
سورة الإسراء ، وتسمى أيضاً "سورة بني إسرائيل"، هي واحدة من أعظم السور المكية التي نزلت لتربط بين الأرض والسماء، وبين الماضي والمستقبل. تبدأ بمعجزة خارقة للعادة (الإسراء)، وتنتقل لتشرح سنن الله في قيام وسقوط الحضارات (قصة بني إسرائيل)، ثم تقدم للبشرية "الوصايا العشر القرآنية" أو ما يمكن تسميته بدستور الأخلاق والحضارة. إنها سورة شاملة تعالج العقيدة، والسلوك، والاقتصاد، والاجتماع، والروحانيات.
افتتحت السورة بتنزيه الله (سبحان)، لأن الحدث الذي سيذكر بعدها خارج عن نطاق قدرات البشر. رحلة أرضية في جزء من الليل من مكة إلى القدس. هذا الربط بين المسجد الحرام (مهبط الرسالة الجديدة) والمسجد الأقصى (مهبط رسالات بني إسرائيل) هو إعلان بانتقال قيادة البشرية الروحية إلى الأمة المحمدية. إنه ليس مجرد انتقال مكاني، بل هو انتقال لـ "أمانة الوحي" وميراث النبوة.
تنتقل السورة مباشرة للحديث عن موسى وبني إسرائيل، وتذكرهم بالإفسادين الكبيرين في الأرض. الغاية هنا ليست سرد التاريخ، بل تحذير الأمة الجديدة (المسلمين): إن سنن الله لا تحابي أحداً. إذا أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإذا أسأتم فعليها. الحضارات لا تسقط بالصدفة، بل تسقط عندما تتخلى عن منهج الله وتطغى.
من الآية 23 إلى الآية 39، تقدم السورة منظومة تشريعية وأخلاقية متكاملة، لو طبقها مجتمع لصار المدينة الفاضلة. هذه الوصايا تشمل:
تتعرض السورة لأسئلة المشركين واليهود حول "الروح". فيأتي الجواب الإلهي ليضع حداً للعقل البشري: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. الروح سر استأثر الله به، وعلم الإنسان مهما اتسع فهو "قليل". ثم تعود السورة لتعظيم شأن القرآن، مؤكدة أنه شفاء ورحمة، وأنه معجزة لا يستطيع الإنس والجن مجتمعين أن يأتوا بمثله.
تختتم السورة كما بدأت، بالتعظيم والتسبيح والحمد. ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا. ..﴾. إنها سورة تبدأ بالتسبيح (تنزيه عن النقص) وتنتهي بالحمد (إثبات للكمال)، لترسم دائرة الكمال الإلهي المطلق.
لأن الشيطان يسعى للإفساد في الأرض، والتبذير هو إفساد للمال (الذي هو عصب الحياة) ووضعه في غير محله. فالمبذر يتشبه بالشيطان في الجحود لنعمة الله وسوء استخدامها.
القرآن شفاء نوعين: شفاء للقلوب من أمراض الشبهات (الشك، النفاق) وأمراض الشهوات (الحسد، الكبر). وشفاء للأبدان بالرقية الشرعية والبركة. وكلمة "من" هنا ليست للتبعيض (أي بعض القرآن شفاء) بل هي لبيان الجنس، أي أن القرآن كله شفاء.