
تستعرض لنا * سورة الكهف * أنواع الفتن الكبرى التي تواجه الإنسان، وبعد أن عرضت لنا "فتنة الدين" في قصة أهل الكهف، تنتقل مباشرة لعرض "فتنة المال" في قصة بليغة وعميقة: *قصة صاحب الجنتين*. إنها ليست مجرد حكاية عن رجل غني ورجل فقير، بل هي حوار بين عقليتين: عقلية الغرور والكفر بالنعمة، وعقلية التواضع واليقين بالله. هذه القصة هي درس أبدي في كيفية التعامل مع الرخاء، وتذكير بأن النعم قد تكون أكبر اختبار للإيمان.
﴿ وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴾
يبدأ المثل بوصف دقيق ومبهر لجنتي الرجل الغني. لم تكن مجرد جنة، بل جنتين، محاطتين بسياج من النخيل، وفي وسطهما زروع وأنهار تجري. والأهم من ذلك: ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا﴾. لقد كانتا في قمة الإنتاجية والخصوبة، لا نقص فيهما أبداً. هذا الوصف للكمال هو الذي مهد للفتنة والغرور في قلب صاحبها.
يدخل هذا الرجل الغني جنته وهو ظالم لنفسه، ويبدأ الحوار مع صاحبه المؤمن:
ينطلق غروره من نقطتين: الأولى هي الافتخار بالدنيا ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴾. والثانية هي الكفر بالآخرة ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ﴾. لقد أعماه النعيم عن حقيقة زوال الدنيا وحتمية الآخرة.
يرد عليه صاحبه المؤمن برفق وحكمة، مذكراً إياه بثلاث حقائق:
1. أصله المتواضع: ﴿ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ. ..﴾.
2. عقيدته الراسخة: ﴿ لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴾.
3. المنهج الصحيح لحفظ النعمة.
في قلب هذا الحوار، يقدم المؤمن لصاحبه الكلمة التي كانت لتحفظ له نعمته لو قالها:
﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾
هذا هو علاج الغرور. كان عليه عندما رأى جنته أن يعترف بأنها "ما شاء الله" (هذا ما شاءه الله)، وأن القوة التي أوجدتها وحفظتها ليست قوته، بل هي "لا قوة إلا بالله". إنه رد الفضل والقدرة إلى صاحبها الحقيقي. ولكن الغني، بغروره، رفض هذا المنهج.
لأن الرجل الغني أصر على كفره وغروره، جاء العقاب الإلهي سريعاً وحاسماً: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾. في ليلة واحدة، دُمرت الجنتان بالكامل. ﴿ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ﴾.
إنه مشهد الندم المطلق. "يقلب كفيه" (يضرب كفاً بكف) وهي علامة الحسرة الشديدة. لقد خسر كل شيء، وعندها فقط تذكر الحقيقة التي غفل عنها وقال: ﴿ وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ﴾. لقد ندم، ولكن بعد فوات الأوان، ولم تنفعه عشيرته ولا ماله.
تختتم القصة بالعبرة النهائية التي يوجهها القرآن لنا جميعاً:
المال والبنون (التي افتخر بها الرجل) هي مجرد زينة مؤقتة وزائلة. أما "الباقيات الصالحات" (وهي كل عمل صالح من تسبيح وصدقة وصلاة ) فهي الاستثمار الحقيقي الباقي، وهي خير ثواباً عند الله، وخير ما يؤمله الإنسان في آخرته.
فتنة المال هي الاختبار الذي يقع فيه الإنسان عندما يُرزق ثروة كبيرة. فتنة هذا الرجل كانت أنه نسب الفضل لنفسه وقوته (' أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا ')، وغروره جعله ينسى الله وينكر اليوم الآخر ﴿ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ﴾. فالقصة تحذر من أن المال قد يكون سبباً للطغيان والكفر بدلاً من الشكر.
الكلمة هي ﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾. هذا هو علاج الغرور. فهي اعتراف بأن كل ما تراه من نعمة هو بمشيئة الله، وأن القوة الحقيقية التي أنبتتها وحفظتها هي قوة الله، لا قوتك ولا ذكاؤك. إنها كلمة رد الفضل إلى صاحبه.
كانت العاقبة هي الدمار الشامل لجنته. ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا ﴾. لقد خسر كل شيء في لحظة، وأصابه الندم الشديد، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا يوضح أن النعم التي لا تُربط بالله تكون زائلة وهشة.