
في ظلمة الليل الكوني، وفي غفلة الإنسان عن حقيقته ومصيره، تأتي سورة الطارق كنجم ثاقب يخترق حجب الغفلة. تبدأ السورة بقسم سماوي مهيب، لتكشف عن حقيقة الرقابة الإلهية الدائمة على كل نفس، ثم تنزل بنا إلى أصل خلقنا المتواضع كدليل على البعث، وتصعد بنا مرة أخرى إلى أهوال "يوم تبلى السرائر"، لتختتم بقسم آخر على أن هذا القرآن هو القول الفصل الذي لا هزل فيه.
﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾
تبدأ السورة بأسلوب تشويقي فريد. يقسم الله بالسماء و"الطارق"، ثم يسأل سؤالاً للتفخيم: "وما أدراك ما الطارق؟". ثم يجيب: "النجم الثاقب". إنه النجم الذي يثقب ظلام الليل بضوئه القوي. هذا القسم بالرقابة الكونية ليس عبثاً، بل هو تمهيد لجواب القسم، وهو الحقيقة المحورية: ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾. فكما أن هناك نجوماً تحرس السماء، فإن على كل نفس ملائكة تحفظها وتحصي أعمالها. لا أحد متروك، ولا عمل ضائع.
بعد إثبات الرقابة، تنتقل السورة لإثبات البعث بأقرب دليل للإنسان: نفسه. ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾. إنه أمر بالتفكر في أصله المتواضع: ﴿خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴾. ثم تأتي النتيجة المنطقية:
﴿ إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾
فالذي قدر على بدء الخلق من هذا الماء الضعيف، هو بكل تأكيد قادر على "رجعه" أي إعادته وبعثه بعد الموت.
ومتى سيكون هذا الرجع؟ ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾. "تبلى" أي تُختبر وتُكشف. و "السرائر" هي كل ما كان خفياً في القلوب من إيمان أو كفر، ومن إخلاص أو رياء. في ذلك اليوم، لن يكون الحكم على الظواهر، بل على الحقائق الباطنة. وفي تلك اللحظة الحرجة، ﴿فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ﴾، يفقد الإنسان كل قوته الذاتية وكل نصير خارجي، ويقف وحيداً أمام عمله الذي تم إحصاؤه.
تعود السورة إلى القسم مرة أخرى لتأكيد حقيقة أخرى عظيمة. تقسم بالسماء التي تنزل المطر مرة بعد مرة (ذات الرجع)، وبالأرض التي تتشقق ليخرج منها النبات (ذات الصدع)، على أن:
إن هذا القرآن الذي يخبركم بكل هذه الحقائق هو قول "فصل"، أي أنه يفصل بين الحق والباطل، والجد والهزل. إنه ليس كلاماً للتسلية، بل هو الحقيقة المطلقة التي ستقوم عليها حياتكم ومماتكم ومصيركم.
تختتم السورة بمواجهة هادئة وواثقة بين كيد المخلوق وتدبير الخالق. ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴾ أي أن الكفار يخططون ويمكرون لإطفاء نور الله. فيأتي الرد الإلهي: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ أي وأنا أيضاً أدبر تدبيراً لإظهار الحق وهزيمة الباطل. ثم يأتي التوجيه الأخير للنبي ﷺ : ﴿ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾. لا تستعجل عليهم، أمهلهم قليلاً، فنهايتهم محسومة وتدبيري غالب.
'الطارق' هو كل ما يظهر ليلاً. وقد فسرت السورة نفسها هذا القسم الغامض مباشرة بقوله تعالى ﴿ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴾. وهو النجم الذي يثقب الظلام بضوئه الساطع. والقسم به هو تمهيد للحقيقة التي جاءت بعده، وهي أن الله كما وضع نجوماً ثاقبة تراقب الكون، فقد وضع على كل نفس حافظاً يراقب أعمالها.
الحقيقة هي ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾. أي ما من نفس مخلوقة إلا وقد وكّل الله بها من يحفظها ويحصي عليها أعمالها من خير وشر، وهم الملائكة الكرام. إنها رسالة تطمين للمؤمن بأنه في حفظ الله، ورسالة تحذير للعاصي بأن كل أفعاله مرصودة ومسجلة.
هو اسم من أسماء يوم القيامة. و'تبلى' أي تُختبر وتُكشف. و'السرائر' هي كل ما كان سراً في الصدور من عقائد ونوايا وأعمال خفية. ففي ذلك اليوم، لن يكون الحكم على الظاهر فقط، بل ستُكشف كل الأسرار وتصبح علانية، وسيكون الجزاء على حقيقة ما في القلوب.