
يروي لنا القرآن الكريم في * سورة المائدة * قصة أول مأساة بشرية على وجه الأرض. إنها ليست مجرد قصة عن خلاف بين أخوين، بل هي تشريح دقيق لجذور الشر في النفس الإنسانية: * الحسد *. إنها قصة أول قربان يُرفع إلى السماء، وأول جريمة قتل تُرتكب على الأرض، ومن رحم هذه المأساة، يُعلن أول قانون إلهي لقبول الأعمال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
تأمر الآيات النبي ﷺ بأن يتلو علينا هذا النبأ " بالحق "، فهو الخبر اليقين . بدأت القصة عندما قدم كل واحد من ابني آدم (هابيل وقابيل) قرباناً إلى الله. الروايات تشير إلى أن هابيل، الذي كان راعياً، قدم أكرم وأسمن ما عنده من الغنم. بينما قابيل، الذي كان مزارعاً، قدم أردأ ما عنده من الزرع. فجاءت علامة القبول الإلهي لقربان هابيل دون قابيل.
هنا يظهر معدن كل نفس. بدلاً من أن يسأل قابيل نفسه "لماذا لم يُتقبل مني؟" ويصلح من حاله، امتلأ قلبه بالغيرة والحسد من أخيه الذي فاز بالقبول. لم يدفعه الحسد إلى المنافسة في الخير، بل دفعه إلى الرغبة في التخلص من أخيه، فانفجر غضبه تهديداً صريحاً: ﴿ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ﴾.
يأتي رد هابيل كدرس خالد في الإيمان والحكمة. لم يقابل التهديد بتهديد، ولم يفاخر بقبول عمله، بل وضع أمامه القانون الإلهي الذي يفسر كل شيء:
﴿ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾
كأنه يقول له: القضية ليست معي، بل معك. إن الله لا ينظر إلى حجم القربان، بل إلى "التقوى" التي في القلب. لقد قُبل قرباني لأني قدمته بتقوى و إخلاص ، ورُد قربانك لأنك افتقدت لهذه التقوى. هذا المبدأ هو ميزان كل عمل صالح إلى يوم القيامة .
ثم أكمل هابيل موقفه السلمي النبيل: ﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾.
رغم حكمة هابيل، لم يرتدع قابيل. ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ ﴾. أي أن نفسه الأمارة بالسوء زينت له هذا الفعل الشنيع وسهلته في عينه، حتى ارتكب أول جريمة قتل عرفتها البشرية. وكانت النتيجة الفورية: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. خسر أخاه، وخسر آخرته، وخسر راحة باله.
بعد أن ارتكب جريمته، وقف قابيل جاهلاً لا يدري ماذا يفعل بجسد أخيه. وهنا تظهر رحمة الله حتى في حق العاصي الجاهل، ودرس آخر يضاف إلى القصة:
أرسل الله طائراً ليعلم الإنسان كيف يكرم أخاه الإنسان بعد موته. عندما رأى قابيل هذا المشهد، لم يزدد إلا حسرة، وأدرك مدى انحطاطه: ﴿ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ﴾. فكانت خاتمته الندم ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾.
القصة تحكي أن ابني آدم (هابيل وقابيل) قدما قرباناً إلى الله. هابيل قدم أفضل ما عنده (كبشاً سميناً) كدليل على تقواه ومحبته لله، بينما قابيل قدم أسوأ ما عنده (زرعاً رديئاً) كدليل على بخله وعدم اكتراثه. فتقبل الله قربان هابيل، ولم يتقبل قربان قابيل.
عندما هدده قابيل بالقتل، لم يرد هابيل بتهديد مضاد، بل ذكر له القانون الأبدي لقبول الأعمال: ﴿ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾. أي أن المشكلة ليست في الله، بل فيك أنت، فالله لا يقبل العمل إلا إذا صدر عن قلب تقي مخلص.
بعد أن قتل قابيل أخاه، لم يدرِ ما يفعل بجثته، فكان هذا دليلاً على بشاعة الجريمة وجهل مرتكبها. فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليدفن غراباً آخر ميتاً، ليريه كيف يواري سوأة أخيه. العبرة هي إظهار مدى ضعف الإنسان وجهله، وأن الله برحمته يعلمه حتى عن طريق مخلوقاته، وفي نفس الوقت هو توبيخ لقابيل الذي أصبح الغراب أعلم منه.