حكم مس المصحف بدون وضوء يُعد من المسائل التي يكثر حولها التساؤل بين المسلمين، نظرًا لعظمة القرآن الكريم وقدسيته. في هذا المقال، سنتناول هذه المسألة بالتفصيل، مستندين إلى أقوال العلماء والأدلة الشرعية، لتوضيح حكم مس المصحف بدون وضوء بشكل شافٍ ووافٍ.
إن حكم مس المصحف بدون وضوء من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء رحمهم الله، ولكن الراجح من أقوالهم، والمستند إلى أقوى الأدلة، هو حرمة مس المصحف للمحدث حدثًا أصغر أو أكبر. ويستدلون على ذلك بأدلة قوية من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة.
فمن الأدلة من القرآن الكريم، قوله تعالى في سورة الواقعة: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (الواقعة: 79). وقد فسر جمهور العلماء من السلف والخلف أن المقصود بـ المطهرون هنا هم المتطهرون من الحدث، أي المتوضئون. فالآية الكريمة تدل بمنطوقها على أن المصحف لا يمسه إلا من كان على طهارة.
أما من السنة النبوية، فيستدلون بالحديث الذي ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يمس القرآن إلا طاهر. وهذا الحديث وإن كان فيه بعض الكلام من جهة السند عند بعض العلماء، إلا أنه قد تلقته الأمة بالقبول وعمل به جمهور الفقهاء، لما له من شواهد تدعمه وتقويه.
كما أن هناك آثارًا عن الصحابة رضي الله عنهم تدل على هذا المعنى. فقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ليس منا من قرأ القرآن وهو جنب، ولا من مس المصحف وهو على غير وضوء. وهذا القول من علي رضي الله عنه، وهو من كبار الصحابة وعلمائهم، يدل على فهمهم واستنباطهم لحرمة حكم مس المصحف بدون وضوء.
بناءً على هذه الأدلة، فإن حكم مس المصحف بدون وضوء هو الحرمة عند جمهور العلماء. فلا يجوز للمسلم أو المسلمة مس المصحف الشريف أو حمل أوراقه إلا إذا كان على طهارة تامة، أي متوضئًا من الحدث الأصغر ومغتسلًا من الحدث الأكبر. وهذا تعظيم لكلام الله عز وجل وتوقير له.
ومع ذلك، فقد استثنى بعض العلماء بعض الحالات من حكم مس المصحف بدون وضوء. فمن ذلك:
مس المصحف بعائق: يجوز مس المصحف بحائل غير متصل كالكيس أو الغلاف المنفصل، لأن المس هنا ليس مباشرًا للمصحف نفسه.
مس المصحف للصبي المميز: أجاز بعض العلماء للمعلم أو الولي أن يسمح للصبي المميز بمس المصحف لغرض التعلم والحفظ، مع الحرص على تعليمه آداب التعامل مع كتاب الله.
مس المصحف للحائض والنفساء للضرورة: اختلف العلماء في حكم مس المصحف بدون وضوء للحائض والنفساء لغرض الضرورة كالمراجعة خوف النسيان، والأكثر على المنع قياسًا على الجنب، ولكن بعضهم أجاز ذلك للضرورة القصوى.
وفي الختام، فإن القول الراجح والمفتى به عند جمهور العلماء هو حرمة حكم مس المصحف بدون وضوء للمحدث حدثًا أصغر أو أكبر، وذلك تعظيمًا لكلام الله وتوقيرًا له، مع وجود بعض الاستثناءات اليسيرة التي ذكرها أهل العلم لظروف معينة. وينبغي للمسلم أن يحرص على الطهارة عند التعامل مع المصحف الشريف امتثالًا لأمر الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.