
في تاريخ الدعوة الإسلامية، برز أعداء كثيرون، لكن قليلاً منهم نال "شرف" الذم باسمه الصريح في القرآن الكريم. سورة المسد هي حالة فريدة، حيث تنزل خمس آيات كالصواعق من فوق سبع سماوات، لتعلن الحرب الإلهية على رجل واحد وامرأته. هذا الرجل لم يكن غريباً، بل كان عم النبي صلى الله عليه وسلم، أبو لهب. إنها سورة تفصل بشكل قاطع بين رابطة الدم ورابطة العقيدة، وتثبت أن لا قرابة ولا مال ولا جاه يشفع لمن يعادي دين الله.
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾
عندما نزل قول الله تعالى ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، صعد النبي صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا ونادى في بطون قريش حتى اجتمعوا. فقال لهم: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟" قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".
فقال له عمه أبو لهب: "تباً لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟" (تباً لك: أي هلاكاً وخسارة لك). فأنزل الله تعالى رداً فورياً وحاسماً، حيث تولى سبحانه الرد على من آذى نبيه.
الآية الأولى تحمل دعاءً وخبراً. ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾: هذا دعاء عليه بالخسران والهلاك، و "اليدان" كناية عن جميع أعماله ومساعيه. ﴿وَتَبَّ﴾: وهذا خبر، أي لقد تحقق عليه هذا الهلاك والخسران فعلاً. فالله يدعو عليه ويخبرنا أن دعوته قد استجيبت. إنها بداية قوية تظهر الغضب الإلهي الشديد.
كان أبو لهب من أغنياء قريش وأشرافها، وكان يظن أن ماله وجاهه سيحميه. فجاءت الآية الثانية لتهدم هذا الوهم: ﴿مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾. أي أن ثروته الطائلة، وكل ما كسبه من أولاد ومكانة، لن يدفع عنه عذاب الله شيئاً. ثم يأتي الحكم النهائي بمصيره: ﴿سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾. وهنا تظهر بلاغة القرآن، فكنيته "أبو لهب" توافق مصيره في نار "ذات لهب".
لم يقتصر الوعيد على أبي لهب، بل شمل زوجته "أم جميل" التي كانت لا تقل عنه عداوة وإيذاءً للنبي:
وُصفت بأنها "حمالة الحطب" لأنها كانت تمشي بالنميمة بين الناس لتؤجج نار الفتنة والعداوة ضد النبي، تماماً كمن يحمل الحطب ليزيد النار اشتعالاً. وقيل أيضاً إنها كانت تحمل الشوك وتضعه في طريق النبي ﷺ ليلاً لتؤذيه.
"الجيد" هو العنق، و"المسد" هو الحبل الخشن المصنوع من ليف النخيل. وهذه صورة لعذابها في النار، حيث تُقاد وتُجر من عنقها بهذا الحبل المهين. وقيل هي صورة لحالها في الدنيا، حيث كانت تحمل حزمة الشوك بحبل من مسد، فكان جزاؤها في الآخرة من جنس عملها في الدنيا.
تعتبر هذه السورة من دلائل نبوة النبي محمد ﷺ. فقد حكمت على أبي لهب وزوجته بأنهما من أهل النار، وهذا يعني بالضرورة أنهما لن يسلما أبداً. وقد عاش أبو لهب بعد نزول هذه السورة حوالي عشر سنوات، وعاش كثير من أعداء الإسلام الأوائل وأسلموا وحسن إسلامهم. أما أبو لهب، فقد ظل على كفره حتى مات، فكانت السورة نبوءة غيبية تحققت بحذافيرها، وشاهدة على أن القرآن من عند الله علام الغيوب.
أبو لهب هو عبد العزى بن عبد المطلب، وهو عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم. نزلت فيه سورة كاملة لأنه كان من أشد أعداء الإسلام وأكثرهم إيذاءً للنبي، رغم قرابته الشديدة منه. فكانت السورة رداً إلهياً مباشراً على عدائه، ولتثبيت مبدأ أن رابطة العقيدة فوق رابطة الدم.
تعتبر معجزة لأنها حكمت على أبي لهب وزوجته بأنهما سيموتان على الكفر وسيدخلان النار. وقد نزلت السورة قبل وفاة أبي لهب بعشر سنوات تقريباً. خلال كل هذه المدة، كان بإمكان أبي لهب أن يعلن إسلامه (ولو ظاهرياً) ليدحض القرآن، ولكنه لم يفعل ومات كافراً كما أخبرت السورة تماماً، مما يثبت أنها وحي من الله الذي يعلم الغيب.
هي زوجة أبي لهب، أروى بنت حرب، وتعرف بـ 'أم جميل'، وهي أخت أبي سفيان. كانت شريكة لزوجها في إيذاء النبي، وعُرفت بأنها كانت تحمل الشوك وتضعه في طريق النبي ليلاً لتؤذيه. كما أنها كانت تمشي بالنميمة وتؤجج العداوة ضده، فكانت كمن يحمل الحطب ليزيد النار اشتعالاً.
تبقى سورة المسد رسالة واضحة لكل من تسول له نفسه أن يعادي دين الله أو يؤذي أولياءه. إنها تؤكد أن الله يدافع عن رسله، وأن نهاية كل طاغية متجبر هي الخسارة والهلاك ﴿تَبَّتْ... وَتَبَّ﴾. كما أنها ترسخ قاعدة إيمانية عظيمة: أن الانتساب للإسلام ليس بالدم والنسب، بل بالقلب والعمل، وأن من اختار الكفر والعداء، فلا قرابة له مع أهل الإيمان، حتى لو كان عم النبي ﷺ.