
الكلمة في الإسلام لها وزن، والقسم له حرمة. ولكن من رحمة الله بعباده أنه فرق بين ما يجري على اللسان عفواً وما ينعقد عليه القلب قصداً. في آية جامعة من *سورة المائدة *، يضع لنا القرآن الكريم تشريعاً دقيقاً وحكيماً يتعلق بالأيمان ، مبيناً ما يُحاسب عليه الإنسان وما يُعفى عنه، وواصفاً كفارة حنث اليمين بطريقة تحول الخطأ الشخصي إلى فرصة للمنفعة المجتمعية.
تضع الآية الكريمة تفريقاً أساسياً من باب الرحمة الإلهية:
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. وهي اليمين التي تخرج من الإنسان بلا قصد، وتجري على لسانه كعادة في الكلام مثل قول "لا والله" و "بلى والله" في سياق الحديث اليومي. هذه لا إثم فيها ولا كفارة عليها.
﴿وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾. وهي اليمين المقصودة التي يعقد الإنسان عليها قلبه وينويها بنية جازمة، كأن يحلف على فعل شيء أو تركه في المستقبل. فإذا حنث في هذا اليمين (أي لم يفِ به)، هنا تجب عليه الكفارة.
لمن حنث في يمينه المنعقدة، يفتح الله له باب التكفير من خلال خيارات مرتبة، يغلب عليها الطابع الاجتماعي:
تبدأ الكفارة بثلاثة خيارات على التخيير، أي يفعل الحانث أي واحد منها:
وفي حال العجز المادي عن الخيارات الثلاثة السابقة، يأتي الخيار الأخير:
إن ترتيب خيارات الكفارة بهذا الشكل يحمل حكمة بالغة. فقد جعل الله الأصل في الكفارة هو نفع المجتمع، من خلال إطعام جائع أو كسوة عارٍ أو تحرير إنسان. وهذا يحول الخطأ الفردي إلى فرصة لعمل الخير والتكافل الاجتماعي. أما الصيام، وهو عبادة فردية، فقد جُعل بديلاً للعاجز فقط، مما يؤكد على أولوية النفع المتعدي في التشريع الإسلامي.
بعد بيان كل هذه الأحكام، تختتم الآية بوصية هي خير من العلاج، ألا وهي الوقاية: "واحفظوا أيمانكم". وحفظ اليمين يشمل عدة أمور:
يمين اللغو هو اليمين الذي يجري على اللسان بدون قصد الحلف أو تأكيده، كأن يقول الإنسان في عرض كلامه 'لا والله' أو 'بلى والله' دون أن يقصد عقد اليمين. وهذا من رحمة الله بعباده، حيث تجاوز عن هذه الأيمان العارضة التي لا تحمل نية جازمة.
الخيارات بالترتيب هي: أولاً، إطعام عشرة مساكين من أوسط طعام الأهل، أو كسوتهم. ثانياً، تحرير رقبة (وهو غير معمول به حالياً لعدم وجود الرق). فإذا لم يستطع الإنسان فعل أي من هذه الثلاثة، ينتقل إلى الخيار الأخير وهو صيام ثلاثة أيام.
الحكمة عظيمة وتدل على جمال التشريع الإسلامي. فبدلاً من أن تكون الكفارة مجرد عقوبة شخصية، حولها الإسلام إلى عمل اجتماعي إيجابي. فذنب الفرد (وهو كسر اليمين) يصبح سبباً في منفعة المجتمع (إطعام عشرة مساكين). وهذا يرسخ مبدأ التكافل الاجتماعي ويجعل من التوبة والتكفير عن الذنب فرصة لعمل الخير.