
من السور التي تصف نفس الإنسان ولحظة الموت بأكثر الصور حضورًا ووقعًا سورة القيامة. تبدأ من محكمة الضمير داخل الإنسان، وتمتد إلى مشهد الاحتضار بكل ما فيه من رهبة، ثم تختم بسؤالٍ قاطع يهدم الغفلة: " أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ؟"
يقسم الله تعالى بيوم القيامة—وهو الحدث الأعظم—ثم يقسم بعده بالنفس اللوّامة؛ لماذا؟ لأن الضمير الحيّ هو "قيامة صغيرة" داخل الإنسان. إنه ذلك الصوت الداخلي الذي يميّز الخير من الشر، ويوقظ صاحبه بعد الخطأ: "لماذا فعلت؟" وهذا الإحساس بالمحاسبة دليلٌ على أن الحساب الأكبر حق. وإقسام الله بهذه النفس يدل على شرفها وعلوّ منزلتها.
عندما قال المنكرون: "من يحيي العظام وهي رميم؟" جاء الرد القرآني بتحدٍّ بالغ الدقة:
" بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ. "
أي إن الله لا يقدر فقط على جمع العظام، بل على إعادة أدقّ التفاصيل في خلق الإنسان، حتى أطراف الأصابع التي تحمل خصوصياتٍ دقيقة تميّز الأفراد. والمعنى أن الإعادة ليست تقريبًا ولا نسخًا عامًا، بل بعثٌ كامل بهيئته وتفاصيله.
قلب السورة مشهد الاحتضار الذي تصفه الآيات (26-30) وصفًا يهزّ القلب:
ترسم السورة ملامح الإنسان المعاند: "فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ * وَلَٰكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ"؛ يمشي متبخترًا كأن لا حساب.
ثم تردّه السورة إلى أصله: أليس كان نطفة تُمنى؟ ثم علقة، فخلق فسوى، فجعله زوجين ذكرًا وأنثى.
والخاتمة المنطقية: " أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ؟"
نعم، هي علامة حياة القلب؛ فصاحبها يلوم نفسه على التقصير ويعود ويتوب ويحاسب ذاته. وهي مرحلة أرقى من الاسترسال مع الهوى؛ لأنها تعني أن الضمير لم يمت وأن باب الإصلاح ما زال مفتوحًا.
كان النبي ﷺ يحرّك لسانه استعجالًا خشية النسيان، فطمأنه الله في الآيات (16-19): " لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ... إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ " أي حفظه في صدره وتلاوته مضمونة بعناية الله.