
تأتي سورة المرسلات بإيقاع سريع، وقسم مهيب، ولازمة متكررة تهز أركان النفس: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾. إنها ليست مجرد سورة، بل هي مطرقة قرآنية تطرق على جدار قلوب الغافلين عشر مرات، في كل مرة تقدم لهم حجة أو تعرض عليهم مشهداً، ثم تتبعها بنفس الإنذار الصاعق. إنها سورة "يوم الفصل"، اليوم الذي يفصل فيه الله بين الحق والباطل، وبين أهل النعيم وأهل الجحيم.
﴿ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَٱلۡفَٰرِقَٰتِ فَرۡقٗا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ﴾
تبدأ السورة بالقسم بالرياح (على أحد التفسيرات الراجحة) في حالاتها المختلفة: المرسلات التي تهب بهدوء، فالعاصفات الشديدة، والناشرات التي تنشر السحاب، فالفارقات التي تفرق بين الحق والباطل، فالملقيات ذكراً وهي التي تحمل الوحي للأنبياء. كل هذه الحركة الكونية والقوة هي تمهيد لجواب القسم: ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ﴾. أي أن يوم القيامة الذي توعدون به، آتٍ وحق لا محالة.
بعد إعلان الحقيقة، تقدم السورة أدلة منطقية بسيطة وعميقة لإثباتها، وبعد كل دليل، يأتي الوعيد.
﴿ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ﴾؟ تذكير للإنسان بأصله الضعيف. فالذي قدر على بدء الخلق من هذه النطفة، قادر على إعادته بكل سهولة.
﴿ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ﴾؟ "الكفات" هو الوعاء الذي يضم ويجمع. فالأرض تجمعنا على ظهرها ونحن أحياء، وتضمنا في بطنها ونحن أموات. فالذي جعلها وعاءً، قادر على أن يأمرها بإخراج ما فيها.
تنتقل السورة إلى خطاب مباشر للمكذبين يوم القيامة: ﴿ انطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾. انطلقوا إلى العذاب الذي كنتم به تستهزئون. ثم تصف هذا العذاب بأسلوب ساخر ومخيف:
﴿ انطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ * ﴾
يُقال لهم اذهبوا إلى "ظل"، فيظنون أنه راحة، لكنه ظل من دخان جهنم المتشعب، لا يقي من الحر (لا ظليل)، ولا يحمي من النار (ولا يغني من اللهب). ثم تصف شرر هذه النار بأنها كالقصر حجماً، وكالجمال الصفر لوناً وسرعة.
من أشد مشاهد السورة رعباً هو وصفها لحال المكذبين أمام ربهم. إنه ليس يوم جدال أو دفاع، بل يوم صمت مطلق وإفلاس كامل:
لا يستطيعون الكلام لهول الموقف، وحتى لو أرادوا، لا يؤذن لهم بتقديم أي عذر، لأن كل الحقائق قد اتضحت ولم يعد هناك مجال للكذب أو التبرير. إنه يوم انقطاع الحجة التام.
على الجانب الآخر تماماً، وبكل إيجاز، تصف السورة حال المتقين: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾. فظلهم ظليل حقيقي، وشرابهم من عيون جارية، وطعامهم من كل ما تشتهيه أنفسهم. ويأتيهم التكريم الإلهي المباشر: ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾.
التكرار في سورة المرسلات هو أسلوب بلاغي قوي جداً لتقريع المكذبين وزجرهم. فبعد كل حجة يقيمها الله عليهم، أو كل مشهد من مشاهد القيامة يعرضه، تأتي الآية لتؤكد على نتيجة التكذيب بهذا الأمر. إنه كالمطرقة التي تضرب على قلوبهم وعقولهم مرة بعد مرة، فلا تترك لهم مجالاً للغفلة أو الإنكار.
ساقت السورة دليلين رئيسيين من واقع الإنسان والكون: الأول هو الخلق من ماء مهين ﴿ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ﴾، فمن قدر على الخلق الأول قادر على الخلق الثاني. والدليل الثاني هو الأرض التي جعلها الله 'كفاتاً' أي وعاءً يضمنا أحياءً على ظهرها، وأمواتاً في بطنها، فالذي جعلها وعاءً قادر على إخراج ما فيها.
وصفت حالهم بقمة اليأس والعجز. يُقال لهم انطلقوا إلى عذاب كنتم به تكذبون، فيجدون ظلاً من دخان جهنم لا يظلل ولا يحمي من اللهب. والأشد من ذلك، أن هذا اليوم هو يوم صمت تام بالنسبة لهم ﴿ هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾، فلا يستطيعون الكلام أو حتى تقديم الأعذار.