
من أول من قال سبحان ربي الأعلى؟ سؤال يتردد في الأذهان عند التأمل في عظمة الخالق وجلاله. الإجابة عن هذا السؤال تأخذنا في رحلة عبر النصوص الدينية والتراث الإسلامي، حيث تشير الروايات إلى أن الملائكة الكرام هم أول من نطق بهذه الكلمات الطاهرات تسبيحًا وتنزيهًا لله عز وجل. لقد شهدوا عظمة الله المطلقة واستشعروا كماله وجلاله، ففاضت ألسنتهم بالتسبيح والتقديس، معلنين سبحان ربي الأعلى.
إن تصورنا لبداية التسبيح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفهمنا لخلق الملائكة ووظيفتهم في الكون. فالله سبحانه وتعالى خلق الملائكة قبل خلق البشر، وجعلهم عبادًا مكرمين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
مخلوقات نورانية: الملائكة مخلوقات نورانية اصطفاها الله تعالى، ليس لهم من خصائص البشر من شهوات أو نزعات سوى الطاعة المطلقة لله. هذه الطبيعة تجعلهم مهيئين بشكل كامل للعبادة والتسبيح الدائم.
وظيفتهم الأساسية: من أهم وظائف الملائكة تسبيح الله وتحميده وتقديسه. هذا ليس مجرد فعل يقومون به، بل هو جزء أصيل من وجودهم وكيانهم. قال تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ} (الشورى: 5).
شهود عظمة الخالق: كانت الملائكة أول من شهد تجليات عظمة الله وقدرته عند خلق السماوات والأرض وما بينهما. هذا المشهد المهيب أورثهم إدراكًا عميقًا لجلاله وكماله، فكان التسبيح هو التعبير الطبيعي عن هذا الإدراك.
التنزيه المطلق: كلمة سبحان تدل على التنزيه المطلق لله عن كل نقص وعيب وشبيه ومثيل. فهي إعلان ببراءة الله من كل ما لا يليق بكماله وجلاله.
الربوبية والسيادة: كلمة ربي تشير إلى الله الخالق المالك المدبر لجميع الأمور. إنها اعتراف بربوبيته وسلطانه المطلق على الكون.
العلو المطلق: كلمة الأعلى تدل على علو الله المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله. فهو الأعلى فوق كل شيء، ولا يحيط به شيء.
عندما نطقت الملائكة بهذه الكلمات، كانت تعبر عن إدراكها الكامل لهذه المعاني. لقد شهدوا عظمة الله المتجلية في خلقه، وأقروا بربوبيته وسلطانه، واعترفوا بعلوه وسموه الذي لا يدركه الوصف.
من الناحية الزمنية، يسبق خلق الملائكة خلق الإنسان. ففي قصة خلق آدم عليه السلام، تخبرنا الآيات أن الله أخبر الملائكة بخلقه خليفة في الأرض، فكان حوار بينهم وبين الله سبحانه وتعالى. هذا يدل على وجودهم ووعيهم وقدرتهم على النطق قبل وجود البشر.
وبالتالي، فإن منطق الأسبقية يرجح أنهم كانوا أول من افتتح الكون بالتسبيح والتقديس لله عز وجل. إن أصواتهم بالتسبيح والتحميد تملأ السماوات، كما ورد في الأحاديث، وهذا التقليد بدأ منذ اللحظة الأولى لخلقهم.
خلاصة القول:
إن القول بأن الملائكة هم أول من قال سبحان ربي الأعلى يستند إلى أسس قوية في النصوص الشرعية والفهم العقلي لطبيعتهم ووظيفتهم. لقد كانوا الشهود الأوائل على عظمة الخالق، وكانت ألسنتهم أول ما نطق بتنزيهه وتقديسه، معلنة عن عظمة الرب الأعلى وجلاله. هذا التسبيح هو بمثابة النشيد الأزلي الذي افتتح به الكون، ولا يزال يتردد في الملأ الأعلى إلى يومنا هذا.