الأحد، ٨ مارس ٢٠٢٦
الأحد، ٨ مارس ٢٠٢٦
facebookinstagramtwitter

عرض بالصفحات

Basmala
سُورَةُ النِّسَاءِ
وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا  ٩٢وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا  ٩٣يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا  ٩٤
تفسير سُورَةُ النِّسَاءِ
وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا  ٩٢
التفسير الميسرولا يحق لمؤمن الاعتداء على أخيه المؤمن وقتله بغير حق، إلا أن يقع منه ذلك على وجه الخطأ الذي لا عمد فيه، ومن وقع منه ذلك الخطأ فعليه عتق رقبة مؤمنة، وتسليم دية مقدرة إلى أوليائه، إلا أن يتصدقوا بها عليه ويعفوا عنه. فإن كان المقتول من قوم كفار أعداء للمؤمنين، وهو مؤمن بالله تعالى، وبما أنزل من الحق على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى قاتله عتق رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم عهد وميثاق، فعلى قاتله دية تسلم إلى أوليائه وعتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد القدرة على عتق رقبة مؤمنة، فعليه صيام شهرين متتابعين؛ ليتوب الله تعالى عليه. وكان الله تعالى عليما بحقيقة شأن عباده، حكيمًا فيما شرعه لهم.
تفسير السعديهذه الصيغة من صيغ الامتناع، أي: يمتنع ويستحيل أن يصدر من مؤمن قتل مؤمن، أي: متعمدا، وفي هذا الإخبارُ بشدة تحريمه وأنه مناف للإيمان أشد منافاة، وإنما يصدر ذلك إما من كافر، أو من فاسق قد نقص إيمانه نقصا عظيما، ويخشى عليه ما هو أكبر من ذلك، فإن الإيمان الصحيح يمنع المؤمن من قتل أخيه الذي قد عقد الله بينه وبينه الأخوة الإيمانية التي من مقتضاها محبته وموالاته، وإزالة ما يعرض لأخيه من الأذى، وأي أذى أشد من القتل؟ وهذا يصدقه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" فعلم أن القتل من الكفر العملي وأكبر الكبائر بعد الشرك بالله. ولما كان قوله: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا لفظا عاما لجميع الأحوال، وأنه لا يصدر منه قتل أخيه بوجه من الوجوه، استثنى تعالى قتل الخطأ فقال: إِلَّا خَطَأً فإن المخطئ الذي لا يقصد القتل غير آثم، ولا مجترئ على محارم الله، ولكنه لما كان قد فعل فعلاً شنيعًا وصورته كافية في قبحه وإن لم يقصده أمر تعالى بالكفارة والدية فقال: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً سواء كان القاتل ذكرًا أو أنثى حرًّا أو عبدًا، صغيرًا أو كبيرًا، عاقلاً أو مجنونًا، مسلمًا أو كافرًا، كما يفيده لفظ "مَنْ" الدالة على العموم وهذا من أسرار الإتيان ب "مَنْ" في هذا الموضع، فإن سياق الكلام يقتضي أن يقول: فإن قتله، ولكن هذا لفظ لا يشمل ما تشمله "مَنْ" وسواء كان المقتول ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، كما يفيده التنكير في سياق الشرط، فإن على القاتل تحرير رقبة مؤمنة كفارة لذلك، تكون في ماله، ويشمل ذلك الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والصحيح والمعيب، في قول بعض العلماء. ولكن الحكمة تقتضي أن لا يجزئ عتق المعيب في الكفارة؛ لأن المقصود بالعتق نفع العتيق، وملكه منافع نفسه، فإذا كان يضيع بعتقه، وبقاؤه في الرق أنفع له فإنه لا يجزئ عتقه، مع أن في قوله: تحرير رقبة ما يدل على ذلك؛ فإن التحرير: تخليص من استحقت منافعه لغيره أن تكون له، فإذا لم يكن فيه منافع لم يتصور وجود التحرير. فتأمل ذلك فإنه واضح. وأما الدية فإنها تجب على عاقلة القاتل في الخطأ وشبه العمد. مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ جبرًا لقلوبهم، والمراد بأهله هنا هم ورثته، فإن الورثة يرثون ما ترك، الميت، فالدية داخلة فيما ترك وللدية تفاصيل كثيرة مذكورة في كتب الفقه. وقوله: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا أي: يتصدق ورثة القتيل بالعفو عن الدية، فإنها تسقط، وفي ذلك حث لهم على العفو لأن الله سماها صدقة، والصدقة مطلوبة في كل وقت. فَإِنْ كَانَ المقتول مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ أي: من كفار حربيين وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي: وليس عليكم لأهله دية، لعدم احترامهم في دمائهم وأموالهم. وَإِنْ كَانَ المقتول مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وذلك لاحترام أهله بما لهم من العهد والميثاق. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الرقبة ولا ثمنها، بأن كان معسرا بذلك، ليس عنده ما يفضل عن مؤنته وحوائجه الأصلية شيء يفي بالرقبة، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أي: لا يفطر بينهما من غير عذر، فإن أفطر لعذر فإن العذر لا يقطع التتابع، كالمرض والحيض ونحوهما. وإن كان لغير عذر انقطع التتابع ووجب عليه استئناف الصوم. تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ أي: هذه الكفارات التي أوجبها الله على القاتل توبة من الله على عباده ورحمة بهم، وتكفير لما عساه أن يحصل منهم من تقصير وعدم احتراز، كما هو واقع كثيرًا للقاتل خطأ. وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا أي: كامل العلم كامل الحكمة، لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، في أي وقت كان وأي محل كان. ولا يخرج عن حكمته من المخلوقات والشرائع شيء، بل كل ما خلقه وشرعه فهو متضمن لغاية الحكمة، ومن علمه وحكمته أن أوجب على القاتل كفارة مناسبة لما صدر منه، فإنه تسبب لإعدام نفس محترمة، وأخرجها من الوجود إلى العدم، فناسب أن يعتق رقبة ويخرجها من رق العبودية للخلق إلى الحرية التامة، فإن لم يجد هذه الرقبة صام شهرين متتابعين، فأخرج نفسه من رق الشهوات واللذات الحسية القاطعة للعبد عن سعادته الأبدية إلى التعبد لله تعالى بتركها تقربا إلى الله. ومدها تعالى بهذه المدة الكثيرة الشاقة في عددها ووجوب التتابع فيها، ولم يشرع الإطعام في هذا الموضع لعدم المناسبة. بخلاف الظهار، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ومن حكمته أن أوجب في القتل الدية ولو كان خطأ، لتكون رادعة وكافة عن كثير من القتل باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك. ومن حكمته أن وجبت على العاقلة في قتل الخطأ، بإجماع العلماء، لكون القاتل لم يذنب فيشق عليه أن يحمل هذه الدية الباهظة، فناسب أن يقوم بذلك من بينه وبينهم المعاونة والمناصرة والمساعدة على تحصيل المصالح وكف المفاسد [ولعل ذلك من أسباب منعهم لمن يعقلون عنه من القتل حذرًا من تحميلهم] ويخف عنهم بسبب توزيعه عليهم بقدر أحوالهم وطاقتهم، وخففت أيضا بتأجيلها عليهم ثلاث سنين. ومن حكمته وعلمه أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم، بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل.
تفسير ابن كثيريقول تعالى : ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه ، كما ثبت في الصحيحين ، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " .ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث ، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله ، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه .وقوله : ( إلا خطأ ) قالوا : هو استثناء منقطع ، كقول الشاعرمن البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ على الأرض إلا ريط برد مرحل.ولهذا شواهد كثيرة .واختلف في سبب نزول هذه [ الآية ] فقال مجاهد وغير واحد : نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه - وهي أسماء بنت مخربة - وذلك أنه قتل رجلا كان يعذبه مع أخيه على الإسلام ، وهو الحارث بن يزيد العامري ، فأضمر له عياش السوء ، فأسلم ذلك الرجل وهاجر ، وعياش لا يشعر ، فلما كان يوم الفتح رآه ، فظن أنه على دينه ، فحمل عليه فقتله . فأنزل الله هذه الآية .وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : نزلت في أبي الدرداء ; لأنه قتل رجلا وقد قال كلمة الإسلام حين رفع السيف ، فأهوى به إليه ، فقال كلمته ، فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما قالها متعوذا . فقال له : " هل شققت عن قلبه " [ وهذه القصة في الصحيح لغير أبي الدرداء ] .وقوله : ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله [ إلا أن يصدقوا ] ) هذان واجبان في قتل الخطأ ، أحدهما : الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم ، وإن كان خطأ ، ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة فلا تجزئ الكفارة .وحكى ابن جرير ، عن ابن عباس والشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري أنهم قالوا : لا يجزئ الصغير حتى يكون قاصدا للإيمان . وروي من طريق عبد الرزاق عن معمر ، عن قتادة قال : في : ( فتحرير رقبة مؤمنة ) لا يجزئ فيها صبي .واختار ابن جرير إن كان مولودا بين أبوين مسلمين أجزأ ، وإلا فلا . والذي عليه الجمهور : أنه متى كان مسلما صح عتقه عن الكفارة ، سواء كان صغيرا أو كبيرا .وقال الإمام أحمد : أنبأنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عبد الله بن عبد الله ، عن رجل من الأنصار ; أنه جاء بأمة سوداء ، فقال : يا رسول الله ، إن علي رقبة مؤمنة ، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها . فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أن لا إله إلا الله ؟ " قالت : نعم . قال : " أني رسول الله ؟ " قالت نعم . قال : " بالبعث بعد الموت ؟ " قالت : نعم ، قال : " أعتقها " .وهذا إسناد صحيح ، وجهالة الصحابي لا تضر .وفي موطأ [ الإمام ] مالك ومسندي الشافعي وأحمد ، وصحيح مسلم ، وسنن أبي داود والنسائي ، من طريق هلال بن أبي ميمونة ، عن عطاء بن يسار ، عن معاوية بن الحكم أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أين الله ؟ " قالت : في السماء . قال : " من أنا " قالت : أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أعتقها فإنها مؤمنة " .وقوله : ( ودية مسلمة إلى أهله ) هو الواجب الثاني فيما بين القاتل وأهل القتيل ، عوضا لهم عما فاتهم من قريبهم . وهذه الدية إنما تجب أخماسا ، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن ، من حديث الحجاج بن أرطأة ، عن زيد بن جبير ، عن خشف بن مالك ، عن ابن مسعود قال : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ عشرين بنت مخاض ، وعشرين بني مخاض ذكورا ، وعشرين بنت لبون ، وعشرين جذعة وعشرين حقة .لفظ النسائي ، وقال الترمذي : لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه ، وقد روي عن عبد الله موقوفا .وكذا روي عن [ علي و ] طائفة .وقيل : تجب أرباعا . وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل ، لا في ماله ، قال الشافعي ، رحمه الله : لم أعلم مخالفا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة ، وهو أكثر من حديث الخاصة وهذا الذي أشار إليه ، رحمه الله ، قد ثبت في غير ما حديث ، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال : اقتتلت امرأتان من هذيل ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها ، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمة ، وقضى بدية المرأة على عاقلتها .وهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ حكم الخطأ المحض في وجوب الدية ، لكن هذا تجب فيه الدية أثلاثا كالعمد ، لشبهه به .وفي صحيح البخاري ، عن عبد الله بن عمر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ، فدعاهم إلى الإسلام ، فلم يحسنوا أن يقولوا : أسلمنا . فجعلوا يقولون : صبأنا صبأنا . فجعل خالد يقتلهم ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع يديه وقال : " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد " . وبعث عليا فودى قتلاهم وما أتلف من أموالهم ، حتى ميلغة الكلب .وهذا [ الحديث ] يؤخذ منه أن خطأ الإمام أو نائبه يكون في بيت المال .وقوله : ( إلا أن يصدقوا ) أي : فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدقوا بها فلا تجب .وقوله : ( فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) أي : إذا كان القتيل مؤمنا ، ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب ، فلا دية لهم ، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير .وقوله : ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق [ فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ] ) الآية ، أي : فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة ، فلهم دية قتيلهم ، فإن كان مؤمنا فدية كاملة ، وكذا إن كان كافرا أيضا عند طائفة من العلماء . وقيل : يجب في الكافر نصف دية المسلم ، وقيل : ثلثها ، كما هو مفصل في [ كتاب الأحكام ] ويجب أيضا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة .( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ) أي : لا إفطار بينهما ، بل يسرد صومهما إلى آخرهما ، فإن أفطر من غير عذر ، من مرض أو حيض أو نفاس ، استأنف . واختلفوا في السفر : هل يقطع أم لا ؟ على قولين .وقوله : ( توبة من الله وكان الله عليما حكيما ) أي : هذه توبة القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين .واختلفوا فيمن لا يستطيع الصيام : هل يجب عليه إطعام ستين مسكينا ، كما في كفارة الظهار ؟ على قولين ; أحدهما : نعم . كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار ، وإنما لم يذكر هاهنا ; لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير ، فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل والترخيص . القول الثاني : لا يعدل إلى الإطعام ; لأنه لو كان واجبا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة .( وكان الله عليما حكيما ) قد تقدم تفسيره غير مرة .
تفسير القرطبيوما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيمافيه عشرون مسألة :قوله تعالى : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ هذه آية من أمهات الأحكام . والمعنى ما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ؛ فقوله : " وما كان " ليس على النفي وإنما هو على التحريم والنهي ، كقوله : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولو كانت على النفي لما وجد مؤمن قتل مؤمنا قط ؛ لأن ما نفاه الله فلا يجوز وجوده ، كقوله تعالى : ما كان لكم أن تنبتوا شجرها . فلا يقدر العباد أن ينبتوا شجرها أبدا . وقال قتادة : المعنى ما كان له ذلك في عهد الله . وقيل : ما كان له ذلك فيما سلف ، كما ليس له الآن ذلك بوجه ، ثم استثنى استثناء منقطعا ليس من الأول وهو الذي يكون فيه " إلا " بمعنى " لكن " والتقدير ما كان له أن يقتله ألبتة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا ؛ هذا قول سيبويه والزجاج رحمهما الله . ومن الاستثناء المنقطع قوله تعالى : ما لهم به من علم إلا اتباع الظن : وقال النابغة :وقفت فيها أصيلانا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا الأواري لأيا ما أبينهاوالنؤي كالحوض بالمظلومة الجلدفلما لم تكن " الأواري " من جنس أحد حقيقة لم تدخل في لفظه . ومثله قول الآخر أبو خراش الهذلي :أمسى سقام خلاء لا أنيس به إلا السباع ومر الريح بالغرفوقال آخر :وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيسوقال آخر :وبعض الرجال نخلة لا جنى لها ولا ظل إلا أن تعد من النخلأنشده سيبويه ؛ ومثله كثير ، ومن أبدعه قول جرير :من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ على الأرض إلا ذيل مرط مرحلكأنه قال : لم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد . ونزلت الآية بسبب قتل عياش بن أبي ربيعة الحارث بن يزيد بن أبي أنيسة العامري لحنة كانت بينهما ، فلما هاجر الحارث مسلما لقيه عياش فقتله ولم يشعر بإسلامه ، فلما أخبر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إنه قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت ، ولم أشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت الآية . وقيل : هو استثناء متصل ، أي وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ولا يقتص منه إلا أن يكون خطأ ؛ فلا يقتص منه ؛ ولكن فيه كذا وكذا . ووجه آخر وهو أن يقدر كان بمعنى استقر ووجد ؛ كأنه قال : وما وجد وما تقرر وما ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إذ هو مغلوب فيه أحيانا ؛ فيجيء الاستثناء على هذين التأويلين غير منقطع . وتتضمن الآية على هذا إعظام العمد وبشاعة شأنه ؛ كما تقول : ما كان لك يا فلان أن تتكلم بهذا إلا ناسيا ؟ إعظاما للعمد والقصد مع حظر الكلام به ألبتة .وقيل : المعنى ولا خطأ . قال النحاس : ولا يجوز أن تكون إلا بمعنى الواو ، ولا يعرف ذلك في كلام العرب ولا يصح في المعنى ؛ لأن الخطأ لا يحظر . ولا يفهم من دليل خطابه جواز قتل الكافر المسلم فإن المسلم محترم الدم ، وإنما خص المؤمن بالذكر تأكيدا لحنانه وأخوته وشفقته وعقيدته . وقرأ الأعمش " خطاء " ممدودا في المواضع الثلاثة . ووجوه الخطأ كثيرة لا تحصى يربطها عدم القصد ؛ مثل أن يرمي صفوف المشركين فيصيب مسلما . أو يسعى بين يديه من يستحق القتل من زان أو محارب أو مرتد فطلبه ليقتله فلقي غيره فظنه هو فقتله فذلك خطأ . أو يرمي إلى غرض فيصيب إنسانا أو ما جرى مجراه ؛ وهذا مما لا خلاف فيه . والخطأ اسم من أخطأ خطأ وإخطاء إذا لم يصنع عن تعمد ؛ فالخطأ الاسم يقوم مقام الإخطاء . ويقال لمن أراد شيئا ففعل غيره : أخطأ ، ولمن فعل غير الصواب : أخطأ . قال ابن المنذر : قال الله تبارك وتعالى : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إلى قوله تعالى : ودية مسلمة إلى أهله فحكم الله جل ثناؤه في المؤمن يقتل خطأ بالدية ، وثبتت السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وأجمع أهل العلم على القول به .الثانية : ذهب داود إلى القصاص بين الحر والعبد في النفس ، وفي كل ما يستطاع القصاص فيه من الأعضاء ؛ تمسكا بقوله تعالى : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس إلى قوله تعالى : والجروح قصاص ، وقوله عليه السلام : المسلمون تتكافأ دماؤهم فلم يفرق بين حر وعبد ؛ وهو قول ابن أبي ليلى . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا قصاص بين الأحرار والعبيد إلا في النفس فيقتل الحر بالعبد ، كما يقتل العبد بالحر ، ولا قصاص بينهما في شيء من الجراح والأعضاء . وأجمع العلماء على أن قوله تعالى : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ أنه لم يدخل فيه العبيد ، وإنما أريد به الأحرار دون العبيد ؛ فكذلك قوله عليه السلام : المسلمون تتكافأ دماؤهم أريد به الأحرار خاصة . والجمهور على ذلك وإذا لم يكن قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفس فالنفس أحرى بذلك ؛ وقد مضى هذا في " البقرة " .الثالثة : ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة أي فعليه تحرير رقبة ؛ هذه الكفارة التي أوجبها الله تعالى في كفارة القتل والظهار أيضا على ما يأتي . واختلف العلماء فيما يجزئ منها ، فقال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وغيرهم : الرقبة المؤمنة هي التي صلت وعقلت الإيمان ، لا تجزئ في ذلك الصغيرة ، وهو الصحيح في هذا الباب قال عطاء بن أبي رباح : يجزئ الصغير المولود بين مسلمين . وقال جماعة منهم مالك والشافعي : يجزئ كل من حكم له بحكم في الصلاة عليه إن مات ودفنه . وقال مالك : من صلى وصام أحب إلي . ولا يجزئ في قول كافة العلماء أعمى ولا مقعد ولا مقطوع اليدين أو الرجلين ولا أشلهما ، ويجزئ عند أكثرهم الأعرج والأعور . قال مالك : إلا أن يكون عرجا شديدا . ولا يجزئ عند مالك والشافعي وأكثر العلماء أقطع إحدى اليدين أو إحدى الرجلين ، ويجزئ عند أبي حنيفة وأصحابه . ولا يجزئ عند أكثرهم المجنون المطبق ولا يجزئ عند مالك الذي يجن ويفيق ، ويجزئ عند الشافعي . ولا يجزئ عند مالك المعتق إلى سنين ، ويجزئ عند الشافعي . ولا يجزئ المدبر عند مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي ، ويجزئ في قول الشافعي وأبي ثور ، واختاره ابن المنذر . وقال مالك : لا يصح من أعتق بعضه ؛ لقوله تعالى : فتحرير رقبة . ومن أعتق البعض لا يقال حرر رقبة وإنما حرر بعضها . واختلفوا أيضا في معناها فقيل : أوجبت تمحيصا وطهورا لذنب القاتل ، وذنبه ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم . وقيل : أوجبت بدلا من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل ، فإنه كان له في نفسه حق وهو التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل له تصرف الأحياء . وكان لله سبحانه فيه حق ، وهو أنه كان عبدا من عباده يجب له من أمر العبودية صغيرا كان أو كبيرا حرا كان أو عبدا مسلما كان أو ذميا ما يتميز به عن البهائم والدواب ، ويرتجى مع ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه ، فلم يخل قاتله من أن يكون فوت منه الاسم الذي ذكرنا ، والمعنى الذي وصفنا ، فلذلك ضمن الكفارة . وأي واحد من هذين المعنيين كان ، ففيه بيان أن النص وإن وقع على القاتل خطأ فالقاتل عمدا مثله ، بل أولى بوجوب الكفارة عليه منه ، على ما يأتي بيانه ، والله أعلم .الرابعة : قوله تعالى : ودية مسلمة الدية ما يعطى عوضا عن دم القتيل إلى وليه . مسلمة مدفوعة مؤداة ، ولم يعين الله في كتابه ما يعطى في الدية ، وإنما في الآية إيجاب الدية مطلقا ، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على القاتل ، وإنما أخذ ذلك من السنة ، ولا شك أن إيجاب المواساة على العاقلة خلاف قياس الأصول في الغرامات وضمان المتلفات ، والذي وجب على العاقلة لم يجب تغليظا ، ولا أن وزر القاتل عليهم ولكنه مواساة محضة .واعتقد أبو حنيفة أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل ديوانه . وثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدية مائة من الإبل ، ووداها صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن سهل المقتول بخيبر لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن ، فكان ذلك بيانا على لسان نبيه عليه السلام لمجمل كتابه . وأجمع أهل العلم على أن على أهل الإبل مائة من الإبل واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل ؛ فقالت طائفة : على أهل الذهب ألف دينار ، وهم أهل الشام ومصر والمغرب ؛ هذا قول مالك وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه ، في القديم . وروي هذا عن عمر وعروة بن الزبير وقتادة . وأما أهل الورق فاثنا عشر ألف درهم ، وهم أهل العراق وفارس وخراسان ؛ هذا مذهب مالك على ما بلغه عن عمر أنه قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم . وقال المزني : قال الشافعي الدية الإبل ؛ فإن أعوزت فقيمتها بالدراهم والدنانير على ما قومها عمر ألف دينار على أهل الذهب واثنا عشر ألف درهم على أهل الورق . وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري : الدية من الورق عشرة آلاف درهم . رواه الشعبي عن عبيدة عن عمر أنه جعل الدية على أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الشاء ألف شاة ، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل ، وعلى أهل الحلل مائتي حلة . قال أبو عمر : في هذا الحديث ما يدل على أن الدنانير والدراهم صنف من أصناف الدية لا على وجه البدل والقيمة ؛ وهو الظاهر من الحديث عن عثمان وعلي وابن عباس . وخالف أبو حنيفة ما رواه عن عمر في البقر والشاء والحلل . وبه قال عطاء وطاوس وطائفة من التابعين ، وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين . قال ابن المنذر : وقالت طائفة : دية الحر المسلم مائة من الإبل لا دية غيرها كما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم . هذا قول الشافعي وبه قال طاوس . قال ابن المنذر : دية الحر المسلم مائة من الإبل في كل زمان ، كما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم . واختلفت الروايات عن عمر رضي الله عنه في أعداد الدراهم وما منها شيء يصح عنه لأنها مراسيل ، وقد عرفتك مذهب الشافعي وبه نقول .الخامسة : واختلف الفقهاء في أسنان دية الإبل ؛ فروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل : ثلاثون بنت مخاض ، وثلاثون بنت لبون ، وثلاثون حقة ، وعشر بني لبون . قال الخطابي : هذا الحديث لا أعرف أحدا قال به من الفقهاء ، وإنما قال أكثر العلماء : دية الخطأ أخماس . كذا قال أصحاب الرأي والثوري ، وكذلك مالك وابن سيرين وأحمد بن حنبل إلا أنهم اختلفوا في الأصناف ؛ قال أصحاب الرأي وأحمد : خمس بنو مخاض ، وخمس بنات مخاض ، وخمس بنات لبون ، وخمس حقاق ، وخمس جذاع . وروي هذا القول عن ابن مسعود . وقال مالك والشافعي : خمس حقاق ، وخمس جذاع ، وخمس بنات لبون ، وخمس بنات مخاض ، وخمس بنو لبون . وحكي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والزهري وربيعة والليث بن سعد . قال الخطابي : ولأصحاب الرأي فيه أثر ، إلا أن راويه عبد الله بن خشف بن مالك وهو مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث . وعدل الشافعي عن القول به . لما ذكرنا من العلة في راويه ، ولأن فيه بني مخاض ولا مدخل لبني مخاض في شيء من أسنان الصدقات . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة القسامة أنه ودى قتيل خيبر مائة من إبل الصدقة وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض . قال أبو عمر : وقد روى زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الدية في الخطأ أخماسا ، إلا أن هذا لم يرفعه إلا خشف بن مالك الكوفي الطائي وهو مجهول ؛ لأنه لم يروه عنه إلا زيد بن جبير بن حرمل الطائي الجشمي من بني جشم بن معاوية أحد ثقات الكوفيين .قلت : قد ذكر الدارقطني في سننه حديث خشف بن مالك من رواية حجاج بن أرطأة عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود قال : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ مائة من الإبل ؛ منها عشرون حقة ، وعشرون جذعة ، وعشرون بنات لبون ، وعشرون بنات مخاض ، وعشرون بني مخاض . قال الدارقطني : " هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عدة ؛ أحدها أنه مخالف لما رواه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه بالسند الصحيح عنه ، الذي لا مطعن فيه ولا تأويل عليه ، وأبو عبيدة أعلم بحديث أبيه وبمذهبه وفتياه من خشف بن مالك ونظرائه ، وعبد الله بن مسعود أتقى لربه وأشح على دينه من أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقضي بقضاء ويفتي هو بخلافه ؛ هذا لا يتوهم مثله على عبد الله بن مسعود وهو القائل في مسألة وردت عليه لم يسمع فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ولم يبلغه عنه فيها قول : أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله ورسوله ، وإن يكن خطأ فمني ؛ ثم بلغه بعد ذلك أن فتياه فيها وافق قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثلها ، فرآه أصحابه عند ذلك فرح فرحا شديدا لم يروه فرح مثله ، لموافقة فتياه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم . فمن كانت هذه صفته وهذا حاله فكيف يصح عنه أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ويخالفه .ووجه آخر : وهو أن الخبر المرفوع الذي فيه ذكر بني المخاض لا نعلمه رواه إلا خشف بن مالك عن ابن مسعود وهو رجل مجهول لم يروه عنه إلا زيد بن جبير بن حرمل الجشمي وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف ، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه عدلا مشهورا ، أو رجلا قد ارتفع عنه اسم الجهالة ، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعدا ؛ فإذا كانت هذه صفته ارتفع عنه حينئذ اسم الجهالة ، وصار حينئذ معروفا . فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد وانفرد بخبر وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه عليه غيره . والله أعلم .ووجه آخر : وهو أن حديث خشف بن مالك لا نعلم أحدا رواه عن زيد بن جبير عنه إلا الحجاج بن أرطأة ، والحجاج رجل مشهور بالتدليس وبأنه يحدث عمن لم يلقه ولم يسمع منه ؛ وترك الرواية عنه سفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وعيسى بن يونس بعد أن جالسوه وخبروه ، وكفاك بهم علما بالرجل ونبلا . وقال يحيى بن معين : حجاج بن أرطأة لا يحتج بحديثه . وقال عبد الله بن إدريس : سمعت الحجاج يقول لا ينبل الرجل حتى يدع الصلاة في الجماعة . وقال عيسى بن يونس : سمعت الحجاج يقول : أخرج إلى الصلاة يزاحمني الحمالون والبقالون . وقال جرير : سمعت الحجاج يقول : أهلكني حب المال والشرف . وذكر أوجها أخر ؛ منها أن جماعة من الثقات رووا هذا الحديث عن الحجاج بن أرطأة فاختلفوا عليه فيه . إلى غير ذلك مما يطول ذكره ؛ وفيما ذكرناه مما ذكروه كفاية ودلالة على ضعف ما ذهب إليه الكوفيون في الدية ، وإن كان ابن المنذر مع جلالته قد اختاره على ما يأتي . وروى حماد بن سلمة حدثنا سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أبي عبيدة أن ابن مسعود قال : دية الخطأ خمسة أخماس : عشرون حقة ، وعشرون جذعة ، وعشرون بنات مخاض ، وعشرون بنات لبون ، وعشرون بني لبون ذكور . قال الدارقطني : هذا إسناد حسن ورواته ثقات ، وقد روي عن علقمة عن عبد الله نحو هذا .قلت : وهذا هو مذهب مالك والشافعي أن الدية تكون مخمسة . قال الخطابي : وقد روي عن نفر من العلماء أنهم قالوا دية الخطأ أرباع ؛ وهم الشعبي والنخعي والحسن البصري ، وإليه ذهب إسحاق بن راهويه ؛ إلا أنهم قالوا : خمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون بنات مخاض . وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب . قال أبو عمر : أما قول مالك والشافعي فروي عن سليمان بن يسار وليس فيه عن صحابي شيء ؛ ولكن عليه عمل أهل المدينة . وكذلك حكى ابن جريج عن ابن شهاب .قلت : قد ذكرنا عن ابن مسعود ما يوافق ما صار إليه مالك والشافعي . قال أبو عمر : وأسنان الإبل في الديات لم تؤخذ قياسا ولا نظرا ، وإنما أخذت اتباعا وتسليما ، وما أخذ من جهة الأثر فلا مدخل فيه للنظر ؛ فكل يقول بما قد صح عنده من سلفه ؛ رضي الله عنهم أجمعين .قلت : وأما ما حكاه الخطابي من أنه لا يعلم من قال بحديث عمرو بن شعيب فقد حكاه ابن المنذر عن طاوس ومجاهد ، إلا أن مجاهدا جعل مكان بنت مخاض ثلاثين جذعة . قال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول . يريد قول عبد الله وأصحاب الرأي الذي ضعفه الدارقطني والخطابي ، وابن عبد البر قال : لأنه الأقل مما قيل ؛ وبحديث مرفوع رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم يوافق هذا القول .قلت : وعجبا لابن المنذر ؟ مع نقده واجتهاده كيف قال بحديث لم يوافقه أهل النقد على صحته ! لكن الذهول والنسيان قد يعتري الإنسان ، وإنما الكمال لعزة ذي الجلال .السادسة : ثبتت الأخبار عن النبي المختار محمد صلى الله عليه وسلم أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة ، وأجمع أهل العلم على القول به . وفي إجماع أهل العلم أن الدية في الخطأ على العاقلة دليل على أن المراد من قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي رمثة حيث دخل عليه ومعه ابنه : إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه العمد دون الخطأ . وأجمعوا على أن ما زاد على ثلث الدية على العاقلة . واختلفوا في الثلث ؛ والذي عليه جمهور العلماء أن العاقلة لا تحمل عمدا ولا اعترافا ولا صلحا ، ولا تحمل من دية الخطأ إلا ما جاوز الثلث وما دون الثلث في مال الجاني . وقالت طائفة : عقل الخطأ على عاقلة الجاني ، قلت الجناية أو كثرت ؛ لأن من غرم الأكثر غرم الأقل . كما عقل العمد في مال الجاني قل أو كثر ؛ هذا قول الشافعي .السابعة : وحكمها أن تكون منجمة على العاقلة ، والعاقلة العصبة . وليس ولد المرأة إذا كان من غير عصبتها من العاقلة . ولا الإخوة من الأم بعصبة لإخوتهم من الأب والأم ، فلا يعقلون عنهم شيئا . وكذلك الديوان لا يكون عاقلة في قول جمهور أهل الحجاز . وقال الكوفيون : يكون عاقلة إن كان من أهل الديوان ؛ فتنجم الدية على العاقلة في ثلاثة أعوام على ما قضاه عمر وعلي ؛ لأن الإبل قد تكون حوامل فتضر به . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيها دفعة واحدة لأغراض ؛ منها أنه كان يعطيها صلحا وتسديدا . ومنها أنه كان يعجلها تأليفا . فلما تمهد الإسلام قدرتها الصحابة على هذا النظام ؛ قاله ابن العربي . وقال أبو عمر : أجمع العلماء قديما وحديثا أن الدية على العاقلة لا تكون إلا في ثلاث سنين ولا تكون في أقل منها . وأجمعوا على أنها على البالغين من الرجال . وأجمع أهل السير والعلم أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام ، وكانوا يتعاقلون بالنصرة ؛ ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك حتى جعل الديوان . واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به . وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا زمن أبي بكر ديوان ، وأن عمر جعل الديوان وجمع بين الناس ، وجعل أهل كل ناحية يدا ، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو .الثامنة : قلت : ومما ينخرط في سلك هذا الباب ويدخل في نظامه قتل الجنين في بطن أمه ؛ وهو أن يضرب بطن أمه فتلقيه حيا ثم يموت ؛ فقال كافة العلماء : فيه الدية كاملة في الخطأ وفي العمد بعد القسامة . وقيل : بغير قسامة . واختلفوا فيما به تعلم حياته بعد اتفاقهم على أنه إذا استهل صارخا أو ارتضع أو تنفس نفسا محققة حي ، فيه الدية كاملة ؛ فإن تحرك فقال الشافعي وأبو حنيفة : الحركة تدل على حياته . وقال مالك : لا ، إلا أن يقارنها طول إقامة . والذكر والأنثى عند كافة العلماء في الحكم سواء . فإن ألقته ميتا ففيه غرة : عبد أو وليدة . فإن لم تلقه وماتت وهو في جوفها لم يخرج فلا شيء فيه . وهذا كله إجماع لا خلاف فيه . وروي عن الليث بن سعد وداود أنهما قالا في المرأة إذا ماتت من ضرب بطنها ثم خرج الجنين ميتا بعد موتها : ففيه الغرة ، وسواء رمته قبل موتها أو بعد موتها ؛ المعتبر حياة أمه في وقت ضربها لا غير . وقال سائر الفقهاء : لا شيء فيه إذا خرج ميتا من بطنها بعد موتها . قال الطحاوي محتجا لجماعة الفقهاء بأن قال : قد أجمعوا والليث معهم على أنه لو ضرب بطنها وهي حية فماتت والجنين في بطنها ولم يسقط أنه لا شيء فيه ؛ فكذلك إذا سقط بعد موتها .التاسعة : ولا تكون الغرة إلا بيضاء . قال أبو عمرو بن العلاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : في الجنين غرة عبد أو أمة - لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد بالغرة معنى لقال : في الجنين عبد أو أمة ، ولكنه عنى البياض ؛ فلا يقبل في الدية إلا غلام أبيض أو جارية بيضاء ، لا يقبل فيها أسود ولا سوداء . واختلف العلماء في قيمتها ؛ فقال مالك : تقوم بخمسين دينارا أو ستمائة درهم ؛ نصف عشر دية الحر المسلم ، وعشر دية أمه الحرة ؛ وهو قول ابن شهاب وربيعة وسائر أهل المدينة . وقال أصحاب الرأي : قيمتها خمسمائة درهم . وقال الشافعي : سن الغرة سبع سنين أو ثمان سنين ؛ وليس عليه أن يقبلها معيبة . ومقتضى مذهب مالك أنه مخير بين إعطاء غرة أو عشر دية الأم ، من الذهب عشرون دينارا إن كانوا أهل ذهب ، ومن الورق - إن كانوا أهل ورق - ستمائة درهم ، أو خمس فرائض من الإبل . قال مالك وأصحابه : هي في مال الجاني ؛ وهو قول الحسن بن حي . وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما ، هي على العاقلة . وهو أصح ؛ لحديث المغيرة بن شعبة أن امرأتين كانتا تحت رجلين من الأنصار - في رواية فتغايرتا - فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها ، فاختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجلان فقالا : ندي من لا صاح ولا أكل ، ولا شرب ولا استهل فمثل ذلك يطل ؟ ! فقال : أسجع كسجع الأعراب ؟ فقضى فيه غرة وجعلها على عاقلة المرأة . وهو حديث ثابت صحيح ، نص في موضع الخلاف يوجب الحكم . ولما كانت دية المرأة المضروبة على العاقلة كان الجنين كذلك في القياس والنظر . واحتج علماؤنا بقول الذي قضي عليه : كيف أغرم ؟ قالوا : وهذا يدل على أن الذي قضي عليه معين وهو الجاني . ولو أن دية الجنين قضى بها على العاقلة لقال : فقال الذي قضى عليهم . وفي القياس أن كل جان جنايته عليه ، إلا ما قام بخلافه الدليل الذي لا معارض له ؛ مثل إجماع لا يجوز خلافه ، أو نص سنة من جهة نقل الآحاد العدول لا معارض لها ، فيجب الحكم بها ، وقد قال الله تعالى : ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرىالعاشرة : ولا خلاف بين العلماء أن الجنين إذا خرج حيا فيه الكفارة مع الدية . واختلفوا في الكفارة إذا خرج ميتا ؛ قال مالك : فيه الغرة والكفارة . وقال أبو حنيفة والشافعي : فيه الغرة ولا كفارة . واختلفوا في ميراث الغرة عن الجنين ؛ فقال مالك والشافعي وأصحابهما : الغرة في الجنين موروثة عن الجنين على كتاب الله تعالى ؛ لأنها دية . وقال أبو حنيفة وأصحابه : الغرة للأم وحدها ؛ لأنها جناية جني عليها بقطع عضو من أعضائها وليست بدية . ومن الدليل على ذلك أنه لم يعتبر فيه الذكر والأنثى كما يلزم في الديات ، فدل على أن ذلك كالعضو . وكان ابن هرمز يقول : ديته لأبويه خاصة ؛ لأبيه ثلثاها ولأمه ثلثها ، من كان منهما حيا كان ذلك له ، فإن كان أحدهما قد مات كانت للباقي منهما أبا كان أو أما ، ولا يرث الإخوة شيئا .الحادية عشرة : قوله تعالى : إلا أن يصدقوا أصله " أن يتصدقوا " فأدغمت التاء في الصاد . والتصدق الإعطاء ؛ يعني إلا أن يبرئ الأولياء ورثة المقتول القاتلين مما أوجب لهم من الدية عليهم . فهو استثناء ليس من الأول . وقرأ أبو عبد الرحمن ونبيح " إلا أن تصدقوا " بتخفيف الصاد والتاء . وكذلك قرأ أبو عمرو ، إلا أنه شدد الصاد . ويجوز على هذه القراءة حذف التاء الثانية ، ولا يجوز حذفها على قراءة الياء . وفي حرف أبي وابن مسعود " إلا أن يتصدقوا " وأما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم ؛ لأنه أتلف شخصا في عبادة الله سبحانه ، فعليه أن يخلص آخر لعبادة ربه وإنما تسقط الدية التي هي حق لهم . وتجب الكفارة في مال الجاني ولا تتحمل .الثانية عشرة : قوله تعالى : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن هذه مسألة المؤمن يقتل في بلاد الكفار أو في حروبهم على أنه من الكفار . والمعنى عند ابن عباس وقتادة والسدي وعكرمة ومجاهد والنخعي : فإن كان هذا المقتول رجلا مؤمنا قد أمن وبقي في قومه وهم كفرة عدو لكم فلا دية فيه ؛ وإنما كفارته تحرير الرقبة . وهو المشهور من قول مالك ، وبه قال أبو حنيفة . وسقطت الدية لوجهين : أحدهما : أن أولياء القتيل كفار فلا يصح أن تدفع إليهم فيتقووا بها . والثاني : أن حرمة هذا الذي آمن ولم يهاجر قليلة ، فلا دية ؛ لقوله تعالى : والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا . وقالت طائفة : بل الوجه في سقوط الدية أن الأولياء كفار فقط ؛ فسواء كان القتل خطأ بين أظهر المسلمين أو بين قومه ولم يهاجر أو هاجر ثم رجع إلى قومه كفارته التحرير ولا دية فيه ، إذ لا يصح دفعها إلى الكفار ، ولو وجبت الدية لوجبت لبيت المال على بيت المال ؛ فلا تجب الدية في هذا الموضع وإن جرى القتل في بلاد الإسلام . هذا قول الشافعي وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو ثور . وعلى القول الأول إن قتل المؤمن في بلاد المسلمين وقومه حرب ففيه الدية لبيت المال والكفارة .قلت : ومن هذا الباب ما جاء في صحيح مسلم عن أسامة قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا فقال : لا إله إلا الله ؛ فطعنته فوقع في نفسي من ذلك ، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقال لا إله إلا الله وقتلته ! قال : قلت يا رسول الله ، إنما قالها خوفا من السلاح ؛ قال : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ؟ . فلم يحكم عليه صلى الله عليه وسلم بقصاص ولا دية . وروي عن أسامة أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي بعد ثلاث مرات ، وقال : أعتق رقبة ولم يحكم بقصاص ولا دية . فقال علماؤنا : أما سقوط القصاص فواضح إذ لم يكن القتل عدوانا ؛ وأما سقوط الدية فلأوجه ثلاثة :الأول : لأنه كان أذن له في أصل القتال فكان عنه إتلاف نفس محترمة غلطا كالخاتن والطبيب .الثاني : لكونه من العدو ولم يكن له ولي من المسلمين تكون له ديته ؛ لقوله تعالى : فإن كان من قوم عدو لكم كما ذكرنا .الثالث : أن أسامة اعترف بالقتل ولم تقم بذلك بينة ولا تعقل العاقلة اعترافا ، ولعل أسامة لم يكن له مال تكون فيه الدية . والله أعلم .الثالثة عشرة : قوله تعالى : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق هذا في الذمي والمعاهد يقتل خطأ فتجب الدية والكفارة ؛ قاله ابن عباس والشعبي والنخعي والشافعي . واختاره الطبري قال : إلا أن الله سبحانه وتعالى أبهمه ولم يقل وهو مؤمن ، كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب . وإطلاقه ما قيد قبل يدل على أنه خلافه . وقال الحسن وجابر بن زيد وإبراهيم أيضا : المعنى وإن كان المقتول خطأ مؤمنا من قوم معاهدين لكم فعهدهم يوجب أنهم أحق بدية صاحبهم ، فكفارته التحرير وأداء الدية . وقرأها الحسن : " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمن " . قال الحسن : إذا قتل المسلم الذمي فلا كفارة عليه . قال أبو عمر : وأما الآية فمعناها عند أهل الحجاز مردود على قوله : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ثم قال تعالى : وإن كان من قوم يريد ذلك المؤمن . والله أعلم . قال ابن العربي : والذي عندي أن الجملة محمولة حمل المطلق على المقيد .قلت : وهذا معنى ما قال الحسن وحكاه أبو عمر عن أهل الحجاز . وقوله فدية مسلمة على لفظ النكرة ليس يقتضي دية بعينها . وقيل : هذا في مشركي العرب الذين كان بينهم وبين النبي عليه السلام عهد على أن يسلموا أو يؤذنوا بحرب إلى أجل معلوم : فمن قتل منهم وجبت فيه الدية والكفارة ثم نسخ بقوله تعالى : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركينالرابعة عشرة : وأجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل ؛ قال أبو عمر : إنما صارت ديتها - والله أعلم - على النصف من دية الرجل من أجل أن لها نصف ميراث الرجل ، وشهادة امرأتين بشهادة رجل . وهذا إنما هو في دية الخطأ ، وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء لقوله عز وجل : النفس بالنفس . و الحر بالحر كما تقدم في " البقرة " .الخامسة عشرة : روى الدارقطني من حديث موسى بن علي بن رباح اللخمي قال : سمعت أبي يقول إن أعمى كان ينشد في الموسم في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقول :يا أيها الناس لقيت منكرا هل يعقل الأعمى الصحيح المبصراخرا معا كلاهما تكسراوذلك أن الأعمى كان يقوده بصير فوقعا في بئر ، فوقع الأعمى على البصير فمات البصير ؛ فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى . وقد اختلف العلماء في رجل يسقط على آخر فيموت أحدهما ؛ فروي عن ابن الزبير : يضمن الأعلى الأسفل ، ولا يضمن الأسفل الأعلى . وهذا قول شريح والنخعي وأحمد وإسحاق . وقال مالك في رجلين جر أحدهما صاحبه حتى سقطا وماتا : على عاقلة الذي جبذه الدية . قال أبو عمر : ما أظن في هذا خلافا - والله أعلم - إلا ما قال بعض المتأخرين من أصحابنا وأصحاب الشافعي : يضمن نصف الدية ؛ لأنه مات من فعله ، ومن سقوط الساقط عليه . وقال الحكم وابن شبرمة : إن سقط رجل على رجل من فوق بيت فمات أحدهما ، قالا : يضمن الحي منهما . وقال الشافعي في رجلين يصدم أحدهما الآخر فماتا ، قال : دية المصدوم على عاقلة الصادم ، ودية الصادم هدر . وقال في الفارسين إذا اصطدما فماتا : على كل واحد منهما نصف دية صاحبه ؛ لأن كل واحد منهما مات من فعل نفسه وفعل صاحبه ؛ وقال عثمان البتي وزفر . وقال مالك والأوزاعي والحسن بن حي وأبو حنيفة وأصحابه في الفارسين يصطدمان فيموتان : على كل واحد منهما دية الآخر على عاقلته . قال ابن خويز منداد : وكذلك عندنا السفينتان تصطدمان إذا لم يكن النوتي صرف السفينة ولا الفارس صرف الفرس . وروي عن مالك في السفينتين والفارسين . على كل واحد منهما الضمان لقيمة ما أتلف لصاحبه كاملا .السادسة عشرة : واختلف العلماء من هذا الباب في تفصيل دية أهل الكتاب ؛ فقال مالك وأصحابه : هي على النصف من دية المسلم ، ودية المجوسي ثمانمائة درهم ، ودية نسائهم على النصف من ذلك . روي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وعمرو بن شعيب وقال به أحمد بن حنبل . وهذا المعنى قد روى فيه سليمان بن بلال ، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية اليهودي والنصراني على النصف من دية المسلم . وعبد الرحمن هذا قد روى عنه الثوري أيضا . وقال ابن عباس والشعبي والنخعي : المقتول من أهل العهد خطأ لا تبالي مؤمنا كان أو كافرا على عهد قومه فيه الدية كدية المسلم ؛ وهو قول أبي حنيفة والثوري وعثمان البتي والحسن بن حي ؛ جعلوا الديات كلها سواء ، المسلم واليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد والذمي ، وهو قول عطاء والزهري وسعيد بن المسيب . وحجتهم قوله تعالى : فدية وذلك يقتضي الدية كاملة كدية المسلم . وعضدوا هذا بما رواه محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قصة بني قريظة والنضير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ديتهم سواء دية كاملة . قال أبو عمر : هذا حديث فيه لين وليس في مثله حجة . وقال الشافعي : دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم ، ودية المجوسي ثمانمائة درهم ؛ وحجته أن ذلك أقل ما قيل في ذلك ، والذمة بريئة إلا بيقين أو حجة . وروي هذا القول عن عمر وعثمان ، وبه قال ابن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وعمرو بن دينار وأبو ثور وإسحاق .السابعة عشرة : قوله تعالى : فمن لم يجد أي الرقبة ولا اتسع ماله لشرائها . فصيام شهرين أي فعليه صيام شهرين . متتابعين حتى لو أفطر يوما استأنف ؛ هذا قول الجمهور . وقال مكي عن الشعبي : إن صيام الشهرين يجزئ عن الدية والعتق لمن لم يجد . قال ابن عطية : وهذا القول وهم ؛ لأن الدية إنما هي على العاقلة وليست على القاتل . والطبري حكى هذا القول عن مسروق .الثامنة عشرة : والحيض لا يمنع التتابع من غير خلاف ، وإنها إذا طهرت ولم تؤخر وصلت باقي صيامها بما سلف منه ، لا شيء عليها غير ذلك إلا أن تكون طاهرا قبل الفجر فتترك صيام ذلك اليوم عالمة بطهرها ، فإن فعلت استأنفت عند جماعة من العلماء ؛ قاله أبو عمر . واختلفوا في المريض الذي قد صام من شهري التتابع بعضها على قولين ؛ فقال مالك : وليس لأحد وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كتاب الله تعالى أن يفطر إلا من عذر أو مرض أو حيض ، وليس له أن يسافر فيفطر . وممن قال يبني في المرض سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة وطاوس . وقال سعيد بن جبير والنخعي والحكم بن عيينة وعطاء الخراساني : يستأنف في المرض ؛ وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والحسن بن حي ؛ وأحد قولي الشافعي ؛ وله قول آخر : أنه يبني كما قال مالك . وقال ابن شبرمة : يقضي ذلك اليوم وحده إن كان عذر غالب ، كصوم رمضان . قال أبو عمر : حجة من قال يبني لأنه معذور في قطع التتابع لمرضه ولم يتعمد ، وقد تجاوز الله عن غير المتعمد . وحجة من قال يستأنف لأن التتابع فرض لا يسقط لعذر ، وإنما يسقط المأثم ؛ قياسا على الصلاة ؛ لأنها ركعات متتابعات فإذا قطعها عذرا استأنف ولم يبن .التاسعة عشرة : قوله تعالى : توبة من الله نصب على المصدر ، ومعناه رجوعا . وإنما مست حاجة المخطئ إلى التوبة لأنه لم يتحرز وكان من حقه أن يتحفظ . وقيل : أي فليأت بالصيام تخفيفا من الله تعالى عليه بقبول الصوم بدلا عن الرقبة ؛ ومنه قوله تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم أي خفف ، وقوله تعالى : علم أن لن تحصوه فتاب عليكم .الموفية عشرين : وكان الله أي في أزله وأبده . عليما بجميع المعلومات حكيما فيما حكم وأبرم .
تفسير الطبريوما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأالقول في تأويل قوله تعالى : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ يعني جل ثناؤه بقوله : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ وما أذن الله لمؤمن ولا أباح له أن يقتل مؤمنا . يقول : ما كان ذلك له فيما جعل له ربه وأذن له فيه من الأشياء البتة . كما : 7982 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ يقول : ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه من عهد الله الذي عهد إليه . وأما قوله : إلا خطأ فإنه يقول : إلا أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ , وليس له مما جعل له ربه فأباحه له . وهذا من الاستثناء الذي تسميه أهل العربية : الاستثناء المنقطع , كما قال جرير بن عطية : من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ على الأرض إلا ريط برد مرحل يعني : لم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد , وليس ذيلا لبرد من الأرض . وذكر أن هذه الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي , وكان قد قتل رجلا مسلما بعد إسلامه وهو لا يعلم بإسلامه . ذكر الآثار بذلك : 7983 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ قال : عياش بن أبي ربيعة قتل رجلا مؤمنا كان يعذبه مع أبي جهل , وهو أخوه لأمه , فاتبع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحسب أن ذلك الرجل كان كما هو وكان عياش هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا , فجاء أبو جهل وهو أخوه لأمه , فقال : إن أمك تناشدك رحمها وحقها أن ترجع إليها ! وهي أسماء ابنة مخرمة . فأقبل معه , فربطه أبو جهل حتى قدم مكة ; فلما رآه الكفار زادهم ذلك كفرا وافتتانا , وقالوا : إن أبا جهل ليقدر من محمد على ما يشاء ويأخذ أصحابه . * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد بنحوه , إلا أنه قال في حديثه : فاتبع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل وعياش يحسبه أنه كافر كما هو , وكان عياش هاجر إلى المدينة مؤمنا , فجاءه أبو جهل وهو أخوه لأمه , فقال : إن أمك تنشدك برحمها وحقها إلا رجعت إليها ! وقال أيضا : فيأخذ أصحابه فيربطهم . 7984 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد بنحوه . قال ابن جريج , عن عكرمة , قال : كان الحارث بن يزيد بن نبيشة من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل . ثم خرج الحارث بن يزيد مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف حتى سكت , وهو يحسب أنه كافر. ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره , ونزلت : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ . .. الآية , فقرأها عليه , ثم قال له : " قم فحرر " . 7985 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ قال : نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي , فكان أخا لأبي جهل بن هشام لأمه. وإنه أسلم وهاجر في المهاجرين الأولين قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم , فطلبه أبو جهل والحارث بن هشام ومعهما رجل من بني عامر بن لؤي , فأتوه بالمدينة , وكان عياش أحب إخوته إلى أمه , فكلموه وقالوا : إن أمك قد حلفت أن لا يظلها بيت حتى تراك وهي مضطجعة في الشمس , فأتها لتنظر إليك ثم ارجع ! وأعطوه موثقا من الله لا يحجزونه حتى يرجع إلى المدينة . فأعطاه بعض أصحابه بعيرا له نجيبا , وقال : إن خفت منهم شيئا فاقعد على النجيب. فلما أخرجوه من المدينة أخذوه فأوثقوه , وجلده العامري , فحلف ليقتلن العامري . فلم يزل محبوسا بمكة حتى خرج يوم الفتح , فاستقبله العامري وقد أسلم ولا يعلم عياش بإسلامه , فضربه فقتله , فأنزل الله : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ يقول : وهو لا يعلم أنه مؤمن , ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فيتركوا الدية. وقال آخرون : نزلت هذه الآية في أبي الدرداء . ذكر من قال ذلك : 7986 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ . .. الآية . قال : نزل هذا في رجل قتله أبو الدرداء كانوا في سرية , فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له , فوجد رجلا من القوم في غنم له , فحمل عليه بالسيف , فقال : لا إله إلا الله , قال : فضربه ثم جاء بغنمه إلى القوم . ثم وجد في نفسه شيئا , فأتى النبي صلى الله عليه وسلم , فذكر ذلك له , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا شققت عن قلبه ؟ " فقال : ما عسيت أجد ! هل هو يا رسول الله إلا دم أو ماء ؟ قال : " فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه " , قال : كيف بي يا رسول الله ؟ قال : " فكيف بلا إله إلا الله ؟ " قال : فكيف بي يا رسول الله ؟ قال : " فكيف بلا إله إلا الله " . حتى تمنيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي. قال : ونزل القرآن : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ . .. حتى بلغ : إلا أن يصدقوا قال : إلا أن يضعوها . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله عرف عباده بهذه الآية ما على من قتل مؤمنا خطأ من كفارة ودية . وجائز أن تكون الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة وقتيله , وفي أبي الدرداء وصاحبه . وأي ذلك كان فالذي عنى الله تعالى بالآية تعريف عباده ما ذكرنا , وقد عرف ذلك من عقل عنه من عباده تنزيله , وغير ضائرهم جهلهم بمن نزلت فيه.ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنةثم أخبر جل ثناؤه عباده بحكم من قتل من المؤمنين خطأ , فقال : ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة يقول : فعليه تحرير رقبة مؤمنة من ماله ودية مسلمة يؤديها عاقلته إلى أهله : إلا أن يصدقوا يقول : إلا أن يصدق أهل القتيل خطأ على من لزمته دية قتيلهم , فيعفوا عنه ويتجاوزوا عن ذنبه , فيسقط عنه . وموضع " أن " من قوله : إلا أن يصدقوا نصب , لأن معناه : فعليه ذلك إلا أن يصدقوا. وأما الرقبة المؤمنة فإن أهل العلم مختلفون في صفتها , فقال بعضهم : لا تكون الرقبة مؤمنة حتى تكون قد اختارت الإيمان بعد بلوغها وصلت وصامت , ولا يستحق الطفل هذه الصفة . ذكر من قال ذلك : 7987 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن أبي حيان , قال : سألت الشعبي عن قوله : فتحرير رقبة مؤمنة قال : قد صلت وعرفت الإيمان . 7988 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : فتحرير رقبة مؤمنة يعني بالمؤمنة : من عقل الإيمان وصام وصلى . 7989 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن الأعمش , عن إبراهيم , قال : ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة فلا يجزي إلا من صام وصلى , وما كان في القرآن من رقبة ليست مؤمنة , فالصبي يجزئ. 7990 - حدثت عن يزيد بن هارون , عن هشام بن حسان , عن الحسن , قال : كل شيء في كتاب الله فتحرير رقبة مؤمنة فمن صام وصلى وعقل , وإذا قال : " فتحرير رقبة " : فما شاء . 7991 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن الأعمش , عن إبراهيم قال : كل شيء في القرآن فتحرير رقبة مؤمنة فالذي قد صلى , وما لم تكن " مؤمنة " , فتحرير من لم يصل . 7992 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : فتحرير رقبة مؤمنة والرقبة المؤمنة عند قتادة : من قد صلى . وكان يكره أن يعتق في هذا الطفل الذي لم يصل ولم يبلغ ذلك. 7993 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي , قال : ثنا فضيل بن عياض , عن مغيرة , عن إبراهيم في قوله : فتحرير رقبة مؤمنة قال : إذا عقل دينه . 7994 - حدثنا المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الرزاق , عن معمر , عن قتادة , قال في : فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزئ فيها صبي. 7995 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : فتحرير رقبة مؤمنة يعنى بالمؤمنة : من قد عقل الإيمان وصام وصلى , فإن لم يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين , وعليه دية مسلمة إلى أهله , إلا أن يصدقوا بها عليه. وقال آخرون : إذا كان مولودا بين أبوين مسلمين فهو مؤمن وإن كان طفلا . ذكر من قال ذلك : 7996 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن ابن جريج , عن عطاء , قال : كل رقبة ولدت في الإسلام فهي تجزي . قال أبو جعفر : وأولى القولين بالصواب في ذلك , قول من قال : لا يجزئ في قتل الخطأ من الرقاب إلا من قد آمن وهو يعقل الإيمان من الرجال والنساء إذا كان ممن كان أبواه على ملة من الملل سوى الإسلام وولد يتيما وهو كذلك , ثم لم يسلما ولا واحد منهما حتى أعتق في كفارة الخطأ . وأما من ولد بين أبوين مسلمين فقد أجمع الجميع من أهل العلم أنه وإن لم يبلغ حد الاختيار والتمييز ولم يدرك الحلم فمحكوم له بحكم أهل الإيمان في الموارثة والصلاة عليه إن مات , وما يجب عليه إن جنى , ويجب له إن جني عليه , وفي المناكحة . فإذا كان ذلك من جميعهم إجماعا , فواجب أن يكون له من الحكم فيما يجزئ فيه من كفارة الخطأ إن أعتق فيها من حكم أهل الإيمان مثل الذي له من حكم الإيمان في سائر المعاني التي ذكرناها وغيرها. ومن أبى ذلك عكس عليه الأمر فيه , ثم سئل الفرق بين ذلك من أصل أو قياس , فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في غيره مثله .ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقواوأما الدية المسلمة إلى أهل القتيل فهي المدفوعة إليهم على ما وجب لهم موفرة غير منتقصة حقوق أهلهم منها . وذكر عن ابن عباس أنه كان يقول : هي الموفرة . 7997 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قال ابن عباس , قوله : ودية مسلمة إلى أهله قال : موفرة. وأما قوله : إلا أن يصدقوا فإنه يعني به : إلا أن يتصدقوا بالدية على القاتل أو على عاقلته ; فأدغمت التاء من قوله : " يتصدقوا " في الصاد فصارتا صادا . وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي : " إلا أن يتصدقوا " . 7998 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا بكر بن الشرود : في حرف أبي : إلا أن يتصدقوا .فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنةالقول في تأويل قوله : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة يعني جل ثناؤه بقوله : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فإن كان هذا القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم عدو لكم , يعني : من عداد قوم أعداء لكم في الدين مشركين , لم يأمنوكم الحرب على خلافكم على الإسلام , وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة يقول : فإذا قتل المسلم خطأ رجلا من عداد المشركين والمقتول مؤمن والقاتل يحسب أنه على كفره , فعليه تحرير رقبة مؤمنة . واختلف أهل التأويل في معنى ذلك , فقال بعضهم : معناه : وإن كان المقتول من قوم هم عدو لكم وهو مؤمن ; أي بين أظهركم لم يهاجر , فقتله مؤمن , فلا دية عليه وعليه تحرير رقبة مؤمنة . ذكر من قال ذلك : 7999 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن سفيان , عن سماك , عن عكرمة والمغيرة , عن إبراهيم في قوله : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن قال : هو الرجل يسلم في دار الحرب , فيقتل . قال : ليس فيه دية , وفيه الكفارة . 8000 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة في قوله : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن قال : يعني : المقتول يكون مؤمنا وقومه كفار , قال : فليس له دية , ولكن تحرير رقبة مؤمنة . 8001 - حدثنا المثنى , قال : ثنا أبو غسان , قال : ثنا إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس في قوله : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن قال : يكون الرجل مؤمنا وقومه كفار , فلا دية له , ولكن تحرير رقبة مؤمنة . 8002 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن في دار الكفر , يقول : فتحرير رقبة مؤمنة وليس له دية . 8003 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ولا دية لأهله من أجل أنهم كفار , وليس بينهم وبين الله عهد ولا ذمة . * - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , قال : أخبرنا عطاء بن السائب , عن ابن عباس أنه قال في قول الله : وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن . .. إلى آخر الآية , قال : كان الرجل يسلم , ثم يأتي قومه فيقيم فيهم وهم مشركون , فيمر بهم الجيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فيقتل فيمن يقتل , فيعتق قاتله رقبة ولا دية له . 8004 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن إبراهيم : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة قال : هذا إذا كان الرجل المسلم من قوم عدو لكم : أي ليس لهم عهد يقتل خطأ , فإن على من قتله تحرير رقبة مؤمنة . * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فإن كان في أهل الحرب وهو مؤمن , فقتله خطأ , فعلى قاتله أن يكفر بتحرير رقبة مؤمنة , أو صيام شهرين متتابعين , ولا دية عليه . 8005 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن القتيل مسلم وقومه كفار , فتحرير رقبة مؤمنة ولا يؤدي إليهم الدية فيتقوون بها عليكم. وقال آخرون : بل عنى به الرجل من أهل الحرب يقدم دار الإسلام فيسلم ثم يرجع إلى دار الحرب , فإذا مر بهم الجيش من أهل الإسلام هرب قومه , وأقام ذلك المسلم منهم فيها , فقتله المسلمون وهم يحسبونه كافرا . ذكر من قال ذلك : 8006 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة فهو المؤمن يكون في العدو من المشركين يسمعون بالسرية من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم , فيفرون ويثبت المؤمن فيقتل , ففيه تحرير رقبة مؤمنة .وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنةالقول في تأويل قوله تعالى : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة يعني جل ثناؤه بقوله : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وإن كان القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم بينكم أيها المؤمنون وبينهم ميثاق : أي عهد وذمة , وليسوا أهل حرب لكم , فدية مسلمة إلى أهله يقول : فعلى قاتله دية مسلمة إلى أهله يتحملها عاقلته , وتحرير رقبة مؤمنة كفارة لقتله . ثم اختلف أهل التأويل في صفة هذا القتيل الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق أهو مؤمن أو كافر ؟ فقال بعضهم : هو كافر , إلا أنه لزمت قاتله ديته ; لأن له ولقومه عهدا , فواجب أداء ديته إلى قومه للعهد الذي بينهم وبين المؤمنين , وأنها مال من أموالهم , ولا يحل للمؤمنين شيء من أموالهم بغير طيب أنفسهم . ذكر من قال ذلك : 8007 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق يقول : إذا كان كافرا في ذمتكم فقتل , فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله , وتحرير رقبة مؤمنة , أو صيام شهرين متتابعين . 8008 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن أيوب , قال : سمعت الزهري يقول : دية الذمي دية المسلم . قال : وكان يتأول : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله . 8009 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الله بن إدريس , عن عيسى بن أبي المغيرة , عن الشعبي في قوله : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله قال : من أهل العهد , وليس بمؤمن . 8010 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن مهدي , عن هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وليس بمؤمن . 8011 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة بقتله : أي بالذي أصاب من أهل ذمته وعهده ; فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله . .. الآية 8012 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله يقول : فأدوا إليهم الدية بالميثاق . قال : وأهل الذمة يدخلون في هذا , وتحرير رقبة مؤمنة , فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين . وقال آخرون : بل هو مؤمن , فعلى قاتله دية يؤديها إلى قومه من المشركين , لأنهم أهل ذمة . ذكر من قال ذلك : 8013 - حدثني ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن إبراهيم : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة قال : هذا الرجل المسلم وقومه مشركون لهم عقد , فتكون ديته لقومه وميراثه للمسلمين , ويعقل عنه قومه ولهم ديته . 8014 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن هشيم , عن أبي إسحاق الكوفي , عن جابر بن زيد في قوله : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق قال : وهو مؤمن . 8015 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن مهدي , عن حماد بن سلمة , عن يونس , عن الحسن , في قوله : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق قال : هو كافر . قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية قول من قال : عنى بذلك المقتول من أهل العهد , لأن الله أبهم ذلك , فقال : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ولم يقل : " وهو مؤمن " كما قال في القتيل من المؤمنين وأهل الحرب ; أو عنى المؤمن منهم وهو مؤمن . فكان في تركه وصفه بالإيمان الذي وصف به القتيلين الماضي ذكرهما قبل , الدليل الواضح على صحة ما قلنا في ذلك. فإن ظن ظان أن في قوله تبارك وتعالى : فدية مسلمة إلى أهله دليلا على أنه من أهل الإيمان , لأن الدية عنده لا تكون إلا لمؤمن , فقد ظن خطأ ; وذلك أن دية الذمي وأهل الإسلام سواء , لإجماع جميعهم على أن ديات عبيدهم الكفار وعبيد المؤمنين من أهل الإيمان سواء , فكذلك حكم ديات أحرارهم سواء , مع أن دياتهم لو كانت على ما قال من خالفنا في ذلك , فجعلها على النصف من ديات أهل الإيمان أو على الثلث , لم يكن في ذلك دليل على أن المعني بقوله : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق من أهل الإيمان , لأن دية المؤمنة لا خلاف بين الجميع , إلا من لا يعد خلافا أنها على النصف من دية المؤمن , وذلك غير مخرجها من أن تكون دية , فكذلك حكم ديات أهل الذمة لو كانت مقصرة عن ديات أهل الإيمان لم يخرجها ذلك من أن تكون ديات , فكيف والأمر في ذلك بخلافه ودياتهم وديات المؤمنين سواء ؟ . وأما الميثاق : فإنه العهد والذمة , وقد بينا في غير هذا الموضع أن ذلك كذلك والأصل الذي منه أخذ بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . ذكر من قال ذلك : 8016 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي في قوله : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق يقول : عهد. 8017 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري في قوله : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق قال : هو المعاهدة . 8018 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو غسان , قال : ثنا إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق عهد . 8019 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , مثله . فإن قال قائل : وما صفة الخطأ الذي إذا قتل المؤمن المؤمن أو المعاهد لزمته ديته والكفارة ؟ قيل : هو ما قال النخعي في ذلك. وذلك ما : 8020 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا سفيان , عن المغيرة , عن إبراهيم قال : الخطأ أن يريد الشيء فيصيب غيره . 8021 - حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم , قالا : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : الخطأ أن يرمي الشيء فيصيب إنسانا وهو لا يريده , فهو خطأ , وهو على العاقلة . فإن قال : فما الدية الواجبة في ذلك ؟ قيل : أما في قتل المؤمن فمائة من الإبل إن كان من أهل الإبل على عاقلة قاتله , لا خلاف بين الجميع في ذلك , وإن كان في مبلغ أسنانها اختلاف بين أهل العلم , فمنهم من يقول : هي أرباع : خمس وعشرون منها حقة , وخمس وعشرون جذعة , وخمس وعشرون بنت مخاض , وخمس وعشرون بنت لبون . ذكر من قال ذلك : 8022 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن إبراهيم , عن علي رضي الله عنه : في الخطأ شبه العمد ثلاث وثلاثون حقة , وثلاث وثلاثون جذعة , وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها ; وفي الخطأ : خمس وعشرون حقة , وخمس وعشرون جذعة , وخمس وعشرون بنت مخاض , وخمس وعشرون بنت لبون . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن فراس والشيباني , عن الشعبي , عن علي بن أبي طالب , بمثله . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن أبي إسحاق , عن عاصم بن ضمرة , عن علي رضي الله عنه , بنحوه . * - حدثني واصل بن عبد الأعلى , قال : ثنا ابن فضيل , عن أشعث بن سوار , عن الشعبي , عن علي رضي الله عنه أنه قال : في قتل الخطأ الدية مائة أرباعا , ثم ذكر مثله . وقال آخرون : هي أخماس : عشرون حقة , وعشرون جذعة , وعشرون بنت لبون , وعشرون ابن لبون , وعشرون بنت مخاض . ذكر من قال ذلك : 8023 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة عن أبي مجلز , عن أبي عبيدة عن أبيه , عن عبد الله بن مسعود قال : في الخطأ عشرون حقة , وعشرون جذعة , وعشرون بنت لبون , وعشرون ابن لبون , وعشرون بنت مخاض . * - حدثنا واصل بن عبد الأعلى , قال : ثنا ابن فضيل , عن أشعث , عن عامر , عن عبد الله بن مسعود : في قتل الخطأ مائة من الإبل أخماسا : خمس جذاع , وخمس حقاق , وخمس بنات لبون , وخمس بنات مخاض , وخمس بني مخاض . * - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا سليمان التيمي , عن أبي مجلز , عن أبي عبيدة عن عبد الله , قال : الدية أخماس دية الخطأ : خمس بنات مخاض , وخمس بنات لبون , وخمس حقاق , وخمس جذاع , وخمس بني مخاض . واعتل قائل هذه المقالة بحديث : 8024 - حدثنا به أبو هشام الرفاعي , قال : ثنا يحيى بن أبي زائدة وأبو خالد الأحمر , عن حجاج , عن زيد بن جبير , عن الخشف بن مالك , عن عبد الله بن مسعود : أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الدية في الخطأ أخماسا . قال أبو هشام : قال ابن أبي زائدة : عشرون حقة , وعشرون جذعة , وعشرون ابنة لبون , وعشرون ابنة مخاض , وعشرون ابن مخاض . * - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا يحيى , عن أبيه , عن أبي إسحاق , عن علقمة , عن عبد الله أنه قضى بذلك . وقال آخرون : هي أرباع , غير أنها ثلاثون حقة , وثلاثون بنت لبون , وعشرون بنت مخاض , وعشرون ابن لبون ذكور . ذكر من قال ذلك : 8025 - حدثنا ابن بشار , قال : ثني محمد بن بكر , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن عبد ربه , عن أبي عياض , عن عثمان وزيد بن ثابت قالا : في الخطأ شبه العمد : أربعون جذعة خلفة , وثلاثون حقة , وثلاثون بنت مخاض ; وفي الخطأ : ثلاثون حقة , وثلاثون جذعة , وعشرون بنت مخاض , وعشرون ابن لبون ذكور. 8026 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , عن زيد بن ثابت في دية الخطأ : ثلاثون حقة , وثلاثون بنت لبون , وعشرون بنت مخاض , وعشرون ابن لبون ذكور . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن عثمة , قال : ثنا سعيد بن بشير , عن قتادة , عن عبد ربه , عن أبي عياض , عن عثمان بن عفان رضي الله عنه , قال : وحدثنا سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب عن زيد بن ثابت , مثله . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن الجميع مجمعون أن في الخطأ المحض على أهل الإبل مائة من الإبل . ثم اختلفوا في مبالغ أسنانها , وأجمعوا على أنه لا يقصر بها في الذي وجبت له الأسنان عن أقل ما ذكرنا من أسنانها التي حدها الذين ذكرنا اختلافهم فيها , وأنه لا يجاوز بها الذي وجبت عن أعلاها . وإن كان ذلك من جميعهم إجماعا , فالواجب أن يكون مجزيا من لزمته دية قتل خطأ : أي هذه الأسنان التي اختلف المختلفون فيها أداها إلى من وجبت له , لأن الله تعالى لم يحد ذلك بحد لا يجاوز به ولا يقصر عنه ولا رسوله إلا ما ذكرت من إجماعهم فيما أجمعوا عليه , فإنه ليس للإمام مجاوزة ذلك في الحكم بتقصير ولا زيادة , وله التخيير فيما بين ذلك بما رأى الصلاح فيه للفريقين , وإن كانت عاقلة القاتل من أهل الذهب فإن لورثة القتيل عليهم عندنا ألف دينار , وعليه علماء الأمصار . وقال بعضهم : ذلك تقويم من عمر رضي الله عنه لإبل على أهل الذهب في عصره , والواجب أن يقوم في كل زمان قيمتها إذا عدم الإبل عاقلة القاتل . واعتلوا بما : 8027 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن أيوب بن موسى , عن مكحول , قال : كانت الدية ترتفع وتنخفض , فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ثمانمائة دينار , فخشي عمر من بعده , فجعلها اثني عشر ألف درهم أو ألف دينار. وأما الذين أوجبوها في كل زمان على أهل الذهب ذهبا ألف دينار , فقالوا : ذلك فريضة فرضها الله على لسان رسوله , كما فرض الإبل على أهل الإبل . قالوا : وفي إجماع علماء الأمصار في كل عصر وزمان إلا من شذ عنهم , على أنها لا تزاد على ألف دينار ولا تنقص عنها , أوضح الدليل على أنها الواجبة على أهل الذهب وجوب الإبل على أهل الإبل , لأنها لو كانت قيمة لمائة من الإبل لاختلف ذلك بالزيادة والنقصان لتغير أسعار الإبل. وهذا القول هو الحق في ذلك لما ذكرنا من إجماع الحجة عليه . وأما من الورق على أهل الورق عندنا , فاثنا عشر ألف درهم , وقد بينا العلل في ذلك في كتابنا " كتاب لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام " . وقال آخرون : إنما على أهل الورق من الورق عشرة آلاف درهم . وأما دية المعاهد الذي بيننا وبين قومه ميثاق , فإن أهل العلم اختلفوا في مبلغها , فقال بعضهم : ديته ودية الحر المسلم سواء . ذكر من قال ذلك : 8028 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا بشر بن السري , عن إبراهيم بن سعد , عن الزهري : أن أبا بكر وعثمان رضوان الله عليهما كانا يجعلان دية اليهودي والنصراني إذا كانا معاهدين كدية المسلم . 8029 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا بشر بن السري , عن الدستوائي , عن يحيى بن أبي كثير , عن الحكم بن عيينة : أن ابن مسعود كان يجعل دية أهل الكتاب إذا كانوا أهل ذمة كدية المسلمين . 8030 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن حماد , قال : سألني عبد الحميد عن دية أهل الكتاب , فأخبرته أن إبراهيم قال : إن ديتهم وديتنا سواء . 8031 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا أبو الوليد , قال : ثنا حماد , عن إبراهيم وداود عن الشعبي أنهما قالا : دية اليهودي والنصراني والمجوسي مثل دية الحر المسلم. 8032 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : كان يقال : دية اليهودي والنصراني والمجوسي كدية المسلم إذا كانت له ذمة . 8033 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا ابن أبي نجيح , عن مجاهد وعطاء أنهما قالا : دية المعاهد دية المسلم. * - حدثنا سوار بن عبد الله , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا المسعودي , عن حماد , عن إبراهيم , أنه قال : دية المسلم والمعاهد سواء . 8034 - حدثني يعقوب , قال : حدثنا ابن علية , عن أيوب , قال : سمعت الزهري يقول : دية الذمي دية المسلم . 8035 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن أشعث , عن عامر قال : دية الذمي مثل دية المسلم . * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن سعيد بن أبي عروبة , عن أبي معشر , عن إبراهيم مثله . * - حدثني أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن إبراهيم مثله . 8036 - ثنا عبد الحميد بن بيان , قال : أخبرنا محمد بن يزيد , عن إسماعيل , عن عامر , وبلغه أن الحسن كان يقول : دية المجوسي ثمانمائة ودية اليهودي والنصراني أربعة آلاف , فقال : ديتهم واحدة . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن قيس بن مسلم , عن الشعبي , قال : دية المعاهد والمسلم في كفارتهما سواء . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن إبراهيم , قال : دية المعاهد والمسلم سواء . وقال آخرون : بل ديته على النصف من دية المسلم . ذكر من قال ذلك : 8037 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا داود , عن عمرو بن شعيب في دية اليهودي والنصراني قال : جعلها عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصف دية المسلم , ودية المجوسي ثمانمائة . فقلت لعمرو بن شعيب : إن الحسن يقول : أربعة آلاف , قال : لعله كان ذلك قبل , وقال : إنما جعل دية المجوسي بمنزلة العبد . 8038 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عبد الله الأشجعي , عن سفيان , عن أبي الزناد , عن عمر بن عبد العزيز قال : دية المعاهد على النصف من دية المسلم. وقال آخرون : بل ديته على الثلث من دية المسلم . ذكر من قال ذلك : 8039 - حدثني واصل بن عبد الأعلى , قال : ثنا ابن فضيل , عن مطرف , عن أبي عثمان - قال : كان قاضيا لأهل مرو - قال : جعل عمر رضي الله عنه دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف أربعة آلاف . 8040 - حدثنا عمار بن خالد الواسطي , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن الأعمش , عن ثابت , عن سعيد بن المسيب , قال : قال عمر : دية النصراني أربعة آلاف , والمجوسي ثمانمائة . * - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الصمد , قال : ثنا شعبة , عن ثابت , قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : قال عمر : دية أهل الكتاب أربعة آلاف , ودية المجوسي ثمانمائة . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن ثابت , عن سعيد بن المسيب , أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال , فذكر مثله . 8041 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن أبي المليح : أن رجلا من قومه رمى يهوديا أو نصرانيا بسهم فقتله , فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب , فأغرمه ديته أربعة آلاف. * - وبه عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , قال : قال عمر : دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف , أربعة آلاف . * - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا أصحابنا , عن سعيد بن المسيب , عن عمر مثله . 8042 - قال : ثنا هشيم , عن ابن أبي ليلى , عن عطاء , عن عمر مثله . 8043 - قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا يحيى بن سعيد , عن سليمان بن يسار , أنه قال : دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف , والمجوسي ثمانمائة . 8044 - حدثنا سوار بن عبد الله , قال : ثنا خالد بن الحارث , قال : ثنا عبد الملك , عن عطاء , مثله . 8045 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ , قال : ثنا عبيد , قال : سمعت الضحاك في قوله : فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين الصيام لمن لا يجد رقبة , وأما الدية فواجبة لا يبطلها شيء .فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من اللهالقول في تأويل قوله تعالى : فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله يعني تعالى ذكره بقوله : فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يجد رقبة مؤمنة يحررها كفارة لخطئه في قتله من قتل من مؤمن أو معاهد لعسرته بثمنها , فصيام شهرين متتابعين يقول : فعليه صيام شهرين متتابعين . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم فيه بنحو ما قلنا . ذكر من قال ذلك : 8046 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين قال : من لم يجد عتقا - أو عتاقة , شك أبو عصام - في قتل مؤمن خطأ , قال : وأنزلت في عياش بن أبي ربيعة قتل مؤمنا خطأ . وقال آخرون : صوم الشهرين عن الدية والرقبة. قالوا : وتأويل الآية : فمن لم يجد رقبة مؤمنة ولا دية يسلمها إلى أهلها فعليه صوم شهرين متتابعين . ذكر من قال ذلك : 8047 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : ثنا ابن المبارك , عن زكريا , عن الشعبي , عن مسروق : أنه سئل عن الآية التي في سورة النساء : فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين صيام الشهرين عن الرقبة وحدها , أو عن الدية والرقبة ؟ فقال : من لم يجد فهو عن الدية والرقبة . * - حدثنا بن وكيع , قال : ثنا أبي , عن زكريا , عن عامر , عن مسروق بنحوه . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن الصوم عن الرقبة دون الدية , لأن دية الخطأ على عاقلة القاتل , والكفارة على القاتل بإجماع الحجة على ذلك , نقلا عن نبينا صلى الله عليه وسلم , فلا يقضي صوم صائم عما لزم غيره في ماله . والمتابعة صوم الشهرين , ولا يقطعه بإفطار بعض أيامه لغير علة حائلة بينه وبين صومه . ثم قال جل ثناؤه : توبة من الله وكان الله عليما حكيما يعني : تجاوزا من الله لكم إلى التيسير عليه بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من فرض تحرير الرقبة المؤمنة إذا أعسرتم بها بإيجابه عليكم صوم شهرين متتابعين.وكان الله عليما حكيما وكان الله عليما حكيما يقول : ولم يزل الله عليما بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه وغير ذلك , حكيما بما يقضي فيهم ويريد .
وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا  ٩٣
التفسير الميسرومن يَعْتَدِ على مؤمن فيقتله عن عمد بغير حق فعاقبته جهنم، خالدًا فيها مع سخط الله تعالى عليه وطَرْدِهِ من رحمته، إن جازاه على ذنبه وأعدَّ الله له أشد العذاب بسبب ما ارتكبه من هذه الجناية العظيمة. ولكنه سبحانه يعفو ويتفضل على أهل الإيمان فلا يجازيهم بالخلود في جهنم.
تفسير السعديتقدم أن الله أخبر أنه لا يصدر قتل المؤمن من المؤمن، وأن القتل من الكفر العملي، وذكر هنا وعيد القاتل عمدا، وعيدا ترجف له القلوب وتنصدع له الأفئدة، وتنزعج منه أولو العقول. فلم يرد في أنواع الكبائر أعظم من هذا الوعيد، بل ولا مثله، ألا وهو الإخبار بأن جزاءه جهنم، أي: فهذا الذنب العظيم قد انتهض وحده أن يجازى صاحبه بجهنم، بما فيها من العذاب العظيم، والخزي المهين، وسخط الجبار، وفوات الفوز والفلاح، وحصول الخيبة والخسار. فعياذًا بالله من كل سبب يبعد عن رحمته. وهذا الوعيد له حكم أمثاله من نصوص الوعيد، على بعض الكبائر والمعاصي بالخلود في النار، أو حرمان الجنة. وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في تأويلها مع اتفاقهم على بطلان قول الخوارج والمعتزلة الذين يخلدونهم في النار ولو كانوا موحدين. والصواب في تأويلها ما قاله الإمام المحقق: شمس الدين بن القيم رحمه الله في "المدارج" فإنه قال - بعدما ذكر تأويلات الأئمة في ذلك وانتقدها فقال: وقالت فِرقَة: هذه النصوص وأمثالها مما ذكر فيه المقتضي للعقوبة، ولا يلزم من وجود مقتضي الحكم وجوده، فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه. وغاية هذه النصوص الإعلام بأن كذا سبب للعقوبة ومقتض لها، وقد قام الدليل على ذكر الموانع فبعضها بالإجماع، وبعضها بالنص. فالتوبة مانع بالإجماع، والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها، والحسنات العظيمة الماحية مانعة، والمصائب الكبار المكفرة مانعة، وإقامة الحدود في الدنيا مانع بالنص، ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين. ومن هنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات، اعتبارًا بمقتضي العقاب ومانعه، وإعمالا لأرجحها. قالوا: وعلى هذا بناء مصالح الدارين ومفاسدهما. وعلى هذا بناء الأحكام الشرعية والأحكام القدرية، وهو مقتضى الحكمة السارية في الوجود، وبه ارتباط الأسباب ومسبباتها خلقا وأمرا، وقد جعل الله سبحانه لكل ضد ضدا يدافعه ويقاومه، ويكون الحكم للأغلب منهما. فالقوة مقتضية للصحة والعافية، وفساد الأخلاط وبغيها مانع من عمل الطبيعة، وفعل القوة والحكم للغالب منهما، وكذلك قوى الأدوية والأمراض. والعبد يكون فيه مقتض للصحة ومقتض للعطب، وأحدهما يمنع كمال تأثير الآخر ويقاومه، فإذا ترجح عليه وقهره كان التأثير له. ومِنْ هنا يعلم انقسام الخلق إلى مَنْ يدخل الجنة ولا يدخل النار، وعكسه، ومَنْ يدخل النار ثم يخرج منها ويكون مكثه فيها بحسب ما فيه من مقتضى المكث في سرعة الخروج وبطئه. ومن له بصيرة منورة يرى بها كل ما أخبر الله به في كتابه من أمر المعاد وتفاصيله، حتى كأنه يشاهده رأي عين. ويعلم أن هذا هو مقتضي إلهيته سبحانه، وربوبيته وعزته وحكمته وأنه يستحيل عليه خلاف ذلك، ونسبة ذلك إليه نسبة ما لا يليق به إليه، فيكون نسبة ذلك إلى بصيرته كنسبة الشمس والنجوم إلى بصره. وهذا يقين الإيمان، وهو الذي يحرق السيئات، كما تحرق النار الحطب، وصاحب هذا المقام من الإيمان يستحيل إصراره على السيئات، وإن وقعت منه وكثرت، فإن ما معه من نور الإيمان يأمره بتجديد التوبة كل وقت بالرجوع إلى الله في عدد أنفاسه، وهذا من أحب الخلق إلى الله. انتهى كلامه قدس الله روحه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا.
تفسير ابن كثيرثم لما بين تعالى حكم القتل الخطأ ، شرع في بيان حكم القتل العمد ، فقال : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا [ فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ] ) وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم ، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله ، حيث يقول ، سبحانه ، في سورة الفرقان : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق [ ولا يزنون ] ) الآية [ الفرقان : 68 ] وقال تعالى : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ) [ إلى أن قال :( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ) [ الأنعام : 151 ] .والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدا . من ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء " وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود ، من رواية عمرو بن الوليد بن عبدة المصري ، عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يزال المؤمن معنقا صالحا ما لم يصب دما حراما ، فإذا أصاب دما حراما بلح " وفي حديث آخر : " لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم " وفي الحديث الآخر : " لو أجمع أهل السماوات والأرض على قتل رجل مسلم ، لأكبهم الله في النار " وفي الحديث الآخر : " من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة ، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه : آيس من رحمة الله " .وقد كان ابن عباس ، رضي الله عنهما ، يرى أنه لا توبة للقاتل عمدا لمؤمن .وقال البخاري : حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، حدثنا مغيرة بن النعمان قال : سمعت ابن جبير قال : اختلف فيها أهل الكوفة ، فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقال : نزلت هذه الآية : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم [ خالدا ] ) هي آخر ما نزل وما نسخها شيء .وكذا رواه هو أيضا ومسلم والنسائي من طرق ، عن شعبة ، به ورواه أبو داود ، عن أحمد بن حنبل ، عن ابن مهدي ، عن سفيان الثوري ، عن مغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ) فقال : لم ينسخها شيء .[ وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار حدثنا ابن أبي عدي حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال : قال عبد الرحمن بن أبزى : سئل ابن عباس عن قوله : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ) فقال : لم ينسخها شيء ] وقال في هذه الآية : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر [ ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ] ) [ الفرقان : 68 ] قال نزلت في أهل الشرك .وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن منصور ، حدثني سعيد بن جبير - أو حدثني الحكم ، عن سعيد بن جبير - قال : سألت ابن عباس عن قوله [ تعالى ] ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ) قال : إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام ، ثم قتل مؤمنا متعمدا ، فجزاؤه جهنم ولا توبة له . فذكرت ذلك لمجاهد فقال : إلا من ندم .حدثنا ابن حميد ، وابن وكيع قالا حدثنا جرير ، عن يحيى الجابر ، عن سالم بن أبي الجعد قال : كنا عند ابن عباس بعد ما كف بصره ، فأتاه رجل فناداه : يا عبد الله بن عباس ، ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا ؟ فقال : ( جزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) قال : أفرأيت إن تاب وعمل صالحا ثم اهتدى ؟ قال ابن عباس : ثكلته أمه ، وأنى له التوبة والهدى ؟ والذي نفسي بيده ! لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : " ثكلته أمه ، قاتل مؤمن متعمدا ، جاء يوم القيامة آخذه بيمينه أو بشماله ، تشخب أوداجه دما في قبل عرش الرحمن ، يلزم قاتله بشماله بيده الأخرى ، يقول : سل هذا فيم قتلني " ؟ وايم الذي نفس عبد الله بيده ! لقد أنزلت هذه الآية ، فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وما نزل بعدها من برهان .وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، سمعت يحيى بن المجبر يحدث عن سالم بن أبي الجعد ، عن ابن عباس ; أن رجلا أتاه فقال : أرأيت رجلا قتل رجلا متعمدا ؟ فقال : ( جزاؤه جهنم خالدا فيها [ وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ] ) قال : لقد نزلت في آخر ما نزل ، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ؟ قال : وأنى له بالتوبة . وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم . يقول : " ثكلته أمه ، رجل قتل رجلا متعمدا ، يجيء يوم القيامة آخذا قاتله بيمينه أو بيساره - وآخذا رأسه بيمينه أو بشماله - تشخب أوداجه دما من قبل العرش يقول : يا رب ، سل عبدك فيم قتلني ؟ " .وقد رواه النسائي عن قتيبة وابن ماجه عن محمد بن الصباح ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمار الدهني ، ويحيى الجابر وثابت الثمالي عن سالم بن أبي الجعد ، عن ابن عباس ، فذكره وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة .وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف : زيد بن ثابت ، وأبو هريرة ، وعبد الله بن عمر ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وعبيد بن عمر ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك بن مزاحم ، نقله ابن أبي حاتم .وفي الباب أحاديث كثيرة : من ذلك ما رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ في تفسيره : حدثنا دعلج بن أحمد ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي وحدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا إبراهيم بن فهد قالا حدثنا عبيد بن عبيدة ، حدثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن الأعمش ، عن أبي عمرو بن شرحبيل ، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يجيء المقتول متعلقا بقاتله يوم القيامة ، آخذا رأسه بيده الأخرى فيقول : يا رب ، سل هذا فيم قتلني ؟ " قال : " فيقول : قتلته لتكون العزة لك . فيقول : فإنها لي " . قال : " ويجيء آخر متعلقا بقاتله فيقول : رب ، سل هذا فيم قتلني ؟ " قال : " فيقول قتلته لتكون العزة لفلان " . قال : " فإنها ليست له بؤ بإثمه " . قال : " فيهوي في النار سبعين خريفا " .وقد رواه عن النسائي ، عن إبراهيم بن المستمر العوفي ، عن عمرو بن عاصم ، عن معتمر بن سليمان ، بهحديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا صفوان بن عيسى ، حدثنا ثور بن يزيد ، عن أبي عون ، عن أبي إدريس قال : سمعت معاوية ، رضي الله عنه ، يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا ، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا " .وكذا رواه النسائي ، عن محمد بن المثنى ، عن صفوان بن عيسى ، به .وقال ابن مردويه : حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا سمويه ، حدثنا عبد الأعلى بن مسهر ، حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا خالد بن دهقان ، حدثنا ابن أبي زكريا قال : سمعت أم الدرداء تقول : سمعت أبا الدرداء يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا ، أو من قتل مؤمنا متعمدا " .وهذا غريب جدا من هذا الوجه . والمحفوظ حديث معاوية المتقدم فالله أعلم .ثم روى ابن مردويه من طريق بقية بن الوليد ، عن نافع بن يزيد ، حدثني ابن جبير الأنصاري ، عن داود بن الحصين ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من قتل مؤمنا متعمدا فقد كفر بالله عز وجل " .وهذا حديث منكر أيضا ، وإسناده تكلم فيه جدا .وقال الإمام أحمد : حدثنا النضر ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، حدثنا حميد قال : أتاني أبو العالية أنا وصاحب لي ، فقال لنا : هلما فأنتما أشب شيئا مني ، وأوعى للحديث مني ، فانطلق بنا إلى بشر بن عاصم - فقال له أبو العالية : حدث هؤلاء حديثك . فقال : حدثنا عقبة بن مالك الليثي قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية ، فأغارت على قوم ، فشد من القوم رجل ، فاتبعه رجل من السرية شاهرا سيفه فقال الشاد من القوم : إني مسلم . فلم ينظر فيما قال ، فضربه فقتله ، فنمى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولا شديدا ، فبلغ القاتل . فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ، إذ قال القاتل : والله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل . قال : فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وعمن قبله من الناس ، وأخذ في خطبته ، ثم قال أيضا : يا رسول الله ، ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل ، فأعرض عنه وعمن قبله من الناس ، وأخذ في خطبته ، ثم لم يصبر ، فقال الثالثة : والله يا رسول الله ما قال إلا تعوذا من القتل . فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرف المساءة في وجهه ، فقال : " إن الله أبى على من قتل مؤمنا " ثلاثا .ورواه النسائي من حديث سليمان بن المغيرةوالذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها : أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه عز وجل ، فإن تاب وأناب وخشع وخضع ، وعمل عملا صالحا ، بدل الله سيئاته حسنات ، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته .قال الله تعالى : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر [ ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ] . إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا [ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ] ) [ الفرقان : 68 ، 69 ] وهذا خبر لا يجوز نسخه . وحمله على المشركين ، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر ، ويحتاج حمله إلى دليل ، والله أعلم .وقال تعالى : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله [ إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ] ) [ الزمر : 53 ] وهذا عام في جميع الذنوب ، من كفر وشرك ، وشك ونفاق ، وقتل وفسق ، وغير ذلك : كل من تاب من أي ذلك تاب الله عليه .وقال تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [ النساء : 48 ] . فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك ، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها ، لتقوية الرجاء ، والله أعلم .وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس ، ثم سأل عالما : هل لي من توبة ؟ فقال : ومن يحول بينك وبين التوبة ؟ ! ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه ، فهاجر إليه ، فمات في الطريق ، فقبضته ملائكة الرحمة . كما ذكرناه غير مرة ، إن كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى ; لأن الله وضع عنا الأغلال والآصار التي كانت عليهم ، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة . فأما الآية الكريمة ، وهي قوله تعالى : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا [ فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ] ) فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف : هذا جزاؤه إن جازاه ، وقد رواه ابن مردويه مرفوعا ، من طريق محمد بن جامع العطار ، عن العلاء بن ميمون العنبري ، عن حجاج الأسود ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة مرفوعا ، ولكن لا يصح ومعنى هذه الصيغة : أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه ، وكذا كل وعيد على ذنب ، لكن قد يكون كذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه ، على قولي أصحاب الموازنة أو الإحباط . وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد ، والله أعلم بالصواب . وبتقدير دخول القاتل إلى النار ، أما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له ، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به ، فليس يخلد فيها أبدا ، بل الخلود هو المكث الطويل . وقد تواردت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى ذرة من إيمان . وأما حديث معاوية : " كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا ، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا " : " عسى " للترجي ، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين لا ينتفى وقوع ذلك في أحدهما ، وهو القتل ; لما ذكرنا من الأدلة . وأما من مات كافرا ; فالنص أنه لا يغفر له البتة ، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين وهي لا تسقط بالتوبة ، ولا فرق بين المقتول والمسروق منه ، والمغصوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين ، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة ، ولا بد من أدائها إليهم في صحة التوبة ، فإن تعذر ذلك فلا بد من الطلابة يوم القيامة ، لكن لا يلزم من وقوع الطلابة وقوع المجازاة ، وقد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها ، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة ، أو يعوض الله المقتول من فضله بما يشاء ، من قصور الجنة ونعيمها ، ورفع درجته فيها ونحو ذلك ، والله أعلم .ثم للقتل العمد أحكام في الدنيا وأحكام في الآخرة أما [ في ] الدنيا فتسلط أولياء المقتول عليه ، قال الله تعالى : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا [ فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ] ) [ الإسراء : 33 ] ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا ، أو يعفوا ، أو يأخذوا دية مغلظة أثلاثا : ثلاثون حقة ، وثلاثون جذعة ، وأربعون خلفة كما هو مقرر في كتب الأحكام .واختلف الأئمة : هل تجب عليه كفارة : عتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ؟ على أحد القولين ، كما تقدم في كفارة الخطأ ، على قولين : فالشافعي وأصحابه وطائفة من العلماء يقولون : نعم ، يجب عليه ; لأنه إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلأن تجب عليه في العمد أولى . وطردوا هذا في كفارة اليمين الغموس ، واعتضدوا بقضاء الصلوات المتروكة عمدا ، كما أجمعوا على ذلك في الخطأ .قال أصحاب الإمام أحمد وآخرون : قتل العمد أعظم من أن يكفر ، فلا كفارة فيه ، وكذا اليمين الغموس ، ولا سبيل لهم إلى الفرق بين هاتين الصورتين وبين الصلاة المتروكة عمدا ، فإنهم يقولون : بوجوب قضائها وإن تركت عمدا .وقد احتج من ذهب إلى وجوب الكفارة في قتل العمد بما رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا عارم بن الفضل ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن إبراهيم بن أبي عبلة ، عن الغريف بن عياش ، عن واثلة بن الأسقع قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من بني سليم فقالوا : إن صاحبا لنا قد أوجب . قال : " فليعتق رقبة ، يفدي الله بكل عضو منها عضوا منه من النار " .وقال أحمد : حدثنا إبراهيم بن إسحاق ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، عن إبراهيم بن أبي عبلة عن الغريف الديلمي قال : أتينا واثلة بن الأسقع الليثي فقلنا : حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب ، فقال : " أعتقوا عنه ، يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار " .وكذا رواه أبو داود والنسائي ، من حديث إبراهيم بن أبي عبلة ، به ولفظ أبي داود عن الغريف الديلمي قال : أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا : حدثنا حديثا ليس فيه زيادة ولا نقصان . فغضب فقال : إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص ، قلنا : إنا أردنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب - يعني النار - بالقتل ، فقال : " أعتقوا عنه ، يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار " .
تفسير القرطبيقوله تعالى : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيمافيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ومن يقتل " من " شرط ، وجوابه فجزاؤه وسيأتي . واختلف العلماء في صفة المتعمد في القتل ؛ فقال عطاء والنخعي وغيرهما : هو من قتل بحديدة كالسيف والخنجر وسنان الرمح ونحو ذلك من المشحوذ المعد للقطع أو بما يعلم أن فيه الموت من ثقال الحجارة ونحوها . وقالت فرقة : المتعمد كل من قتل بحديدة كان القتل أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك ، وهذا قول الجمهور .الثانية : ذكر الله عز وجل في كتابه العمد والخطأ ولم يذكر شبه العمد وقد اختلف العلماء في القول به ، فقال ابن المنذر : أنكر ذلك مالك ، وقال : ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ . وذكره الخطابي أيضا عن مالك وزاد : وأما شبه العمد فلا نعرفه . قال أبو عمر : أنكر مالك والليث بن سعد شبه العمد ؛ فمن قتل عندهما بما لا يقتل مثله غالبا كالعضة واللطمة وضربة السوط والقضيب وشبه ذلك فإنه عمد وفيه القود . قال أبو عمر : وقال بقولهما جماعة من الصحابة والتابعين . وذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أن هذا كله شبه العمد . وقد ذكر عن مالك وقاله ابن وهب وجماعة من الصحابة والتابعين . قال ابن المنذر : وشبه العمد يعمل به عندنا . وممن أثبت شبه العمد الشعبي والحكم وحماد والنخعي وقتادة وسفيان الثوري وأهل العراق والشافعي ، وروينا ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما .قلت : وهو الصحيح ؛ فإن الدماء أحق ما احتيط لها إذ الأصل صيانتها في أهبها ، فلا تستباح إلا بأمرين لا إشكال فيه ، وهذا فيه إشكال ؛ لأنه لما كان مترددا بين العمد والخطأ حكم له بشبه العمد ؛ فالضرب مقصود والقتل غير مقصود ، وإنما وقع بغير القصد فيسقط القود وتغلظ الدية . وبمثل هذا جاءت السنة ؛ روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها . وروى الدارقطني عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : العمد قود اليد والخطأ عقل لا قود فيه ومن قتل في عمية بحجر أو عصا أو سوط فهو دية مغلظة في أسنان الإبل . وروي أيضا من حديث سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عقل شبه العمد مغلظ مثل قتل العمد ولا يقتل صاحبه . وهذا نص . وقال طاوس في الرجل يصاب في ماء الرميا في القتال بالعصا أو السوط أو الترامي بالحجارة يودى ولا يقتل به من أجل أنه لا يدرى ، من قاتله . وقال أحمد بن حنبل : العميا هو الأمر الأعمى للعصبية لا تستبين ما وجهه . وقال إسحاق : هذا في تحارج القوم وقتل بعضهم بعضا . فكأن أصله من التعمية وهو التلبيس ؛ ذكره الدارقطنيمسألة : واختلف القائلون بشبه العمد في الدية المغلظة ، فقال عطاء والشافعي : هي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة . وقد روي هذا القول عن عمر وزيد بن ثابت والمغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري ؛ وهو مذهب مالك حيث يقول بشبه العمد ، ومشهور مذهبه أنه لم يقل به إلا في مثل قصة المدلجي بابنه حيث ضربه بالسيف . وقيل : هي مربعة ربع بنات لبون ، وربع حقاق ، وربع جذاع ، وربع بنات مخاض . هذا قول النعمان ويعقوب ؛ وذكره أبو داود عن سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي . وقيل : هي مخمسة : عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة ؛ هذا قول أبي ثور . وقيل : أربعون جذعة إلى بازل عامها وثلاثون حقة ، وثلاثون بنات لبون . وروي عن عثمان بن عفان وبه قال الحسن البصري وطاوس والزهري . وقيل : أربع وثلاثون خلفة إلى بازل عامها ، وثلاث وثلاثون حقة ، وثلاث وثلاثون جذعة ؛ وبه قال الشعبي والنخعي ، وذكره أبو داود عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي .الثالثة : واختلفوا فيمن تلزمه دية شبه العمد ؛ فقال الحارث العكلي وابن أبي ليلى وابن شبرمة وقتادة وأبو ثور : هو عليه في ماله . وقال الشعبي والنخعي والحكم والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي : هو على العاقلة . قال ابن المنذر : قول الشعبي أصح ؛ لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية الجنين على عاقلة الضاربة .الرابعة : أجمع العلماء على أن العاقلة لا تحمل دية العمد وأنها في مال الجاني ؛ وقد تقدم ذكرها في " البقرة " . وقد أجمعوا على أن على القاتل خطأ الكفارة ؛ واختلفوا فيها في قتل العمد ؛ فكان مالك والشافعي يريان على قاتل العمد الكفارة كما في الخطأ . قال الشافعي : إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلأن تجب في العمد أولى . وقال : إذا شرع السجود في السهو فلأن يشرع في العمد أولى ، وليس ما ذكره الله تعالى في كفارة العمد بمسقط ما قد وجب في الخطأ . وقد قيل : إن القاتل عمدا إنما تجب عليه الكفارة إذا عفي عنه فلم يقتل ، فأما إذا قتل قودا فلا كفارة عليه تؤخذ من ماله . وقيل تجب . ومن قتل نفسه فعليه الكفارة في ماله . وقال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي : لا تجب الكفارة إلا حيث أوجبها الله تعالى . قال ابن المنذر : وكذلك نقول ؛ لأن الكفارات عبادات ولا يجوز التمثيل . وليس يجوز لأحد أن يفرض فرضا يلزمه عباد الله إلا بكتاب أو سنة أو إجماع ، وليس مع من فرض على القاتل عمدا كفارة حجة من حيث ذكرت .الخامسة : واختلفوا في الجماعة يقتلون الرجل خطأ ؛ فقالت طائفة : على كل واحد منهم الكفارة ؛ كذلك قال الحسن وعكرمة والنخعي والحارث العكلي ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي . وقالت طائفة : عليهم كلهم كفارة واحدة ؛ هكذا قال أبو ثور ، وحكي ذلك عن الأوزاعي . وفرق الزهري بين العتق والصوم ؛ فقال في الجماعة يرمون بالمنجنيق فيقتلون رجلا : عليهم كلهم عتق رقبة ، وإن كانوا لا يجدون فعلى كل واحد منهم صوم شهرين متتابعين .السادسة : روى النسائي : أخبرنا الحسن بن إسحاق المروزي - ثقة قال : حدثنا خالد بن خداش قال : حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بشير بن المهاجر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا . وروي عن عبد الله قال : قال رسول الله : أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس في الدماء . وروى إسماعيل بن إسحاق عن نافع بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عباس أنه سأل سائل فقال : يا أبا العباس ، هل للقاتل توبة ؟ فقال له ابن عباس كالمتعجب من مسألته : ماذا تقول ! مرتين أو ثلاثا . ثم قال ابن عباس : ويحك ! أنى له توبة ! سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله بيده الأخرى تشخب أوداجه دما حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه وتعالى رب هذا قتلني فيقول الله تعالى للقاتل تعست ويذهب به إلى النار . وعن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما نازلت ربي في شيء ما نازلته في قتل المؤمن فلم يجبني .السابعة : واختلف العلماء في قاتل العمد هل له من توبة ؟ فروى البخاري عن سعد بن جبير قال : اختلف فيها أهل الكوفة ، فرحلت فيها إلى ابن عباس ، فسألته عنها فقال : نزلت هذه الآية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم هي آخر ما نزل وما نسخها شيء . وروى النسائي عنه قال : سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال : لا . وقرأت عليه الآية التي في الفرقان : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر قال : هذه آية مكية نسختها آية مدنية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه . وروي عن زيد بن ثابت نحوه ، وإن آية النساء نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر ، وفي رواية بثمانية أشهر ؛ ذكرهما النسائي عن زيد بن ثابت . وإلى عموم هذه الآية مع هذه الأخبار عن زيد وابن عباس ذهبت المعتزلة وقالوا : هذا مخصص عموم قوله تعالى : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ورأوا أن الوعيد نافذ حتما على كل قاتل ؛ فجمعوا بين الآيتين بأن قالوا : التقدير ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدا . وذهب جماعة من العلماء منهم . عبد الله بن عمر - وهو أيضا مروي عن زيد وابن عباس - إلى أن له توبة . روى يزيد بن هارون قال : أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال ألمن قتل مؤمنا متعمدا توبة ؟ قال : لا ، إلا النار ؛ قال : فلما ذهب قال له جلساؤه : أهكذا كنت تفتينا ؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة ؛ قال : إني لأحسبه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا . قال : فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك . وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح ، وإن هذه الآية مخصوصة ، ودليل التخصيص آيات وأخبار . وقد أجمعوا على أن الآية نزلت في مقيس بن صبابة ؛ وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن صبابة ؛ فوجد هشاما قتيلا في بني النجار فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه وأرسل معه رجلا من بني فهر ؛ فقال بنو النجار : والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي الدية ؛ فأعطوه مائة من الإبل ؛ ثم انصرفا راجعين إلى المدينة فعدا مقيس على الفهري فقتله بأخيه وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة كافرا مرتدا ، وجعل ينشد :قتلت به فهرا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارع حللت به وتري وأدركت ثورتيوكنت إلى الأوثان أول راجعفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أؤمنه في حل ولا حرم . وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة . وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير وعلماء الدين فلا ينبغي أن يحمل على المسلمين ، ثم ليس الأخذ بظاهر الآية بأولى من الأخذ بظاهر قوله : إن الحسنات يذهبن السيئات ، وقوله تعالى : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده وقوله : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . والأخذ بالظاهرين تناقض فلا بد من التخصيص . ثم إن الجمع بين آية " الفرقان " وهذه الآية ممكن فلا نسخ ولا تعارض ، وذلك أن يحمل مطلق آية " النساء " على مقيد آية " الفرقان " فيكون معناه فجزاؤه كذا إلا من تاب ؛ لا سيما وقد اتحد الموجب وهو القتل والموجب وهو التواعد بالعقاب . وأما الأخبار فكثيرة كحديث عبادة بن الصامت الذي قال فيه : تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه . رواه الأئمة أخرجه الصحيحان . وكحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي قتل مائة نفس . أخرجه مسلم في صحيحه وابن ماجه في سننه وغيرهما إلى غير ذلك من الأخبار الثابتة . ثم إنهم قد أجمعوا معنا في الرجل يشهد عليه بالقتل ، ويقر بأنه قتل عمدا ، ويأتي السلطان الأولياء فيقام عليه الحد ويقتل قودا ، فهذا غير متبع في الآخرة ، والوعيد غير نافذ عليه إجماعا على مقتضى حديث عبادة ؛ فقد انكسر عليهم ما تعلقوا به من عموم قوله تعالى : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ودخله التخصيص بما ذكرنا ، وإذا كان كذلك فالوجه أن هذه الآية مخصوصة كما بينا ، أو تكون محمولة على ما حكي عن ابن عباس أنه قال : متعمدا معناه مستحلا لقتله ؛ فهذا أيضا يئول إلى الكفر إجماعا . وقالت جماعة : إن القاتل في المشيئة تاب أو لم يتب ؛ قاله أبو حنيفة وأصحابه . فإن قيل : إن قوله تعالى : فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه دليل على كفره ؛ لأن الله تعالى لا يغضب إلا على كافر خارج من الإيمان . قلنا : هذا وعيد ، والخلف في الوعيد كرم ؛ كما قال :وإني متى أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعديوقد تقدم .جواب ثان : إن جازاه بذلك ؛ أي هو أهل لذلك ومستحقه لعظيم ذنبه . نص على هذا أبو مجلز لاحق بن حميد وأبو صالح وغيرهما . وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا وعد الله لعبد ثوابا فهو منجزه وإن أوعد له العقوبة فله المشيئة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه . وفي هذين التأويلين دخل ، أما الأول - فقال القشيري : وفي هذا نظر ؛ لأن كلام الرب لا يقبل الخلف إلا أن يراد بهذا تخصيص العام ؛ فهو إذا جائز في الكلام . وأما الثاني : وإن روي أنه مرفوع فقال النحاس : وهذا الوجه الغلط فيه بين ، وقد قال الله عز وجل : ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا ولم يقل أحد : إن جازاهم ؛ وهو خطأ في العربية لأن بعده وغضب الله عليه وهو محمول على معنى جازاه .وجواب ثالث : فجزاؤه جهنم إن لم يتب وأصر على الذنب حتى وافى ربه على الكفر بشؤم المعاصي . وذكر هبة الله في كتاب " الناسخ والمنسوخ " أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، وقال : هذا إجماع الناس إلا ابن عباس وابن عمر فإنهما قالا هي محكمة . وفي هذا الذي قاله نظر ؛ لأنه موضع عموم وتخصيص لا موضع نسخ ؛ قاله ابن عطية .قلت : هذا حسن ؛ لأن النسخ لا يدخل الأخبار إنما المعنى فهو يجزيه . وقال النحاس في " معاني القرآن " له : القول فيه عند العلماء أهل النظر أنه محكم وأنه يجازيه إذا لم يتب ، فإن تاب فقد بين أمره بقوله : وإني لغفار لمن تاب فهذا لا يخرج عنه ، والخلود لا يقتضي الدوام قال الله تعالى : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد الآية . وقال تعالى : يحسب أن ماله أخلده وقال زهير :ألا لا أرى على الحوادث باقيا ولا خالدا إلا الجبال الرواسياوهذا كله يدل على أن الخلد يطلق على غير معنى التأبيد ؛ فإن هذا يزول بزوال الدنيا . وكذلك العرب تقول : لأخلدن فلانا في السجن ؛ والسجن ينقطع ويفنى ، وكذلك المسجون . ومثله قولهم في الدعاء : خلد الله ملكه وأبد أيامه . وقد تقدم هذا كله لفظا ومعنى . والحمد لله .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله تعالى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يقتل مؤمنًا عامدًا قتله، مريدًا إتلاف نفسه=" فجزاؤه جهنم "، يقول: فثوابه من قتله إياه (44) =" جهنم "، يعني: عذاب جهنم=" خالدًا فيها "، يعني: باقيًا فيها (45) = و " الهاء " و " الألف " في قوله: " فيها " من ذكر " جهنم "=" وغضب الله عليه "، يقول: وغضب الله عليه بقتله إياه متعمدًا (46) =" ولعنه " يقول: وأبعده من رحمته وأخزاه (47) =" وأعد له عذابًا عظيمًا "، وذلك ما لا يعلم قدر مبلغه سواه تعالى ذكره.* * *واختلف أهل التأويل في صفة القتل الذي يستحق صاحبُه أن يسمى متعمِّدًا، بعد إجماع جميعهم على أنه إذا ضرب رجلٌ رجلا بحدِّ حديد يجرح بحدِّه، أو يَبْضَع ويقطع، (48) فلم يقلع عنه ضربًا به حتى أتلف نفسه، وهو في حال ضربه إياه به قاصدٌ ضربَه: أنه عامدٌ قتلَه. ثم اختلفوا فيما عدا ذلك. فقال بعضهم: لا عمدَ إلا ما كان كذلك على الصفة التي وصفنا.*ذكر من قال ذلك:10174- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ابن جريج قال: قال عطاء: " العَمد "، السلاح= أو قال: الحديد= قال: وقال سعيد بن المسيب: هو السلاح.10175- حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: العمد ما كان بحديدة، وما كان بدون حديدة، فهو شبه العمد، لا قَوَد فيه.10176- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: العمد ما كان بحديدة، وشبه العمد ما كان بَخَشبة. وشبه العمد لا يكون إلا في النفس. (49)10178- حدثني أحمد بن حماد الدولابي قال، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس قال: من قتل في عصبيّة، في رمي يكون منهم بحجارة، أو جلد بالسياط، أو ضرب بالعصى، فهو خطأ، ديته دية الخطأ. ومن قتل عمدًا فهو قَوَد يَدِه. (50)10179- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، ومغيرة، عن الحارث وأصحابه، في الرجل يضرب الرجل فيكون مريضًا حتى يموت، قال: أسأل الشهودَ أنه ضربه، فلم يزل مريضًا من ضربته حتى ماتَ، فإن كان بسلاح فهو قَوَد، وإن كان بغير ذلك فهو شِبْه العمد.* * *وقال آخرون: كلّ ما عمد الضارب إتلاف نفس المضروب فهو عمد، إذا كان الذي ضرب به الأغلب منه أنه يقتل. (51)*ذكر من قال ذلك:10180- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن حبان بن أبي جبلة، عن عبيد بن عمير أنه قال: وأي عمد هو أعمد من أن يضرب رجلا بعصا، ثم لا يقلع عنه حتى يموت؟. (52)10181- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن إبراهيم قال: إذا خنقه بحبل حتى يموت، أو ضربه بخشبة حتى يموت، فهو القَوَد.* * *وعلة من قال: " كل ما عدا الحديد خطأ "، ما:-10182- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن أبي عازب، عن النعمان بن بشير قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرْش؟ (53)* * *وعلة من قال: " حكم كلّ ما قتل المضروب به من شيء، حكم السيف، في أنّ من قتل به قتيلُ عمد "، ما:-10183- حدثنا به ابن بشار قال، حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاحٍ لها بين حجرين، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقتله بين حجرين. (54)* * *قالوا: فأقاد النبي صلى الله عليه وسلم من قاتل بحجر، وذلك غير حديدٍ. قالوا: وكذلك حكم كل من قتل رجلا بشيء الأغلب منه أنه يقتل مثلَ المقتول به، نظيرُ حكم اليهوديِّ القاتلِ الجارية بين الحجرين.* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، قولُ من قال: كل من ضرب إنسانًا بشيء الأغلب منه أنه يتلفه، فلم يقلع عنه حتى أتلف نفسَه به: أنه قاتل عمدٍ، ما كان المضروب به من شيء (55) للذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.* * *وأما قوله: " فجزاؤه جهنم خالدًا فيها "، فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه. فقال بعضهم معناه: فجزاؤه جهنم إن جازاه.*ذكر من قال ذلك:10184- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، قال: هو جزاؤه، وإن شاء تجاوز عنه.10185- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله قال، حدثنا شعبة، عن يسار، عن أبي صالح: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، قال: جزاؤه جهنم إن جازاه.* * *وقال آخرون: عُنِي بذلك رجل بعينه، كان أسلم فارتدّ عن إسلامه، وقتل رجلا مؤمنًا. قالوا: فمعنى الآية: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا مستحلا قتلَه، فجزاؤه جهنم خالدًا فيها.*ذكر من قال ذلك:10186- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: أن رجلا من الأنصار قتل أخا مقيس بن صُبَابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الديةَ فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله= قال ابن جريج: وقال غيره: ضرب النبيّ صلى الله عليه وسلم ديتَه على بني النجار، ثم بعث مقيسًا، وبعث معه رجلا من بني فهر في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم، فاحتمل مقيسٌ الفِهريَّ (56) = وكان أيِّدًا (57) = فضرب به الأرض، ورَضخَ رأسه بين حجرين، ثم ألفى يتغنى:ثَأَرْتُ بِهِ فِهْرًا, وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُسَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابِ فَارِعِ (58)فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أظنّه قد أحدث حدثًا! أما والله لئن كان فعل، لا أومِنه في حِلّ ولا حَرَم ولا سلم ولا حرب! فقتل يوم الفتح= قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه الآية: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا "، الآية .* * *وقال آخرون: معنى ذلك: إلا من تاب.*ذكر من قال ذلك:10187- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور قال، حدثني سعيد بن جبير= أو: حدثني الحكم، عن سعيد بن جبير= قال: سألت ابن عباس عن قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه جهنم، ولا توبة له = فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إلا من نَدم.* * *وقال آخرون: ذلك إيجاب من الله الوعيدَ لقاتل المؤمن متعمّدًا، كائنًا من كان القاتل، على ما وصفه في كتابه، ولم يجعل له توبة من فعله. قالوا: فكل قاتل مؤمن عمدًا، فله ما أوعده الله من العذاب والخلود في النار، ولا توبة له. وقالوا: نزلت هذه الآية بعد التي في" سورة الفرقان ".*ذكر من قال ذلك:10188- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن يحيى الجابر، عن سالم بن أبي الجعد قال: كنا عند ابن عباس بعد ما كُفَّ بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمنًا متعمدًا؟ فقال: " جزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضبَ الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا ". قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمِل صالحًا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلتْه أمه! وأنَّى له التوبة والهدى؟ فوالذي نفسي بيده لقد سمعت نبيَّكم صلى الله عليه وسلم يقول: ثكلته أمه! رجل قتل رجلا متعمدًا جاء يوم القيامة آخذًا بيمينه أو بشماله، تَشْخَبُ أوداجه دمًا، في قُبُل عرش الرحمن، يَلزم قاتلَه بيده الأخرى يقول: سلْ هذا فيم قتلني؟ ووالذي نفس عبد الله بيده، لقد أنزلت هذه الآية، فما نسختها من آية حتى قُبض نبيّكم صلى الله عليه وسلم، وما نزل بعدها من برهان. (59)10189- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد: عن عمرو بن قيس، عن يحيى بن الحارث التيمي، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا "، فقيل له: وإن تاب وآمن وعمل صالحًا! فقال: وأنَّى له التوبة! (60)10190- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا موسى بن داود قال، حدثنا همام، عن يحيى، عن رجل، عن سالم قال: كنت جالسًا مع ابن عباس، فسأله رجل فقال: أرأيت رجلا قتل مؤمنًا متعمدًا، أين منزله؟ قال: " جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا ". قال: أفرأيت إن هو تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال: وأنَّى له الهدى، ثكلته أمه؟ والذي نفسي بيده لسمعته يقول= يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم= يجيء يوم القيامة مُعَلِّقًا رأسه بإحدى يديه، إما بيمينه أو بشماله، آخذًا صاحبه بيده الأخرى، تشخَبُ أوداجه حِيَال عرش الرحمن، يقول: يا رب، سلْ عبدك هذا عَلام قتلني؟ فما جاء نبيّ بعد نبيِّكم، ولا نزل كتابٌ بعد كتابكم. (61)10191- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا عمار بن رُزيق، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس: بنحوه= إلا أنه قال في حديثه: فوالله لقد أنزلت على نبيكم، ثم ما نسخها شيء، ولقد سمعته يقول: ويل لقاتل المؤمن، يجيء يوم القيامة آخذًا رأسه بيده= ثم ذكر الحديث نحوه. (62)10192- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قال لي عبد الرحمن بن أبزى: سئل ابن عباس عن قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، فقال: لم ينسخها شيء. وقال في هذه الآية: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [سورة الفرقان: 68]. قال: نزلت في أهل الشرك.10193- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن سعيد بن جبير قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين، فذكر نحوه. (63)10194- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور قال، حدثني سعيد بن جبير= أو: حُدّثت عن سعيد بن جبير: أن عبد الرحمن بن أبزى أمَره أن يسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين التي في" النساء ": " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم " إلى آخر الآية= والتي في" الفرقان ": وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا إلى وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ، قال ابن عباس: إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره، ثم قتل مؤمنًا متعمدًا، فلا توبة له. وأما التي في" الفرقان "، فإنها لما أنزلت قال المشركون من أهل مكة: فقد عدَلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله بغير الحق، وأتينا الفواحش، فما ينفعنا الإسلام! قال فنزلت: إِلا مَنْ تَابَ الآية (64)10195- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، قال: ما نسخها شيء.10196- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: هي من آخر ما نزلت، ما نسخها شيء.10197- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فدخلت إلى ابن عباس فسألته فقال: لقد نزلت في آخر ما أنزل من القرآن، وما نسخها شيء. (65)10198- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال: حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو إياس معاوية بن قرّة قال، أخبرني شهر بن حوشب قال، سمعت ابن عباس يقول: نزلت هذه الآية: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم " بعد قوله: إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ، بسنةٍ.10199- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا سلم بن قتيبة قال، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن ابن عباس قال: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم " ، قال: نزلت بعد إِلا مَنْ تَابَ ، بسنة.10200- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو إياس قال، حدثني من سمع ابن عباس يقول في قاتل المؤمن: نزلت بعد ذلك بسنة. فقلت لأبي إياس: من أخبرك؟ فقال: شهر بن حَوْشب.10201- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي حصين، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا "، قال: ليس لقاتل توبة، إلا أن يستغفر الله.10202- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا " الآية، قال عطية: وسئل عنها ابن عباس، فزعم أنها نزلت بعد الآية التي في" سورة الفرقان " بثمان سنين، وهو قوله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إلى قوله: غَفُورًا رَحِيمًا .10203- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن مطرف عن أبي السفر، عن ناجية، عن ابن عباس قال: هما المبهمتان: الشرك والقتل. (66)10204- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، لأن الله سبحانه يقول: " فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا ".10205- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن بعض أشياخه الكوفيين، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود في قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، قال: إنها لمحكمة، وما تزداد إلا شدة.10206- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثني هياج بن بسطام، عن محمد بن عمرو، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت قال: نزلت " سورة النساء " بعد " سورة الفرقان " بستة أشهر. (67)10207- حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرنا نافع بن يزيد قال، حدثني أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: يأتي المقتول يوم القيامة آخذًا رأسه بيمينه وأوداجه تشخَب دمًا، يقول: يا ربِّ، دمي عند فلان! فيؤخذان فيسندان إلى العرش، فما أدري ما يقضى بينهما. ثم نزع بهذه الآية: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها " الآية ، قال ابن عباس: والذي نفسي بيده، ما نسخها الله جل وعز منذ أنزلها على نبيَّكم عليه السلام. (68)10208- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، عن أبي الزناد قال: سمعت رجلا يحدّث خارجة بن زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت قال، سمعت أباك يقول: نزلت الشديدةُ بعد الهيِّنة بستة أشهر، قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا "، إلى آخر الآية، بعد قوله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إلى آخر الآية، [سورة الفرقان، 68].10209- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزناد قال: سمعت رجلا يحدّث خارجة بن زيد قال: سمعت أباك في هذا المكان بمنَى يقول: نزلت الشديدة بعد الهينة= قال: أراه: بستة أشهر، يعني: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا " بعد: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [سورة النساء: 48 ، 116].10210- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم قال: ما نسخها شيء منذ نزلت، وليس له توبة.* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، (69) قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه إن جزاه جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويتفضَّل على أهل الإيمان به وبرسوله، (70) فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إيّاها ثم يخرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [سورة الزمر: 53].* * *فإن ظن ظان أن القاتل إن وجب أن يكون داخلا في هذه الآية، فقد يجب أن يكون المشرك داخلا فيه، لأن الشرك من الذنوب، فإن الله عز ذكرُه قد أخبر أنه غير غافرٍ الشركَ لأحدٍ بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [سورة النساء: 48 ، 116]، والقتل دون الشرك. (71)---------------الهوامش :(44) انظر تفسير"الجزاء" فيما سلف 2: 27 ، 28 ، 314 / 6: 576.(45) انظر تفسير"الخلود" فيما سلف 6: 577 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(46) انظر تفسير"غضب الله" فيما سلف 1: 188 ، 189 / 2 : 138 ، 347 / 7 : 116.(47) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف 2: 328 ، 329 / 3 : 254 ، 261 / 6: 577 / 8 : 439 ، 471.(48) "بضع اللحم يبضعه": قطعه.(49) سقط من الترقيم رقم: 10177.(50) في المطبوعة: "قود يديه" ، وأثبت ما في المخطوطة. وقوله: "قود يده" ، أي قود بما جنت يده.(51) في المطبوعة والمخطوطة: "إذا كان الذي ضرب الأغلب" ، والسياق يقتضي إثبات"به" حيث أثبتها.(52) الأثر: 10180 -"حبان بن أبي جبلة القرشي ، مولاهم ، المصري. روى عن عمرو بن العاص ، والعبادلة إلا ابن الزبير ، مضت ترجمته برقم: 2195.أما "عبد الرحمن بن يحيى" ، فلم أعرف من هو ، وأخشى أن يكون"صوابه" عبد الرحمن بن أنعم ، وهو: "عبد الرحمن بن زياد بن أنعم بن ذري بن يحمد الإفريقي" ، وسلفت ترجمته برقم 2195 ، وروايته أيضًا عن"حبان بن أبي جبلة".(53) الحديث: 10182 - سفيان: هو الثوري.جابر: هو ابن يزيد الجعفي. وهو ضعيف جدًا ، رمي بالكذب ، كما بينا في: 2340. أبو عازب: رجل كوفي غير معروف. قيل: اسمه"مسلم بن عمرو" ، وقيل: "مسلم بن أراك". لم يرو عنه غير جابر الجعفي -هذا- و"الحارث بن زياد".و"الحارث بن زياد" -هذا-: لا يعرف أحدًا ، فإنه هو مجهول. ترجمه ابن أبي حاتم 1 / 2 / 75. وروى عن أبيه أنه قال: "هو مجهول". ولم يترجم له البخاري.وأما أبو عازب: فقد ترجم له البخاري في الكبير 4 / 1 / 268 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 190 - كلاهما في اسم"مسلم بن عمرو".وهو -على الرغم من هذا- لا يزال مجهولا ، إذ لم يرو عنه ثقة معروف.والحديث رواه أحمد في المسند 4 : 272 (حلبي) ، عن وكيع ، بهذا الإسناد. ولكن بلفظ"لكل شيء خطأ" بزيادة اللام في"كل".ثم رواه 4: 275 (حلبي) ، عن أحمد بن عبد الملك ، عن زهير ، عن جابر -وهو الجعفي- به ، بلفظ"كل شيء خطأ إلا السيف ، وفي كل خطأ أرش".ورواه البيهقي في السنن الكبرى 8 : 42 ، بثلاثة أسانيد ، من طريق جابر الجعفي ثم رواه بإسناد آخر ، من طريق قيس بن الربيع ، عن أبي حصين ، عن إبراهيم بن بنت النعمان بن بشير ، عن النعمان. ثم قال: "مدار هذا الحديث على جابر الجعفي ، وقيس بن الربيع ، ولا يحتج بهما".وذكره الزيلعي في نصب الراية 4: 333 ، من رواية المسند. وأعله بما قاله صاحب التنقيح: "وعلى كل حال فأبو عازب ليس بمعروف". ثم نقل تعليله عن البيهقي في المعرفة بمثل ما أعله به في السنن الكبرى. ولم يعقب عليهما.(54) الحديث: 10183 - هذا مختصر من حديث صحيح متفق عليه.رواه البخاري 12: 174 -175 ، 187-188 ، ومسلم 2: 27 -كلاهما من طريق همام ، عن قتادة ، عن أنس.ورواه البخاري أيضًا 12: 176 ، 180 ، ومسلم 2: 26-27 ، من أوجه أخر عن أنس.وذكره المجد بن تيمية في المنتقى: 3915 ، وقال: "رواه الجماعة" - يعني الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة.="الأوضاح" جمع وضح (بفتحتين) ، وهو الدرهم الصحيح. ثم اتخذ حلي من الدراهم الصحاح من الفضة ، فقيل لها"أوضاح".(55) قوله: "ما كان المضروب به من شيء" يعني: أي شيء كان المضروب به.(56) "مقيس الفهري" ، والأشهر"السهمي" ، وهو واحد ، لأنه من بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر.(57) "الأيد" على وزن"سيد" الشديد القوي ، من"الأيد" (بفتح فسكون) وهو القوة.(58) سيرة ابن هشام 3: 305 ، 306 ، تاريخ الطبري 3: 66 ، معجم البلدان (فارع) ، وهو آخر أبيات أربعة هي:شَفَى النَّفْسَ أَنْ قَدْ بَاتَ بِالْقَاعِ مُسْنَدًاتُضَرِّجُ ثَوْبَيْهِ دِمَاءُ الأَخَادِعِوَكَانَتْ هُمُومُ النَّفْسِ مِنْ قَبْلِ قَتْلِهِتُلِمُّ فَتَحْمِينِي وِطَاءَ الْمَضَاجِعِحَلَلْتُ بِهِ وِترِي، وَأَدْرَكْتُ ثُؤْرَتِيوَكُنْتُ إِلَى الأَوْثَانِ أَوَّلَ راجِعِثَأَرْتُ بِهِ فِهْرًا.............. . . . . . . . . . . . . . . . . . .وكان في المخطوطة والمطبوعة: "قتلت به فهرًا" ، وليس صوابًا ، إنما قتل قاتل أخيه هشام بن صبابة ، قالوا: اسمه"أوس" ، لا"فهر". أما "فهر" في قوله: "ثأرت به فهرًا" فإنه يعني أبناء فهر ، وهم رهطه ، أدرك ثأرهم بقتله الأنصاري. وفي مطبوعة تاريخ الطبري"قهرًا" بالقاف ، والصواب بالفاء. و"فارع" أطم بالمدينة لبني النجار ، كان لحسان بن ثابت رحمه الله ، ذكره في شعره.(59) الأثر: 10188 -"يحيى الجابر" هو"يحيى بن المجبر" ، وهو: يحيى بن عبد الله بن الحارث المجبر التيمي وثقه أخي السيد أحمد في المسند.ورواه أحمد في المسند رقم: 2142 بطوله ، وهو حديث صحيح ، من طريق محمد بن جعفر عن شعبة ، عن يحيى بن المجبر التيمي. ثم رواه برقم: 2683 ، ورواه مختصرًا برقم: 1941 ، 3445 وانظر ابن كثير 2: 537-539.وقوله: "تشخب أوداجه دما" ، أي تسيل دمًا له صوت في خروجه ، و"الشخب" ، ما يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة لضرع الشاة ، ويكون لمخرجه صوت عند الحلب. و"الأوداج" جمع"ودج" (بفتحتين) ، وهي العروق التي تكتنف الحلقوم ، وما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح.وقوله: "في قبل عرش الرحمن" ، "قبل" (بضم فسكون) ، أو (بفتحتين) أو (بضمتين) كل ذلك جائز ، وهو الوجه ، أو ما يستقبلك من شيء ، ويعني به ما بين يدي العرش حيث يستقبله الناظر.(60) الأثر: 10189 -"أبو خالد" الأحمر ، هو سليمان بن حيان الأزدي ، مضى برقم: 3956 ، ورواية سفيان بن وكيع عنه برقم: 2472.و"عمرو بن قيس الملائي" ، مضى مرارًا ، وانظر رقم: 3956.و"يحيى بن الحارث التيمي" هو"يحيى الجابر" ، و"يحيى بن عبد الله بن الحارث" نسب إلى جده ، ومضى في الأثر السالف.وهذا الأثر مختصر الذي قبله.(61) الأثر: 10190 -"موسى بن داود الضبي الطرسوسي" ، من شيوخ أحمد وعلي بن المديني. ثقة صاحب حديث ، ولي قضاء طرسوس إلى أن مات بها.و"همام" هو ابن يحيى بن دينار الأزدي ، روى عن عطاء وقتادة وابن سيرين. روى عن الثوري ، وهو من أقرانه. ثقة.وهذا الأثر طريق آخر للأثر السالف بمعناه ، وجعل بين يحيى الجابر ، وسالم بن أبي الجعد"رجلا" ، ويحيى قد سمع سالمًا ، فلا يضر أن يكون سمعه أيضًا من رجل عن سالم.(62) الأثر: 10191 -"عمار بن رزيق الضبي" ، أبو الأحوص. روى عن أبي إسحاق السبيعي والأعمش وعطاء بن السائب ، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. مترجم في التهذيب. وكان في المطبوعة: "عمان بن زريق" بالنون في"عمار" وبتقديم الزاي على الراء ، وهو خطأ.(63) الأثر: 10192 ، 10193 - رواه مسلم (18 : 158) والبخاري (فتح 8 : 380) من طريق محمد بن بشار ومحمد بن المثنى ، كالإسناد الثاني.(64) الأثر: 10194 - رواه البخاري (فتح 8: 379) ومسلم (18 : 159). رواه البخاري من طريق سعد بن حفص ، عن شيبان ، عن منصور. ورواه مسلم من طريق هارون بن عبد الله ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم الليثي ، عن أبي معاوية شيبان.وأسقطت المخطوطة: "وأتينا الفواحش". وليس فيها كلمة"الآية" في آخر الأثر.(65) الآثار 10195 - 10197 - هذه الآثار ، رواها البخاري في صحيحه (فتح 8 / 379) ومسلم (18 : 158). وقد استقصى الحافظ ابن حجر الكلام فيها في الفتح. وكان في المطبوعة: "لقد نزلت في آخر ما نزل" ، وأثبت ما في المخطوطة.(66) يعني بقوله: "المبهمتان" ، يعني: الآيتان اللتان لا مخرج منهما ، كأنها باب مبهم مصمت ، أي: مستغلق لا يفتح ، ولا مأتى له. وذلك أن الشرك والقتل ، جزاؤه التخليد في نار جهنم ، أعاذنا الله منها. ومثله في الحديث: "أربع مبهمات: النذر والنكاح والطلاق والعتاق" ، وفسرته رواية أخرى: "أربع مقفلات" ، أي: لا مخرج منها ، كأنها أبواب مبهمة عليها أقفال. وقد مضى تفسير"المبهم" فيما سلف 8: 143 ، تعليق: 2 ، بغير هذا المعنى ، فانظره.(67) الأثر: 10206 -"هياج بن بسطام الهروي" ، مضت ترجمته برقم: 9603.(68) الأثر: 10207 -"ابن البرقي" ، هو"أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي" سلف برقم : 22 وكان في المطبوعة"ابن الرقي" وهو خطأ.و"ابن أبي مريم" ، هو"سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم الجمحي" ، مضى برقم: 22 ، وغيره من المواضع.وهذا الأثر ساقط من المخطوطة.(69) في المطبوعة: "وأولى القول في ذلك" ، والصواب من المخطوطة.(70) في المطبوعة: "يعفو أو يتفضل" ، والصواب من المخطوطة.(71) في المخطوطة: "ولا نقبل دون الشرك" ، وهو خطأ محض ، والصواب ما في المطبوعة.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا  ٩٤
التفسير الميسريا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إذا خرجتم في الأرض مجاهدين في سبيل الله فكونوا على بينة مما تأتون وتتركون، ولا تنفوا الإيمان عمن بدا منه شيء من علامات الإسلام ولم يقاتلكم؛ لاحتمال أن يكون مؤمنًا يخفي إيمانه، طالبين بذلك متاع الحياة الدنيا، والله تعالى عنده من الفضل والعطاء ما يغنيكم به، كذلك كنتم في بدء الإسلام تخفون إيمانكم عن قومكم من المشركين فمَنَّ الله عليكم، وأعزَّكم بالإيمان والقوة، فكونوا على بيِّنة ومعرفة في أموركم. إن الله تعالى عليم بكل أعمالكم، مطَّلع على دقائق أموركم، وسيجازيكم عليها.
تفسير السعدييأمر تعالى عباده المؤمنين إذا خرجوا جهادًا في سبيله وابتغاء مرضاته أن يتبينوا ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة. فإن الأمور قسمان: واضحة وغير واضحة. فالواضحة البيِّنة لا تحتاج إلى تثبت وتبين، لأن ذلك تحصيل حاصل. وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين، ليعرف هل يقدم عليها أم لا؟ فإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد وعقله ورزانته، بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها قبل أن يتبين له حكمها، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي، كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية لمَّا لم يتثبتوا وقتلوا من سلم عليهم، وكان معه غنيمة له أو مال غيره، ظنًّا أنه يستكفي بذلك قتلَهم، وكان هذا خطأ في نفس الأمر، فلهذا عاتبهم بقوله: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ أي: فلا يحملنكم العرض الفاني القليل على ارتكاب ما لا ينبغي فيفوتكم ما عند الله من الثواب الجزيل الباقي، فما عند الله خير وأبقى. وفي هذا إشارة إلى أن العبد ينبغي له إذا رأى دواعي نفسه مائلة إلى حالة له فيها هوى وهي مضرة له، أن يُذَكِّرها ما أعد الله لمن نهى نفسه عن هواها، وقدَّم مرضاة الله على رضا نفسه، فإن في ذلك ترغيبًا للنفس في امتثال أمر الله، وإن شق ذلك عليها. ثم قال تعالى مذكرًا لهم بحالهم الأولى، قبل هدايتهم إلى الإسلام: كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي: فكما هداكم بعد ضلالكم فكذلك يهدي غيركم، وكما أن الهداية حصلت لكم شيئًا فشيئًا، فكذلك غيركم. فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة، ومعاملته لمن كان على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى، ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة - من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه، ولهذا أعاد الأمر بالتبين فقال: فَتَبَيَّنُوا فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل الله، ومجاهدة أعداء الله، وقد استعد بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم، مأمورًا بالتبين لمن ألقى إليه السلام، وكانت القرينة قوية في أنه إنما سلم تعوذا من القتل وخوفا على نفسه - فإن ذلك يدل على الأمر بالتبين والتثبت في كل الأحوال التي يقع فيها نوع اشتباه، فيتثبت فيها العبد، حتى يتضح له الأمر ويتبين الرشد والصواب. إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا فيجازي كُلًّا ما عمله ونواه، بحسب ما علمه من أحوال عباده ونياتهم.
تفسير ابن كثيرقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن أبي بكير ، وحسين بن محمد ، وخلف بن الوليد ، قالوا : حدثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنما له ، فسلم عليهم فقالوا : ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا . فعمدوا إليه فقتلوه ، وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا [ إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ] ) إلى آخرها .ورواه الترمذي في التفسير ، عن عبد بن حميد ، عن عبد العزيز بن أبي رزمة ، عن إسرائيل ، به . وقال : هذا حديث حسن ، وفي الباب عن أسامة بن زيد . ورواه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، به . ثم قال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى وعبد الرحيم بن سليمان ، كلاهما عن إسرائيل ، به وقال في بعض كتبه غير التفسير - وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط - : وهذا خبر عندنا صحيح سنده ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما ، لعلل منها : أنه لا يعرف له مخرج عن سماك إلا من هذا الوجه ، ومنها : أن عكرمة في روايته عندهم نظر ، ومنها : أن الذي أنزلت فيه الآية مختلف فيه ، فقال بعضهم : أنزلت في محلم بن جثامة ، وقال بعضهم : أسامة بن زيد . وقيل غير ذلك .قلت : وهذا كلام غريب ، وهو مردود من وجوه أحدها : أنه ثابت عن سماك ، حدث به عنه غير واحد من الكبار . الثاني : أن عكرمة محتج به في الصحيح . الثالث : أنه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس ، كما قال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس : ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) قال : قال ابن عباس : كان رجل في غنيمة له ، فلحقه المسلمون ، فقال : السلام عليكم . فقتلوه وأخذوا غنيمته [ فأنزل الله ذلك إلى قوله : ( تبتغون عرض الحياة الدنيا ) تلك الغنيمة . قرأ ابن عباس ( السلام ) وقال سعيد بن منصور : حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال : لحق المسلمون رجلا في غنيمة فقال : السلام عليكم ، فقتلوه وأخذوا غنيمته ] فنزلت : ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا )ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم ، من طريق سفيان بن عيينة ، بهوأما قصة محلم بن جثامة فقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه عبد الله ابن أبي حدرد ، رضي الله عنه ، قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم ، فخرجت في نفر من المسلمين ، فيهم : أبو قتادة الحارث بن ربعي ، ومحلم بن جثامة بن قيس ، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي ، على قعود له ، معه متيع ووطب من لبن ، فلما مر بنا سلم علينا ، فأمسكنا عنه ، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله ، بشيء كان بينه وبينه ، وأخذ بعيره ومتيعه ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر ، نزل فينا القرآن : ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله [ فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون ] خبيرا . )تفرد به أحمدوقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا جرير ، عن ابن إسحاق ، عن نافع ; أن ابن عمر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محلم بن جثامة مبعثا ، فلقيهم عامر بن الأضبط ، فحياهم بتحية الإسلام وكانت بينهم حنة في الجاهلية ، فرماه محلم بسهم فقتله ، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتكلم فيه عيينة والأقرع ، فقال الأقرع : يا رسول الله ، سن اليوم وغير غدا . فقال عيينة : لا والله ، حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي . فجاء محلم في بردين ، فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا غفر الله لك " . فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه ، فما مضت له سابعة حتى مات ، ودفنوه ، فلفظته الأرض ، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له ، فقال : " إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ، ولكن الله أراد أن يعظكم من حرمتكم " ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة ، ونزلت : ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ) الآية .وقال البخاري : قال حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد : " إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار ، فأظهر إيمانه فقتلته ، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل " .هكذا ذكر البخاري هذا الحديث معلقا مختصرا وقد روي مطولا موصولا فقال الحافظ أبو بكر البزار :حدثنا أحمد بن علي البغدادي ، حدثنا جعفر بن سلمة ، حدثنا أبو بكر بن علي بن مقدم ، حدثنا حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ، فيها المقداد بن الأسود ، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا ، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح فقال : أشهد أن لا إله إلا الله . وأهوى إليه المقداد فقتله ، فقال له رجل من أصحابه : أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله ؟ والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم . فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله ، إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله ، فقتله المقداد . فقال : " ادعوا لي المقداد . يا مقداد ، أقتلت رجلا يقول : لا إله إلا الله ، فكيف لك بلا إله إلا الله غدا ؟ " . قال : فأنزل الله : ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد : " كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار ، فأظهر إيمانه ، فقتلته ، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل " .وقوله : ( فعند الله مغانم كثيرة ) أي : خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام ، وأظهر إليكم الإيمان ، فتغافلتم عنه ، واتهمتموه بالمصانعة والتقية ; لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ، فما عند الله من المغانم الحلال خير لكم من مال هذا .وقوله : ( كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ) أي : قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه ، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفا ، وكما قال تعالى : ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض [ تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ] ) الآية [ الأنفال : 26 ] ، وهذا هو مذهب سعيد بن جبير ، كما رواه الثوري ، عن حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير في قوله : ( كذلك كنتم من قبل ) تخفون إيمانكم في المشركين .ورواه عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، أخبرني عبد الله بن كثير ، عن سعيد بن جبير في قوله : ( كذلك كنتم من قبل ) تستخفون بإيمانكم ، كما استخفى هذا الراعي بإيمانه .وهذا اختيار ابن جرير . وقال ابن أبي حاتم : وذكر عن قيس ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير قوله : ( كذلك كنتم من قبل ) [ تورعون عن مثل هذا ، وقال الثوري عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق : ( كذلك كنتم من قبل ) ] لم تكونوا مؤمنين ( فمن الله عليكم [ فتبينوا ) وقال السدي : ( فمن الله عليكم ) ] أي : تاب عليكم ، فحلف أسامة لا يقتل رجلا يقول : " لا إله إلا الله " بعد ذلك الرجل ، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه .وقوله : ( فتبينوا ) تأكيد لما تقدم . وقوله : ( إن الله كان بما تعملون خبيرا ) قال سعيد بن جبير : هذا تهديد ووعيد .
تفسير القرطبيقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرافيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا هذا متصل بذكر القتل والجهاد . والضرب : السير في الأرض ؛ تقول العرب : ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيره ؛ مقترنة بفي . وتقول : ضربت الأرض دون " في " إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان ؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا يخرج الرجلان يضربان الغائط يتحدثان كاشفين عن فرجيهما فإن الله يمقت على ذلك . وهذه الآية نزلت في قوم من المسلمين مروا في سفرهم برجل معه جمل وغنيمة يبيعها فسلم على القوم وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله ؛ فحمل عليه أحدهم فقتله . فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم شق عليه ونزلت الآية . وأخرجه البخاري عن عطاء عن ابن عباس قال : قال ابن عباس : كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال : السلام عليكم ، فقتلوه وأخذوا غنيمته ؛ فأنزل الله تعالى ذلك إلى قوله : عرض الحياة الدنيا تلك الغنيمة . قال : قرأ ابن عباس " السلام " . في غير البخاري : وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله ورد عليه غنيماته . واختلف في تعيين القاتل والمقتول في هذه النازلة ، فالذي عليه الأكثر وهو في سير ابن إسحاق ومصنف أبي داود والاستيعاب لابن عبد البر أن القاتل محلم بن جثامة ، والمقتول عامر بن الأضبط فدعا عليه السلام على محلم فما عاش بعد ذلك إلا سبعا ثم دفن فلم تقبله الأرض ثم دفن فلم تقبله ثم دفن ثالثة فلم تقبله ؛ فلما رأوا أن الأرض لا تقبله ألقوه في بعض تلك الشعاب ؛ وقال عليه السلام : إن الأرض لتقبل من هو شر منه . قال الحسن : أما إنها تحبس من هو شر منه ولكنه وعظ القوم ألا يعودوا . وفي سنن ابن ماجه عن عمران بن حصين قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا من المسلمين إلى المشركين فقاتلوهم قتالا شديدا ، فمنحوهم أكتافهم فحمل رجل من لحمتي على رجل من المشركين بالرمح فلما غشيه قال : أشهد أن لا إله إلا الله ؛ إني مسلم ؛ فطعنه فقتله ؛ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، هلكت ! قال : وما الذي صنعت ؟ مرة أو مرتين ، فأخبره بالذي صنع . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه فقال : يا رسول الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما في قلبه ؟ قال : لا فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما في قلبه . فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات فدفناه ، فأصبح على وجه الأرض . فقلنا : لعل عدوا نبشه ، فدفناه ثم أمرنا غلماننا يحرسونه فأصبح على ظهر الأرض . فقلنا : لعل الغلمان نعسوا ، فدفناه ثم حرسناه بأنفسنا فأصبح على ظهر الأرض ، فألقيناه في بعض تلك الشعاب . وقيل : إن القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس بن نهيك الغطفاني ثم الفزاري من بني مرة من أهل فدك . وقال ابن القاسم عن مالك . وقيل : كان مرداس هذا قد أسلم من الليلة وأخبر بذلك أهله ؛ ولما عظم النبي صلى الله عليه وسلم الأمر على أسامة حلف عند ذلك ألا يقاتل رجلا يقول : لا إله إلا الله . وقد تقدم القول فيه . وقيل : القاتل أبو قتادة . وقيل : أبو الدرداء . ولا خلاف أن الذي لفظته الأرض حين مات هو محلم الذي ذكرناه . ولعل هذه الأحوال جرت في زمان متقارب فنزلت الآية في الجميع . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على أهل المسلم الغنم والجمل وحمل ديته على طريق الائتلاف والله أعلم . وذكر الثعلبي أن أمير تلك السرية رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي . وقيل : المقداد حكاه السهيلي .الثانية : قوله تعالى : " فتبينوا " أي : تأملوا . و " تبينوا " قراءة الجماعة ، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ، وقالا : من أمر بالتبين فقد أمر بالتثبيت ؛ يقال : تبينت الأمر وتبين الأمر بنفسه ، فهو متعد ولازم . وقرأ حمزة " فتثبتوا " من التثبت بالثاء مثلثة وبعدها باء بواحدة " وتبينوا " في هذا أوكد ؛ لأن الإنسان قد يتثبت ولا يبين . وفي إذا معنى الشرط ، فلذلك دخلت الفاء في قوله فتبينوا . وقد يجازى بها كما قال :وإذا تصبك خصاصة فتجملوالجيد ألا يجازى بها كما قال الشاعر :والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنعوالتبين التثبت في القتل واجب حضرا وسفرا ولا خلاف فيه ، وإنما خص السفر بالذكر لأن الحادثة التي فيها نزلت الآية وقعت في السفر .الثالثة : قوله تعالى : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا السلم والسلم ، والسلام واحد ، قاله البخاري . وقرئ بها كلها . واختار أبو عبيد القاسم بن سلام " السلام " . وخالفه أهل النظر فقالوا : " السلم " هاهنا أشبه ؛ لأنه بمعنى الانقياد والتسليم ، كما قال عز وجل : فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء فالسلم الاستسلام والانقياد . أي لا تقولوا لمن ألقى بيده واستسلم لكم وأظهر دعوتكم لست مؤمنا . وقيل : السلام قول السلام عليكم ، وهو راجع إلى الأول ؛ لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده ، ويحتمل أن يراد به الانحياز والترك . قال الأخفش : يقال فلان سلام إذا كان لا يخالط أحدا . والسلم ( بشد السين وكسرها وسكون اللام ) الصلح .الرابعة : وروي عن أبي جعفر أنه قرأ " لست مؤمنا " بفتح الميم الثانية ، من آمنته إذا أجرته فهو مؤمن .الخامسة : والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له جاز له قتله ؛ فإن قال : لا إله إلا الله لم يجز قتله ؛ لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله : فإن قتله بعد ذلك قتل به . وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل أنهم كانوا في صدر الإسلام وتأولوا أنه قالها متعوذا وخوفا من السلاح ، وأن العاصم قولها مطمئنا ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاصم كيفما قالها ؛ ولذلك قال لأسامة : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا أخرجه مسلم . أي تنظر أصادق هو في قوله أم كاذب ؟ وذلك لا يمكن فلم يبق إلا أن يبين عنه لسانه . وفي هذا من الفقه باب عظيم ، وهو أن الأحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر .السادسة : فإن قال : سلام عليكم فلا ينبغي أن يقتل أيضا حتى يعلم ما وراء هذا ؛ لأنه موضع إشكال . وقد قال مالك في الكافر يوجد فيقول : جئت مستأمنا أطلب الأمان : هذه أمور مشكلة ، وأرى أن يرد إلى مأمنه ولا يحكم له بحكم الإسلام ؛ لأن الكفر قد ثبت له فلا بد أن يظهر منه ما يدل على قوله ، ولا يكفي أن يقول أنا مسلم ولا أنا مؤمن ولا أن يصلي حتى يتكلم بالكلمة العاصمة التي علق النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بها عليه في قوله : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله .السابعة : فإن صلى أو فعل فعلا من خصائص الإسلام فقد اختلف فيه علماؤنا ؛ فقال ابن العربي : نرى أنه لا يكون بذلك مسلما ، أما أنه يقال له : ما وراء هذه الصلاة ؟ فإن قال : صلاة مسلم ، قيل له : قل لا إله إلا الله ؛ فإن قالها تبين صدقه ، وإن أبى علمنا أن ذلك تلاعب ، وكانت عند من يرى إسلامه ردة ، والصحيح أنه كفر أصلي ليس بردة . وكذلك هذا الذي قال : سلام عليكم ، يكلف الكلمة ، فإن قالها تحقق رشاده ، وإن أبى تبين عناده وقتل . وهذا معنى قوله : فتبينوا أي الأمر المشكل ، أو " تثبتوا " ولا تعجلوا المعنيان سواء . فإن قتله أحد فقد أتى منهيا عنه . فإن قيل : فتغليظ النبي صلى الله عليه وسلم على محلم ، ونبذه من قبره كيف مخرجه ؟ قلنا : لأنه علم من نيته أنه لم يبال بإسلامه فقتله متعمدا لأجل الحنة التي كانت بينهما في الجاهلية .الثامنة : قوله تعالى : تبتغون عرض الحياة أي تبتغون أخذ ماله : ويسمى متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير ثابت . قال أبو عبيدة : يقال جميع متاع الحياة الدنيا عرض بفتح الراء ؛ ومنه : ( الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ) . والعرض ( بسكون الراء ) ما سوى الدنانير والدراهم ؛ فكل عرض عرض ، وليس كل عرض عرضا . وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس . وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه :تقنع بما يكفيك واستعمل الرضا فإنك لا تدري أتصبح أم تمسيفليس الغنى عن كثرة المال إنما يكون الغنى والفقر من قبل النفسوهذا يصحح قول أبي عبيدة : فإن المال يشمل كل ما يتمول . وفي كتاب العين : العرض ما نيل من الدنيا ؛ ومنه قوله تعالى : تريدون عرض الدنيا وجمعه عروض . وفي المجمل لابن فارس : والعرض ما يعترض الإنسان من مرض أو نحوه وعرض الدنيا ما كان فيها من مال قل أو كثر . والعرض من الأثاث ما كان غير نقد . وأعرض الشيء إذا ظهر وأمكن . والعرض خلاف الطول .التاسعة : قوله تعالى : فعند الله مغانم كثيرة عدة من الله تعالى بما يأتي به على وجهه ومن حله دون ارتكاب محظور ، أي فلا تتهافتوا . كذلك كنتم من قبل أي كذلك كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم خوفا منكم على أنفسكم حتى من الله عليكم بإعزاز الدين وغلبة المشركين ، فهم الآن كذلك كل واحد منهم في قومه متربص أن يصل إليكم ، فلا يصلح إذ وصل إليكم أن تقتلوه حتى تتبينوا أمره . وقال ابن زيد : المعنى كذلك كنتم كفرة فمن الله عليكم بأن أسلمتم فلا تنكروا أن يكون هو كذلك ثم يسلم لحينه حين لقيكم فيجب أن تتثبتوا في أمره .العاشرة : استدل بهذه الآية من قال : إن الإيمان هو القول ، لقوله تعالى : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا . قالوا : ولما منع أن يقال لمن قال لا إله إلا الله لست مؤمنا منع من قتلهم بمجرد القول . ولولا الإيمان الذي هو هذا القول لم يعب قولهم . قلنا : إنما شك القوم في حالة أن يكون هذا القول منه تعوذا فقتلوه ، والله لم يجعل لعباده غير الحكم بالظاهر ؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وليس في ذلك أن الإيمان هو الإقرار فقط ؛ ألا ترى أن المنافقين كانوا يقولون هذا القول وليسوا بمؤمنين حسب ما تقدم بيانه في " البقرة " وقد كشف البيان في هذا قوله عليه السلام : أفلا شققت عن قلبه ؟ فثبت أن الإيمان هو الإقرار وغيره ، وأن حقيقته التصديق بالقلب ، ولكن ليس للعبد طريق إليه إلا ما سمع منه فقط . واستدل بهذا أيضا من قال : إن الزنديق تقبل توبته إذا أظهر الإسلام ؛ قال : لأن الله تعالى لم يفرق بين الزنديق وغيره متى أظهر الإسلام . وقد مضى القول في هذا في أول البقرة . وفيها رد على القدرية ، فإن الله تعالى أخبر أنه من على المؤمنين من بين جميع الخلق بأن خصهم بالتوفيق ، والقدرية تقول : خلقهم كلهم للإيمان . ولو كان كما زعموا لما كان لاختصاص المؤمنين بالمنة من بين الخلق معنى .الحادية عشرة : قوله تعالى : فتبينوا أعاد الأمر بالتبيين للتأكيد . إن الله كان بما تعملون خبيرا تحذير عن مخالفة أمر الله ؛ أي احفظوا أنفسكم وجنبوها الزلل الموبق لكم .
تفسير الطبريالقول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يا أيها الذين آمنوا "، يا أيها الذين صدَّقوا الله وصدَّقوا رسوله فيما جاءهم به من عند ربهم=" إذا ضربتم في سبيل الله "، يقول: إذا سرتم مسيرًا لله في جهاد أعدائكم (72) =" فتبينوا "، يقول: فتأنَّوا في قتل من أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، (73) ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقينًا حرْبًا لكم ولله ولرسوله=" ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السَّلاَم "، (74) يقول: ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم، مظهرًا لكم أنه من أهل ملتكم ودَعوتكم (75) =" لست مؤمنًا "، فتقتلوه ابتغاء=" عرض الحياة الدنيا "، يقول: طلبَ متاعِ الحياة الدنيا، (76) فإن=" عند الله مغانم كثيرة "، من رزقه وفواضل نِعَمه، فهي خير لكم إن أطعتم الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فأثابكم بها على طاعتكم إياه، فالتمسوا ذلك من عنده=" كذلك كنتم من قبل "، يقول، كما كان هذا الذي ألقى إليكم السلم فقلتم له (77) " لست مؤمنًا " فقتلتموه، كذلك كنتم أنتم من قبل، يعني: من قبل إعزاز الله دينه بتُبَّاعه وأنصاره، تستخفُون بدينكم، كما استخفى هذا الذي قتلتموه وأخذتم ماله، بدينه من قومه أن يُظهره لهم، حذرًا على نفسه منهم. وقد قيل إن معنى قوله: " كذلك كنتم من قبل " كنتم كفارًا مثلهم=" فمنَّ الله عليكم "، يقول: فتفضل الله عليكم بإعزاز دينه بأنصاره وكثرة تُبَّاعه. وقد قيل، فمنَّ الله عليكم بالتوبة من قتلكم هذا الذي قتلتموه وأخذتم ماله بعد ما ألقى إليكم السلم (78) =" فتبينوا "، يقول: فلا تعجلوا بقتل من أردتم قتلَه ممن التبس عليكم أمرُ إسلامه، فلعلَّ الله أن يكون قد مَنَّ عليه من الإسلام بمثل الذي منَّ به عليكم، وهداه لمثل الذي هداكم له من الإيمان. (79) =" إن الله كان بما تعملون خبيرًا "، يقول: إن الله كان بقتلكم من تقتلون، وكَفِّكم عمن تكفُّون عن قتله من أعداء الله وأعدائكم، وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم=" خبيرًا "، يعني: ذا خبرة وعلم به، (80) يحفظه عليكم وعليهم، حتى يجازى جميعكم به يوم القيامة جزاءه، المحسن بإحسانه، والمسيءَ بإساءته. (81)* * *وذكر أن هذه الآية نزلت في سبب قتيل قتلته سريّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما قال: " إنيّ مسلم " = أو بعد ما شهد شهادة الحق= أو بعد ما سلَّم عليهم= لغنيمة كانت معه، أو غير ذلك من ملكه، فأخذوه منه.ذكر الرواية والآثار في ذلك: (82)10211- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال (83) بعث النبي صلى الله عليه وسلم محلِّم بن جثَّامة مَبْعثًا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم حِنَةٌ في الجاهلية، (84) فرماه محلم بسهم، فقتله. فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع: يا رسول الله، سُنَّ اليوم وغيِّر غدًا! (85) فقال عيينة: لا والله، حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي (86) فجاء محلِّم في بُرْدين، (87) فجلس بين يديْ رسول الله ليستغفر له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا غفر الله لك! فقام وهو يتلقى دموعه ببُرْديه، فما مضت به سابعة حتى مات، ودفنوه فلفظته الأرض. فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فقال: إن الأرض تقبل من هو شرٌّ من صاحبكم! ولكن الله جل وعز أراد أن يَعِظكم. ثم طرحوه بين صَدفَيْ جبل، (88) وألقوا عليه من الحجارة، ونزلت: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا "، الآية (89)10212- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد ابن عبد الله بن قسيط، (90) عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضَمٍ، (91) فخرجت في نَفَرٍ من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن رِبْعيّ، ومحلِّم بن جَثَّامة بن قيس الليثي. فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضَم، مرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قَعود له، معه مُتَيِّعٌ له، ووَطْبٌ من لبن. (92) فلما مر بنا سلَّم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلِّم بن جثَّامة الليثي لشيء كان بينه وبينه فقتله، وأخذ بعيره ومتَيِّعَه. فلما قدِمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه الخبر، (93) نزل فينا القرآن: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضَرِبتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لستَ مؤمنًا "، الآية (94)10213- حدثني هارون بن إدريس الأصم قال، حدثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن ابن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه بنحوه. (95)10214- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: لحق ناسٌ من المسلمين رجلا في غُنَيْمة له، فقال: السلام عليكم! فقتلوه وأخذوا تلك الغُنَيْمة، فنزلت هذه الآية: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا "، تلك الغُنَيْمة. (96)10215- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس بنحوه.10216- حدثني سعيد بن الربيع قال، حدثنا سفيان، عن عمرو،عن عطاء، عن ابن عباس قال: لحق المسلمون رجلا ثم ذكر مثله. (97)10217- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مرّ رجل من بني سُلَيم على نفرٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو في غنم له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلّم عليكم إلا ليتعوذَ منكم! فَعَمَدوا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا " إلى آخر الآية .10218- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. (98)10219- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان الرجل يتكلم بالإسلام، ويؤمن بالله والرسول، ويكون في قومه، فإذا جاءت سريَّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم أخبر بها حيّه= يعني قومه= ففرّوا، وأقام الرجل لا يخافُ المؤمنين من أجل أنه على دينهم، حتى يلقاهم فيلقي إليهم السلام، فيقولُ المؤمنون: " لست مؤمنًا "، وقد ألقى السلام فيقتلونه، فقال الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا "، إلى " تبتغون عرض الحياة الدنيا "، يعني: تقتلونه إرادةَ أن يحلَّ لكم ماله الذي وجدتم معه -وذلك عرضُ الحياة الدنيا- فإن عندي مغانم كثيرة، فالتمسوا من فضل الله. وهو رجل اسمه " مِرْداس "، جَلا قومه هاربين من خيلٍ بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليها رجل من بني لَيْث اسمه " قُليب "، (99) ولم يجلُ معهم، (100) وإذْ لقيهم مرداس فسلم عليهم قتلوه، (101) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله بديته، ورد إليهم ماله، ونهى المؤمنين عن مثل ذلك.10220- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا "، الآية، قال: وهذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشًا عليهم غالب اللَّيثي إلى أهل فَدَك، وبه ناس من غطفان، وكان مرداس منهم، ففرّ أصحابه، فقال مرداس: " إني مؤمن وإنيّ غيرُ مُتّبعكم " ، فصبَّحته الخيلُ غُدْوة، (102) فلما لقوه سلم عليهم مرداس، فرماه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوه، (103) وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنزل الله جل وعز في شأنه: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا "، لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، وبها يُحَيِّي بعضهم بعضًا. (104)10221- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم فتبينوا "، (105) بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضَمْرة، فلقوا رجلا منهم يدعى مِرداس بن نهيك، معه غُنَيْمة له وجمل أحمر. فلما رآهم أوى إلى كهف جبل، واتّبعه أسامة. فلما بلغ مرداسٌ الكهفَ، وضع فيه غنمه، ثم أقبل إليهم فقال: " السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ". فشدّ عليه أسامة فقتله، من أجل جمله وغُنَيْمته. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أحبَّ أن يُثْنَى عليه خيرٌ، ويسأل عنه أصحابَه. فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدِّثون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: يا رسول الله، لو رأيت أسامة ولقيه رجل، فقال الرجل: " لا إله إلا الله، محمد رسول الله "، فشد عليه فقتله! وهو معرض عنهم. فلما أكثروا عليه، رفع رأسه إلى أسامة فقال: كيفَ أنت ولا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله، إنما قالها متعوذًا، تعوَّذ بها!. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هَلا شققت عن قلبه فنظرت إليه؟ قال: يا رسول الله، إنما قلبه بَضْعة من جسده! (106) فأنزل الله عز وجل خبر هذا، وأخبره إنما قتله من أجل جمله وغنمه، فذلك حين يقول: " تبتغون عرض الحياة الدنيا "، فلما بلغ: " فمنَّ الله عليكم "، يقول: فتاب الله عليكم، فحلف أسامةُ أن لا يقاتل رجلا يقول: " لا إله إلا الله "، بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه.10222- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا "، قال: بلغني أن رجلا من المسلمين أغار على رجل من المشركين فَحَمَل عليه، فقال له المشرك: " إنّي مسلم، أشهد أن لا إله إلا الله "، فقتله المسلم بعد أن قالها. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال للذي قتله: أقتلته، وقد قال لا إله إلا الله؟ فقال، وهو يعتذر: يا نبي الله، إنما قالها متعوذًا، وليس كذلك! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فهلا شققت عن قلبه؟ ثم ماتَ قاتلُ الرجل فقُبر، فلفظته الأرض. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يقبروه، ثم لفظته الأرض، حتى فُعل به ذلك ثلاث مرات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الأرض أبتْ أن تقبَله، فألقوه في غارٍ من الغيران= قال معمر: وقال بعضهم: إن الأرض تَقْبَل من هو شرٌّ منه، ولكن الله جعله لكم عِبْرَة.10223- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق: أن قومًا من المسلمين لقوا رجلا من المشركين في غُنَيْمة له، فقال: " السلام عليكم، إنِّي مؤمن "، فظنوا أنه يتعوّذ بذلك، فقتلوه وأخذوا غُنَيْمته. قال: فأنزل الله جل وعز: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا "، تلك الغُنَيْمة=" كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا ".10224- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير قوله: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا "، قال: خرج المقداد بن الأسود في سريّة، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فمُّروا برجل في غُنَيْمة له، فقال: " إنّي مسلم "، فقتله المقداد. (107) فلما قدموا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا "، قال: الغنيمة. (108)10225- حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: نزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء== فذكر من قصة أبي الدرداء، نحو القصة التي ذكرت عن أسامة بن زيد، وقد ذكرت في تأويل قوله: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً ، (109) ثم قال في الخبر:= ونزل الفرقان: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً ، فقرأ حتى بلغ: " لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا "، غنمه التي كانت، عرض الحياة الدنيا =" فعند الله مغانم كثيرة "، خير من تلك الغنم، إلى قوله: " إن الله كان بما تعملون خبيرًا ".10226- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا "، قال: راعي غنم، لقيه نفر من المؤمنين فقتلوه، (110) وأخذوا ما معه، ولم يقبلوا منه: " السلام عليكم، فإني مؤمن ".10227- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا "، قال: حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن شهد أن لا إله إلا الله: " لست مؤمنًا "، كما حرم عليهم الميْتَة، فهو آمن على ماله ودمه، لا تردّوا عليه قوله.* * *قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: " فَتَبَيَّنُوا ".فقرأ ذلك عامة قرأة المكيين والمدنيين وبعضُ الكوفيين والبصريين: ( فَتَبَيَّنُوا ) بالياء والنون، من " التبين " بمعنى، التأني والنظر والكشف عنه حتى يتَّضح. (111)وقرأ ذلك عُظْم قرأة الكوفيين: ( فَتَثَبَّتُوا )، بمعنى التثبُّت، الذي هو خلاف العَجَلة.قال أبو جعفر: والقولُ عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة المسلمين بمعنى واحد، وإن اختلفت بهما الألفاظ. لأن " المتثبت " متبيّن، و " المتبيِّن " متثبِّت، فبأي القراءتين قرأ القارئ، فمصيبٌ صوابَ القراءة في ذلك.واختلفت القرأة في قراءة قوله: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ". (112)فقرأ ذلك عامة قرأة المكيين والمدنيين والكوفيين: ( السَّلَمَ ) بغير ألف، بمعنى الاستسلام.* * *وقرأ بعض الكوفيين والبصريين: ( السَّلامَ ) بألف، بمعنى التحية.* * *قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ( لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ) ، بمعنى: من استسلم لكم، مذعنًا لله بالتوحيد، مقرًّا لكم بملَّتكم.وإنما اخترنا ذلك، لاختلاف الرواية في ذلك: فمن راوٍ رَوى أنه استسلم بأن شهد شهادة الحق وقال: " إنّي مسلم " = ومن راوٍ رَوى أنه قال: " السلام عليكم "، فحياهم تحية الإسلام= ومن راوٍ رَوى أنه كان مسلمًا بإسلامٍ قد تقدم منه قبل قتلهم إياه= وكل هذه المعاني يجمعه " السَّلَم "، لأن المسلم مستسلم، والمحيي بتحية الإسلام مستسلم، والمتشهد شهادة الحق مستسلم لأهل الإسلام، فمعنى " السَّلم " جامع جميع المعاني التي رُويت في أمر المقتول الذي نزلت في شأنه هذه الآية وليس ذلك في" السلام "، (113) لأن " السلام " لا وجه له في هذا الموضع إلا التحية. فلذلك وصفنا " السلم "، بالصواب.* * *قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " كذلك كنتم من قبل ".فقال بعضهم: معناه: كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السَّلَم، مستخفيًا في قومه بدينه خوفًا على نفسه منهم، كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرًا على أنفسكم منهم، فمنَّ الله عليكم.*ذكر من قال ذلك:10228- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله: " كذلك كنتم من قبل "، تستخفون بإيمانكم، (114) كما استخفى هذا الراعي بإيمانه.10229- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير: " كذلك كنتم من قبل "، تكتمون إيمانكم في المشركين.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: كما كان هذا الذي قتلتموه، بعد ما ألقى إليكم السلم، (115) كافرًا، كنتم كفارًا، فهداه كما هداكم.*ذكر من قال ذلك:10230- حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم "، كفارًا مثله=" فتبينوا ".* * *قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بتأويل الآية، القول الأول، وهو قول من قال: كذلك كنتم تخفون إيمانكم في قومكم من المشركين وأنتم مقيمون بين أظهرهم، كما كان هذا الذي قتلتموه مقيمًا بين أظهر قومه من المشركين مستخفيًا بدينه منهم.وإنما قلنا: " هذا التأويل أولى بالصواب "، لأن الله عز ذكره إنما عاتب الذين قتلوه من أهل الإيمان بعد إلقائه إليهم السلم ولم يُقَدْ به قاتلوه، (116) للبْس الذي كان دخل في أمره على قاتليه بمقامه بين أظهر قومه من المشركين، وظنِّهم أنه ألقى السلم إلى المؤمنين تعوّذًا منهم، ولم يعاتبهم على قتلهم إياه مشركًا فيقال: " كما كان كافرًا كنتم كفارًا "، بل لا وجه لذلك، لأن الله جل ثناؤه لم يعاتب أحدًا من خلقه على قتل محارِبٍ لله ولرسوله من أهل الشرك، بعد إذنه له بقتلِه.واختلف أيضًا أهل التأويل في تأويل قوله: " فمنّ الله عليكم ".فقال بعضهم: معنى ذلك: فمنّ الله عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أظهروا الإسلام بعد ما كانوا يكتتمون به من أهل الشرك. (117)*ذكر من قال ذلك:10231- حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير: " فمن الله عليكم "، فأظهر الإسلام.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: فمن الله عليكم= أيها القاتلون الذي ألقى إليكم السلم (118) طلبَ عرض الحياة الدنيا= بالتوبة من قتلكم إياه.*ذكر من قال ذلك:10232- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فمن الله عليكم "، يقول: تاب الله عليكم.* * *قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، التأويل الذي ذكرته عن سعيد بن جبير، لما ذكرنا من الدِّلالة على أن معنى قوله: " كذلك كنتم من قبل "، ما وصفنا قبل. فالواجب أن يكون عَقِيب ذلك: " فمن الله عليكم "، فرفع ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم عنكم، بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به من توحيده وعبادته، حِذَارًا من أهل الشرك. (119)* * *---------------(72) انظر تفسير"سبيل الله" فيما سلف ص: 17 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.(73) في المخطوطة: "فلما تعلموا" ، وهو خطأ.(74) كان في المطبوعة هنا ، "السلام" ، كقراءتنا اليوم في مصحفنا ، والسلام التحية ، وهي إحدى القراءتين ، ولكن تفسير أبي جعفر بعد ، هو تفسير"السلم" ، وهو الاستسلام والانقياد ، وهي القراءة الأخرى التي اختارها. فكتابتها هنا"السلام" خطأ. لا يصح به المعنى من تفسيره.(75) انظر تفسير"السلم" فيما سلف ص: 23 ، 24 ، 29 ومادة"سلم" من فهارس اللغة في الأجزاء السالفة.(76) انظر تفسير"الابتغاء" فيما سلف 8 : 316 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(77) في المطبوعة: "ألقى إليكم السلام" ، وانظر التعليق السالف ص: 70 ، رقم: 4.(78) في المطبوعة: "ألقى إليكم السلام" ، وانظر التعليق السالف ص: 70 ، رقم: 4.(79) انظر تفسير"من" فيما سلف 7: 369.(80) انظر تفسير"خبير" فيما سلف من فهارس اللغة.(81) في المطبوعة: "جزاء المحسن بإحسانه.." ، وهو غير مستقيم ، والصواب من المخطوطة.(82) في المطبوعة: "والآثار بذلك" ، والصواب من المخطوطة.(83) في المطبوعة: "عن نافع أن ابن عمر" ، وأثبت ما في المخطوطة.(84) في المطبوعة: "إحنة في الجاهلية" ، وهو صواب ، و"الإحنة": الحقد في الصدر. من"أحن" وأما "حنة" كما أثبتها من المخطوطة ، فهي من"وحن" ، وهي أيضًا الحقد. وقد سلف التعليق على هذه اللفظة ، حيث وردت في الأثر رقم 2195 ، في الجزء الثالث: 152 ، 153 ، تعليق: 2. وقد ذكرت هناك إنكار الأصمعي"حنة" ، وزعم الأزهري أنها ليست من كلام العرب. وهذا دليل آخر على صواب هذه الكلمة ، وأن الذي قاله الأزهري ليس بشيء.(85) في ابن كثير 2: 546 : "سر اليوم وغر غدا" وهو خطأ محض.(86) في المخطوطة: "حتى تذوق بكاؤه" وهو تحريف من الناسخ ، والصواب من السياق ومن تفسير ابن كثير.(87) في المخطوطة: "في برد" ، والصواب من ابن كثير ، وكما صححه في المطبوعة من سياق الخبر.(88) "الصدف" (بفتحتين): جانب الجبل الذي يقابلك منه. والصدف: كل شيء مرتفع عظيم كالحائط والجبل.(89) الأثر: 10211 - في تفسير ابن كثير 2: 546 ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 200 مختصرًا.(90) في المطبوعة: "عن يزيد عن عبد الله بن قسيط" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة وسائر المراجع.(91) "إضم": واد يشق الحجاز حتى يفرغ في البحر ، من عند المدينة ، وهو واد لأشجع وجهينة.(92) "القعود": هو البكر من الإبل ، حين يمكن ظهره من الركوب ، وذلك منذ تكون له سنتان حتى يدخل في السادسة. و"متيع" تصغير"متاع": وهو السلعة ، وأثاث البيت ، وما يستمتع به الإنسان من حوائجه أو ماله. و"الوطب": سقاء اللبن.(93) في المطبوعة: "وأخبرناه" بالواو ، وأثبت ما في المخطوطة.(94) الأثر: 10212 - هذا الأثر رواه ابن إسحاق في سيرته ، سيرة ابن هشام 4: 275 ، ورواه أحمد في مسنده 6: 11 ، وابن سعد في الطبقات 4 / 2 / 22 و2 / 1 / 96 (بغير إسناد) ، والطبري في تاريخه 3: 106 ، وابن عبد البر في الاستيعاب: 285 ، وابن الأثير في أسد الغابة 3 : 77 ، وابن كثير في تفسيره 2: 545 ، والحافظ ابن حجر في ترجمة"عبد الله بن أبي حدرد" ، والسيوطي في الدر المنثور 2: 199 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، والطبراني ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي نعيم والبيهقي ، وكلاهما في الدلائل.وفي إسناد هذا الأثر اضطراب شديد أرجو أن أبلغ في بيانه بعض ما أريد في هذا المكان.1- وإسناد محمد بن إسحاق في سيرة ابن هشام: "حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد ، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد".2- وإسناد أحمد في مسنده: "حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق (وفي المطبوعة: عن إسحاق ، خطأ صوابه من تفسير ابن كثير) ، حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد ، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد".3- وإسناد الطبري في تاريخه: "حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد= وقال بعضهم: عن ابن القعقاع= عن أبيه ، عن عبد الله بن أبي حدرد".4- وإسناد ابن سعد في الطبقات: "أخبرنا محمد بن عمر قال ، حدثنا عبد الله بن يزيد بن قسيط ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ، عن أبيه".والأسانيد الثلاثة الأولى ، وإسناد الطبري في التفسير ، جميعها من طريق محمد بن إسحاق ، وقد اتفق إسناد أحمد وإسناد ابن إسحاق في سيرة ابن هشام.وأما إسنادا الطبري فقد خالف ما اتفق عليه أحمد وابن هشام في السيرة ، فجاء في التفسير هنا"عن أبي القعقاع" لا"عن القعقاع" ، ثم زاد الطبري الأمر إشكالا في التاريخ فقال"عن أبي القعقاع.. عن أبيه ، عن عبد الله بن أبي حدرد" ، فزاد"عن أبيه" ، ولا ذكر لها في تفسيره ، ولا في سائر الأسانيد ، والظاهر أنه خطأ ، وأن صوابه كما في التفسير"عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد".وأما إسناد ابن سعد ، فقد خالف هذا كله فجعل مكان"القعقاع" ، أو "أبي القعقاع" ، "عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي حدرد" ، ولم أجد لعبد الرحمن هذا ذكرًا في كتب تراجم الرجال. وجاء ابن عبد البر في الاستيعاب 2: 452 ، بما هو أغرب من هذا ، فسماه"عبد ربه بن أبي حدرد الأسلمي" ، وليس له ذكر في كتاب. ولكني وجدت في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 2 / 228"عبد الرحمن بن أبي حدرد الأسلمي" ، سمع أبا هريرة. روى عنه أبو مودود عبد العزيز بن أبي سليمان المديني. ولا أظنه هذا الذي في إسناد ابن سعد. (انظر أيضًا تهذيب التهذيب 6: 160).وأما "القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد" فقد ترجم البخاري في الكبير 4 / 1 / 187 ، لصحابي هو"القعقاع بن أبي حدرد الأسلمي" وامرأته"بقيرة" ، وهو كما ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة ، أخو"عبد الله بن أبي حدرد" ثم عقب البخاري على هذه الترجمة بقوله: "ويقال: القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد ، ولا يصح" ، يعني أنه هذا الأخير لا تصح له صحبة ، وأنه غير الأول. وكذلك فعل ابن أبي حاتم 3 / 2 / 136 ، كمثل ما في التاريخ الكبير.أما الحافظ في تعجيل المنفعة: 344 ، فقد ترجم للقعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ووهم في نقله عن البخاري ، فظن البخاري قد ترجم له ، فذكر في ترجمته ما قال البخاري في ترجمة"القعقاع بن أبي حدرد" ، مع أنه صحح ذلك في ترجمة"القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد" في القسم الثالث من الإصابة.أما ما ذكره الطبري من أنه"أبو القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد" أو "ابن القعقاع" ، فلم أجده في مكان آخر ، ولكني تركت ما كان في نص إسناده في التفسير"أبو القعقاع" ، مع أنه لا ذكر له في الكتب ولا ترجمة ، لأنه وافق ما في التاريخ ، ولأن ما رواه من قوله: "ويقال: ابن القعقاع" ، يستبعد معه كل تحريف أو زيادة من ناسخ أو غيره.هذا ، وقد جاء في إسناد آخر في التاريخ 3: 125 عن ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق ، عن ابن شهاب الزهري ، عن ابن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ، "عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد". فلم يذكر اسمه ، كما ذكر في الإسناد السالف ، كما سيأتي في الإسناد التالي أيضًا: "عن ابن أبي حدرد ، عن أبيه".وهذا اضطراب غريب في إسناده ، أردت أن أجمعه في هذا المكان ، لأني لم أجد أحدًا استوفى ما فيه ، وعسى أن يتوجه لباحث فيه رأي ، وكتبه محمود محمد شاكر .(95) الأثر: 10213 - انظر التعليق على الأثر السالف."هارون بن إدريس الأصم" شيخ الطبري ، مضى برقم: 1455.و"المحاربي""عبد الرحمن بن محمد بن زياد" مضى برقم: 221 ، 875 ، 1455.(96) "الغنيمة" تصغير"غنم" ، وهو قطيع من الغنم. وإنما أدخلت التاء في"غنيمة" ، لأنه أريد بها القطعة من الغنم. وانظر ما قاله أبو جعفر في دخول هذه التاء فيما سلف 6 : 412 ، 413.(97) الأثر: 10216 - هذا الأثر ساقط من المخطوطة.و"سعيد بن الربيع الرازي" مضى برقم: 3791 ، 5312.(98) الأثران: 10217 ، 10218 - رواه أحمد في مسنده من طريق يحيى بن أبي بكير ، وحسين بن محمد ، وخلف بن الوليد ، ويحيى بن آدم ، جميعًا عن إسرائيل. وأرقامه في المسند: 2023 ، 2462 ، 2988 ، وإسناده صحيح. وقال ابن كثير في تفسيره 2: 544: "ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى ، وعبد الرحيم بن سليمان كلاهما عن إسرائيل به. وقال في بعض كتبه غير التفسير: وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط (هكذا في الأصل). وهذا خبر عندنا صحيح سنده ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما ، لعلل ، منها: أنه لا يعرف له مخرج عن سماك إلا عن هذا الوجه= ومنها: أن عكرمة في روايته عندهم نظر= ومنها: أن الذي نزلت فيه هذه الآية عندهم مختلف فيه ، فقال بعضهم: نزلت في محلم بن جثامة. وقال بعضهم: أسامة بن زيد. وقيل غير ذلك. قلت [القائل ابن كثير]: وهذا كلام غريب ، وهو مردود من وجوه ، أحدها: أنه ثابت عن سماك ، حدث به غير واحد من الأئمة الكبار. الثاني: أن عكرمة محتج به في الصحيح. الثالث: أنه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس.."وهذا الذي نقله ابن كثير من بعض كتب أبي جعفر ، أرجح ، بل أقطع ، أنه في كتابه تهذيب الآثار ، وبيانه هذا الذي نقله ابن كثير ، مطابق لنهجه في تهذيب الآثار ، ونقلت هذا هنا للفائدة ، ولأنه أول نقل رأيته في تفسير ابن كثير عن تهذيب الآثار فيما أرجح.(99) انظر الاختلاف في اسمه"قليب" بالقاف والباء ، أو فليت" بالفاء والتاء ، في الإصابة في موضعه.(100) في المطبوعة والمخطوطة: "ولم يجامعهم" وظاهر أنه تحريف من الناسخ ، صوابه ما أثبت.(101) في المطبوعة: "إذا لقيهم مرداس فسلم عليهم فقتلوه" وأثبت ما في المخطوطة إلا أني جعلت"وإذا""وإذ" ، لأن السياق يقتضيها.(102) "صبحتهم الخيل (بفتحتين) وصبحتهم (بتشديد الباء)": أتتهم صباحًا ، وكانت أكثر غاراتهم في الصباح. و"الغدوة" (بضم فسكون): البكرة ، ما بين صلاة الغداة (الفجر) وطلوع الشمس.(103) في المخطوطة: "فدعاه" وهو تحريف ، صواب ما أثبت. وفي المطبوعة: "فتلقوه" ، وهو رديء ، خير منه ما في الدر المنثور: "فتلقاه".(104) الأثر: 10220 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 1: 200 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.(105) كان في المطبوعة: "... عرض الحياة الدنيا ، الآية ، قال: بعث..." ، وأثبت ما في المخطوطة ، وإن كان الناسخ قد غفل فأسقط من الآية في كتابته: "كذلك كنتم من قبل" .(106) "البضعة" (بفتح فسكون): القطعة من اللحم.(107) في المخطوطة: "فقتله الأسود" ، والصواب ما في المطبوعة ، أو أن تكون: "فقتله ابن الأسود".(108) الأثر: 10224-"حبيب بن أبي عمرة" القصاب ، بياع القصب ، ويقال"اللحام" ، أبو عبد الله الحماني. روى عن مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأم الدرداء. روى عنه الثوري وجماعة. قال ابن سعد: "ثقة قليل الحديث". مترجم في التهذيب.(109) انظر ما سلف رقم: 10221.(110) في المخطوطة: "بعثه نفر من المؤمنين" ، وهو خطأ ، صوابه ما في المطبوعة.(111) انظر تفسير"التبين" فيما سلف ص: 70.(112) في المطبوعة: "... السلام" بالألف ، والصواب إثباتها كرسم المصحف هنا ، حتى يظهر سياق اختلاف القراءة.(113) في المطبوعة: "وليس كذلك في الإسلام" ، والصواب الجيد من المخطوطة.(114) في المخطوطة: "مستخفون بإيمانكم" ، وما في المطبوعة أجود.(115) قوله"كافرًا" ليس في المخطوطة ، والسياق يقتضيها كما في المطبوعة ، وانظر اعتراض أبي جعفر بعد ، فهو يوجب إثبات هذه الكلمة في هذا الموضع.(116) في المطبوعة في هذا الموضع وما يليه"السلام" مكان"السلم" ، ولكني أثبت ما في المخطوطة ، لأن تفسير أبي جعفر جار على"السلم" لا على"السلام". وقوله: "لم يقد" بالبناء للمجهول من"القود" (بفتح القاف والواو) وهو القصاص ، وقتل القاتل بدل القتيل ، يقال منه"أقدته به أقيده إقادة".(117) في المطبوعة: "بعد ما كانوا يكتمونه" ، والجيد ما في المخطوطة."يكتتمون به" ، يستخفون به.(118) في المخطوطة: "أيها القاتلو الذي ألقي إليكم السلم" ، وهو لا بأس به.(119) في المطبوعة: "حذرًا" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهما سواء.
من نحن

موقع الحياة بالإسلام هو موقع إسلامي، يقدم لكم العديد من المواضيع الاسلامية على منهاج الكتاب و السنة، كما يتضمن بعض قراءات القران الكريم بالرسم العثماني بأصوات اشهر القراء حول العالم

عرض المزيد
إشارات

التين , سُورَةُ هُودٍ , سُورَةُ الجُمُعَةِ , الكوثر , معيض الحارثي , القارئ سيلمان الشبيبي , القارئ عبدالرحمن الشحات , محمد عبدالحكيم سعيد العبدالله , قراءة يعقوب الحضرمي بروايتي رويس وروح , المصحف المعلم , قالون عن نافع من طريق أبي نشيط , خلف عن حمزة ,

عرض المزيد