
إذا كان الإيمان هو أساس بناء الشخصية المسلمة، فإن سورة الحجرات هي المخطط الهندسي لبناء المجتمع المسلم. إنها سورة " الأخلاق " بامتياز، تعالج برفق وحسم الآفات الاجتماعية التي تنخر في جسد الأمة، وتضع لنا دستوراً متكاملاً للعلاقات، بدءاً من علاقتنا مع الله ورسوله، ومروراً بعلاقاتنا كأفراد داخل المجتمع، وانتهاءً بنظرتنا للبشرية جمعاء.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . ..﴾ ﴿... إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ. ..﴾ ﴿... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ...﴾
تبدأ السورة بتأسيس القاعدة الأهم: الأدب المطلق مع مصدر التشريع. ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أي لا تسبقوا الله ورسوله بقول أو فعل أو حكم. ثم تأمر بالأدب في حضرة النبي ﷺ : ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ. ﴾. وهذا الأدب مع النبي في حياته هو رمز للأدب مع سنته وشريعته بعد مماته.
تنتقل السورة لوضع قواعد تضمن سلامة المجتمع من الانهيار:
هذا هو المنهج القرآني في التعامل مع الأخبار والشائعات. الأمر بالتثبت والتحقق من الخبر قبل نشره أو البناء عليه، هو صمام أمان يحمي المجتمع من الفتن والقرارات الخاطئة.
هنا تقرر السورة حقيقة أن رابطة الإيمان هي رابطة أخوة حقيقية. وبناءً على هذه الأخوة، يصبح الإصلاح بين أي مؤمنين متخاصمين واجباً على بقية المجتمع.
تغوص السورة في تفاصيل العلاقات اليومية، وتنهى عن ستة أمراض هي معاول هدم لأي علاقة صحية:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا...﴾
بعد أن نظمت علاقة المؤمنين ببعضهم، تتجه السورة لخطاب البشرية كلها، لتضع الميزان الوحيد للتفاضل. أصلكم واحد، والتنوع في الشعوب والقبائل غايته التعارف والتكامل، لا التناحر والتفاخر. أما الكرم الحقيقي والشرف الأعلى، فله مقياس واحد فقط عند الله: التقوى.
لأنها تحتوي على مجموعة متكاملة من القواعد والآداب الرفيعة التي تنظم علاقة المؤمن بربه، وبرسوله، وبالمجتمع المسلم، وبالبشرية جمعاء. فهي تعالج أمراضاً اجتماعية خطيرة كالسخرية واللمز والغيبة والظن، وتضع أسس مجتمع إسلامي صحي ومتحاب.
استخدم القرآن تشبيهاً منفراً يهز الوجدان، حيث شبه من يغتاب أخاه بمن يأكل لحم أخيه وهو ميت: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. وهذا ليبين بشاعة هذا الفعل وقبحه الشديد في ميزان الله.
الميزان الحقيقي والوحيد للتفاضل عند الله ليس اللون أو العرق أو النسب أو الثروة، بل هو 'التقوى'. وقد قررت السورة هذه القاعدة الخالدة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وهذا هو إعلان الإسلام للمساواة البشرية الحقيقية.