
في تسع آيات فقط، ترسم سورة الهمزة صورة دقيقة لشخصية بغيضة، وتكشف عن مرض قلبي خطير، وتصف علاجاً نارياً مرعباً لهذا المرض. إنها سورة مكية، نزلت لتردع طبقة من المشركين الأغنياء الذين كانوا يستخدمون ألسنتهم وأموالهم كسلاح لمحاربة الحق وأهله. لكن رسالتها خالدة، فهي تعالج أمراضاً موجودة في كل زمان: الاستهزاء بالآخرين، والكبر، والجشع المادي، والوهم بأن المال يمنح الخلود والأمان.
﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا ۖ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾
تبدأ السورة بكلمة "ويل"، وهي كلمة تحمل معنى الهلاك والعذاب الشديد، وقيل إنها اسم وادٍ في جهنم. هذا الويل ليس لشخص معين، بل هو لكل من يتصف بصفتين متلازمتين:
هو الذي يغتاب الناس ويعيبهم في غيابهم بالقول والكلام. إنه الطعان في أعراض الناس وأنسابهم، الذي لا يسلم أحد من لسانه السليط.
هو الذي يعيب الناس في وجوههم، ولكن ليس بالكلام المباشر فقط، بل بالحركة والإشارة. يلمز بعينه، أو يشير بيده، أو يحاكي مشية أحدهم للسخرية منه.
والصيغة "فُعَلَة" (همزة، لمزة) تدل على أن هذا الفعل أصبح عادة متأصلة في شخصيته، فهو دائم الهمز واللمز.
بعد أن وصفت السورة الأعراض (الهمز واللمز)، تنتقل لتشخيص جذر المرض وسببه. فما الذي يدفع الإنسان لهذا السلوك المشين؟
﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾
السبب هو انشغاله بجمع المال وتكديسه. ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ أي أنه يعده مراراً وتكراراً ليتلذذ به، أو يجعله عُدَّة وسنداً له في المستقبل. هذا الانشغال بالمال يورثه مرضين قاتلين:
تأتي كلمة ﴿كَلَّا﴾ لتردعه عن هذا الوهم وتنسفه نسفاً. ثم يأتي الحكم الإلهي القاطع والمؤكد: ﴿لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾. كلمة "لَيُنبَذَنَّ" تحمل معنى الطرح والإلقاء باحتقار وإهانة، كما يُلقى الشيء التافه الذي لا قيمة له. فكما كان يحتقر الناس، سيُحتقر ويُلقى في "الحُطَمَة".
لبيان هول هذا المصير، تأتي الآيات التالية لتصف هذه النار وصفاً فريداً ومرعباً:
إنها ليست ناراً عادية، بل هي "نار الله"، نُسبت إليه لبيان شدتها وهولها. وهي "الموقدة" أي التي لا تخبو ولا تطفأ أبداً.
وهذا هو أشد ما فيها. فنار الدنيا تبدأ من الجلد ثم تصل إلى الداخل. أما هذه النار، فإنها تنفذ من الأجسام لتصل مباشرة إلى القلوب والأفئدة، وهي مركز الكبر والغرور وحب المال، لتحرق أصل الداء الذي كان سبباً في هذا العذاب.
ولكي يكتمل العذاب، فإن هذه النار مغلقة عليهم إغلاقاً محكماً، لا أمل في الخروج منها. وهم موثقون في أعمدة ممتدة، فلا يستطيعون الحركة، مما يزيد في عذابهم ويأسهم.
'الهمزة' هو الذي يعيب ويغتاب الناس في غيابهم بالكلام (الهَمْز). أما 'اللمزة' فهو الذي يعيب الناس في حضورهم بالإشارة أو الحركة (اللَّمْز)، كأن يغمز بعينه أو يشير بيده سخرية. والصيغة 'فُعَلَة' (همزة، لمزة) تدل على أن هذا الفعل أصبح عادة وصفة ملازمة للشخص.
'الحطمة' هي اسم من أسماء نار جهنم، وسميت بذلك لأنها تحطم وتكسر كل ما يُلقى فيها. وقد وصفتها السورة بأنها 'نار الله الموقدة' التي تصل في شدتها إلى قلوب المعذبين وأفئدتهم، وهي مغلقة عليهم لا مخرج منها.
السورة توضح أن حب المال وجمعه يورث الكبر والغرور في النفس. فالشخص الذي يعبد المال يرى نفسه أفضل من الآخرين، ويحتقر من هم دونه في الثروة، وهذا الكبر يدفعه إلى الاستهزاء بهم وهمزهم ولمزهم. كما أنه يظن أن ماله سيحميه من الموت والحساب، وهذا الوهم يجعله يتمادى في غيه وعدوانه.
إن سورة الهمزة تحذرنا من أن الذنوب التي قد نراها صغيرة - ككلمة غيبة أو إشارة سخرية - هي عند الله عظيمة، خاصة إذا نبعت من قلب متكبر ومعجب بنفسه وماله. إنها دعوة لتطهير ألسنتنا من أعراض الناس، وتطهير قلوبنا من عبادة المال والتعلق بالدنيا، وتذكير دائم بأن الأمان الحقيقي ليس في حسابات البنوك، بل في حساب يوم القيامة الذي ينجو فيه من أتى الله بقلب سليم.