
ما هو أعظم مطلب للمؤمن بعد الإيمان؟ وما هي الصفة التي إذا تحققت، ضمنت لصاحبها حسن الخاتمة وولاية الملائكة؟ في آيات من سورة فصلت، يكشف لنا القرآن عن سر "الاستقامة"، ويصف لنا الجائزة الربانية التي لا تقدر بثمن لمن حققها: لحظة موت تتحول من رهبة إلى بشرى، ومن خوف إلى طمأنينة، حيث تتنزل الملائكة لتستقبل روح المؤمن بالتحية والسلام والجنة.
تبدأ الآية بتحديد شرطين متلازمين لنيل هذا الفضل العظيم:
الشرط الأول: ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾. وهو إعلان التوحيد الخالص، والإقرار الكامل بربوبية الله وألوهيته، قولاً باللسان وتصديقاً بالقلب.
الشرط الثاني: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. وهو الأهم والأصعب. "ثم" تفيد التراخي، أي أنهم لم يقولوا هذه الكلمة مرة واحدة، بل ثبتوا عليها ولزموا الطريق المستقيم بعدها طوال حياتهم، فلم ينحرفوا يميناً أو شمالاً. الاستقامة هي ترجمة الإيمان إلى عمل وسلوك ومنهج حياة حتى الممات.
ما هو جزاء من حقق هذين الشرطين؟ تبدأ الجوائز في أشد اللحظات التي يحتاج فيها الإنسان إلى الطمأنينة، وهي لحظة الاحتضار. ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾، فتأتيهم ملائكة الرحمة بثلاث بشارات:
﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾
لا يتوقف تكريمهم عند هذا الحد، بل تعلن لهم الملائكة عن علاقة خاصة تربطهم بهم: ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾. "الأولياء" هم الأصدقاء والأنصار والحافظون.
فالملائكة كانت أولياءهم في الدنيا بتثبيتهم وتسديدهم وحفظهم بأمر الله، وسيظلون أولياءهم في الآخرة، يؤنسون وحشتهم في القبور، ويؤمنونهم يوم البعث، ويزفونهم إلى جنات النعيم التي لهم فيها كل ما تشتهيه أنفسهم وكل ما يطلبون.
بعد وصف جزاء الاستقامة، ترتقي الآيات لتصف لنا قمة هرم الاستقامة وأعلى مراتب أهلها:
لا يوجد قول أحسن من قول من يدعو الناس إلى توحيد الله وعبادته، بشرط أن يتبع قوله بالعمل الصالح، وأن يعلن هويته الإسلامية بفخر واعتزاز ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
ثم تأمر الآيات بأعلى درجات الأخلاق في التعامل مع الخصوم. لا تقابل السيئة بالسيئة، بل قابلها بالخصلة التي هي أحسن: قابل الغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو. فإن فعلت ذلك، كانت النتيجة المذهلة أن يتحول عدوك اللدود إلى صديق حميم.
الاستقامة هي لزوم الطريق المستقيم والثبات عليه دون انحراف. فبعد الإقرار باللسان والقلب بأن الله هو الرب (قالوا ربنا الله)، تأتي الاستقامة لتكون هي التطبيق العملي لهذا الإقرار في كل جوانب الحياة، بالثبات على التوحيد، وأداء الفرائض، واجتناب المحرمات، والتحلي بالأخلاق الحميدة حتى الممات.
تتنزل عليهم الملائكة لتبشرهم وتطمئنهم، فتقول لهم ثلاث جمل: 1. 'ألا تخافوا': أي لا تخافوا مما أنتم مقبلون عليه في الآخرة. 2. 'ولا تحزنوا': أي لا تحزنوا على ما خلفتموه وراءكم في الدنيا من أهل ومال. 3. 'وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون': وهي البشرى الصريحة بالفوز العظيم.
أحسن القول على الإطلاق هو دعوة الناس إلى الله، مع اقتران هذه الدعوة بالعمل الصالح الذي يصدقها، وإعلان الانتماء بفخر واعتزاز إلى دين الإسلام ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسلِمِينَ ﴾. فهذه هي وظيفة الأنبياء وأتباعهم.