
بإيقاع سريع وقاطع، تأخذنا سورة القيامة في رحلة خاطفة عبر أهوال اليوم الأخير. إنها سورة تبدأ بقسم مزدوج فريد، بيوم القيامة وبالنفس اللوامة، لتؤكد على حقيقة البعث التي طالما أنكرها الإنسان. ثم تتحدى هذا الإنكار ببرهان علمي مذهل، وتصف لنا مشاهد النهاية حيث يزوغ البصر ويخسف القمر ويصرخ الإنسان "أين المفر؟"، لتصل بنا إلى صورتين متقابلتين: وجوه مشرقة تنظر إلى ربها، ووجوه كالحة تنتظر مصيرها.
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾
تبدأ السورة بقسمين عظيمين: الأول بيوم القيامة نفسه، والثاني بالنفس اللوامة. وهي النفس البشرية التي تلوم صاحبها، سواء كانت نفس المؤمن تلومه على التقصير، أو نفس الكافر تلومه يوم القيامة على ما فرط. والربط بينهما بديع، فكأن الله يقول: إن الذي أودع فيكم هذه النفس التي تحاسب نفسها، هو نفسه الذي سيقيم يوم الحساب الأكبر.
تنتقل السورة مباشرة لتواجه إنكار الكافر: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾. فجاء الرد الإلهي ليس فقط بالتأكيد، بل بما هو أبلغ وأدق:
﴿ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾
"البنان" هو أطراف الأصابع. واختياره هنا فيه إعجاز مذهل، فالله لا يقول فقط إنه قادر على جمع العظام، بل قادر على إعادة تسوية أدق جزء في الإنسان وهو بصمات أصابعه. وقد أثبت العلم الحديث أن هذه البصمات فريدة لكل شخص، فإعادة تسويتها كما كانت هي دليل على دقة القدرة الإلهية التي لا حدود لها.
بعد إثبات القدرة على البعث، تصف السورة أهوال ذلك اليوم: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ أي تحير البصر ودهش، ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ ذهب ضوؤه، ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. عند رؤية هذه الانقلابات الكونية، يصرخ الإنسان في فزع: ﴿يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾. فيأتيه الجواب الحاسم: ﴿ كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ﴾. لا ملجأ ولا مهرب، فالمستقر والنهاية إلى الله وحده.
في وسط هذه الأهوال، تأتي آيات لطيفة توجه ا لنبي ﷺ في كيفية تلقي الوحي: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ... ﴾. وهي تطمئنه بأن الله قد تكفل بجمع القرآن في صدره، وتسهيل قراءته، وبيان معانيه. وهذه الوقفة تظهر عظمة القرآن وأنه وحي يوحى في كل الظروف.
تختتم السورة برسم لوحتين متقابلتين لمصير الإنسان، مرسومتين على الوجوه:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾. "ناضرة" أي حسنة وجميلة ومشرقة من أثر النعيم. وأعظم هذا النعيم هو أنها "إلى ربها ناظرة"، أي أنها تتمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وهو أعلى درجات النعيم في الجنة.
﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ ﴾. "باسرة" أي كالحة وعابسة ومظلمة من شدة الهول. وهي تتوقع وتنتظر أن تنزل بها "فاقرة"، أي داهية عظيمة تكسر فقار الظهر.
'النفس اللوامة' هي النفس البشرية التي تلوم صاحبها. فالمؤمن يلوم نفسه على التقصير في الطاعة، والكافر يلوم نفسه يوم القيامة على ما فرط في جنب الله. إنها الضمير الحي الذي أودعه الله في الإنسان ليكون حجة عليه. والقسم بها يدل على شرفها وأهميتها في محاسبة الذات.
الإعجاز يكمن في اختيار 'البنان' وهو طرف الإصبع. فبعد أن استبعد الكافر جمع العظام، رد الله بأنه قادر على ما هو أدق وأعقد، وهو إعادة تشكيل بنان الإنسان. وقد أثبت العلم الحديث أن بصمات الأصابع فريدة لكل إنسان ولا تتشابه أبداً، وفي هذا دلالة على دقة القدرة الإلهية التي أحاطت بأدق تفاصيل خلق الإنسان ، وبالتالي هي قادرة على إعادة هذا الخلق بدقة متناهية.
هذه الآية تثبت أعظم نعيم لأهل الجنة على الإطلاق، وهو رؤية وجه الله الكريم مباشرة. فوصف وجوههم بأنها 'ناضرة' (مشرقة وجميلة) ثم 'إلى ربها ناظرة' (تنظر إليه)، يدل على أن قمة النعيم واللذة والسرور في الآخرة هو التمتع بالنظر إلى وجه الله، وهو ما نسأل الله أن يرزقنا إياه.