من قال ذلك:10054- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " فما لكم في المنافقين فئتين "، وذلك أن قوما كانوا بمكة قد تكلّموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحابَ محمد " عليه السلام "، فليس علينا منهم بأس! وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم! وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله = أو كما قالوا =، أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلَّمتم به؟ أمن أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارَهم، تستحلّ دماؤهم وأموالهم لذلك! فكانوا كذلك فئتين، والرسول عليه السلام عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء، فنزلت: " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله "، الآية.10055- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " فما لكم في المنافقين فئتين " الآية، ذكر لنا أنهما كانا رجلين من قريش كانا مع المشركين بمكة، وكانا قد تكلّما بالإسلام ولم يهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيهما ناس من أصحاب نبي الله وهما مقبلان إلى مكة، فقال بعضهم: إن دماءهما وأموالهما حلال! وقال بعضهم: لا يحلُّ لكم! فتشاجروا فيهما، فأنزل الله في ذلك: " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا " حتى بلغ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ .10056- حدثنا القاسم قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر بن راشد قال: بلغني أنّ ناسًا من أهل مكة كتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد أسلموا، وكان ذلك منهم كذبا، فلقوهم، فاختلف فيهم المسلمون، فقالت طائفة: دماؤهم حلال! وقالت طائفة: دماؤهم حرام! فأنزل الله: " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ".* * *10057- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فما لكم في المنافقين فئتين "، هم ناس تخلّفوا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأقاموا بمكة وأعلنوا الإيمان ولم يهاجروا، فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتولاهم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ من وَلايتهم آخرون، وقالوا: تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا! فسماهم الله منافقين، وبرّأ المؤمنين من وَلايتهم، وأمرهم أن لا يتولَّوهم حتى يهاجروا.* * *وقال آخرون: بل كان اختلافهم في قوم كانوا بالمدينة، أرادوا الخروج عنها نفاقًا.* ذكر من قال ذلك:10058- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا "، قال: كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة، فقالوا للمؤمنين: إنّا قد أصابنا أوجاعٌ في المدينة واتَّخَمْناها، (17) فلعلنا أن نخرج إلى الظَّهر حتى نتماثل ثم نرجع، (18) فإنا كنا أصحاب برّيّة. فانطلقوا، واختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت طائفة: أعداءٌ لله منافقون! (19) وددنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا فقاتلناهم! وقالت طائفة: لا بل إخواننا غَمَّتهم المدينة فاتّخموها، (20) فخرجوا إلى الظهر يتنزهون، (21) فإذا بَرَؤوا رجعوا. فقال الله: " فما لكم في المنافقين فئتين "، يقول: ما لكم تكونون فيهم فئتين =" والله أركسهم بما كسبوا ".* * *وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر أهل الإفك.*ذكر من قال ذلك:10059- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا "، حتى بلغ فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قال: هذا في شأن ابن أُبيّ حين تكلم في عائشة بما تكلم.10060- وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: إن هذه الآية حين أنزلت: " فما لكم في المنافقين فئتين "، فقرأ حتى بلغ فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فقال سعد بن معاذ: فإنّي أبرأ إلى الله وإلى رسوله من فئته! = يريد عبد الله بن أبيّ ابن سلول. (22)* * *قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قول من قال: نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدُّوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة.وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأنّ اختلاف أهل التأويل في ذلك إنما هو على قولين: أحدهما: أنهم قوم كانوا من أهل مكة، على ما قد ذكرنا الرواية عنهم.والآخر: أنهم قوم كانوا من أهل المدينة.= وفي قول الله تعالى ذكره: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا ، أوضح الدّليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة. لأنّ الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر. فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيمًا من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرضُ هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنُه ومُقامه.* * *واختلف أهل العربية في نصب قوله: " فئتين ".فقال بعضهم: هو منصوب على الحال، كما تقول: " ما لَك قائما "، يعني: ما لك في حال القيام. وهذا قول بعض البصريين.* * *وقال بعض نحويي الكوفيين: هو منصوب على فعل " ما لك "، قال: ولا تُبالِ أكان المنصوب في" ما لك " معرفة أو نكرة. (23) . قال: ويجوز في الكلام أن تقول: " ما لك السائرَ معنا "، لأنه كالفعل الذي ينصب ب" كان " و " أظن " وما أشبههما. قال: وكل موضع صلحت فيه " فعل " و " يفعل " من المنصوب، جاز نصب المعرفة منه والنكرة، كما تنصب " كان " و " أظن "، لأنهن نواقصُ في المعنى، وإن ظننت أنهنّ تَامّاتٍ. (24)وهذا القول أولى بالصواب في ذلك، لأن المطلوب في قول القائل: " ما لك قائمًا "،" القيام "، فهو في مذهب " كان " وأخواتها، و " أظن " وصواحباتها. (25)* * *القول في تأويل قوله عز وجل : وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواقال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " والله أركسهم ".فقال بعضهم: معناه: ردَّهم، كما قلنا.*ذكر من قال ذلك:10061- حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: " والله أركسهم بما كسبوا "، ردَّهم.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: والله أوْقَعهم.*ذكر من قال ذلك:10062- حدثني المثنى قال، حدثني عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " والله أركسهم بما كسبوا "، يقول: أوقعهم.وقال آخرون: معنى ذلك: أضلهم وأهلكهم.*ذكر من قال ذلك:10063- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: " والله أركسهم "، قال: أهلكهم.10064- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: " والله أركسهم بما كسبوا "، أهلَكَهم بما عملوا.10065- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " والله أركسهم بما كسبوا "، أهلكهم.* * *وقد أتينا على البيان عن معنى ذلك قبل، بما أغنى عن إعادته. (26)* * *القول في تأويل قوله : أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا (88)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله " أتريدون أن تهدوا من أضل الله "، أتريدون، أيها المؤمنون، أن تهدوا إلى الإسلام فتوفقوا للإقرار به والدخول فيه، من أضله الله عنه= يعني بذلك: من خَذَله الله عنه، فلم يوفقه للإقرار به؟ (27)وإنما هذا خطاب من الله تعالى ذكره للفئة التي دافعت عن هؤلاء المنافقين الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية. يقول لهم جل ثناؤه: أتبغون هداية هؤلاء الذين أضلَّهم الله فخذلهم عن الحق واتباع الإسلام، بمدافعتكم عن قتالهم من أراد قتالَهم من المؤمنين؟ =" ومن يُضلل الله فلن تجد له سبيلا "، يقول: ومَن خذله عن دينه واتباع ما أمره به، من الإقرار به وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عنده، فأضلَّه عنه=" فلن تجد له "، يا محمد،" سبيلا "، يقول: فلن تجد له طريقًا تهديه فيها إلى إدراك ما خذله الله [عنه]، (28) ولا منهجًا يصل منه إلى الأمر الذي قد حرمه الوصول إليه.-------------------الهوامش :(8) انظر تفسير"فئة" فيما سلف 5 : 352 ، 353 / 6 : 230.(9) ديوانه: 36 ، وليس هذا البيت بنصه هذا في الديوان ، بل جاء في شعر من بحر آخر ، هو:أُرْكِسُوا فِي جَهَنَّمٍ، أَنَّهُمْ كَانُواعُتَاةً تَقُولُ إفْكًا وَزُورَاولم أجده برواية أبي جعفر في مكان آخر.(10) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 281 = ثم انظر تفسير"أركسهم" فيما يلي ص: 15 ، 16(11) الحديث: 10049 - الفضل بن زياد الواسطي: لا أدري من هو؟ والترجمة الوحيدة التي وجدتها بهذا الاسم هي"الفضل بن زياد الطساس البغدادي". وهو من هذه الطبقة. فلعله هو. مترجم في الجرح 3 / 2 / 62. وتاريخ بغداد 12: 360. وله ترجمة غير محررة ، في لسان الميزان 4: 441.أبو داود: هو الطيالسي.وقد روى الطبري هذا الحديث بثلاثة أسانيد ، سيأتي تخريجه في آخرها ، إن شاء الله.(12) الحديث: 10050 - أبو أسامة: هو حماد بن أسامة.(13) الحديث: 10051 - زريق- بتقديم الزاي - بن السخت ، شيخ الطبري: لم أجد له ترجمة ولا ذكرا ، إلا في المشتبه للذهبي ، ص: 222 ، قال: "زريق بن السخت ، عن إسحاق الأزرق. وهو الصحيح ، ويقال بتقديم الراء".شبابة: هو ابن سوار. مضت ترجمته في: 37.ويجب أن يكون هنا سقط في الإسناد ، بين شبابة وعدي بن ثابت ، لأن شبابة بن سوار مات سنة 204 أو 205 ، أو 206 ، وهو الذي جزم به البخاري في الصغير ، ص: 228. وعدي بن ثابت مات سنة 116 ، فبينهما 90 سنة. والظاهر أنه سقط من الإسناد هنا [عن شعبة].عدي بن ثابت الأنصاري: ثقة معروف. أخرج له الجماعة. وهو ابن بنت عبد الله بن يزيد - شيخه في هذا الإسناد.عبد الله بن يزيد الخطمي - بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة: صحابي معروف ، شهد الحديبية صغيرا.والحديث رواه الإمام أحمد في المسند 5: 184 ، عن بهز ، عن شعبة ، كالرواية الأولى هنا المطولة: 10049.وكذلك رواه البخاري 4: 83 ، و7: 275 ، و 8 : 193 - من طريق شعبة ، به. ورواه مسلم 1 : 389 - 390 ، من طريق شعبة أيضا ، ولكنه روى آخره: "إنها طيبة..." فقط.وذكره ابن كثير 2: 529 ، من رواية المسند. ثم قال: "أخرجاه في الصحيحين من طريق شعبة".وذكره السيوطي 2: 189-190 ، وزاد نسبته للطيالسي ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، والترمذي ، والنسائي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، والبيهقي في الدلائل.وليس في مسند الطيالسي المطبوع ، لأنه ناقص كما هو معروف.(14) أسقط المطبوعة: "علي بن عويمر ، أو: " وساق الخبر"فلقيهم هلال.." وأثبته من المخطوطة. والأثر التالي من رواية أبي جعفر ، هو الذي فيه إسقاط علي بن عويمر" من الخبر.(15) في المطبوعة: "يؤمنون هلالا" ، والصواب من المخطوطة والدر المنثور 2: 190(16) الأثران: 10052 ، 10053 - انظر الأثر التالي: 10071.(17) "اتخمناها" ، "افتعل" من"الوخم" ، يقال: "أرض وخمة ووخيمة" ، وبيئة ، لا يوافق المرء سكنها فيجتويها. و"استوخم القوم المدينة": استثقلوها ، ولم يوافق هواؤها أبدانهم. والذي ذكرته كتب اللغة بناء"استوخم""استفعل" متعديا من"الوخم" ، ولم يذكروا"اتخم""افتعل" ، وهو صحيح في قياس العربية. وهذا شاهده.(18) "الظهر": ما غلظ وارتفع من الأرض ، و"البطن": ما لان منها وسهل ورق واطمأن. ومثله"ظاهر الأرض" ، فسموا ما بعد عن القرية وارتفع في البرية: "ظهر البلدة وظاهرها".(19) في المطبوعة: "أعداء الله المنافقون" ، وفي المخطوطة: أعداء الله منافقون" ، والصواب ما أثبت.(20) في المطبوعة والدر المنثور 2 : 191 : "تخمتهم المدينة فاتخموها" ، وليس صوابا. وفي المخطوطة: "عمهم المدينة" غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها ، من"الغم": وهو الكرب وكل ما يكرهه الإنسان فيورثه الضيق والهم. والدليل على صحة هذه القراءة ما جاء في معاني القرآن 1 : 280"ضجروا منها واستوخموها" وانظر ما سلف تعليق: 1 ، في تفسير"اتخم".(21) "يتنزهون" أي: يتباعدون عن الأرض التي استوخموها ، حتى يبرأوا. و"التنزه" التباعد عن الأرياف والمياه ، حيث لا يكون ماء ولا ندى ولا جمع ناس ، وذلك شق البادية ، وهو أصح للأبدان.(22) الأثر: 10059 ، 10060 - في المطبوعة ، ساق هذين الأثرين ، أثرا واحدا ، فجعله هكذا: "حين تكلم في عائشة بما تكلم ، فقال سعد بن معاذ.." وأسقط صدر الأثر: 10060 ، فرددته إلى الصواب من المخطوطة. والذي أوقع الناشر في هذا ، سوء صنيع السيوطي في نقله عن ابن جرير ، وذلك في الدر المنثور 2 : 191 .(23) في المطبوعة: "ولا تبالي كان المنصوب.." وفي المخطوطة: "ولا تبال كان المنصوب" ورجحت قراءتها كما أثبتها ، استظهارًا من نص الفراء في معاني القرآن.(24) هذا مختصر نص الفراء في معاني القرآن 1 : 281.(25) في المخطوطة: "والظن وصواحباتها" ، والصواب ما في المطبوعة.(26) انظر ما سلف ص: 7(27) انظر معنى"هدى" ، ومعنى"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة.
وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ أَوۡلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرًا  ٨٩
التفسير الميسرتمنَّى المنافقون لكم أيها المؤمنون، لو تنكرون حقيقة ما آمنت به قلوبكم، مثلما أنكروه بقلوبهم، فتكونون معهم في الإنكار سواء، فلا تتخذوا منهم أصفياء لكم، حتى يهاجروا في سبيل الله، برهانًا على صدق إيمانهم، فإن أعرضوا عما دعوا إليه، فخذوهم أينما كانوا واقتلوهم، ولا تتخذوا منهم وليّاً من دون الله ولا نصيرًا تستنصرونه به.
تفسير السعديفأخبرهم الله تعالى أنه لا ينبغي لكم أن تشتبهوا فيهم ولا تشكوا، بل أمرهم واضح غير مشكل، إنهم منافقون قد تكرر كفرهم، وودوا مع ذلك كفركم وأن تكونوا مثلهم. فإذا تحققتم ذلك منهم فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ وهذا يستلزم عدم محبتهم لأن الولاية فرع المحبة. ويستلزم أيضا بغضهم وعداوتهم لأن النهي عن الشيء أمر بضده، وهذا الأمر موقت بهجرتهم فإذا هاجروا جرى عليهم ما جرى على المسلمين، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجري أحكام الإسلام لكل مَنْ كان معه وهاجر إليه، وسواء كان مؤمنا حقيقة أو ظاهر الإيمان. وأنهم إن لم يهاجروا وتولوا عنها فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ أي: في أي وقت وأي محل كان، وهذا من جملة الأدلة الدالة على نسخ القتال في الأشهر الحرم، كما هو قول جمهور العلماء، والمنازعون يقولون: هذه نصوص مطلقة، محمولة على تقييد التحريم في الأشهر الحرم.
تفسير ابن كثيرثم قال : ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ) أي : هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها ، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم ; ولهذا قال : ( فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا ) أي : تركوا الهجرة ، قاله العوفي عن ابن عباس . وقال السدي : أظهروا كفرهم ( فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ) أي : لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على الأعداء ما داموا كذلك .
تفسير القرطبيودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيراالأولى : ودوا لو تكفرون أي تمنوا أن تكونوا كهم في الكفر والنفاق شرع سواء ؛ فأمر الله تعالى بالبراءة منهم فقال : فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ؛ كما قال تعالى : ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا والهجرة أنواع : منها الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت هذه واجبة أول الإسلام حتى قال : لا هجرة بعد الفتح . وكذلك هجرة المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات ، وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة . وهجرة المسلم ما حرم الله عليه ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم : والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه . وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن . وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديبا لهم فلا يكلمون ولا يخالطون حتى يتوبوا ؛ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع كعب وصاحبيه .فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم يقول : إن أعرضوا عن التوحيد والهجرة فأسروهم واقتلوهم . حيث وجدتموهم عام في الأماكن من حل وحرم . والله أعلم . ثم استثنى وهي
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِقال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " ودوا لو تكفرون كما كفروا "، تمنَّى هؤلاء المنافقون (29) = الذين أنتم، أيها المؤمنون، فيهم فئتان= أن تكفروا فتجحدوا وحدانية ربكم، وتصديقَ نبيِّكم محمد صلى الله عليه وسلم=" كما كفروا "، يقول: كما جحدوا هم ذلك=" فتكونون سواء "، يقول: فتكونون كفّارًا مثلهم، وتستوون أنتم وهم في الشرك بالله (30) =" فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله "، يقول (31) حتى يخرجوا من دار الشرك ويفارقوا أهلها الذين هم بالله مشركون، إلى دار الإسلام وأهلها=" في سبيل الله "، يعني: في ابتغاء دين الله، وهو سبيله، (32) فيصيروا عند ذلك مثلكم، ويكون لهم حينئذ حكمكم، كما:-10066- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا "، يقول: حتى يصنعوا كما صنعتم= يعني الهجرةَ في سبيل الله.* * *القول في تأويل قوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (89)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أدبر هؤلاء المنافقون عن الإقرار بالله ورسوله، وتولوا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام ومن الكفر إلى الإسلام (33) =" فخذوهم " أيها المؤمنون=" واقتلوهم حيث وجدتموهم "، من بلادهم وغير بلادهم، أين أصبْتموهم من أرض الله =" ولا تتخذوا منهم وليَّا "، يقول: ولا تتخذوا منهم خليلا يواليكم على أموركم، ولا ناصرًا ينصركم على أعدائكم، (34) فإنهم كفار لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ .* * *وهذا الخبر من الله جل ثناؤه، إبانةٌ عن صحة نِفاق الذين اختلف المؤمنون في أمرهم، وتحذيرٌ لمن دفع عنهم عن المدافعة عنهم.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:10067- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم "، فإن تولوا عن الهجرة =" فخذوهم واقتلوهم ".10068- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم "، يقول: إذا أظهروا كُفرهم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم.--------------------الهوامش :(28) هذه الزيادة بين القوسين ، يقتضيها السياق اقتضاء. وانظر تفسير"السبيل" فيما سلف. من فهارس اللغة.(29) انظر تفسير"ود" فيما سلف 2 : 470 / 5 : 542 / 8 : 371 .(30) انظر تفسير"سواء" فيما سلف 1 : 256 / 2 : 495 - 497 / 6 : 483 ، 486 ، 487 / 7 : 118(31) انظر تفسير"ولي" و"أولياء" فيما سلف: 8 : 430 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(32) انظر تفسير"سبيل الله" فيما سلف: 8 : 579 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(33) انظر تفسير"تولى" فيما سلف 8 : 562 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(34) انظر تفسير"ولي" فيما سلف ص 17 ، تعليق: 3= و"نصير" فيما سلف 8 : 472 تعليق 1 ، والمراجع هناك.
إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوۡ جَآءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا  ٩٠
التفسير الميسرلكن الذين يتصلون بقوم بينكم وبينهم عهد وميثاق فلا تقاتلوهم، وكذلك الذين أتَوا إليكم وقد ضاقت صدورهم وكرهوا أن يقاتلوكم، كما كرهوا أن يقاتلوا قومهم، فلم يكونوا معكم ولا مع قومهم، فلا تقاتلوهم، ولو شاء الله تعالى لسلَّطهم عليكم، فلقاتلوكم مع أعدائكم من المشركين، ولكن الله تعالى صرفهم عنكم بفضله وقدرته، فإن تركوكم فلم يقاتلوكم، وانقادوا اليكم مستسلمين، فليس لكم عليهم من طريق لقتالهم.
تفسير السعديثم إن الله استثنى من قتال هؤلاء المنافقين ثلاث فِرَق: فرقتين أمر بتركهم وحتَّم [على] ذلك، إحداهما من يصل إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق بترك القتال فينضم إليهم، فيكون له حكمهم في حقن الدم والمال. والفرقة الثانية قوم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ أي: بقوا، لا تسمح أنفسهم بقتالكم، ولا بقتال قومهم، وأحبوا ترك قتال الفريقين، فهؤلاء أيضا أمر بتركهم، وذكر الحكمة في ذلك في قوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فإن الأمور الممكنة ثلاثة أقسام: إما أن يكونوا معكم ويقاتلوا أعداءكم، وهذا متعذر من هؤلاء، فدار الأمر بين قتالكم مع قومهم وبين ترك قتال الفريقين، وهو أهون الأمرين عليكم، والله قادر على تسليطهم عليكم، فاقبلوا العافية، واحمدوا ربكم الذي كف أيديهم عنكم مع التمكن من ذلك. فهؤلاء إن اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا الفرقة الثالثة: قوم يريدون مصلحة أنفسهم بقطع النظر عن احترامكم، وهم الذين قال الله فيهم:
تفسير ابن كثيرثم استثنى الله ، سبحانه من هؤلاء فقال : ( إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ) أي : إلا الذين لجئوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة أو عقد ذمة ، فاجعلوا حكمهم كحكمهم . وهذا قول السدي ، وابن زيد ، وابن جرير .وقد روى ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان ، عن الحسن : أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال : لما ظهر - يعني صلى الله عليه وسلم - على أهل بدر وأحد ، وأسلم من حولهم قال سراقة : بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي - بني مدلج - فأتيته فقلت : أنشدك النعمة . فقالوا : صه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " دعوه ، ما تريد ؟ " . قال : بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي ، وأنا أريد أن توادعهم ، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام ، وإن لم يسلموا لم تخشن قلوب قومك عليهم . فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد بن الوليد فقال : " اذهب معه فافعل ما يريد " . فصالحهم خالد على ألا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أسلمت قريش أسلموا معهم ، [ ومن وصل إليهم من الناس كانوا على مثل عهدهم ] فأنزل الله : ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء )ورواه ابن مردويه من طريق حماد بن سلمة ، وقال فأنزل الله : ( إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ) فكان وصل إليهم كانوا معهم على عهدهم وهذا أنسب لسياق الكلام .وفي صحيح البخاري في قصة صلح الحديبية فكان من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم ، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد وأصحابه وعهدهم .وقد روي عن ابن عباس أنه قال : نسخها قوله : ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين [ حيث وجدتموهم ] ) [ التوبة : 5 ] .وقوله : ( أو جاءوكم حصرت صدورهم [ أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ] ) الآية ، هؤلاء قوم آخرون من المستثنين عن الأمر بقتالهم ، وهم الذين يجيئون إلى المصاف وهم حصرة صدورهم أي : ضيقة صدورهم مبغضين أن يقاتلوكم ، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم ، بل هم لا لكم ولا عليكم . ( ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ) أي : من لطفه بكم أن كفهم عنكم ( فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم ) أي : المسالمة ( فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ) أي : فليس لكم أن تقتلوهم ، ما دامت حالهم كذلك ، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين ، فحضروا القتال وهم كارهون ، كالعباس ونحوه ، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عن قتل العباس وأمر بأسره .
تفسير القرطبيفقال إلا الذين يصلون أي يتصلون بهم ويدخلون فيما بينهم من الجوار والحلف ؛ المعنى : فلا تقتلوا قوما بينهم وبين من بينكم وبينهم عهد فإنهم على عهدهم ثم انتسخت العهود فانتسخ هذا . هذا قول مجاهد وابن زيد وغيرهم ، وهو أصح ما قيل في معنى الآية . قال أبو عبيد : يصلون ينتسبون ؛ ومنه قول الأعشى :إذا اتصلت قالت لبكر بن وائل وبكر سبتها والأنوف رواغميريد إذا انتسبت . قال المهدوي : وأنكره العلماء ؛ لأن النسب لا يمنع من قتال الكفار وقتلهم . وقال النحاس : وهذا غلط عظيم ؛ لأنه يذهب إلى أن الله تعالى حظر أن يقاتل أحد بينه وبين المسلمين نسب ، والمشركون قد كان بينهم وبين السابقين الأولين أنساب ، وأشد من هذا الجهل بأنه كان ثم نسخ ؛ لأن أهل التأويل مجمعون على أن الناسخ له " براءة " وإنما نزلت " براءة " بعد الفتح وبعد أن انقطعت الحروب . وقال معناه الطبري .قلت : حمل بعض العلماء معنى ينتسبون على الأمان ؛ أي إن المنتسب إلى أهل الأمان آمن إذا أمن الكل منهم ، لا على معنى النسب الذي هو بمعنى القرابة . واختلف في هؤلاء الذين كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق ؛ فقيل : بنو مدلج . عن الحسن : كان بينهم وبين قريش عقد ، وكان بين قريش وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد . وقال عكرمة : نزلت في هلال بن عويمر وسراقة بن جعشم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد . وقيل : خزاعة . وقال الضحاك عن ابن عباس : أنه أراد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق بني بكر بن زيد بن مناة ، كانوا في الصلح والهدنة .الثالثة : في هذه الآية دليل على إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام إذا كان في الموادعة مصلحة للمسلمين ، على ما يأتي بيانه في " الأنفال " " وبراءة " إن شاء الله تعالى .الرابعة : أو جاءوكم حصرت صدورهم أي ضاقت . وقال لبيد :أسهلت وانتصبت كجذع منيفة جرداء يحصر دونها جرامهاأي تضيق صدورهم من طول هذه النخلة ؛ ومنه الحصر في القول وهو ضيق الكلام على المتكلم . والحصر الكتوم للسر ؛ قال جرير :ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا حصرا بسرك يا أميم ضنيناومعنى " حصرت " " قد حصرت " فأضمرت " قد " ، قال الفراء : وهو حال من المضمر المرفوع في جاءوكم كما تقول : جاء فلان ذهب عقله ، أي قد ذهب عقله . وقيل : هو خبر بعد خبر قاله الزجاج . أي جاءوكم ثم أخبر فقال : حصرت صدورهم فعلى هذا يكون حصرت بدلا من جاءوكم كما قيل : حصرت في موضع خفض على النعت لقوم . وفي حرف أبي " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق حصرت صدورهم " ليس فيه أو جاءوكم . وقيل : تقديره أو جاءوكم رجالا أو قوما حصرت صدورهم ؛ فهي صفة موصوف منصوب على الحال . وقرأ الحسن " أو جاءوكم حصرة صدورهم " نص على الحال ، ويجوز رفعه على الابتداء والخبر . وحكى " أو جاءوكم حصرات صدورهم " ، ويجوز الرفع . وقال محمد بن يزيد : حصرت صدورهم هو دعاء عليهم ؛ كما تقول : لعن الله الكافر ؛ وقاله المبرد . وضعفه بعض المفسرين وقال : هذا يقتضي ألا يقاتلوا قومهم ؛ وذلك فاسد ؛ لأنهم كفار وقومهم كفار . وأجيب بأن معناه صحيح ، فيكون عدم القتال في حق المسلمين تعجيزا لهم ، وفي حق قومهم تحقيرا لهم . وقيل : أو بمعنى الواو ؛ كأنه يقول : إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق وجاءوكم ضيقة صدورهم عن قتالكم والقتال معكم فكرهوا قتال الفريقين . ويحتمل أن يكونوا معاهدين على ذلك فهو نوع من العهد ، أو قالوا نسلم ولا نقاتل ؛ فيحتمل أن يقبل ذلك منهم في أول الإسلام حتى يفتح الله قلوبهم للتقوى ويشرحها للإسلام . والأول أظهر . والله أعلم . أو يقاتلوا في موضع نصب ؛ أي عن أن يقاتلوكم .الخامسة : قوله تعالى : ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم تسليط الله تعالى المشركين على المؤمنين هو بأن يقدرهم على ذلك ويقويهم إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي ، وإما ابتلاء واختبارا كما قال تعالى : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ، وإما تمحيصا للذنوب كما قال تعالى : وليمحص الله الذين آمنوا ولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء . ووجه النظم والاتصال بما قبل أي اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا ، وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون فيما دخلوا فيه فلهم حكمهم ، وإلا الذين جاءوكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌقال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق "، فإن تولىَّ هؤلاء المنافقون الذين اختلفتم فيهم عن الإيمان بالله ورسوله، وأبوا الهجرة فلم يهاجروا في سبيل الله، فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، سوى من وَصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم مُوادعة وعهد وميثاق، (35) فدخلوا فيهم، وصاروا منهم، ورضوا بحكمهم، فإن لمن وصل إليهم فدخل فيهم من أهل الشرك راضيًا بحكمهم في حقن دمائهم بدخوله فيهم: أن لا تسبى نساؤهم وذراريهم، ولا تغنم أموالهم، كما: -10069- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق "، يقول: إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم، فإن أحدٌ منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق، فأجروا عليه مثل ما تجرُون على أهل الذمة.10070- حدثني يونس، عن ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق "، يصلون إلى هؤلاء الذين بينكم وبينهم ميثاق من القوم، لهم من الأمان مثل ما لهؤلاء.10071- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق "، قال نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف. (36)* * *وقد زعم بعض أهل العربية، (37) أن معنى قوله: " إلا الذين يصلون إلى قوم "، إلا الذين يتَّصلون في أنسابهم لقوم بينكم وبينهم ميثاق، من قولهم: " اتّصل الرجل "، بمعنى: انتمى وانتسب، كما قال الأعشى في صفة امرأة انتسبت إلى قوم:إذَا اتَّصَلَتْ قَالَتْ: أَبَكْرَ بنَ وَائِلٍ!وَبَكْرٌ سَبَتْهَا وَالأنُوفُ رَوَاغِمُ! (38)يعني بقوله: " اتصلت "، انتسبت.* * *قال أبو جعفر: ولا وجه لهذا التأويل في هذا الموضع، لأن الانتساب إلى قوم من أهل الموادعة أو العهد، لو كان يوجب للمنتسبين إليهم ما لهم، إذا لم يكن لهم من العهد والأمان ما لهم، لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لِيقاتل قريشًا وهم أنسباءُ السابقين الأوَّلين. ولأهل الإيمان من الحق بإيمانهم، أكثر مما لأهل العهد بعهدهم. وفي قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي قريش= بتركها الدخول فيما دخل فيه أهل الإيمان منهم، مع قرب أنسابهم من أنساب المؤمنين منهم - الدليلُ الواضح أنّ انتساب من لا عهد له إلى ذي العهد منهم، لم يكن موجبا له من العهد ما لذي العهد من انتسابه.فإن ظن ذو غفلة أن قتال النبيّ صلى الله عليه وسلم من قاتل من أنسباء المؤمنين من مشركي قريش، إنما كان بعد ما نُسخ قوله: " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق "، فإن أهل التأويل أجمعوا على أن ناسخ ذلك " براءة "، و " براءة " نزلت بعد فتح مكة ودخول قريش في الإسلام. (39)* * *القول في تأويل قوله : أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْقال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " أو جاءوكم حَصِرَت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم "، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ = إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ = أو: إلا الذين جاءوكم منهم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم.ويعني بقوله: " حصرت صدورهم "، ضاقت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو أن يقاتلوا قومهم.والعرب تقول لكل من ضاقت نفسه عن شيء من فعل أو كلام: " قد حَصِرَ"، ومنه " الحَصَرُ" في القراءة. (40)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:10072- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أو جاءوكم حصرت صدورهم "، يقول: رجعوا فدخلوا فيكم=" حصرت صدورهم "، يقول: ضاقت صدورهم=" أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ".* * *وفي قوله: " أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم "، متروكٌ، ترك ذكره لدلالة الكلام عليه. وذلك أن معناه: أو جاءوكم قد حصرت صدورهم، فترك ذكر " قد "، لأن من شأن العرب فعل مثل ذلك: تقول: " أتاني فلان ذَهَب عقله "، بمعنى: قد ذهب عقله. ومسموع منهم: " أصبحت نظرتُ إلى ذات التَّنانير "، بمعنى: قد نظرت. (41) ولإضمار " قد " مع الماضي، جاز وضع الماضي من الأفعال في موضع الحال، لأن " قد " إذا دخلت معه أدْنته من الحال، وأشبهت الأسماء. (42)* * *وعلى هذه القراءة= أعني" حَصِرَت "، قراءة القرأة في جميع الأمصار، وبها يقرأ لإجماع الحجة عليها.* * *وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: ( أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَةً صُدُورُهُمْ )، نصبًا، (43) وهي صحيحة في العربية فصيحة، غير أنه غير جائزة القراءة بها عندي، لشذوذها وخروجها عن قراءة قرأة الإسلام.* * *القول في تأويل قوله : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا (90)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: " ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم "، ولو شاء الله لسلّط هؤلاء الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون في جوارهم وذمتهم، والذين يجيئونكم قد حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم= عليكم، (44) أيها المؤمنون، فقاتلوكم مع أعدائكم من المشركين، ولكن الله تعالى ذكره كفَّهم عنكم. يقول جل ثناؤه: فأطيعوا الذي أنعم عليكم بكفِّهم عنكم مع سائر ما أنعم به عليكم، فيما أمركم به من الكفِّ عنهم إذا وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، أو جاؤوكم حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم. ثم قال جل ثناؤه: " فإن اعتزلوكم "، يقول: فإن اعتزلكم هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عن قتالهم من المنافقين، بدخولهم في أهل عهدكم، أو مصيرهم إليكم حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم=" فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السَّلَم "، يقول: وصالحوكم.* * *و " السَّلَم "، هو الاستسلام. (45) وإنما هذا مثلٌ، كما يقول الرجل للرجل: " أعطيتك قِيادي"، و " ألقيت إليك خِطَامي"، إذا استسلم له وانقاد لأمره. فكذلك قوله: " وألقوا إليكم السلم "، إنما هو: ألقوا إليكم قيادَهم واستسلموا لكم، صلحًا منهم لكم وسَلَمًا. ومن " السَّلم " قول الطرمَّاح:وَذَاكَ أَنَّ تَمِيمًا غَادَرَتْ سَلَمًالِلأسْدِ كُلَّ حَصَانٍ وَعْثَةِ اللِّبَدِ (46)يعني بقوله: " سلمًا "، استسلامًا.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:10073- حدثني المثنى قال، حدثنا ابن أبي جعفر: عن أبيه، عن الربيع: " فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم "، قال: الصلح.* * *وأما قوله: " فما جعل الله لكم عليهم سبيلا "، فإنه يقول: إذا استسلم لكم هؤلاء المنافقون الذين وصف صفتهم، صلحًا منهم لكم=" فما جعل الله لكم عليهم سبيلا "، أي: فلم يجعل الله لكم على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم طريقًا إلى قتل أو سباء أو غنيمة، بإباحةٍ منه ذلك لكم ولا إذْنٍ، فلا تعرَّضوا لهم في ذلك= إلا سبيل خير* * *ثم نسخ الله جميع حكم هذه الآية والتي بعدها بقوله تعالى ذكره:فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ إلى قوله: فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة التوبة: 5].ذكر من قال في ذلك مثل الذي قلنا:10074- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن قالا قال: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ إلى قوله: وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا وقال في" الممتحنة ": لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ، وقال فيها: إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ إلى فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [سورة الممتحنة: 8 ، 9]. فنسخ هؤلاء الآيات الأربعة في شأن المشركين فقال: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ [سورة التوبة: 1، 2]. فجعل لهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض، وأبطل ما كان قبل ذلك. وقال في التي تليها: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ، ثم نسخ واستثنى فقال: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ إلى قوله: ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [سورة التوبة: 5 ، 6].10075- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " فإن اعتزلوكم "، قال: نسختها: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .10076- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام بن يحيى قال، سمعت قتادة: يقول في قوله: إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ إلى قوله: " فما جعل الله لكم عليهم سبيلا "، ثم نسخ ذلك بعد في براءة، وأمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يقاتل المشركين بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ .10077- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال، قال ابن زيد في قوله: إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ، الآية، قال: نسخ هذا كله أجمع، نسخه الجهاد، ضرب لهم أجل أربعة أشهر: إما أن يسلموا، وإما أن يكون الجهاد.
سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا  ٩١
التفسير الميسرستجدون قومًا آخرين من المنافقين يودون الاطمئنان على أنفسهم من جانبكم، فيظهرون لكم الإيمان، ويودون الاطمئنان على أنفسهم من جانب قومهم الكافرين، فيظهرون لهم الكفر، كلما أعيدوا إلى موطن الكفر والكافرين، وقعوا في أسوأ حال. فهؤلاء إن لم ينصرفوا عنكم، ويقدموا إليكم الاستسلام التام، ويمنعوا أنفسهم عن قتالكم فخذوهم بقوة واقتلوهم أينما كانوا، وأولئك الذين بلغوا في هذا المسلك السيِّئ حدّاً يميزهم عمَّن عداهم، فهم الذين جعلنا لكم الحجة البينة على قتلهم وأسرهم.
تفسير السعدي سَتَجِدُونَ آخَرِينَ أي: من هؤلاء المنافقين. يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ أي: خوفا منكم وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا أي: لا يزالون مقيمين على كفرهم ونفاقهم، وكلما عرض لهم عارض من عوارض الفتن أعماهم ونكسهم على رءوسهم، وازداد كفرهم ونفاقهم، وهؤلاء في الصورة كالفرقة الثانية، وفي الحقيقة مخالفة لها. فإن الفرقة الثانية تركوا قتال المؤمنين احترامًا لهم لا خوفا على أنفسهم، وأما هذه الفرقة فتركوه خوفا لا احتراما، بل لو وجدوا فرصة في قتال المؤمنين، فإنهم مستعدون لانتهازها، فهؤلاء إن لم يتبين منهم ويتضح اتضاحًا عظيمًا اعتزال المؤمنين وترك قتالهم، فإنهم يقاتلون، ولهذا قال: فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي: المسالمة والموادعة وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا أي: حجة بينة واضحة، لكونهم معتدين ظالمين لكم تاركين للمسالمة، فلا يلوموا إلا أنفسهم.
تفسير ابن كثيروقوله : ( ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم [ كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ] ) الآية ، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم ، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك ، فإن هؤلاء منافقون يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام ; ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم ويصانعون الكفار في الباطن ، فيعبدون معهم ما يعبدون ، ليأمنوا بذلك عندهم ، وهم في الباطن مع أولئك ، كما قال تعالى : ( وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم [ إنما نحن مستهزئون ] ) [ البقرة : 14 ] وقال هاهنا : ( كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ) أي : انهمكوا فيها .وقال السدي : الفتنة هاهنا : الشرك . وحكى ابن جرير ، عن مجاهد : أنها نزلت في قوم من أهل مكة ، كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء ، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان ، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا ، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا ; ولهذا قال تعالى : ( فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم ) أي : عن القتال ( فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) أي : أين لقيتموهم ( وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ) أي : بينا واضحا .
تفسير القرطبيقوله : ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبيناقوله تعالى : ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم معناها معنى الآية الأولى . قال قتادة : نزلت في قوم من تهامة طلبوا الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده وعند قومهم .مجاهد : هي في قوم من أهل مكة . وقال السدي : نزلت في نعيم بن مسعود كان يأمن المسلمين والمشركين . وقال الحسن : هذا في قوم من المنافقين . وقيل : نزلت في أسد وغطفان قدموا المدينة فأسلموا ثم رجعوا إلى ديارهم فأظهروا الكفر .قوله تعالى : كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها قرأ يحيى بن وثاب والأعمش " ردوا " بكسر الراء ؛ لأن الأصل " رددوا " فأدغم وقلبت الكسرة على الراء . إلى الفتنة أي الكفر أركسوا فيها . وقيل : أي ستجدون من يظهر لكم الصلح ليأمنوكم ، وإذا سنحت لهم فتنة كان مع أهلها عليكم . ومعنى أركسوا فيها أي انتكسوا عن عهدهم الذين عاهدوا . وقيل : أي إذا دعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَاقال أبو جعفر: وهؤلاء فريق آخر من المنافقين، كانوا يظهرون الإسلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليأمنوا به عندهم من القتل والسباء وأخذ الأموال وهم كفار، يعلم ذلك منهم قومهم، إذا لقوهم كانوا معهم وعبدوا ما يعبدونه من دون الله، ليأمنوهم على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم. يقول الله: " كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها "، يعني: كلما دعاهم [قومهم] إلى الشرك بالله، (47) ارتدُّوا فصاروا مشركين مثلهم.* * *واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية.فقال بعضهم: هم ناس كانوا من أهل مكة أسلموا -على ما وصفهم الله به من التقيَّة- وهم كفار، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم. يقول الله: " كلما ردُّوا إلى الفتنة أركسوا فيها "، يعني كلما دعاهم [قومهم] إلى الشرك بالله، (48) ارتدوا فصاروا مشركين مثلهم، ليأمنوا عند هؤلاء وهؤلاء.*ذكر من قال ذلك:10078- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم "، قال: ناس كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا. فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويُصلحوا.10079- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.10080- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها "، يقول: كلما أرادوا أن يخرجوا من فتنة أركسوا فيها. وذلك أن الرجل كان يوجد قد تكلم بالإسلام، فيقرَّب إلى العُود والحجَر وإلى العقرب والخنفساء، فيقول المشركون لذلك المتكلِّم بالإسلام: " قل: هذا ربي"، للخنفساء والعقرب.* * *وقال آخرون: بل هم قوم من أهل الشرك كانوا طلبوا الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليأمنوا عنده وعند أصحابه وعند المشركين.*ذكر من قال ذلك:10081- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم "، قال: حيٌّ كانوا بتهامة، قالوا: " يا نبيّ الله، لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا "، وأرادوا أن يأمنوا نبيَّ الله ويأمنوا قومهم، فأبى الله ذلك عليهم، فقال: " كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها "، يقول: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه.* * *وقال آخرون: نزلت هذه الآية في نعيم بن مسعود الأشجعي.*ذكر من قال ذلك:10082- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ثم ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي وكان يأمن في المسلمين والمشركين، ينقل الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين، فقال: " ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة "، يقول: إلى الشرك.* * *وأما تأويل قوله: " كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها "، فإنه كما:-10083- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: " كلما ردّوا إلى الفتنة أركسوا فيها "، قال: كلما ابتلُوا بها، عَمُوا فيها.10084- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: كلما عرَض لهم بلاء، هلكوا فيه.* * *والقول في ذلك ما قد بينت قبلُ، وذلك أن " الفتنة " في كلام العرب، الاختبار، و " الإركاس " الرجوع. (49) .* * *فتأويل الكلام: كلما ردوا إلى الاختبار ليرجعوا إلى الكفر والشرك، رجعوا إليه.* * *القول في تأويل قوله : فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن لم يعتزلكم، (50) أيها المؤمنون، هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم، وهم كلما دعوا إلى الشرك أجابوا إليه =" ويلقوا إليكم السلم "، ولم يستسلموا إليكم فيعطوكم المقادَ ويصالحوكم، (51) . كما:-10085- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم "، قال: الصلح.* * *=" ويكفوا أيديهم "، يقول: ويكفوا أيديهم عن قتالكم، (52) =" فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم "، يقول جل ثناؤه: إن لم يفعلوا، فخذوهم أين أصبتموهم من الأرض ولقيتموهم فيها، (53) فاقتلوهم، فإن دماءهم لكم حينئذ حلال=" وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانًا مبينًا "، يقول جل ثناؤه: وهؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم، وهم على ما هم عليه من الكفران، ولم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم، (54) جعلنا لكم حجة في قتلهم أينما لقيتموهم، بمقامهم على كفرهم، وتركهم هجرة دار الشرك=" مبينًا " يعني: أنها تبين عن استحقاقهم ذلك منكم، وإصابتكم الحق في قتلهم. وذلك قوله: " سلطانًا مبينًا "، و " السلطان " هو الحجة، (55) . كما:-10086- حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا سفيان، عن رجل، عن عكرمة قال: ما كان في القرآن من " سلطان "، فهو: حجّة.10087- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " سلطانًا مبينًا " أما " السلطان المبين "، فهو الحجة.* * *---------------الهوامش :(35) انظر تفسير"الميثاق" فيما سلف: 8 : 127 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(36) الأثر: 10071 - انظر الأثرين السالفين: 10052 ، 10053.(37) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1: 136 ، وفي المطبوع من مجاز القرآن تأخير وتقديم لم يمسسه بالتحرير ناشر الكتاب ، فليحرر مكانه.(38) ديوانه: 59 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 136 والناسخ والمنسوخ: 109 واللسان (وصل) ، وغيرهما. وفي اللسان"لبكر بن وائل" ، وفسرها"اتصلت": انتسبت. وفسرها شارح شعر الأعشى: إذا دعت ، يعني دعت بدعوى الجاهلية ، وهو الاعتزاء. وهذا البيت آخر بيت في قصيدة الأعشى تلك. يقول: تدعى إليهم وتنتسب ، وهي من إمائهم اللواتي سبين وقد رغمت أنوفهن وأنوف رجالهن الذي كانوا يدافعون عنهن ، ثم انهزموا عنهن وتركوهن للسباء.(39) في المخطوطة والمطبوعة: "فإن أهل التأويل أجمعوا على أن ذلك نسخ قراءة نزلت بعد فتح مكة ودخول قريش في الإسلام" ، وهو خطأ لا معنى له ، وخلط فاحش. واستظهرت أن ما كتبته هو الصواب وأنه عنى"سورة براءة" ، من الناسخ والمنسوخ: 109 ، ومن تفسير أبي حيان 3: 315 ، وتفسير القرطبي 5: 308 ، وقد نسبوه جميعًا إلى الطبري أيضا.(40) انظر تفسير"الحصر" فيما سلف 6: 376 ، 377 وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 136 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 282.(41) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 282 . و"ذات التنانير": أرض بين الكوفة وبلاد غطفان ، وقال ياقوت في معجمه: "عقبة بحذاء زبالة".(42) في المطبوعة: "وأشبه الأسماء" ، وما في المخطوطة صواب ، يعني وأشبهت الأفعال الماضية الأسماء.(43) انظر معاني القرآن للفراء 1: 282.(44) السياق: ولو شاء الله لسلط هؤلاء ... عليكم".(45) انظر تفسير"الإسلام" أيضًا فيما سلف من فهارس اللغة"سلم".(46) ديوانه: 145 ، من قصيدته التي هجا بها الفرزدق وبيوت بني دارم وبني سعد فقال قبله:وَدَارِمٌ قد قَذَفْنَا مِنْهُمُ مِئَةًفِي جَاحِمِ النَّارِ، إِذْ يُلْقَوْنَ فِي الخُدَدِيَنْزُونَ بالْمُشْتَوَى مِنْهَا، ويُوقِدُهَاعَمْرٌو، وَلَوْلا لُحُومُ الْقَوْمِ لَمْ تَقِدِوَذَاكَ أنَّ تَمِيمًا ............. . . . . . . . . . . . . . . . . . .فزعم أن عمرو بن المنذر اللخمي ، أحرق بني دارم رهط الفرزدق ، قال أبو عبيدة: ولم يكن للطرماح بهذا الحديث علم. يعني حديث يوم أوارة ، وهو يوم غزا عمرو بن المنذر بني دارم ، فقتل منهم تسعة وتسعين رجلا.و"الأسد" يعني عمرو بن المنذر ومن معه. و"الحصان" المرأة العفيفة. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "كل مصان وعثه اللبد" وهو خطأ لا معنى له. وامرأة"وعثة": كثيرة اللحم ، كأن الأصابع تسوخ فيها من كثرة لحمها ولينها."وامرأة وعثه الأرداف" ، كذلك. و"اللبد" جمع لبدة (بكسر فسكون): وهي كساء ملبس يفرش للجلوس عليه. وعنى بذلك أنها وعثة الأرداف ، حيث تجلس على اللبد. فسمي الأرداف لبدًا.يقول: أسلمت تميم نساءها لنا ولجيش عمرو بن المنذر ، وفروا عن أعراضهم ، لم يلفتهم إليهن ضعفهن عن الدفع عن أنفسهن ، وأنساهم الروع كرائم نسائهم ومترفاتهن.(47) الزيادة بين القوسين لا بد منها لسياق الكلام.(48) الزيادة بين القوسين لا بد منها لسياق الكلام.(49) انظر"تفسير الفتنة" فيما سلف 2: 444 / 3 : 565 ، 566 ، 570 ، 571 / 4: 301 / 6 : 196 ، 197= وانظر تفسير"الإركاس" فيما سلف ص: 7 ، 15 ، 16.(50) في المطبوعة والمخطوطة: "فإن لم يعتزلوكم" ، والسياق يقتضي ما أثبت.(51) انظر تفسير"ألقوا السلم" فيما سلف ص23 ، 24.(52) انظر تفسير"الكف" فيما سلف 8: 548.(53) انظر تفسير"ثقف" فيما سلف 3 : 564.(54) في المطبوعة والمخطوطة: "لم يعتزلوكم" ، بإسقاط الواو ، والأصح إثباتها.(55) انظر تفسير"السلطان" فيما سلف 7: 279 = وتفسير"المبين" فيما سلف 8: 124 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد