
في تسع آيات فقط، تقدم سورة الهمزة، إحدى سور جزء عمّ، تشخيصاً دقيقاً وتحذيراً شديد اللهجة من مرضين من أخطر الأمراض التي تدمر الأفراد والمجتمعات: الاعتداء على أعراض الناس باللمز والهمز، وعبادة المال والتعلق به تعلقاً ينسي الآخرة.
هذه السورة المكية القصيرة هي بمثابة صفعة لإيقاظ الغافلين، وتذكير بأن كل كلمة وكل فعل له حساب، وأن الكبر والغرور المادي مآلهما إلى خسارة محققة. دعنا نتعمق في معانيها ورسائلها الخالدة.
تبدأ السورة بإعلان حرب ووعيد بالهلاك "ويل"، وهذا وعيد بالعذاب الشديد. لكن لمن هذا الويل؟ إنه موجه لصنفين من الناس متلازمين في سلوكهم:
الهُمَزة (Al-Humazah): هو الشخص الذي يعيب على الناس ويطعن فيهم في غيابهم (الغيبة) أو حتى في حضورهم بقوله. هو الذي يكسر كبرياء الآخرين بلسانه، ويستصغرهم بكلامه، سواء كان ذلك بجدية أو على سبيل المزاح الجارح.
اللُّمَزة (Al-Lumazah): هو الذي يعيب على الناس بفعله وحركاته. قد يكون ذلك بالإشارة، أو بالغمز بالعين، أو بتقليد مشية شخص ما للسخرية منه. إنه يستخدم لغة الجسد لتوصيل الاحتقار والازدراء.
الجمع بين الصفتين يصور شخصية كريهة لا تترك وسيلة للطعن في الآخرين إلا واستخدمتها، سواء باللسان أو بالفعل، مما يوضح مدى حرمة كرامة الإنسان في الإسلام.
بعد تشخيص مرض اللسان، تنتقل الآيات لتكشف عن الدافع النفسي وراء هذا السلوك المتغطرس:
"الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3)"
هنا تصف الآيات شخصاً لم يكن همه من المال الإنفاق أو الاستخلاف فيه، بل كان همه:
هذا التعلق المرضي بالمال أوصله إلى وهم خطير: "يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ"، أي يظن أن ثروته ستمنحه الخلود في الدنيا أو ستحميه من الموت وحساب الآخرة. إنه الجهل المطلق الذي يجعل الإنسان يرى أسباب بقائه في ما هو فانٍ.
يأتي الرد الإلهي قوياً وحاسماً على هذا الوهم: "كَلَّا ۖ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ". "كلا" هي كلمة ردع وزجر، تنسف فكرته بالكامل. ثم يأتي وصف العقوبة التي تليق بجريمته:
سورة الهمزة تذكير موجز وقوي بأن القيمة الحقيقية للإنسان ليست في ماله أو مكانته، بل في نقاء قلبه ولسانه. إنها دعوة لكل مسلم لمراقبة نفسه، وحفظ لسانه، وتصحيح علاقته بالمال، قبل أن يجد نفسه وحيداً أمام حساب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.