
تضعنا سورة الانشقاق أمام حقيقة وجودية صارخة: حياتنا كلها، بكل ما فيها من تعب وجهد، هي رحلة حتمية باتجاه واحد، إلى لقاء الله. تبدأ السورة بمشهد مهيب يصور خضوع الكون كله لربه يوم القيامة، ثم توجه خطاباً مباشراً وعميقاً للإنسان لتخبره بحقيقة رحلته، وتكشف له عن مشهد النهاية الذي سيتحدد فيه مصيره بناءً على كيفية استلامه لتقرير هذه الرحلة: كتابه.
﴿ إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ﴾
تبدأ السورة بوصف نهاية العالم بطريقة تظهر الطاعة المطلقة للكون. فالسماء "تنشق"، والأرض "تُمدّ" وتلقي ما في بطنها من أموات وكنوز. والمفتاح لفهم هذا المشهد هو اللازمة المتكررة: ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ﴾. أي أنها سمعت أمر ربها وأطاعته، وحُقّ لها أن تفعل ذلك. فإذا كان الكون بسمائه وأرضه بهذا الانقياد التام، فكيف بك أيها الإنسان العاصي؟
بعد هذا التمهيد الكوني، يأتي الخطاب المباشر الذي يمثل قلب السورة:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾
"الكدح" هو العمل والجهد الشديد المصحوب بالتعب. والآية تقرر أن كل إنسان، مؤمن أو كافر، هو في حالة كدح مستمر طوال حياته. أنت تكدح في دراستك، في عملك، في تربية أبنائك، في صلاتك، وحتى في معصيتك. وهذه الرحلة الشاقة لها نقطة وصول حتمية: "فملاقيه"، أي ستلاقي ربك، وستلاقي عملك وكدحك هذا مسجلاً.
عند لقاء الله، تنقسم البشرية إلى فريقين بناءً على نتيجة هذا الكدح:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾. وهذا هو الفائز، فعلامة نجاته أن يُعطى كتاب أعماله بيده اليمنى. فيكون جزاؤه: ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾، حساباً سهلاً يتم فيه عرض أعماله دون مناقشة. ثم ﴿ وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾، يعود إلى أهله في الجنة فرحاً مسروراً بما نال من كرامة.
﴿ ووَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ﴾. وهذا هو الخاسر، ومنتهى الإهانة أن يُعطى كتابه من وراء ظهره ويده اليسرى مغلولة إلى عنقه. فيكون مصيره: ﴿ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ﴾، أي ينادي على نفسه بالهلاك والموت. ﴿ وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا ﴾، أي يدخل ناراً مستعرة.
ما الذي أوصل هذا الإنسان إلى هذا المصير المظلم؟ تشخص السورة السبب في آيتين:
هذه الآية هي خلاصة حياة الإنسان. 'كادح' أي عامل ومجتهد بكد وتعب. والمعنى: يا أيها الإنسان، إنك في رحلة مستمرة من العمل والكفاح طوال حياتك، سواء في الخير أو في الشر، وهذه الرحلة لها محطة وصول حتمية وهي لقاء الله، حيث ستلاقي نتيجة كدحك وعملك مسجلة.
الفرق هو الفرق بين السعادة والشقاء الأبدي. من يأخذ كتابه بيمينه هو الناجي الفائز، وعلامة على صلاحه، وسيحاسب حساباً يسيراً ويعود لأهله في الجنة مسروراً. أما من يأخذ كتابه وراء ظهره، فهو الخاسر الهالك، وعلامة على فجوره، وسيدعو بالهلاك على نفسه ويصلى ناراً مستعرة.
السبب هو مزيج من الغفلة والغرور. وصفتهم السورة بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أي كان مغموراً بمتع الدنيا الفانية غافلاً عن آخرته. ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ أي كان يعتقد بغروره أنه لن يرجع إلى الله للحساب. هذه الغفلة وهذا الظن هما أساس هلاكه.