
في * سورة الجن *، يفتح الله لنا نافذة على عالم الغيب، ليروي لنا حدثاً مذهلاً لم يشهده بشر، بل شهده "نفر من الجن". إنها سورة توثق لحظة اللقاء الأول بين عالم الجن والقرآن الكريم، وتسجل انبهارهم به، واعترافهم الفوري بصدقه. إنها سورة تصحح الكثير من الخرافات حول قدرات الجن، وتثبت أنهم مثلنا: مكلفون، منهم الصالح والطالح، ولا يملكون ضراً ولا نفعاً، وأن القرآن حجة على الثقلين: الإنس والجن.
﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴾
تبدأ السورة بأمر للنبي ﷺ بأن يعلن للناس ما أوحي إليه: أن مجموعة من الجن استمعوا لتلاوته. وماذا كانت ردة فعلهم؟ لم يعاندوا ولم يكابروا، بل وصفوا القرآن بأنه "عجب" في بلاغته وهدايته، وأعلنوا إيمانهم الفوري به، وقطعوا عهداً على أنفسهم بتوحيد الله: ﴿ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴾. هذا الموقف من الجن هو درس بليغ لمشركي قريش الذين سمعوا نفس القرآن وكفروا به.
أعلن الجن تصحيحهم لمعتقداتهم الفاسدة السابقة، وبرأوا الله من الصاحبة والولد: ﴿ وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا ﴾. واعترفوا أن سفهاءهم (إبليس وأعوانه) كانوا يقولون على الله "شططاً" أي كذباً وزوراً، وأنهم كانوا يظنون ظناً خاطئاً بأن لا أحد يجرؤ على الكذب على الله.
تحدث الجن عن تغير كوني لاحظوه: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ﴾.
كانوا في السابق يسترقون السمع من السماء لمعرفة الغيب، لكن مع بعثة النبي ﷺ، شُددت الحراسة وأصبحت الشهب ترجم كل من يقترب. ﴿ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا ﴾. أدركوا أن أمراً عظيماً يحدث في الأرض (الوحي)، وأن عهد التلاعب بخبر السماء قد انتهى.
صححت السورة خطأً شائعاً عند العرب، وهو الاستعاذة بالجن في الأودية الموحشة خوفاً منهم.
﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾
عندما رأى الجن خوف البشر منهم واستعاذتهم بهم، زادهم ذلك "رهقاً"، أي طغياناً وكبراً وتسلطاً على الإنس، أو زاد الإنس خوفاً وهلعاً. فالخوف من غير الله لا يزيد الإنسان إلا ضعفاً.
تختتم السورة بتوجيه النبي ﷺ لإعلان عبوديته المحضة لله، وتبرؤه من أي قدرة ذاتية على النفع والضر: ﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴾. حتى النبي لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً إلا بإذن الله، ولا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ﴾.
حدث ذلك عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم قائماً يصلي الفجر في وادي نخلة (بين مكة والطائف). مر نفر من الجن، فسمعوا تلاوته للقرآن، فأنصتوا له بذهول، وقالوا: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ﴾. فعادوا إلى قومهم منذرين ومؤمنين، دون أن يشعر بهم النبي ﷺ في تلك اللحظة، حتى أخبره الله بذلك في هذه السورة.
كان العرب في الجاهلية إذا نزلوا وادياً موحشاً خافوا، فيقول أحدهم: 'أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه'. فكانوا يستعيذون بالجن من الجن. فبينت الآية أن هذا الفعل زاد الجن تكبراً وطغياناً (رهقاً)، وزاد الإنس خوفاً وذلاً، بدلاً من أن يحميهم. فالحماية الحقيقية بالله وحده.
قبل بعثة النبي ﷺ، كانت الشياطين تسترق السمع من السماء لتخبر الكهنة ببعض الغيبيات. ولكن بمجرد بعثة النبي ونزول القرآن، حُرست السماء حراسة مشددة بالملائكة والشهب، لمنع الشياطين من استراق السمع، ولحفظ الوحي من أي اختلاط أو تشويش. فاعترف الجن: ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا ﴾.