
في *سورة النمل*، يقص علينا القرآن مشهداً فريداً من نوعه: لقاء بين نبي ملك سخر الله له الجن والإنس والطير، وملكة حكيمة تقود قوماً أولي بأس شديد. إنها قصة لا تحكي عن معركة دموية، بل عن "معركة عقول" و "حوار حضارات"، استخدم فيها سليمان عليه السلام أبهى صور القوة الناعمة، والعلم المعجز، والرسالة الموجزة، ليقود أمة كاملة من عبادة الشمس إلى عبادة رب العالمين.
﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾
تبدأ القصة بتفقد سليمان لجيشه من الطير، وملاحظة غياب الهدهد. وعندما عاد الهدهد، جاء بعذر قوي وحجة دامغة: ﴿جِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. وصف الهدهد مملكة سبأ بدقة: امرأة تحكمهم، ولها عرش عظيم، لكنهم يسجدون للشمس. هذا المشهد يظهر انضباط جيش سليمان، وغيرته على التوحيد، ودقة نظام الاستخبارات في مملكته.
أرسل سليمان كتاباً كريماً وموجزاً. لم يبدأ بتهديد، بل بدأ بـ "أبسم الله الرحمن الرحيم". كان مضمون الرسالة واضحاً وحاسماً: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. إنه دعوة للاستسلام للحق، وترك الكبر، والمجيء طائعين منقادين.
هنا يبرز ذكاء بلقيس. جمعت كبار مستشاريها وقالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾. ورغم أنهم عرضوا عليها القوة العسكرية ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، إلا أنها اختارت تجنب الحرب التي تدمر الحضارات ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾. قررت إرسال هدية ثمينة لاختبار سليمان: هل هو ملك دنيوي يرضيه المال، أم نبي صاحب رسالة؟ فلما جاءت الهدية، رفضها سليمان بقوة وأكد أن ما عند الله خير مما عندهم.
عندما قررت بلقيس القدوم، أراد سليمان أن يريها آية من آيات الله في قدرته وسلطانه، فطلب إحضار عرشها العظيم من اليمن إلى الشام قبل وصولها.
عرض عفريت من الجن أن يأتيه به قبل أن يقوم من مقامه. لكن ﴿الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ﴾ قال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. وفي لحظة، استقر العرش أمامه. فلم يفتخر سليمان، بل قال بتواضع: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.
أمر سليمان بتنكير العرش لاختبار ذكائها، فعرفته وقالت "كأنه هو". ثم جاءت اللحظة الحاسمة في قصر سليمان. بنى لها "صرحاً" (بهواً عظيماً) أرضيته من زجاج صافٍ (قوارير) يجري تحته الماء.
﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا﴾
ظنت أنه ماء فرفعت ثيابها لتخوضه، فقال لها سليمان: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ﴾. في هذه اللحظة، أدركت بلقيس الرسالة العميقة: كما انخدعت عيناها بالزجاج وظنته ماءً، فقد انخدعت بصيرتها بعبادة الشمس (المخلوق) وتركت عبادة الخالق. فانهارت مقاومتها أمام الحق وأعلنت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
جاء الهدهد بخبر من مملكة سبأ (في اليمن)، حيث وجد امرأة تملكهم (الملكة بلقيس)، وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم. لكن المفاجأة المحزنة كانت أنهم يعبدون الشمس من دون الله، وقد زين لهم الشيطان أعمالهم. كان هذا الخبر هو الشرارة التي حركت غيرة سليمان على التوحيد.
عندما وصلها الكتاب، لم تتسرع بقرار الحرب، بل جمعت الملأ (مستشاريها) واستشارتهم قائلة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾. ورغم أن قومها أشاروا بالحرب (نحن أولو قوة)، إلا أنها بحكمتها أدركت خطورة المواجهة مع ملك كسليمان، واختارت الدبلوماسية وإرسال الهدية لاختبار نواياه.
أمر سليمان ببناء قصر أرضيته من زجاج صافٍ (قوارير) تحته ماء يجري. كان الزجاج نقياً لدرجة أن بلقيس حسبته ماءً وكشفت عن ساقيها لتخوضه. هذه المعجزة الهندسية كانت رسالة صامتة لها: كما أنك انخدعت بظاهر الصرح وحسبتِه ماءً وهو زجاج، فقد انخدعت بظاهر الشمس وعبدتها وهي مخلوق مسخر. فانتبهت لخطئها وأعلنت إسلامها.