
في سورة الذاريات ، يأخذنا القرآن في رحلة من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، مستخدماً حركة الرياح كقسم عظيم على حتمية يوم الدين. إنها سورة اليقين، حيث تعرض لنا نموذجاً للمتقين الذين يستحقون جنات وعيون، وتكشف لنا عن حقيقة مذهلة وهي أن أرزاقنا مقدرة في السماء، ثم تختتم بأقوى قسم في القرآن على أن وعد الله حق كما أن نطقنا حق.
﴿ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ﴾
تبدأ السورة بقسم بأربعة أنواع من الرياح (على أشهر التفاسير) أو الملائكة، تصف حركتها وقوتها وتأثيرها بأمر الله. هذا القسم الديناميكي المليء بالحركة هو تمهيد لجواب القسم، وهو حقيقتان ثابتتان لا تتغيران: أن وعد الله بالبعث والحساب صدق، وأن يوم الجزاء (الدين) سيقع حتماً.
بعد التحذير من يوم الدين، تنتقل السورة مباشرة لترسم لنا صورة مشرقة للفائزين في ذلك اليوم، وهم "المتقون". وتحدد ثلاثة من أبرز أعمالهم التي أوصلتهم إلى الجنات والعيون:
كان نومهم في الليل قليلاً، فقد كانوا يقضون معظمه في الصلاة والمناجاة. إنها عبادة السر التي لا يراها إلا الله.
وفي أفضل أوقات الليل، وقت السحر قبيل الفجر، لا يغترون بعبادتهم، بل يختمونها بالاستغفار، اعترافاً بالتقصير وتواضعاً لله.
ثم يأتي وصف عبادتهم في النهار. لقد أيقنوا أن في أموالهم "حقاً" للفقير، وليس مجرد تفضل منهم. فهم يعطون السائل الذي يسأل، ويبحثون عن المحروم المتعفف الذي لا يسأل الناس ليعطوه.
بعد وصف أهل اليقين، تدعونا السورة إلى أسباب هذا اليقين، وهي آيات الله المبثوثة في الكون: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾. ثم تأتي الآية الصادمة التي تقلب مفاهيمنا المادية:
﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾
إن رزقكم الحقيقي مقدر ومكتوب في السماء، وما الأسباب التي تأخذونها في الأرض إلا وسائل. وكذلك "ما توعدون" من جنة ونار هو أيضاً في السماء. ثم يأتي القسم الإلهي الذي لا مثيل له ليقطع كل شك: ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ﴾. فوعد الله بالرزق والجزاء هو حق يقين، كحقيقة نطقك وكلامك الذي لا تشك فيه.
كتأكيد عملي على أن الدين واقع، وأن المكذبين لهم عذاب، تستعرض السورة بسرعة قصصا ً من التاريخ: قصة ضيوف إبراهيم من الملائكة الذين بشروا إبراهيم بالولد ونزلوا لإهلاك قوم لوط، ثم تشير إلى مصير فرعون وقوم عاد وقوم ثمود وقوم نوح . كل هؤلاء كذبوا، فكانت عاقبتهم الهلاك، تصديقاً لوعد الله ووعيده.
أقسم الله تعالى بالرياح في حالاتها المختلفة ليؤكد على حقيقتين عظيمتين: ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ﴾. أي أن كل ما وعدكم الله به من بعث وحساب وجنة ونار هو حق وصدق، وأن 'الدين' أي الجزاء والحساب سيقع حتماً.
ميزتهم ثلاث صفات تجمع بين عبادة السر والإحسان في العلن: 1. قيام الليل ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾. 2. الاستغفار في وقت السحر ﴿ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾. 3. الإنفاق والاعتراف بحق الفقير في أموالهم ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
هذا من أعظم الأقسام في القرآن. يقسم الله تعالى بذاته العلية بصفته رباً للسماء والأرض، على أن ما وعدكم به من رزق وبعث هو 'حق'. ولكي يقرب لنا درجة هذا اليقين، قال إنه حق مثل حقيقة كونكم تنطقون. وكما أنك لا تشك في أنك تتكلم الآن، فلا ينبغي أن تشك أبداً في أن وعد الله حق.