
بعد اللحظة الأولى للوحي في غار حراء، وبعد فترة من الانقطاع، يأتي نداء إلهي ثانٍ، لا ليخبر النبي ﷺ بأنه نبي، بل ليأمره بمهمته. إنه نداء يوقظه من دفء ثيابه ويلقي على عاتقه أثقل أمانة: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. سورة المدثر هي سورة الانطلاق، سورة تحمل بين طياتها خارطة طريق الداعية، وتصف لنا نفسية المعاند المتكبر، وتنقل لنا على لسان أهل النار أنفسهم أسباب دخولهم "سقر".
﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾
"المدثر" هو المتغطي بثيابه. والنداء بهذه الصفة هو نداء حانٍ يلامس الحالة البشرية للنبي ﷺ وهو في حالة تأثر ورهبة من الوحي. ثم يأتي الأمر الإلهي الحاسم ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. لقد انتهى وقت العزلة والتأمل، وحان وقت العمل ومواجهة الناس وتحذيرهم من عذاب الله.
بعد الأمر بالإنذار، تقدم السورة ست وصايا عملية تمثل منهجاً لكل من يحمل هم الدعوة:
تنتقل السورة لتصف لنا بالتفصيل نفسية أحد كبار المكذبين (قيل هو الوليد بن المغيرة) الذي سمع القرآن وعرف أنه ليس بكلام بشر.
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ.. . ﴾
لقد فكر في الأمر بعقله، لكن الكبر وحب الزعامة منعه من قبول الحق. فبعد تفكير وتقدير، عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، ليخرج بالنتيجة التي ترضي قومه: ﴿ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾. فكان جزاؤه الذي توعده الله به: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾.
في مشهد بديع، تنقلنا السورة إلى الآخرة، حيث يتساءل أهل الجنة وهم في نعيمهم عن أهل النار: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴾؟ أي ما الذي أدخلكم في هذه النار؟ فيأتي الجواب منهم مباشرة، اعترافاً صريحاً بأسباب هلاكهم الأربعة:
هذا الأمر يمثل نقطة التحول في الدعوة الإسلامية، من المرحلة السرية والدعوة الفردية إلى مرحلة الجهر ومواجهة المجتمع. إنه نداء يوقظ النبي ﷺ من حالة التأمل والعبادة الفردية (التدثر) إلى تحمل العبء الأكبر وهو إنذار الناس ودعوتهم إلى الحق، بكل ما يحمله ذلك من تحديات.
عندما سألهم أهل الجنة 'مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ؟'، اعترفوا بأربعة أسباب رئيسية لهلاكهم: 1. ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾: ترك حق الله. 2. ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾: ترك حق العباد. 3. ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾: اتباع أهل الباطل ومجالستهم. 4. ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾: إنكار يوم الحساب، وهو أساس كل انحراف.
توضح السورة نفسها أن ذكر هذا العدد المحدد كان 'فتنة' أي اختباراً للكافرين، حيث استهزؤوا بالعدد وقالوا كيف يمكن لهذا العدد القليل أن يعذب كل أهل النار. وفي المقابل، كان 'ليستيقن' أهل الكتاب الذين يجدون نفس العدد في كتبهم، و'يزداد الذين آمنوا إيماناً' بتصديقهم بخبر القرآن. فالحكمة هي التمييز بين أهل التصديق وأهل الاستهزاء.