
تستهل سورة الملك بتعظيم وتمجيد الله الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو على كل شيء قدير. إنها سورة مكية تأخذ القارئ في جولة فكرية وروحية عميقة، ليتأمل في دلائل القدرة الإلهية المبثوثة في الكون، من خلق الموت والحياة، إلى إبداع السماوات والأرض، ومن رزق الطير في السماء إلى ماء الأرض الغائر. تدعو السورة إلى الخشية من الله بالغيب، وتوضح بأسلوب قوي مصير من كفر ومآل من آمن.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾
تبدأ السورة بإعلان الحقيقة الكبرى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾. "تبارك" تعني كثر خيره وعظم شأنه. والملك هنا هو الملك الكامل الشامل الذي لا يشاركه فيه أحد. ثم توضح السورة الحكمة من هذا الخلق العجيب: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، فالدنيا دار امتحان، والغاية هي تقديم أحسن الأعمال، لا أكثرها.
تنتقل السورة لتقديم دليل مادي مشاهد على عظمة الخالق، وهو خلق السماء.
يأمرنا الله بالنظر إلى السماء التي خلقها سبع سماوات متطابقة ومتقنة، ثم يتحدى أي ناظر أن يجد فيها عيباً أو نقصاً: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. وهذا دليل قاطع على أن خالق هذا الكون واحد، كامل في علمه وقدرته.
توضح السورة وظيفتين للنجوم في السماء الدنيا، فهي زينة لها، وهي رجوم للشياطين الذين يحاولون استراق السمع، مما يجمع بين الجمال والحفظ.
بعد عرض دلائل القدرة، تبين السورة عاقبة من يكفر بها. فمن كفر بربه، أُعد له ﴿عَذَابُ السَّعِيرِ﴾. وتصف السورة مشهداً مرعباً لجهنم وهي تكاد تتميز من الغيظ، وحوار خزنتها مع الكفار الذين يعترفون بندم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. إنه اعتراف متأخر بقيمة العقل والسمع اللذين لم يستعملاهما في الدنيا للوصول إلى الحق.
في المقابل مباشرة، يأتي جزاء الذين يخشون ربهم دون أن يروه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. الخشية بالغيب هي أعلى درجات الإيمان، لأنها تعبر عن يقين تام بوجود الله ورقابته، وجزاؤها المغفرة التي تمحو الذنوب، والأجر الكبير الذي يفوق كل تصور.
تستمر السورة في عرض آيات الله لتثبيت الإيمان في القلوب، فتطرح أسئلة تهز الكيان:
كلها أسئلة تقود إلى جواب واحد: لا أحد إلا الله.
ورد في أحاديث نبوية شريفة أن سورة الملك هي 'المانعة' أو 'المنجية' التي تنجي صاحبها من عذاب القبر، وتشفع له حتى يُغفر له. لذلك يُستحب قراءتها كل ليلة.
تتحداهم السورة بشكل مباشر في قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾ أي انظر في السماء مراراً وتكراراً، فلن تجد أي شقوق أو عيوب في خلق الرحمن، مما يثبت كمال قدرته وعلمه.
ذكرت السورة أن الله خلق الموت والحياة ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. فالحياة الدنيا هي دار اختبار وابتلاء، ليظهر من خلالها من هو الأفضل عملاً والأكثر طاعة لله.
تختتم سورة الملك بتوجيه الخطاب إلى النبي ﷺ ليقول للمشركين: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾. فبعد كل هذه الأدلة على ملكه وقدرته ورحمته، لا يكون الإيمان والتوكل إلا عليه وحده. وتترك السورة الكافرين أمام سؤال أخير حول الماء، شريان الحياة، لتؤكد لهم أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، وأن الملك كله بيد الله من البداية إلى النهاية.