
تأتي سورة الطور كإنذار قوي وحاسم، تبدأ بسلسلة من الأقسام المهيبة بأمور من عالم الغيب والشهادة، لتؤكد على حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: عذاب الله واقع لا محالة. ثم تنتقل السورة لتصف أهوال هذا اليوم، وتواجه المكذبين بسلسلة من الأسئلة المنطقية التي تحطم كل حججهم الواهية، وفي المقابل، ترسم لنا لوحة من أروع وأكثر لوحات النعيم تفصيلاً للمتقين في جنات النعيم.
﴿ وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ ﴾
يقسم الله تعالى بخمسة أمور عظيمة ليشهدها على الحقيقة التي سيقررها. هذا القسم العظيم يدل على عظمة المقسم به:
يقسم الله بجبل الطور المقدس، وبالكتب السماوية المسطورة، وبالبيت المعمور في السماء الذي تطوف به الملائكة، وبالسماء المرفوعة، وبالبحر المشتعل يوم القيامة . كل هذه الآيات العظيمة تشهد على أن جواب القسم حق ويقين: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ ﴾.
تصف السورة حال الكون في ذلك اليوم المرعب: ﴿ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ﴾ أي تضطرب وتدور. ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ أي تزول من أماكنها وتتفتت. وفي هذا اليوم، يكون الويل والعذاب للمكذبين الذين كانوا في الدنيا يخوضون ويلعبون، ويوم القيامة يُدفعون إلى نار جهنم دفعاً عنيفاً.
تواجه السورة المكذبين بسلسلة من التحديات و الأسئلة المنطقية التي تكشف خواء حجتهم:
﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ...﴾
إنها أسئلة تعجيزية تهدم أساس الكفر: هل خُلقتم من العدم؟ هل أنتم خلقتم أنفسكم؟ هل خلقتم السماوات والأرض؟ هل عندكم خزائن ربك؟ هل تسيطرون على الكون؟ إنهم لا يملكون جواباً، فمشكلتهم ليست في غياب الدليل، بل في غياب اليقين.
في مقابل وعيد المكذبين، يأتي الوصف المطول والمبهج لنعيم المتقين، ليكون حافزاً للمؤمنين:
أقسم الله بخمسة أمور عظيمة: 1. الطور: وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى. 2. وكتاب مسطور: وهو القرآن أو الكتب السماوية. 3. والبيت المعمور: وهو بيت في السماء السابعة فوق الكعبة تماماً، تطوف به الملائكة. 4. والسقف المرفوع: وهو السماء. 5. والبحر المسجور: وهو البحر المشتعل يوم القيامة.
الحقيقة هي ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ ﴾. أي أن عذاب الله للمكذبين سيقع حتماً ويقيناً، وليس هناك أي قوة في الكون تستطيع أن تدفعه أو تمنعه إذا جاء أمره.
وعد الله المؤمنين بنعيم عظيم، ومن أخصه وأجمله هو جمع شملهم بذرياتهم المؤمنة في الجنة، حيث يرفع درجة الأبناء ليلحقوا بآبائهم في منزلتهم تكريماً للآباء، دون أن ينقص من أجر الآباء شيء. وهذا من تمام النعيم والفرح.