
في حركة البيع والشراء اليومية، وفي كل تعاملاتنا المالية، يضع القرآن الكريم ميزاناً دقيقاً للأخلاق، ويربطه مباشرة بميزان الآخرة. تبدأ سورة المطففين بكلمة واحدة مرعبة: "ويل"، وهو وعيد بالهلاك لمن يغش في هذا الميزان الدنيوي. ثم تأخذنا السورة في رحلة لتكشف أن هذا الغش ليس مجرد خطأ تجاري، بل هو عرض لمرض أعمق: عدم اليقين بيوم الحساب. ومن هنا، تنقلنا إلى عالم الغيب لنرى السجلات الإلهية التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة: "سجين" و "عليون".
﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
"التطفيف" هو الغش وإنقاص المكيال والميزان. وتصفهم السورة ببراعة نفسية مذهلة: أنانيتهم تجعلهم يطلبون حقهم كاملاً وافياً، ولكن عندما يعطون حقوق الناس، فإنهم يبخسون وينقصون. هذا الخلل في التعامل يكشف عن خلل أعمق في الإيمان ، ولهذا تسألهم السورة سؤالاً استنكارياً: ألا يظن هؤلاء أنهم سيبعثون ويحاسبون في يوم عظيم؟ إن ضعف اليقين بالآخرة هو جذر كل ظلم.
تنتقل السورة من الحديث عن أعمالهم إلى الحديث عن مكان تسجيل هذه الأعمال ومصيرها:
﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴾. "الفجار" هم المتوسعون في الفجور والمعاصي، ومنهم المطففون. وكتاب أعمالهم يُحفظ في "سجين"، وهو مكان سفلي ضيق مظلم، مشتق من "السجن". إنه مكان يليق بأعمالهم المظلمة.
﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾. وفي المقابل، "الأبرار" الذين صدقوا في إيمانهم وأحسنوا في أعمالهم، يُحفظ كتابهم في "عليين"، وهو مكان في أعلى درجات الجنة، مشتق من "العلو"، تشهده الملائكة المقربون تكريماً وتشريفاً لأصحابه.
بعد بيان المصيرين، تعرض السورة مشهدين متقابلين، أحدهما في الدنيا والآخر في الآخرة، لترينا كيف تنقلب الموازين:
﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴾. كان الكفار في الدنيا يسخرون من المؤمنين ويستهزئون بهم ويغمزونهم بأعينهم احتقاراً.
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ﴾. "فاليوم"، أي في يوم القيامة، ينقلب الحال. المؤمنون في نعيمهم على الأرائك ينظرون إلى الكفار وهم يعذبون، ويضحكون منهم، جزاءً عادلاً على سخريتهم في الدنيا. ثم تختم السورة بالسؤال الذي يحمل في طياته الجواب: ﴿ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾؟ أي هل جُوزوا على أعمالهم واستهزائهم؟ نعم، هذا هو جزاؤهم العادل.
'المطففون' هم الذين يغشون في الميزان والكيل. وصفتهم السورة بدقة بأنهم إذا كانوا هم المشترين (اكتالوا على الناس) يطلبون حقهم كاملاً وزيادة، أما إذا كانوا هم البائعين (كالوهم أو وزنوهم) فإنهم ينقصون الميزان ويبخسون الناس حقوقهم. وهذا يعكس أنانية شديدة وغياباً للخوف من الله.
هما مكانان ومسجلان لأعمال العباد. 'سجين' هو مكان سفلي ضيق ومظلم، وهو السجن، يُسجل فيه كتاب الفجار وأعمالهم. أما 'عليون' فهو مكان علوي مشرف، يدل على العلو ورفعة المكانة، يُسجل فيه كتاب الأبرار وأعمالهم، وتشهد عليه الملائكة المقربون.
وصفت السورة أن الكفار في الدنيا كانوا يسخرون من المؤمنين ويضحكون منهم ويغمزونهم استهزاءً. أما في الآخرة، فينقلب الحال تماماً: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾. فالمؤمنون يكونون في نعيم على الأرائك ينظرون، ويضحكون على الكفار وهم يعذبون، جزاءً وفاقاً على سخريتهم في الدنيا.