
من هم "عباد الرحمن"؟ في ختام *سورة الفرقان*، يقدم لنا القرآن الكريم لوحة تعريفية رائعة، ودستوراً أخلاقياً متكاملاً، لشخصية المؤمن الذي يستحق أن يُنسب إلى اسم الله "الرحمن". إنها ليست صفات ملائكية مستحيلة، بل هي سلوكيات عملية ومنهج حياة واقعي، يوازن بين علاقة العبد بربه في الخفاء، وعلاقته بالناس في العلن. هذه الآيات هي دعوة لكل مؤمن ليقيس نفسه على هذا الميزان الراقي.
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ...﴾
تبدأ الصفات بالسلوك الظاهر الذي يعكس ما في الباطن:
بعد وصف علاقتهم بالناس نهاراً، تصف الآيات علاقتهم بربهم ليلاً: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾. عبادتهم ليست رياءً أمام الناس، بل هي في ظلمة الليل، حيث لا يراهم إلا الله. ومع هذه العبادة، لا يغترون، بل هم خائفون يدعون ربهم أن يصرف عنهم عذاب جهنم.
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾
هذه الآية هي قاعدة ذهبية في الاقتصاد. فهم ليسوا مبذرين (يسرفوا)، وليسوا بخلاء (يقتروا)، بل هم أهل الوسطية والاتزان (قواماً).
ينتقل القرآن إلى الأساسيات التي لا يقوم إيمان بدونها، وهي تجنب الكبائر الثلاث:
ولأنهم بشر وليسوا ملائكة، فقد يقعون في هذه الذنوب. لذلك يفتح الله باباً عظيماً للتوبة: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. وما هي جائزة التائب الصادق؟ ﴿فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. وهذه من أعظم بشارات القرآن، فالله برحمته لا يمحو السيئة فقط، بل يضع مكانها حسنة.
تستمر الآيات في وصف رقي "عباد الرحمن":
بعد ذكر كل هذه الصفات، وبعد أن يختموا حياتهم بالدعاء ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا... وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، يأتي الجزاء من جنس العمل:
﴿أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾
"الغرفة" هي أعلى منازل الجنة وأفضلها، ينالونها بسبب صبرهم على كل هذه التكاليف. ويلقون فيها التحية والسلام، خالدين فيها، وحسنت مستقراً ومقاماً.
نسبتهم إلى اسم 'الرحمن' هو تشريف عظيم لهم. وهو يدل على أنهم نتاج رحمة الله التي وسعتهم، وأنهم هم أنفسهم يحملون الرحمة في قلوبهم وسلوكهم، فيتعاملون مع الناس برحمة وتواضع، ويبيتون لربهم خضوعاً وعبودية. فهم تجسيد لرحمة الله في الأرض.
هذا منهج في التعامل مع الإساءة. 'الجاهلون' هم السفهاء الذين يوجهون لهم كلاماً سيئاً. و'قالوا سلاماً' لا تعني إلقاء تحية السلام، بل تعني أنهم يقولون قولاً سليماً لا إثم فيه، يترفعون به عن الرد بالإساءة، فيصونون ألسنتهم ووقتهم عن الدخول في جدال عقيم. إنه سلام الترفع والحكمة.
هذا هو منهج الوسطية والاعتدال. 'لم يسرفوا' أي لم يتجاوزوا الحد في الإنفاق والتبذير. 'ولم يقتروا' أي لم يبخلوا ويضيقوا على أنفسهم وأهليهم. بل كان إنفاقهم 'بين ذلك قواماً'، أي وسطاً متوازناً، وهو قمة الحكمة في إدارة المال.