
في مواجهة السخرية والشكوك التي واجه بها مشركو مكة النبي صلى الله عليه وسلم، نزلت * سورة الحجر* لتقدم الرد القاطع والحاسم. إنها سورة تضع أسساً راسخة لثقة المؤمنين في مصدر دينهم، وتؤكد على أن القرآن العظيم هو "الذكر" الذي تكفل الله بحفظه بنفسه. ثم تأخذنا السورة في رحلة قصصية مؤثرة لإظهار قدرة الله على العذاب لمن استهزأ، ورحمته لمن تاب وآمن.
هذه الآية هي أعظم ضمان وأوضح عهد في القرآن الكريم. لقد جاءت بأقوى صيغ التوكيد: ﴿ إِنَّا نَحْنُ ﴾ (نحن وحدنا) ﴿ لَحَافِظُونَ ﴾ (بلام التوكيد). هذا الضمان يطمئن الأمة بأن كتابها، مصدر تشريعها، باقٍ على أصله، مصون من كل عبث أو تحريف أو تبديل، بخلاف الكتب السابقة التي كُتب على أهلها حفظها فضيعوها.
تستعرض السورة دلائل قدرة الله في الكون كبرهان على صدق القرآن الذي أنزله:
في مقابل هذه العظمة، كان رد فعل المشركين هو السخرية من النبي ﷺ: ﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾. هنا يأمر الله نبيه بالصبر، ويتولى هو الرد عليهم، مؤكداً أنهم هم المفتونون المعذبون.
تنتقل السورة لتثبيت النبي ﷺ من خلال قصص الأنبياء السابقين، لبيان أن رحمة الله وسنته في هلاك المكذبين لا تتغير.
عندما جاءت الملائكة لبشارة إبراهيم بالولد (إسحاق)، دخلوا عليه قائلين: ﴿ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ ﴾. فطمأنوه بالبشارة، ثم أخبروه أنهم مرسلون إلى قوم لوط المجرمين. هذا المشهد يظهر رحمة الله بعباده المؤمنين، وحسن لقاء الملائكة لهم.
تصف السورة وصول الملائكة إلى لوط، وحزنه الشديد. ثم يأتي الحكم الحاسم بهلاك قومه الذين كانوا يعملون الفواحش. ﴿ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ﴾. إنه عبرة لمن تسول له نفسه التطاول على حدود الله.
تختتم السورة بتوجيه خاص للنبي ﷺ، وهو توجيه لكل مؤمن:
الضمان هو ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. وهي شهادة من الله، مؤكدة بأقوى أدوات التوكيد (إنَّ ونحن ولام التوكيد)، على أنه سيتولى بنفسه حفظ القرآن الكريم من أي تحريف أو تبديل أو زيادة أو نقصان. وهذا الضمان هو مصدر ثقة الأمة في سلامة كتابها، بخلاف الكتب السابقة التي وُكل حفظها لأهلها.
المغزى هو إظهار القدرة الإلهية المطلقة. فالله يفتح أبواب السماء للماء كما في قصة قوم نوح، ويفتحها لإرسال ملائكة العذاب كما في قصة قوم لوط. فالسماء التي يراها الإنسان سكناً آمناً هي مصدر لرحمته وعذابه، وهو تعزيز لمكانة العذاب الذي أنكره المكذبون.
وصفت السورة استهزاءهم بقولهم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾. وهذا يظهر شدة عنادهم، حيث يعترفون ضمناً بنزول الذكر (القرآن) عليه، لكنهم يرمونه بالجنون ليتخلصوا من الحجة. وقد أمر الله نبيه أن يصبر على سخريتهم ويستعين بالله.