
في أربع آيات موجزة، تقدم لنا سورة قريش درساً اقتصادياً واجتماعياً وعقدياً في غاية العمق. إنها ليست مجرد سورة تتحدث عن قبيلة عربية، بل هي رسالة لكل إنسان وكل مجتمع عن أساس النعم التي قد نعتبرها من المسلمات: نعمة الأمن ونعمة الرزق. تأتي هذه السورة لتذكر قريش، ومن بعدهم نحن، بالسبب الحقيقي وراء استقرارهم وازدهارهم، وتطالبهم بمقابل بسيط ومنطقي لهذا الفضل العظيم.
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ *إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ*فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ*الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾
تبدأ السورة بحرف لام التعجب أو التعليل "لإيلاف"، لتلفت انتباهنا إلى أمر عجيب وهو "إيلاف قريش". والإيلاف هو العادة والألفة والعهد. والمقصود هنا هو تلك العادة التي استقرت عليها حياة قريش، والتي كانت سر قوتهم الاقتصادية والاجتماعية. هذا الإيلاف لم يكن ليحدث لولا الحماية الإلهية التي تجلت في حادثة الفيل، والتي جعلت كل القبائل العربية تهاب قريش وتحترمهم بصفتهم "أهل الله" وجيران بيته الحرام، مما أمن لهم طرق التجارة.
توضح الآية الثانية طبيعة هذا الإيلاف: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾. لقد كانت حياة مكة، وهي وادٍ غير ذي زرع، تعتمد كلياً على هاتين الرحلتين التجاريتين:
هاتان الرحلتان الآمنتان كانتا بمثابة المعجزة الاقتصادية التي صنعت ثروة مكة ومكانتها.
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾
تلخص هذه الآية نتيجة "الإيلاف" في نعمتين هما أساس قيام أي حضارة واستقرار أي مجتمع:
فالله هو الذي أطعمهم من جوع شديد كان سيحل بهم لولا هذه التجارة، في أرض لا تزرع ولا تنتج.
وهو الذي آمنهم من خوف كان يحيط بهم من كل جانب، حيث كانت الصحراء مرتعاً للغارات والسطو، لكن قوافل قريش كانت تسير آمنة بفضل حرمة البيت.
بعد تذكيرهم بهذه النعم الحصرية، تأتي الفاء في "فليعبدوا" لتربط السبب بالنتيجة بشكل منطقي ومباشر. فكأن الآية تقول: بما أن الله هو الذي خصكم بهذا الإيلاف، وهو الذي أطعمكم وآمنكم، فإن أبسط مقتضيات الشكر والمنطق هو أن تعبدوه وحده. والأمر هنا محدد: اعبدوا "رب هذا البيت"، أي رب الكعبة، التي هي سبب أمنكم ورزقكم ومكانتكم. إنها دعوة لترك عبادة الأصنام التي لا تطعم ولا تؤمّن، والتوجه بالعبادة إلى المنعم الحقيقي.
'الإيلاف' هو العادة والألفة والعهد. والمقصود به هو العادة التي ألفتها قريش واشتهرت بها، وهي تسيير رحلتين تجاريتين عظيمتين كل عام (رحلة الشتاء لليمن ورحلة الصيف للشام) بأمان تام، وهو أمر لم يكن متاحاً لغيرهم من القبائل بسبب انعدام الأمن. هذا الأمان جاء بفضل مكانتهم كـ 'أهل الله' وحراس بيته الحرام.
العلاقة وثيقة جداً حتى اعتبرها بعض العلماء سورة واحدة. فسورة الفيل تصف كيف حمى الله الكعبة وأهلها (قريش) من جيش أبرهة. وسورة قريش تصف النتيجة المباشرة لهذه الحماية، وهي نعمة الأمن التي سمحت لقريش بتأسيس رحلاتهم التجارية الآمنة 'الإيلاف'. فكأن المعنى: لقد فعلنا بأصحاب الفيل ما فعلنا من أجلكم يا قريش، ومن أجل أن ننعم عليكم بالأمن والرزق.
النعمتان هما أساس استقرار أي مجتمع: 1. الإطعام من الجوع: حيث وفر لهم الرزق الوفير عن طريق التجارة في وادٍ غير ذي زرع. 2. الأمن من الخوف: حيث جعلهم آمنين في ديارهم وفي أسفارهم في بيئة كانت مليئة بالحروب والسطو. وهاتان النعمتان تقتضيان منهم عبادة المنعم وحده.