
تختتم * سورة الكهف * دروسها العظيمة في مواجهة الفتن، بالقصة الرابعة والأخيرة: *قصة ذي القرنين*. بعد فتنة الدين ( أهل الكهف )، وفتنة المال ( صاحب الجنتين)، وفتنة العلم ( موسى والخضر )، تأتي "فتنة السلطة" كأعظم اختبار. يقدم لنا القرآن نموذجاً فريداً لملك مؤمن آتاه الله قوة لا مثيل لها، فلم يستخدمها في الطغيان والتجبر، بل سخرها لنشر العدل، وإغاثة المظلوم، وعمارة الأرض، كل ذلك وهو يعيش بيقين راسخ في الله واليوم الآخر.
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴾
تبدأ القصة بوصف مصدر قوة ذي القرنين. لقد "مكّن الله له في الأرض"، وأعطاه "من كل شيء سبباً"، أي أعطاه المفاتيح والأدوات والمعرفة التي تمكنه من الوصول إلى أي هدف يريده، سواء كان علمياً أو عسكرياً أو جغرافياً. لكن ذا القرنين لم يغتر بهذا التمكين، بل "أتبع سبباً"، أي أنه أخذ بهذه الأسباب وعمل بها بجد واجتهاد.
اتجه ذو القرنين غرباً حتى وصل إلى ﴿ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ﴾. وهناك وجد قوماً، فخيّره الله فيهم: إما أن يعذبهم أو يحسن إليهم. هنا، يضع ذو القرنين دستوره العادل الذي يكشف عن منهجه كحاكم مؤمن:
﴿ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴾
إنه قانون العدالة الكامل: عقوبة للمعتدي في الدنيا والآخرة، وثواب وإكرام ومعاملة حسنة للمؤمن الصالح.
ثم اتجه شرقاً إلى ﴿ مَطْلِعَ الشَّمْسِ ﴾، فوجد هناك قوماً بدائيين ﴿ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا ﴾، أي أنهم يعيشون في أرض مكشوفة لا جبال فيها ولا أشجار، أو أنهم لم يتخذوا بيوتاً أو ملابس تقيهم حر الشمس. فلم يبطش بهم أو يستعبدهم، بل عاملهم بما يناسب حالهم، وتلك رحمة من الحاكم القوي.
في رحلته الثالثة، وصل إلى منطقة ﴿ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ﴾ (جبلين عظيمين)، ووجد هناك قوماً ﴿ لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ﴾ لغرابة لغتهم. هؤلاء القوم اشتكوا إليه من فساد عظيم يأتيهم من "يأجوج ومأجوج".
عرض القوم على ذي القرنين مالاً (خرجاً) مقابل أن يبني لهم سداً يحميهم. فكان رده هو رد الملك الصالح الذي لا يبتغي أجراً دنيوياً:
﴿ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ...﴾
لقد رفض المال، لأن ما أعطاه الله من تمكين خير من أموالهم. ولكنه لم يقم بالعمل وحده، بل طلب منهم المشاركة بقوتهم وعملهم. ثم بدأ المشروع الهندسي العظيم: طلب منهم قطع الحديد، وساوى بها بين الجبلين، ثم أوقد النار عليها، وعندما أصبح الحديد ناراً منصهرة، صب عليه النحاس المذاب ﴿ قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴾. فنتج عن ذلك سد معدني هائل، صلب وأملس، ﴿ فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾.
بعد هذا الإنجاز الهندسي الجبار، الذي لم يسبق له مثيل، لم يغتر ذو القرنين بقوته أو علمه أو مهارته. بل نظر إلى السد العظيم وقال بقمة التواضع والعبودية: ﴿ قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي.. .﴾. نسب الفضل كله إلى الله. ثم تذكر الآخرة فوراً، فقال إن هذا السد، على عظمته، له نهاية: ﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ﴾.
'ذو القرنين' هو ملك صالح ومؤمن، آتاه الله ملكاً عظيماً وقوة وتمكيناً في الأرض، وأعطاه 'الأسباب' أي الطرق والمعارف التي تمكنه من تحقيق أهدافه. اختلف المفسرون في تحديد هويته التاريخية (هل هو الإسكندر الأكبر أم كورش أم غيره)، لكن القرآن يركز على صفاته كنموذج للحاكم العادل.
عندما وصل إلى مغرب الشمس ووجد قوماً، خيّره الله فيهم، فوضع دستوره العادل: ﴿ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ... وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ...﴾.. إنه قانون العدالة: عقاب للمسيء، وثواب وإكرام للمحسن.
في رحلته الثالثة، وجد ذو القرنين قوماً ضعفاء يشتكون من فساد قبيلتين مفسدتين هما 'يأجوج ومأجوج'. طلبوا منه بناء سد ليحميهم منهم مقابل أجر. فرفض ذو القرنين الأجر (﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ﴾)، وطلب منهم مساعدته بالعمالة. ثم بنى سداً هندسياً فذاً من قطع الحديد المنصهر المغطى بالنحاس، ليصبح سداً صلباً لا يمكن اختراقه. وعندما أكمله، لم يغتر بعمله بل نسب الفضل لله وقال: ﴿ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ﴾.