
إذا أردت أن تتفكر في عظمة الله، فانظر إلى النحل. هذه هي الرسالة التي تحملها * سورة النحل *، وهي سورة تستحق لقب "سورة النعم" بامتياز. إنها لا تكتفي بذكر نعم الله علينا، بل تدعونا إلى رحلة تفكر منظمة، تبدأ من أصل خلقنا الضعيف، وتمر بكل المخلوقات والأنظمة التي سخّرها الله لخدمتنا (الأنعام، الماء، الأرض، النباتات)، وتنتهي بالمعجزة المذهلة لهذا المخلوق الصغير الذي يحمل دواءً للبشرية.
﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
تبدأ السورة بتذكير الإنسان بأصله الضعيف: ﴿ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾. فمن خلقك من قطرة ماء ضعيفة، وأحياك، وأعطاك الجدل والقوة، هو المستحق للشكر. ثم تنتقل السورة مباشرة لتقيم الدليل على التوحيد، بأن كل النعم التي تحيط بك هي من هذا الخالق الأوحد.
تستعرض السورة النعم التي سخرها الله للإنسان في عالم الحيوان، مقسمة إياها إلى منافع أساسية:
تنتقل الآيات لتصف كيف سخر الله نظام الكون لخدمة الإنسان، من خلال:
كل هذا التنوع والتقدير الدقيق هو دليل على أن المنعم هو الخالق المدبر الذي يجب أن يُعبد وحده.
في ختام عرض النعم، تأتي الآيات لتتحدث عن آية النحل بشكل مفصل، لتعرض معجزة العناية الإلهية في مخلوق صغير:
يستخدم القرآن كلمة "أوحى" مع النحل، للدلالة على أن هذا النظام الدقيق في البناء والعمل هو إلهام من الله. ثم يأمرها: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ﴾. ثم يأتي الناتج: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ﴾.
العسل هو الشفاء والبركة، وهو آية على أن الرزق العظيم قد يأتيك من أضعف المخلوقات، وكل ذلك بأمر وتقدير إلهي دقيق.
تختتم السورة بتوبيخ لمن يعبد غير الله، وبدعوة صريحة للتوحيد والشكر. وتلخص السورة رسالتها: أيليق بكم، بعد رؤية كل هذه الآيات في خلقكم، وفي الأنعام، وفي الثمار، وفي النحل، أن تجعلوا لله أنداداً؟ إنما يجب أن يكون التسليم والإحسان والشكر كله للذي أنعم عليكم بكل هذا.
سميت بذلك لأنها خصصت جزءاً للحديث عن النحل ومعجزته، وهي من أوضح دلائل قدرة الله وعنايته بعباده. فقصة النحل وما فيه من شفاء هي واحدة من النعم التي تدعو السورة إلى التفكر فيها والاعتبار بها.
الأنعام (كالإبل والبقر والغنم) هي مصدر نعم ثلاث رئيسية: 1. الدفء (من أصوافها وأوبارها). 2. المنافع (من ألبانها ومنتجاتها الجلدية). 3. الأكل (من لحومها). وقد ذكر الله هذه النعم ليحث الإنسان على الشكر والتوحيد.
تكمن الإشارة المعجزة في أن الله أوحى للنحل أن ' تسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا '، أي طُرقاً سهلة ميسرة. وقد أثبت العلم الحديث أن النحلة تعتمد على نظام رقص دقيق لتوجيه بقية النحل إلى مصدر الرحيق، وهي طرق ومنهج ميسر أودعه الله في طبيعتها.