
في تشخيص بليغ وموجز، تضع سورة البلد أمامنا حقيقة الوجود الإنساني: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. إنها سورة الكفاح والمشقة، لا لتيئيسنا، بل لتوضح لنا طبيعة الطريق، ثم لترسم لنا مساراً بديلاً، طريقاً صاعداً وشاقاً اسمه "العقبة"، من يقتحمه يتجاوز منطق الكبد الدنيوي إلى فضاء الفلاح الأخروي. إنها دعوة لتحويل مشقة الحياة إلى دافع للارتقاء الروحي والاجتماعي.
﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾
تبدأ السورة بقسم بمكة المكرمة ﴿بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾، ويزداد شرف هذا القسم بأن النبي محمد ﷺ "حِلٌّ" أي مقيم وحالٌّ فيه، مما يضاعف من مكانة المكان. ثم يقسم الله ﴿بِوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ أي بآدم وذريته، أو بكل والد ونسله، في إشارة إلى مسيرة البشرية كلها. هذا القسم العظيم بالبشرية ومكانها المقدس، هو تمهيد للحديث عن طبيعة هذه البشرية.
يأتي جواب القسم ليقرر حقيقة أساسية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. "الكبد" هو المشقة والتعب. حياة الإنسان كلها سلسلة من المكابدة: مشقة الحمل والولادة، مشقة الطفولة والتربية، مشقة طلب الرزق، مشقة مواجهة المصائب، وأخيراً مشقة الشيخوخة والموت. إذن، الدنيا ليست دار نعيم وراحة، بل دار عمل وكفاح.
لكن الإنسان المغرور ينسى هذه الحقيقة، فيظن أن قوته وماله يحميانه: ﴿ أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴾، ويتباهى بإنفاقه للمال في غير محله: ﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا ﴾.
بعد كشف غرور الإنسان، تطرح السورة التحدي الحقيقي. فبدلاً من أن يبدد الإنسان قوته وماله في الباطل، كان عليه أن "يقتحم العقبة". والعقبة هي الطريق الصاعد الوعر في الجبل، وهي هنا رمز لكل عمل صالح يتطلب مجاهدة للنفس وتضحية بالمال والراحة. إنه طريق صعب، ولذلك لا يقتحمه إلا أصحاب العزائم.
ثم تفسر السورة ما هي هذه العقبة، وتحددها في أعمال اجتماعية عظيمة تكسر قيود الأنانية والبخل:
لكن كل هذه الأعمال لا تكفي وحدها، بل لا بد لها من أساس يسبقها ووصية تصحبها: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾. فلا بد من الإيمان ، ولا بد من الانتماء لمجتمع مؤمن يوصي بعضه بعضاً بالصبر على مشقة الطريق، وبالمرحمة مع خلق الله .
بناءً على هذا الاختيار المصيري، ينقسم الناس فريقين:
'الكبد' يعني المشقة والتعب والكفاح المستمر. والمعنى أن الله قد قدّر على الإنسان أن تكون حياته كلها سلسلة من المكابدة والمشقة، منذ لحظة الولادة، مروراً بمتاعب الطفولة والشباب، وكد العمل، وانتهاءً بمشقة الشيخوخة وسكرات الموت. فالدنيا ليست دار راحة.
'العقبة' هي الطريق الصعب الشاق، وهي رمز لتحدي النفس والأنانية والبخل. واقتحامها يكون بأعمال عظيمة تتطلب تضحية ومجاهدة، وقد حددتها السورة بأنها: عتق الرقاب، وإطعام الطعام في أوقات المجاعة، خاصة لليتيم القريب والمسكين المعدم.
'أصحاب الميمنة' (أهل اليمين) هم أهل السعادة واليمن والبركة. وصفتهم السورة بأنهم الذين اقتحموا العقبة ثم كانوا من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. أما 'أصحاب المشأمة' (أهل الشمال) فهم أهل الشؤم والخسارة، وهم الذين كفروا ورفضوا اقتحام العقبة، وعاقبتهم نار مغلقة عليهم.