
تأتي سورة الواقعة بقوة وجلال، لترسم مشهداً كاملاً ليوم القيامة الذي سمّته "الواقعة"، تأكيداً على أنه حقيقة آتية لا محالة، ليس لوقوعها كاذبة. هذه السورة المكية تهز الوجدان وتوقظ القلوب الغافلة، لا بعرض أهوال القيامة فحسب، بل بتقسيم البشرية كلها في ذلك اليوم إلى ثلاثة أصناف محددة، وتفصيل مصير كل صنف بأسلوب يجمع بين الترغيب والترهيب، ثم تختم بأدلة قاطعة على قدرة الله على البعث.
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾
تبدأ السورة بإعلان وقوع "الواقعة"، وهو اسم مهيب ليوم القيامة. ومن آثارها أنها ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾، أي أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا أعزاء بكفرهم وتكبرهم، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا متواضعين بإيمانهم وطاعتهم. إنها يوم انقلاب الموازين، حيث تكون القيمة الحقيقية بالتقوى لا بالمال أو الجاه. ويصاحبها اهتزاز الأرض وتفتت الجبال حتى تصير هباءً منثوراً.
في ذلك اليوم، ينقسم الناس إلى ثلاثة أصناف لا رابع لهم: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾. هذا التقسيم هو محور السورة، حيث تفصّل حال كل فريق.
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾. هؤلاء هم صفوة الخلق، الذين سبقوا غيرهم إلى الإيمان والعمل الصالح. جزاؤهم أن يكونوا "مقربين" من الله في أعلى درجات الجنان.
﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾. أسلوب تفخيم وتعظيم لشأنهم. وهم عامة أهل الإيمان، الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم.
﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾. أسلوب تهويل وتحقير لحالهم. وهم أهل الكفر والنفاق، الذين يأخذون كتبهم بشمائلهم.
بعد هذا العرض المفصل، تقيم السورة الحجة على منكري البعث بأربعة أدلة من صميم حياتهم لا يستطيعون إنكارها:
﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾ - ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ - ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ - ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾
فالله الذي خلقهم من نطفة، ويخرج الزرع من الأرض، وينزل الماء من السحاب، ويخلق الشجر الذي توقد منه النار، أيعجزه أن يعيدهم مرة أخرى؟ الجواب البديهي: كلا.
سميت 'الواقعة' لأنها تتحدث عن يوم القيامة، وهو حدث عظيم سيقع حتماً ويقيناً، لا شك فيه ولا مفر منه. والاسم نفسه يحمل قوة وتأكيداً على حتمية هذا اليوم.
الأصناف الثلاثة هم: 1- السابقون المقربون: وهم أعلى أهل الجنة منزلة. 2- أصحاب الميمنة: وهم أهل الجنة من عامة المؤمنين. 3- أصحاب المشأمة: وهم أهل النار والعياذ بالله.
قدمت السورة أدلة من واقع حياة الإنسان: خلق الإنسان من نطفة، وإنبات الزرع من الأرض، وإنزال الماء من السحاب، وإيقاد النار من الشجر. فمن قدر على هذا الخلق والإنشاء أول مرة، فهو قادر على الإعادة من جديد.
تختتم سورة الواقعة بالتأكيد على أن هذا القرآن منزل من رب العالمين، وأنه ﴿لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾. فبعد هذه المشاهد الحية، والأدلة القاطعة، لا يبقى لعاقل إلا أن يسلّم ويؤمن، وأن يسبّح باسم ربه العظيم: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. إنها دعوة للتسبيح والتنزيه بعد رحلة إيمانية يقينية في أهوال وأحوال "الواقعة".