
سورة الصف هي سورة "المصداقية" و "الوحدة". تبدأ بزلزال أخلاقي يهز ضمير كل من يدعي ما لا يفعل، ثم ترسم صورة المجتمع المؤمن كبنيان واحد متراص، لا فرجة فيه ولا خلل. إنها السورة التي تبشر بانتصار نور الله رغم كره الكارهين، وتقدم للمؤمنين الصفقة الكبرى: تجارة تنجي من النار وتورث الجنة والنصر.
بدأت السورة بتوبيخ شديد اللهجة. "المقت" هو أشد البغض. والله يبغض أن يكون المؤمن صاحب شعارات جوفاء. هذا التحذير يمس كل جوانب الحياة: الوعود، العهود، والدعاوى العريضة. إنه دعوة لتكون أفعالنا صدىً لأقوالنا، لا نقيضاً لها.
يحب الله المؤمنين عندما يكونون ﴿صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾. التعبير بـ "المرصوص" (من الرصاص) يوحي بالالتصاق، والصلابة، وعدم وجود ثغرات. كل مؤمن هو "لبنة" في هذا الجدار، إذا ضعفت لبنة، ضعف الجدار كله. هذا هو مفهوم العمل الجماعي والوحدة في الإسلام.
يقدم الله عرضاً بصيغة التشويق "هل أدلكم؟". هذه التجارة مضمونة الربح، ورأس مالها: الإيمان والجهاد بالمال والنفس.
الأرباح:
1. مغفرة الذنوب (النجاة من الخسارة).
2. جنات عدن (الربح الأخروي).
3. ﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا﴾: نصر في الدنيا وفتح قريب. الله يخاطب الطبيعة البشرية التي تحب النتيجة العاجلة، فيعدهم بالنصر الدنيوي أيضاً.
بشر عيسى عليه السلام قومه بنبي يأتي من بعده اسمه "أحمد". وأحمد هو أحد أسماء النبي محمد ﷺ، وهو مشتق من الحمد، أي أنه "أحمد الناس لله" وأكثرهم حمداً، ومحمود في السماء والأرض.
هذا تصوير بليغ لضعف محاولات الكفار في محاربة الإسلام. فهم كمن يحاول أن يطفئ نور الشمس بنفخة من فمه! مهما حاولوا التشويه والصد، فإن نور الله قوي وساطع، والله متم نوره ولو كره الكافرون.