
في عالم يضج بالأفكار والفلسفات، وفي زمن كثرت فيه الشبهات حول الذات الإلهية، تأتي سورة الإخلاص كشعاع من نور خالص، ونبع من ماء صافٍ، لتقدم للبشرية أعظم تعريف بأعظم ذات. إنها سورة قصيرة جداً، يمكن قراءتها في ثوانٍ معدودة، ولكنها تحمل من ثقل المعنى ما يجعلها تعدل **ثلث القرآن الكريم** بأكمله. إنها هوية الله التي يعرف بها نفسه لعباده، وهي خلاصة التوحيد الذي هو جوهر رسالات السماء كلها.
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بهذا الفضل العظيم في حوار بديع، حيث قال لهم: "أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟". فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال:
"الله الواحد الصمد ثلث القرآن". (رواه مسلم)
وقد فسر العلماء ذلك بأن علوم القرآن ومقاصده الكبرى ثلاثة: التوحيد (العلم بالله وأسمائه وصفاته)، والأحكام (الأوامر والنواهي والتشريعات)، والقصص (أخبار الرسل والأمم السابقة واليوم الآخر). وقد تضمنت سورة الإخلاص القسم الأول كاملاً وهو "التوحيد" بشكل خالص، فاستحقت بذلك أن تكون معادلة لثلث القرآن.
لم تنزل هذه السورة ابتداءً، بل نزلت كجواب على سؤال. فقد جاء المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: "يا محمد، انسب لنا ربك، صف لنا ربك". فأنزل الله هذه السورة الحاسمة والقاطعة، لتعرف البشرية كلها من هو الإله الحق الذي يجب أن يُعبد. فكانت جواباً من الله عن نفسه، فأي تعريف أصدق وأعظم من تعريف الله لذاته؟
كل آية في هذه السورة القصيرة هي ركن من أركان التوحيد الخالص:
"قل": هو أمر بالبلاغ والصدع بهذه الحقيقة. "هو": إشارة إلى ذات موجودة حقيقية وليس فكرة مجردة. "الله": الاسم العلم للذات الإلهية. "أحد": هذا هو جوهر الآية. وكلمة "أحد" أبلغ من "واحد". فالواحد يمكن أن يكون له ثانٍ وثالث (واحد، اثنان، ثلاثة)، أما "الأحد" فهو الذي لا نظير له ولا مثيل ولا شبيه، وهو المنقطع عن الكثرة، وهو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، لا يتجزأ ولا يتبعض.
هذه الآية تفسر معنى "الأحد". و "الصمد" اسم جامع لكل صفات الكمال. ومن أروع معانيه: هو السيد الذي كمل في سؤدده، وهو الذي تصمد إليه الخلائق كلها (أي تلجأ إليه وتتوجه) في كل حوائجها، وهو الغني بذاته الذي لا يحتاج إلى أحد، بينما كل من سواه محتاج إليه. هو الذي لا جوف له، فلا يأكل ولا يشرب.
هنا يبدأ النفي بعد الإثبات. هذه الآية تنفي عن الله صفة النقص المتمثلة في الأصل والفرع. فهو ليس له والد (لم يولد) لأنه الأول الذي ليس قبله شيء، وليس له ولد (لم يلد) لأنه الغني عن الولد ولأنه لا يوجد شيء من جنسه. وهذا رد مباشر على من نسبوا لله ولداً كالنصارى، أو من نسبوا له والداً كبعض المشركين.
هذه الآية هي النتيجة النهائية وخلاصة الخلاصة. "الكفؤ" هو النظير والمكافئ والمثيل. والآية تنفي أن يكون لله أي مكافئ أو شبيه أو نظير، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. فهو سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
لم يقتصر فضل السورة على عظم أجرها، بل إن حبها من علامات الإيمان الصادق. فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ "قل هو الله أحد". فلما رجعوا، ذكروا ذلك للنبي فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟". فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أخبروه أن الله يحبه".
لأن مقاصد القرآن الكبرى ثلاثة: التوحيد (الكلام عن الله وصفاته)، والأحكام (الأوامر والنواهي)، والقصص (أخبار الأمم السابقة). وسورة الإخلاص قد أخلصت وتخصصت بالكامل في بيان القسم الأول وهو 'التوحيد' ووصف الله بصفات الكمال، فصارت بذلك تعدل ثلث القرآن.
'الصمد' هو اسم جامع لصفات الكمال. من أجمع معانيه: أنه السيد الذي بلغ الكمال في سؤدده وشرفه، والذي تصمد إليه الخلائق كلها (أي تلجأ إليه وتطلبه) في قضاء حوائجها، وهو الكامل في غناه الذي لا يحتاج لأحد.
سبب نزولها أن بعض المشركين وأهل الكتاب سألوا النبي صلى الله عليه وسلم قائلين: 'يا محمد، انسب لنا ربك' أو 'صف لنا ربك، أمن ذهب هو أم من فضة؟'. فأنزل الله هذه السورة كجواب شافٍ وكافٍ يصف فيه ذاته العلية بصفات الوحدانية والكمال المطلق.
إن سورة الإخلاص هي بحق بطاقة التعريف التي يقدمها الله لخلقه. هي الميزان الذي توزن به كل العقائد والأفكار. فكل ما وافقها فهو حق، وكل ما خالفها فهو باطل. إنها أساس الدين الذي بني عليه كل شيء، وفهمها وتدبرها والعيش بمعانيها هو الإخلاص الحقيقي الذي ينجي صاحبه في الدنيا والآخرة.