
عندما تواجهنا تحديات كبرى في الحياة، مهمة صعبة، أو مسؤولية ثقيلة، كيف نستعد لها؟ في قلب *سورة طه* ، يقدم لنا نبي الله موسى عليه السلام درساً خالداً في التوكل والتخطيط من خلال دعاء هو من أروع الأدعية القرآنية. بعد أن أمره الله بالمهمة التي تبدو مستحيلة ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾، لم يتردد موسى أو يشتكي، بل لجأ مباشرة إلى ربه، وطلب منه الأدوات التي يحتاجها للنجاح.
﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴾
لكي نفهم عمق هذا الدعاء، يجب أن نتخيل الموقف. موسى عليه السلام، الذي خرج من مصر خائفاً يترقب، يُؤمر بالعودة إلى نفس الملك الذي يريد قتله، ليبلغه رسالة التوحيد. إنها مهمة تجمع بين الخطر الشخصي، والتحدي الدعوي الهائل أمام ملك بلغ به الطغيان أن قال "أنا ربكم الأعلى".
لم يطلب موسى من ربه إلغاء المهمة، بل طلب أسباب النجاح فيها، في ترتيب منطقي مذهل يعكس حكمة القائد والنبي:
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾: بدأ بالأهم، وهو القوة الداخلية. طلب انشراح الصدر، أي السكينة والطمأنينة وسعة الصدر لتحمل أعباء الرسالة وأذى فرعون. ثم طلب تيسير الأمر، أي تسهيل كل عسير في طريقه.
﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: انتقل إلى أداة الإقناع الأساسية: اللسان. لم يطلب فصاحة مطلقة، بل طلب حداً معيناً من الفصاحة يحقق الهدف، وهو أن يفهم الناس رسالته بوضوح.
﴿ يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * ﴾: أدرك موسى أن المهمة أكبر من أن يقوم بها وحده. فطلب وزيراً ومعيناً، واختار أخاه هارون لأنه يثق به ويعرف فصاحته، ليقوي به ظهره ويشركه في حمل هذه الأمانة العظيمة.
﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾: وهنا تتجلى عظمة الأنبياء . فكل هذه الطلبات لم تكن لغاية شخصية، بل لتحقيق الهدف الأسمى: أن يكون هو وأخوه فريقاً يعين بعضه بعضاً على ذكر الله وتسبيحه، وتحويل هذه المهمة الصعبة إلى عبادة مستمرة.
جاء الرد من الله سريعاً، كاملاً، ومفعماً بالحب. لم يقل له "سأعطيك"، بل قال "قَدْ أُوتِيتَ"، أي لقد تحققت كل طلباتك يا موسى. وهذه الاستجابة الفورية هي درس في قوة الدعاء الصادق والمحدد واليقين بالإجابة.
دعا موسى عليه السلام بهذا الدعاء العظيم عندما كلفه الله تعالى بمهمة شاقة وخطيرة، وهي الذهاب إلى فرعون، أعتى طغاة الأرض، لدعوته إلى توحيد الله وإطلاق سراح بني إسرائيل. فشعر موسى بثقل المسؤولية، فلجأ إلى الله مباشرة طالباً منه الأدوات التي تعينه على أداء هذه المهمة.
نتعلم منهجية رائعة في القيادة والدعاء. لقد بدأ بالأهم وهو الدعم النفسي والروحي (شرح الصدر وتيسير الأمر). ثم انتقل إلى أدوات التواصل (حل عقدة اللسان). ثم طلب الدعم البشري والعمل الجماعي (إشراك أخيه هارون). وأخيراً، حدد الغاية الأسمى من كل ذلك (كثرة ذكر الله وتسبيحه). إنه دعاء استراتيجي متكامل.
الغاية النهائية لم تكن مجرد إقناع فرعون أو تحرير بني إسرائيل، بل كانت غاية روحية أسمى. لقد قال موسى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾. فهدفه هو أن يتحول هذا العمل الدعوي الشاق إلى عبادة، وأن يكون هو وأخوه فريقاً يذكر الله ويسبحه، ويؤسس لعبادة الله في الأرض.