
العواطف البشرية جياشة، وحب الأهل والأقارب قد يطغى أحياناً على المبادئ. هنا تأتي سورة الممتحنة لتضبط هذا الميزان الدقيق. نزلت هذه السورة في حادثة "حاطب بن أبي بلتعة" الذي أفشى سر رسول الله ﷺ لقريش بدافع الخوف على أهله، فجاء القرآن ليعاتبه برفق، وليضع قاعدة "الولاء والبراء" بوضوح، مع التفريق الدقيق بين "العداء العقدي" وبين "البر والقسط" الإنساني.
لم يكفر حاطب، ولم ينافق، بل "تأول". خاف على أهله في مكة فأراد أن يتخذ يداً عند قريش. القرآن عالج هذا الخطأ بأسلوب تربوي: ناداه بـ "يا أيها الذين آمنوا" لتذكيره بإيمانه، ثم وصف الكفار بـ "عدوي وعدوكم" لاستثارة حميته. الدرس هنا: حتى الصالحون قد يزلون تحت ضغط العاطفة، والميزان هو التوبة والرجوع.
من أروع ما في السورة أنها تفرق بين "المحاربين" و "المسالمين".
المسالمون: ﴿ لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ... أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. الله يأمر بالبر (قمة الإحسان) والقسط (العدل) مع غير المسلمين المسالمين.
المحاربون: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ... أَن تَوَلَّوْهُمْ﴾. النهي هو عن "الموالاة" والنصرة للأعداء المحاربين.
سميت السورة "الممتحنة" بسبب قوله تعالى: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾. النساء المهاجرات كن يخضعن لاختبار للتأكد من صدق إيمانهن، وأنهن لم يهاجرن لغرض دنيوي (كزواج أو مال). هذا الإجراء الأمني كان ضرورياً لحماية المجتمع الجديد في المدينة من الاختراق.
الأسوة هي في "البراء من الشرك وأهله". قال إبراهيم لقومه وأبيه: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. لكن السورة استثنت استغفار إبراهيم لأبيه، موضحة أنه كان عن موعدة، فلا يقتدى به في الاستغفار للمشركين المصرين على كفرهم.
هي بيعة خاصة على بنود اجتماعية وأخلاقية: ألا يشركن بالله، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان. هذه البيعة تؤكد استقلالية شخصية المرأة في الإسلام، فهي تبايع بنفسها ومسؤولة عن عقيدتها وسلوكها.