
تأتي سورة البينة لتقدم حجة منطقية متماسكة، وبياناً شافياً كافياً عن طبيعة الرسالة الخاتمة. إنها سورة "البرهان الواضح"، التي تخبرنا أن مجيء النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم لم يكن حدثاً عادياً، بل كان "البينة" التي انتظرتها البشرية، والتي على أساسها سيتم الفرز النهائي بين فريقين لا ثالث لهما: فريق يُصنّف بأنه "خير البرية"، وفريق آخر يوصم بأنه "شر البرية".
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * ... ﴾
تبدأ السورة بوصف حال أهل الأرض قبل بعثة
: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. "منفكين" أي لم يكونوا ليتركوا ما هم عليه من كفر وضلال وتفرق. فأهل الكتاب (اليهود والنصارى) غيروا وبدلوا في كتبهم واختلفوا، والمشركون عبدوا الأوثان. كان العالم غارقاً في الظلمات، ولن يتركوا هذا الظلام من تلقاء أنفسهم، بل كانوا بحاجة إلى حجة قاطعة وبرهان ساطع يأتيهم من السماء.
تعرف الآيات التالية هذه "البينة" تعريفاً دقيقاً. إنها ليست مجرد كتاب صامت، بل هي برهان مركب من جزأين متكاملين:
الجزء الأول هو شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الإنسان الصادق الأمين، الذي هو برهان في ذاته بسيرته وأخلاقه وكماله البشري.
والجزء الثاني هو ما يتلوه هذا الرسول: القرآن الكريم. وقد وصفه الله بوصفين: أنه "صحف مطهرة" أي منزهة عن كل باطل وشك وتحريف. وأن فيها "كتب قيمة" أي أحكام مستقيمة وعقائد صحيحة تهدي إلى الحق.
بعد مجيء هذه البينة، قد يظن البعض أن الدين الجديد جاء بأوامر معقدة. لكن السورة توضح أن جوهر دعوة كل الأنبياء، بما فيهم محمد ﷺ، بسيط وواضح وفطري:
هذه الآية هي خلاصة الدين كله:
ثم تختم الآية بأن هذا المنهج البسيط هو "دين القيمة"، أي الدين المستقيم الذي لا عوج فيه.
بناءً على الموقف من هذه البينة الواضحة، وهذا الدين القيم، حكم الله على الناس بالفرز النهائي إلى فريقين، وأعطى كل فريق لقباً أبدياً:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾. الذين رفضوا هذا البرهان الواضح بعد أن جاءهم، هم أسوأ ما خلق الله من مخلوقات، ومصيرهم جهنم خالدين فيها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾. والذين قبلوا البينة فآمنوا وأتبعوا إيمانهم بالأعمال الصالحة، هم أفضل ما خلق الله. وجزاؤهم: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وأعلى درجات هذا النعيم هو الرضوان المتبادل بين الله وعباده. ثم تختم السورة بأن هذا الجزاء العظيم هو ﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.
'البينة' هي الحجة الواضحة والبرهان الساطع الذي لا يترك مجالاً للشك. وفي السورة، تمثلت هذه البينة في شيئين متلازمين: الأول هو شخص الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بما أوتي من صدق وأمانة ومعجزات، والثاني هو الرسالة التي يتلوها وهي القرآن الكريم، الموصوف بأنه 'صحف مطهرة' تحتوي على 'كتب قيمة'.
'دين القيمة' هو الدين المستقيم الذي لا عوج فيه. وقد لخصته السورة في ثلاثة أركان أساسية هي جوهر كل الرسالات السماوية: 1. إخلاص العبادة لله وحده (التوحيد). 2. إقامة الصلاة (حق الله). 3. إيتاء الزكاة (حق العباد). فهذه هي أساسيات الدين الحق.
بعد مجيء البينة، انقسم الناس إلى فريقين: 'شر البرية' (أسوأ المخلوقات) وهم الذين كفروا بالرسالة بعد وضوحها، وجزاؤهم نار جهنم خالدين فيها. و'خير البرية' (أفضل المخلوقات) وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وجزاؤهم جنات عدن ورضوان من الله.
إن سورة البينة هي إقامة للحجة على العالمين. رسالتها واضحة: لم يعد هناك عذر لأحد بعد بعثة محمد ﷺ ونزول القرآن. فالحق قد تجلى، والبرهان قد سطع، ومنهج الدين قد بُيّن. ولم يبق للإنسان إلا أن يختار: إما أن يقبل هذه البينة فيكون من "خير البرية"، أو يرفضها فيكون من "شر البرية". والخيار مرهون بمدى الخشية من الله في قلبه.