
الإنفاق في سبيل الله ليس مجرد عملية إعطاء مال، بل هو "فن" له أصول وقواعد، وروح وجوهر. في آيات بليغة من سورة البقرة، يقدم لنا القرآن الكريم دليلاً متكاملاً لهذا الفن، مستخدماً أمثالاً وصوراً من عالم الزراعة والطبيعة، ليرسم لنا لوحتين متناقضتين: لوحة العطاء المخلص الذي ينمو ويتضاعف أضعافاً لا حصر لها، ولوحة العطاء المسموم الذي يذهب هباءً منثوراً ويترك صاحبه في حسرة وندامة.
تبدأ الآيات بأجمل صورة للبركة والنماء. الصدقة الخالصة لوجه الله كمثل حبة قمح واحدة، تُزرع في أرض طيبة، فتخرج ساقاً واحداً، ثم يتفرع إلى سبع سنابل، وفي كل سنبلة مائة حبة. فالحبة الواحدة أصبحت سبعمائة حبة. ثم يفتح الله باب الأمل على مصراعيه: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾. فالسبعمائة ليست هي النهاية، بل هي مجرد مثال، والله يضاعف الأجر أضعافاً أكثر بكثير بحسب إخلاص المنفق وحاجة المنفق عليه.
بعد هذا الوصف الرائع، يأتي التحذير مباشرة: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾. فهناك فيروسات قاتلة يمكن أن تدمر هذا الزرع المبارك وتجعله هشيماً. وأخطرها:
المن هو أن يذكّر المتصدق الفقير بعطيته، كأن يقول له "أنا أعطيتك كذا" أو "أنا صاحب فضل عليك". والأذى هو أن يجرح مشاعره بقول أو فعل. كلا الأمرين يكسر قلب الفقير ويحبط أجر الغني.
وهو أن يكون دافع الصدقة هو مدح الناس وثناؤهم ﴿كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾، وليس ابتغاء وجه الله. وهذا شرك خفي يحرق العمل من أساسه.
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾
هذا هو مثل الصدقة التي ظاهرها خير وباطنها رياء. "الصفوان" هو الصخر الأملس الكبير. عليه طبقة خفيفة من "التراب" توهم الناظر أنها أرض صالحة للزراعة (وهو مظهر الصدقة الخارجي). ثم يأتي "وابل" (مطر شديد) فيزيل التراب ويكشف حقيقة الصخرة الملساء التي لا تنبت شيئاً. كذلك الرياء، يأتي يوم القيامة فيكشف حقيقة العمل الفارغ الذي لا أساس له من الإخلاص، فلا يجد صاحبه له أي ثواب.
وهذا هو المثل الأشد تأثيراً، فهو يصور الحسرة المطلقة. تخيل رجلاً كبيراً في السن، له أولاد صغار ضعفاء لا يستطيعون العمل، وكل أمله ورزقه معلق على بستان عظيم مليء بالثمار والأنهار. وبينما هو في أمس الحاجة إليه، ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾.
هذه الصورة المأساوية هي بالضبط حال من أنفق ماله رياءً أو أتبعه بمنّ وأذى. يجمع أعماله التي تبدو كالجنات في الدنيا، ثم يأتي يوم القيامة وهو أحوج ما يكون إليها، فيجدها قد احترقت وذهبت هباءً منثوراً، فلا يبقى له إلا الحسرة والندم.
الشرط الأساسي هو الإخلاص، أي أن يكون الإنفاق ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وحده، لا لغرض دنيوي أو سمعة. والشرط الثاني هو ألا يتبعها 'منّ' (تذكير بالجميل) أو 'أذى' (إهانة للمتلقي). فإذا تحقق الإخلاص وحسن الخلق، فإن الله يضاعف الأجر أضعافاً كثيرة.
المبطلات الرئيسية ثلاثة: 1. المنّ: وهو أن يذكّر المتصدق من أعطاه بفضله عليه، مما يكسر قلبه. 2. الأذى: وهو أن يؤذي مشاعر الفقير بقول أو فعل. 3. الرياء: وهو أن تكون الصدقة بهدف أن يراه الناس ويمدحوه، لا لوجه الله.
هذه القصة تصور حال من عمل أعمالاً صالحة في الظاهر (كالجنة المثمرة)، ولكنه أفسدها بالرياء أو المن والأذى. في يوم القيامة، وهو أحوج ما يكون إلى ثواب عمله (كحاجة الشيخ الكبير الضعيف لجنته)، يجد أن عمله قد دُمر بالكامل بسبب فساد نيته أو سوء خلقه، فلا يبقى له منه شيء سوى الحسرة والندم.