
في ختام * سورة المائدة ، وبعد استعراض طويل لتاريخ بني إسرائيل ونقضهم للعهود، يروي لنا القرآن قصة فريدة تتعلق بالحواريين، أصفياء المسيح عيسى عليه السلام. إنها قصة طلب جريء لمعجزة مادية، ودعاء نبوي بليغ، واستجابة إلهية مشروطة بأقسى تحذير. **قصة المائدة* هي درس عميق عن طبيعة الإيمان، والمسؤولية الهائلة التي تترتب على رؤية الآيات الكبرى.
تبدأ القصة بطلب الحواريين. وصيغة سؤالهم ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ...﴾ قد تبدو للوهلة الأولى سؤال شك في القدرة، لكن جمهور المفسرين على أنه سؤال استفسار بمعنى "هل يفعل ربك ذلك لنا؟" أو "هل يجيبنا إذا سألناه؟"، وليس شكاً في أصل القدرة. ومع ذلك، كان رد نبي الله عيسى حاسماً وفورياً: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. لقد نبههم إلى أن الإيمان الحقيقي لا ينبغي أن يكون معلقاً على طلب المعجزات المادية الاقتراحية، وأن هذا السؤال فيه جرأة على الله.
لم يكن طلب الحواريين عن عناد أو تكذيب، بل أوضحوا دوافعهم البشرية و النفسية في أربع نقاط:
عندما رأى عيسى عليه السلام صدق نيتهم، توجه إلى الله بدعاء من أروع ما يكون. لقد ارتقى بطلبهم المادي إلى غاية روحية سامية:
﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾
لم يطلب مجرد "طعام"، بل طلب أن تكون هذه المائدة "عيداً" أي يوماً للفرح والسرور والتعظيم يتكرر كل عام، وأن تكون "آية" أي برهاناً ودليلاً على قدرة الله وصدق نبيه. ثم ختم بالثناء على الله ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
جاءت الاستجابة الإلهية سريعة وواضحة: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾. لكن هذه الاستجابة جاءت مقترنة بوعيد هو من أشد ما ورد في القرآن:
وهذا يؤسس لقاعدة إلهية عظيمة: كلما كانت الآية أظهر للحواس وأقوى في خرق العادة، كلما كانت الحجة أقطع والمسؤولية أعظم. فمن يرى معجزة كهذه بعينيه ثم يكفر، فإنه يستحق عقوبة استثنائية لم يسبق لها مثيل، لأنه أنكر الحق بعد أن لمسه بيده ورآه بعينه.
الحواريون هم أصحاب نبي الله عيسى عليه السلام وخاصته. وقد طلبوا هذه المعجزة المادية ليس عن شك في قدرة الله، بل كما أوضحوا: ليأكلوا منها، وتطمئن قلوبهم أكثر، ويعلموا علم اليقين أن عيسى قد صدقهم، وليكونوا شهوداً على هذه المعجزة العظيمة أمام الناس.
دعا عيسى عليه السلام دعاءً بليغاً ومؤدباً. فلم يطلب مجرد طعام، بل قال: ﴿ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾. لقد طلب أن تكون عيداً ورمزاً للفرح، وآية وبرهاناً على القدرة الإلهية.
استجاب الله للدعاء، ولكنه ربط هذه المعجزة الباهرة بوعيد لا مثيل له: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ ﴾. وهذا يرسخ قاعدة إلهية: كلما كانت الآية أوضح وأقوى، كانت مسؤولية الإيمان بها أكبر، وعقوبة الكفر بها بعد رؤيتها أشد.