
في واحدة من أروع لوحات القرآن الكونية، تفتتح سورة الشمس بأطول سلسلة من الأقسام المتتابعة في كتاب الله. يقسم الخالق تعالى بأعظم مخلوقاته المنظورة: الشمس، القمر، الليل، النهار، السماء، والأرض. كل هذا الحشد الكوني المهيب، وكل هذا القسم العظيم، يأتي تمهيداً لحقيقة واحدة هي جوهر الوجود الإنساني ومحور صراعه الأبدي: *النفس البشرية*. إنها سورة الفطرة، سورة الاختيار، سورة المسؤولية الشخصية عن مصيرك: فإما فلاح بتزكية النفس، وإما خيبة بتدسيتها.
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
يبني الله تعالى المسرح الكوني بأبهى صورة، مقسماً بالآيات المتقابلة التي تدل على كمال قدرته:
يقسم بالشمس ونورها، وبالقمر الذي يتبعها. وبالنهار الذي يكشف الدنيا، وبالليل الذي يغطيها. وبالسماء وبنائها المحكم، وبالأرض وبسطها وتمديدها. هذا الاستعراض المهيب للكون بضوئه وظلامه، وعلوه وسفله، ليس غاية في ذاته، بل هو مقدمة للإقسام بالآية الكونية الأعظم: النفس البشرية.
بعد القسم بالكون، يأتي القسم بالنفس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ أي وبكل نفس بشرية وبالذي سواها فأحسن خلقها في أكمل صورة. ثم يأتي جواب كل هذه الأقسام في آية هي دستور علم النفس القرآني:
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
أي أن الله تعالى، بعد أن سوّى هذه النفس، أودع فيها إلهاماً فطرياً تستطيع به أن تميز بين طريق الشر والفجور، وطريق الخير والتقوى. لم يتركنا الله في حيرة، بل أعطى كل نفس بوصلة داخلية، وجعلها قادرة على فهم الخطأ والصواب.
بناءً على هذا الإلهام الفطري، تأتي نتيجة الاختبار الحتمية. لقد بيّن الله لك الطريقين، وأعطاك القدرة على التمييز، والآن الاختيار لك، والنتيجة واضحة:
"الفلاح" هو الفوز والنجاح الكامل. ويتحقق لمن "زكاها"، أي طهر نفسه ونماها بالإيمان والعمل الصالح، وقاوم فجورها، وعمل بتقواها.
"الخيبة" هي الخسران والفشل الذريع. ويتحقق لمن "دساها"، أي أخفى هذه النفس الطاهرة ودفنها تحت ركام الشهوات والمعاصي والذنوب، حتى أظلمت وأهمل فطرتها النقية.
ولكي لا تبقى هذه القاعدة نظرية، يضرب الله لنا مثالاً عملياً من التاريخ على أمة اختارت طريق الخيبة. إنها قصة ثمود قوم صالح عليه السلام.
الحكمة هي لفت انتباه السامع إلى عظمة الموضوع الذي سيأتي بعد القسم. فالله تعالى يقسم بأعظم مظاهر كونه وآياته المتقابلة (الشمس والقمر، الليل والنهار) ليؤكد على أن القضية التالية - وهي قضية النفس البشرية وفلاحها أو خيبتها - هي قضية محورية وعظيمة بنفس قدر عظمة هذه المخلوقات.
'تزكية النفس' (من زكاها) تعني تطهيرها وتنميتها بالخير، وذلك بفعل الطاعات والإيمان والتحلي بالأخلاق الحميدة. أما 'تدسية النفس' (من دساها) فتعني إخفاءها ودفنها وقمعها بالشرور والمعاصي والشهوات، حتى تُطمس فطرتها النقية.
ذكرت قصة ثمود كمثال تاريخي واقعي على 'تدسية النفس'. لقد اختار قوم ثمود، وعلى رأسهم أشقاهم، طريق الطغيان وتكذيب رسولهم، فكانت جريمتهم بقتل ناقة الله هي التعبير العملي عن النفس المدساة بالشر. فكانت نهايتهم الهلاك الشامل، لتكون قصتهم عبرة لمن يختار طريق الخيبة بدلاً من طريق الفلاح.