
سورة البروج من أكثر السور تصويرًا لآلام المؤمنين ومآل الظالمين بأشد الأساليب وقعًا. تبدأ السورة بقسمٍ بالسماء ذات البروج، ثم تنقلنا إلى واحدٍ من أفظع مشاهد الطغيان على الأرض: مشهد أصحاب الأخدود. إنها تسلية لكل مظلومٍ ثابت على الحق، ووعيدٌ مخيف لكل متجبّرٍ يفتن الناس عن دينهم.
في التاريخ (وربما في منطقة اليمن/نجران)، أمرَ ملكٌ ظالم بحفر خنادق طويلة (الأخدود) ثم أُضرمت فيها النيران حتى اشتعلت اشتعالًا. وكان الهدف واحدًا: معاقبة قومٍ آمنوا بالله وحده.
وُضع المؤمنون أمام خيارٍ قاسٍ: "إمّا أن ترجع عن إيمانك، وإمّا أن تُلقى في النار." فثبت الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، ودخلوا النار ولم يتراجعوا عن دينهم. وتصف السورة قسوة الطغاة تصويرًا يهزّ القلب: "كانوا قعودًا على النار يشهدون ما يفعلون بالمؤمنين." إنه مشهد يُظهر كيف يمكن أن تتحجّر القلوب حتى تتلذّذ بالتعذيب.
يلخّص القرآن سبب قتلهم في جملة واحدة:
"وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ."
لم يرتكبوا جرمًا، ولم يعتدوا على أحد، ولم ينشروا فسادًا. ذنبهم الوحيد أنهم قالوا بقلوبهم وأفعالهم: "ربنا الله".
في ختام السورة يعرّف الله بنفسه بأسماء لها دلالات قوية في هذا السياق:
قد يظن الظالم أنه منتصر، لكنه حين يأتي "البطش" الإلهي (الأخذ الشديد) فلن يجد مهربًا. وتذكّر السورة بأممٍ طغت ثم أُخذت أخذًا أليمًا كفرعون وثمود؛ ليعلم كل متجبر أن المُهلة ليست أمانًا.
وهنا موضع التأمل: في لحظة احتراق المؤمنين، يبرز اسم الودود (المحبّ)؛ لأن الله يحب أولياءه، فإذا احترقت الأجساد، بقيت الأرواح في معية المحبة والكرامة. والشهادة لهم ليست نهاية، بل لقاءٌ ورفعة. كما أن اسم الغفور يفتح باب الرجاء: فلو تاب الظالمون توبة صادقة لكان الله غفورًا رحيمًا.
البروج جمع "برج"، ويُراد بها منازل الكواكب والنجوم أو التشكيلات العظيمة في السماء (مثل الكوكبات). وقَسَمُ الله بالسماء ذات البروج يلفت النظر إلى عظمة القدرة الإلهية، وأن طغيان أهل الأرض مهما بدا كبيرًا فهو صغير أمام ملكوت السماء.
نعم، ورد في كتب الحديث (ومنها صحيح مسلم) خبرُ قصة "الغلام والراهب والساحر" بوصفها خلفيةً لما جرى لأصحاب الأخدود: آمن الناس بسبب ثبات الغلام وما ظهر على يديه من دلائل، فاشتد غضب الملك، فأحرق المؤمنين في الأخاديد.