
تبدأ سورة الغاشية بسؤال واحد يهز الكيان: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾؟ إنها لا تتحدث عن حدث عادي، بل عن "حديث"، قصة لها بداية ونهاية وشخصيات ومصائر. والغاشية هي القيامة، التي تغشى الناس بأهوالها. تأخذنا هذه السورة في رحلة بصرية وسمعية وحسية، لتعرض علينا صورتين متقابلتين بوضوح تام: صورة وجوه أهل الشقاء، وصورة وجوه أهل النعيم. ثم تعود بنا إلى عالمنا المشاهد لتقول: إن كنتم تشكون في هذا الحديث، فانظروا حولكم.
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ...﴾
تبدأ السورة بوصف الفريق الأول، وتختار "الوجوه" لأنها مرآة الحالة الداخلية.
وجوه ذليلة منكسرة، ومع ذلك فهي في تعب وجهد وعمل شاق دائم في النار، تجر السلاسل وتصعد وتهبط في جبال النار بلا راحة.
تُقاسي وتُشوى بنار بلغت أقصى درجات الحرارة.
إذا استغاثوا من العطش، يُسقون من نبع ماؤه يغلي وقد بلغ أقصى درجات الحرارة.
طعامهم من "الضريع"، وهو نبت شوكي خبيث الرائحة والطعم، وصفته الآية بأنه ﴿لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾، فهو عذاب فوق عذاب.
في المقابل تماماً، وبأسلوب يعكس النعيم، تنتقل السورة لوصف الفريق الثاني.
وجوه تظهر عليها آثار النعمة والبهجة، وهي راضية تمام الرضا عن سعيها وعملها في الدنيا الذي أوصلها إلى هذا النعيم.
مكانهم في جنة رفيعة المكانة والدرجات، ومن تمام نعيمها أنها خالية من أي كلام باطل أو لغو، فلا يسمعون إلا السلام.
ثم تصف السورة متع الجنة بالتفصيل: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾. كل شيء مُعد وجاهز لراحتهم المطلقة.
﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ...﴾
بعد عرض حديث الآخرة، تعود بنا السورة إلى الدنيا وتطرح سؤالاً بسيطاً وعميقاً: أفلا ينظر هؤلاء المنكرون إلى ما حولهم؟ وتختار أربعة أمثلة من بيئتهم:
فالرسالة واضحة: الذي قدر على هذا الخلق البديع، قادر على خلق الجنة والنار، وقادر على بعثكم من جديد.
تختتم السورة بتحديد مهمة النبي ﷺ وكل داعية من بعده: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾. وظيفتك هي التذكير بهذا الحديث وبدلائل القدرة، أما هداية القلوب أو إجبارهم على الإيمان فليس إليك. ثم يأتي التأكيد الإلهي بأن الحساب والجزاء هما لله وحده: ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾.
'الغاشية' هي اسم من أسماء يوم القيامة. وسميت بذلك لأنها تغشى الناس وتعمهم بأهوالها وشدائدها، فلا يجد أحد منها مهرباً. إنها الكارثة الشاملة التي تغطي كل شيء.
هذا وصف عجيب ومخيف. فمع أنهم في النار، إلا أنهم في عمل وجهد وتعب مستمر (عاملة ناصبة). إنهم يجرون السلاسل ويصعدون ويهبطون في النار، فلا يجدون راحة أبداً. فعذابهم ليس سكونياً، بل هو عذاب مقرون بالتعب والإرهاق الدائم، جزاءً وفاقاً لما كانوا يعملون في الدنيا من أجل الباطل.
خص الله الإبل بالذكر لأنها كانت المخلوق الأعجب والأقرب للعرب الذين نزل فيهم القرآن أولاً. فالجمل آية عجيبة في خلقه: ضخامة حجمه، وقدرته على حمل الأثقال، وصبره على العطش والجوع، وسهولة انقياده. فمن تفكر في خلق هذا الحيوان العجيب الذي يعيش معهم، أدرك بسهولة قدرة الخالق العظيم على ما هو أكبر من ذلك كالبعث.