
في أعماق البحار، وفي ظلمة بطن الحوت، وفي لحظة انقطاع تام عن كل أسباب الأرض، انطلقت واحدة من أعظم الدعوات التي عرفتها البشرية. إنها قصة *نبي الله يونس (ذو النون)* عليه السلام، كما يرويها لنا القرآن في * سورة الأنبياء * و * سورة الصافات*. هذه القصة ليست مجرد معجزة في النجاة، بل هي درس إلهي بليغ عن مخاطر نفاد الصبر، وعظمة التوبة، والقوة المذهلة لكلمات ثلاث: التوحيد، والتسبيح، والاعتراف بالذنب.
﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
"ذو النون" هو صاحب الحوت، وهو نبي الله يونس. بدأت قصته ﴿إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا﴾، لقد غضب من إصرار قومه على الكفر بعد أن دعاهم طويلاً، فقرر مغادرتهم يائساً منهم، دون أن يأذن الله له بالخروج. لقد غلبت عليه الطبيعة البشرية في نفاد الصبر. ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ ليس شكاً في قدرة الله، بل ظن أن الله لن يضيق عليه لخروجه. فركب السفينة المشحونة.
عندما ركب السفينة، هاج البحر. فقرر أهل السفينة أن يخففوا من حمولتها بإلقاء أحدهم، فاقترعوا، فكان يونس هو الخاسر في القرعة. ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. فأُلقي في البحر، ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. كلمة "مليم" هي المفتاح، أي أنه أتى بفعل يلام عليه (وهو تركه الدعوة بلا إذن).
في هذا الموقف المستحيل، انقطعت كل الأسباب. وجد يونس نفسه في ظلمات ثلاث: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر العميق، وظلمة الليل. هنا، وفي أشد لحظات الكرب، لم يصرخ طالباً النجاة، بل لجأ إلى الله بهذا الدعاء الذي هو قمة في التوحيد والأدب:
﴿أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
هذا الدعاء هو منهج متكامل، يجمع بين ثلاثة أركان:
كانت النتيجة فورية: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾. وتخبرنا سورة الصافات أن سبب نجاته الأساسي هو تسبيحه: ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
والأهم من نجاة يونس، هو القانون الذي ختم الله به الآية: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. لقد حول الله قصة يونس الخاصة إلى وعد عام لكل مؤمن. فكل مؤمن يقع في غم أو كرب، ثم يدعو بدعاء يونس (التوحيد والتسبيح والاعتراف بالذنب)، فإن الله يستجيب له وينجيه كما نجى يونس.
غادر يونس عليه السلام قومه 'مغاضباً' لله، ليس بمعنى الغضب على الله، بل غاضباً من أجل الله بسبب إصرار قومه على الكفر، وغاضباً عليهم. خطؤه كان في نفاد صبره ومغادرة مكان دعوته دون أن يأذن الله له بالخروج.
الظلمات الثلاث هي: ظلمة بطن الحوت، وظلمة عمق البحر، وظلمة الليل. وفي هذا إشارة إلى أنه وصل إلى أقصى درجات الكرب والانقطاع عن الأسباب الدنيوية.
لأنه يجمع أركان التوبة والتوحيد في كلمات قليلة. فقد بدأ بالتوحيد الخالص (لا إله إلا أنت)، ثم التنزيه والتسبيح (سبحانك)، ثم الاعتراف الصريح بالذنب والتقصير (إني كنت من الظالمين). هذا الاعتراف هو مفتاح الفرج، ولذلك قال الله ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، فجعله قانوناً عاماً لكل مؤمن.